المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بدر شاكر السياب تحليل وشرح


hussain1
22-06-2010, 10:42 PM
أنشودة المطر
لبدر شاكر السياب

التعريف بالشاعر :
بدر شاكر السياب شاعر عربي عراقي ولد1929م بقرية ( جيكور) بالبصرة ، كانت طفولته سعيدة يحب مراقبة السفن والمراكب وقد تركت حكايات جدته انطباعات عميقة الأثر في نفسه جسدها شعرا فيما بعد ، أتم تعليمه الثانوي فيها ثم التحق بدار المعلمين ببغداد وتخصص في اللغة العربية والإنجليزية وزادت شهرته من خلال المجالس الأدبية عمل معلما كما عمل في الاستيراد والتصدير بميناء البصرة ، وخسر في الجميع لمواقفه السياسية فقد كانت الحركات اليسارية العربية في العراق مشتعلة وقد انضم السياب إلى الموجة الشيوعية والتي انعكست على شعره فاتسم بالبعد عن مقتضى الإيمان ثم حدثت بعض المفارقات التي أبعدته عن الفكر الشيوعي فقد كان طريدا من قبل الحكومة مما دفعه للجوء إلى إيران . أصيب السياب بداء عضال أقعده فكان الجسر الذي عبر من خلاله إلى التوبة وتفجرت من خلاله المعاني الإيمانية ، يعد من رواد شعر التفعيلة ، وقد تأثر السياب بالأدب العربي و الأوروبي والإنجليزي والصيني مما كان عاملا لنزوعه إلى الأسطورة والرمز ، له عدة دواوين منها : أزهار ذابلة وأساطير وأنشودة المطر وقد جمعت في مجلدين .
مناسبة القصيدة
اتخذ بدر شاكر السياب من المطر رمزا واسعا قادرا على حمل هواجس النفس الإنسانية . فيتخذ الشاعر من موطنه العراق حبيبة يتغنى بها ويتمنى أن يعم وطنه الخير والخصب والنماء منطلقا من همه الفردي الخاص إلى عرض بعض الهموم الاجتماعية مثل : الفقر والجوع على الرغم من وجود الخير الكثير في بلده .
1- ذكريات الشاعر الجميلة :

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر
يرجُّهُ المجدافُ وَهْناً ساعةَ السحر...
كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء
دفءُ الشتاءِ فيه وارتعاشةُ الخريف
والموتُ والميلادُ والظلامُ والضياء
فتستفيقُ ملء روحي، رعشةُ البكاء
ونشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء
كنشوةِ الطفلِ إذا خاف من القمر
كأنَّ أقواسَ السحابِ تشربُ الغيوم..
وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر...
وكركرَ الأطفالُ في عرائش الكروم
ودغدغت صمتَ العصافيرِ على الشجر
أنشودةُ المطر
مطر
مطر
مطر

المفردات :
السحر : قبل الصبح (ج) أسحار ، ينأى : يبتعد ، تورق : تكثر أوراقها " دلالة على الإزهار والإثمار" ، الكروم : شجر العنب ، يرجه : يهزه بشدة ويحركه ، المجداف : خشبة يحرك بها القارب (ج) مجاديف ، وهناً : نصف الليل ووَهِنَ بمعنى أصابه الوجع ويقال "دخل في الوهن من الليل " ، تنبض : تحرك الشيء في مكانه ، غور : القعر والعمق (ج) غيران وأغوار ، تغرقان : يغلب عليها الماء حتى يهلكها ، الضباب : سحاب يغشى الأرض كالدخان ، أسى : حزن ، شفيف : شديد ، سرَّح : أرسل ، ارتعش : ارتجف واضطرب ، تستفيق : أفاق فلان أي عاد إلى طبيعته من غشية لحقته ، ملء : قدر ما يأخذه الإناء ، رعشة : رجفة ، نشوة : أول السكر والارتياح للأمر والنشاط له والمراد بها الرغبة ، وحشية : عارمة لا يسيطر عليها ، تعانق : تحتضن حباً ، أقواس : مفردها قوس وهو جزء من محيط الدائرة ، الغيوم : السحب مفردها غيمة ، تذوب : تسيل ، كركر : ضحك بشدة ، عرائش : مفردها عريشة وهو ما يستظل به ، دغدغ : غمزة تسبب انفعالا ، أنشودة : الشعر المتناشد بين القوم (ج) أناشيد .

الشرح
يتخيل الشاعر العراق حبيبة له ويتذكر من خلالها ذكرياته الجميلة بها فيتذكر غابات النخيل الشامخة في أواخر الليل بهدوئها وسكونها ، فعندما يعم السلام والسعادة في العراق تتحرك كل مباهج الكون وتعزف أنشودة الحياة التي يراها في شجر الكروم الذي كثرت أوراقه وكذلك في الأضواء المنبعثة من القمر التي تتراقص وتتلألأ على سطح الماء عندما يتحرك المجداف بضعف قبيل الصباح . يتذكر الشاعر لمعان النجوم الخافت الذي يكاد يختفي في الضباب الشديد مما يسود البلاد من حزن شديد للأوضاع العامة فيعم الظلام على البحر والبر وبدأ الشاعر يستشعر بالعراق فشعر بدفء شتاء الوطن ورعشة الخريف فيه فتدور بداخله ملحمة عظيمة يروى من خلالها قصة الحياة بين الموت والميلاد ، بين النور والظلام ، مما أفاق بداخله الشعور الجارف بالبكاء على هذا الوطن فيشعر بالرغبة الشديدة للتحرر والارتباط بعالم السماء الرحب فيرى بصيص من الأمل المتمثل في المستقبل والطفل ، ويعود مرة أخرى فيتذكر طفولته في العراق وقد امتلأ الجو فيها بالسحب الماطرة التي بدأت تقضي على الغيوم فيسقط المطر قطرة قطرة وقد تهلل الأطفال فرحين في عرائش العنب وبدا المطر محركاً لصوت العصافير على الشجر يعزف أنشودة الحرية والخصب والنماء " مطر... مطر.... مطر " .
مواطن الجمال :
· عيناك غابتا نخيل ساعة السحر : شبه عينا الحبيبة بغابتا النخيل وقت السحر للدلالة على الهدوء والسكون .
· أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر: شبه عينا الحبيبة بالشرفتين اللتين بعد عنهما القمر للدلالة على الأمل في التحرر من الليل .
· يلاحظ استخدام الشاعر للجمل الاسمية مما يوحي بالسكون والهدوء ويبدأ يعقبها بالجمل الفعلية التي تسبب الحركة وبدء الحياة وتجددها مثل : " تورق الكروم ، ترقص الأضواء ، يرجه المجداف ، تنبض في غوريهما .........."
· استخدام الشاعر للأفعال المضارعة للدلالة على الاستمرارية والدوام
· عيناك حين تبسمان : تراسل حواس حيث أعطى وظيفة الفم للعين .
· استعارة مكنية شبه العين بالإنسان الذي يبتسم .
· ترقص الأضواء : استعار مكنية شبه الأضواء بإنسان يرقص .
· ترقص الأضواء كالأقمار في نهر : شبه رقص الأضواء باهتزاز القمر في النهر عندما يتحرك المجداف فوق الماء .
· كأنما تنبض في غوريهما النجوم : استعارة مكنية شبه النجوم بالقلب الذي ينبض .
· وتغرقان في ضباب من أسى شفيف : استعارة تمثيلية شبه النجوم التي تختنق بالضباب بالإنسان الذي يغرق في الحزن الشديد .
· كالبحر سرح اليدين فوقه المساء: استعارة مكنية شبه المساء بالإنسان الذي أرسل يده فوق البحر.
· الموت والميلاد ، الظلام والضياء : طباق يوضح المعنى ويبرزه .
· ونشوة وحشية تعانق السماء: وصف النشوة بالوحشية دلالة على عدم قدرته على السيطرة عليها
· وفيها استعارة مكنية شبه النشوة بالحيوان المفترس ، وشبه السماء بالإنسان الذي يعانق ، وشبه النشوة بالإنسان الذي يعانق .
· ونشوة وحشية كنشوة الطفل إذا خاف من القمر : شبه النشوة الوحشية بنشوة الطفل عند خوفه من القمر .
· وهنا إشارة لأسطورة خسوف القمر والخوف الذي يدفع الأطفال للغناء والإنشاد.
· والطفل هنا يرمز إلى المستقبل الذي يبشر بالأمل .
· كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم: استعارة مكنية شبه السحاب بالإنسان الذي يشرب الغيم.
· وقطرة فقطرة تذوب في المطر : تقديم ما حقه التأخير
· وكركر الأطفال في عرائش الكروم : كناية عن السعادة التي يحملها المستقبل و تجدد الحياة وولادة العالم الفتي الذي بدأ يلوح في الأفق .
· ودغدغت صمتَ العصافير على الشجر: كناية على الحرية والانطلاق
· تكرار كلمة مطر يدل على حرص الشاعر على إظهار أثر المطر في الخصب والنماء.
- المناحي التي تبعث السرور والحزن في نفس الشاعر :

تثاءبَ المساءُ والغيومُ ما تزال
تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال:
كأنّ طفلاً باتَ يهذي قبلَ أنْ ينام
بأنّ أمّه - التي أفاقَ منذ عام
فلم يجدْها، ثم حين لجَّ في السؤال
قالوا له: "بعد غدٍ تعود ..."
لا بدّ أنْ تعود
وإنْ تهامسَ الرِّفاقُ أنّها هناك
في جانبِ التلِ تنامُ نومةَ اللحود،
تسفُّ من ترابها وتشربُ المطر
كأنّ صياداً حزيناً يجمعُ الشباك
ويلعنُ المياهَ والقدر
وينثرُ الغناء حيث يأفلُ القمر
مطر، مطر، المطر

أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع
كالحبّ كالأطفالِ ، كالموتى –
هو المطر
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
سواحلَ العراقِ بالنجومِ والمحار،
كأنها تهمُّ بالشروق
فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار
أصيحُ بالخيلج: "يا خليج
يا واهبَ اللؤلؤ والمحارِ والردى"
فيرجع الصدى
كأنّهُ النشيج:
"يا خليج: يا واهب المحار والردى"
المفردات :
تثاءب : تصنّع الثوباء ، الثوباء حركة للفم لا إرادية من هجوم النوم أو الكسل ، تسح : تنزل وتنصب ، الثقال : الشيء الكريه للنفس ، يهذي : تكلم بغير معقول لمرض ، أفاق : تنبه ، لج : ألح ولزم الشيء ولم ينصرف عنه ، تهامس : تكلم بصوت منخفض ، التل : ما علا من الأرض (ج) تلال ، اللحود : مفردها لحد وهو القبر ، تسف : تأكل ، يلعن : يسب ، القدر : قضاء الله ، ينثر : ينشر ، يأفل : يغيب ، تنشج : ونَشَجَ الباكي يَنْشِج نَشْجاً ونَشيجاً، إذا غَصَّ بالبكاء في حلقه من غير انتحاب ، المزاريب : مفردها مزراب وهي مجاري للماء ، انهمر : سال بشدة ، الضياع : الفقد والهلاك ، المراق : المسال ، مقلتاك : عيناك ، تطيفان : تأتيان كالخيال ، المحار : حيوان بحري ينتج اللؤلؤ ، تهم : تشرع ، دثار : ما يتدثر به ( يتغطى به) الإنسان من كساء أو غيره ، واهب : معطي ، الردى : الموت والهلاك ، الصدى : رجع الصوت .

الشرح :
يستمر الشاعر في تداعي الذكريات التي تربطه بالوطن في تعبيرات رمزية رائعة ، فيرى دخول الليل وما زالت الغيوم تنزل المطر الذي أثقل كاهلها فيرى أبناء العراق الذين استفاقوا من غفوتهم للتحرر يحملون معهم الأمل الذي سيتحقق طالما أصروا عليه وقد أخذ بعض الرفاق البعيدين عن الوطن يتكلمون همسا أن العراق ما زالت في رقادها وذلها وهوانها فالشعب يعاني فيها في يأس وحزن ينعى حظه وقدره يحاول أن يتغلب على قهره بالغناء عندما يغيب القمر منشدا " مطر... مطر .."
ثم يوضح الشاعر أن المطر يبعث الحزن في نفسه ، فعندما ينهمر المطر ويسمع صوت وقع الماء من المزاريب وكأنه بكاء عنيف يشعر الإنسان الوحيد بالضياع والهلاك ولا ينتهي هذا الشعور كالشعور الناجم من رؤية الدم المسال والناس الجوعى أو الشعور بالحب المتجدد والحنين للوطن والشعور النابع من رؤية طفل أو ميت ، فالمطر يطلق هذا الشعور باستمرارية .
تمر علي هذه الأطياف أطياف الوطن مع هطول المطر فأقف أتأمل أمواج الخليج التي تحمل معها الأمل من جديد وقد رأيت الأحرار الذين يعدون أنفسهم لتخليص العراق من الظلم واسترداد ثرواتها المسلوبة وكأنهم سيشرقون بعراق جديد ولكن هذه المحاولات انتهت بالفشل وسالت دماء هؤلاء الأحرار ومن بقى منهم لاجئا بعيدا عن وطنه ليس له إلا أن ينادي على الخليج الذي يهب الخير والعطاء وكذلك الهلاك لصعوبة الحصول على خيراته ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتفشل هذه الحركات التحررية .

مواطن الجمال :
· تثاءب المساء : استعارة مكنية شبه المساء إنسانا يتثاءب
· الغيوم ما تزال تسح ما تسح من دموعها الثقال : استعارة مكنية شبه الغيوم بالمرأة التي تبكي بشدة .
· دموعها الثقال : كناية عن شدة ما يعانيه الوطن من ظلم وقهر .
· كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام : : يربط الشاعر صورة الغيوم التي تذرف الدمع بصورة الطفل الذي فقد أمه ويبكي سألا عنها
· يستخدم الشاعر الطفل رمزا للمستقبل الذي يحمل الأمل في الحرية
· ويستخدم الشاعر الأم رمزا للوطن المستعمر .
· حين لج في السؤال
قالوا له بعد غد تعود
لا بد أن تعود : نلمح إصرار الشاعر وتحدي المناضل الطريد على تحرير الوطن وعودة العراق حرة كما كان.
· وإن تهامس الرفاق : الهمس هنا يدل على مدي الخوف والقلق الذي يملأ النفوس .
· تنام نومة اللحود : كناية عن الموت والخراب الذي حل بالوطن.
· تسف من ترابها وتشرب المطر: كناية عن الذل الذي تعيش فيه العراق.
· كأن صيادا حزينا يجمع الشباك
ويلعن المياه والقدر
وينثر الغناء حيث يأفل القمر : ربط الشاعر حال العراق بحال الصياد الذي نصب شباكه للصيد وأتى المطر وخرب عليه الصيد فأخذ يجمع شباكه لاعناً القدر الذي لم يمكنه من صيده .
· فالصياد رمز للشعب اليائس الحزين الذي يصارع الحياة .
· وينثر الغناء حيث يأفل القمر : كناية عن الألم الذي يعانيه الشعب في وجود الظلم والاحتلال .
· تكرار كلمة " مطر " يدل على الثورة العارمة والصراع .
· أتعلمين أي حزن يبعث المطر ؟ وكيف تنشج المزا ريب إذا انهمر؟ وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع ؟
أساليب إنشائية استفهام غرضها التقرير .
· كالدم المراق .. كالجياع.. كالحب .. كالأطفال .. كالموتى : كلمات تحمل ترسبات الماضي في نفس الشاعر مما يوحي بالمفارقات الكامنة بنفسه .
· تمسح البروق سواحل العراق : استعارة مكنية شبه البروق بالإنسان الثائر ضد الظلم .
· النجوم والمحار : كناية عن الثروات الموجودة بالعراق .
· كأنها تهم بالشروق : كناية عن الأمل في زوال المستعمر .
· فيسحب الليل عليها من دم دثار : شبه الليل بالإنسان الذي يغطي ، والدم بالغطاء ، دلالة على العنف المتواجد في العراق .
· يا خليج ، يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى : أسلوب نداء يدل على بعد الشاعر وغربيه عن الوطن
· اللؤلؤ والمحار والردى : اللؤلؤ والمحار كناية عن مهنة الغوص والتي ارتبطت بالموت للدلالة على صعوبة العيش في العراق
· كأنه النشيج : كناية عن الألم الذي يعتصر العراق من المستعمر.
· عودة الصدى " يا واهب المحار والردى " تحمل دلالة ضياع خيرات العراق وثرواته .

لهم الذي يؤرق السياب :

أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود
ويخزنُ البروقَ في السهولِ والجبال
حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال
لم تترك الرياحُ من ثمود
في الوادِ من أثر
أكادُ أسمعُ النخيلَ يشربُ المطر
وأسمعُ القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيفِ وبالقلوع
عواصفَ الخليجِ والرعود، منشدين
مطر.. مطر .. مطر


المفردات :
يذخر : خبأ لوقت الحاجة ، الرعود : صوت السحاب المصطدم المحمل بالمطر ، البروق : مفردها برق وهوا للمعان الناتج من اصطدام السحب ببعضها ، فضّ : فض الشيء فرقه ، ختمها : ختم النحل أي ملأ خليته عسلا ، واختم الشيء أي أتمه ، ثمود : إشارة إلى قوم ثمود الذين أخذهم الله بالصيحة والرجفة والزلزلة ، تئن : تتألم ، المهاجرين : المستعمرين ، يصارعون : يقاتلون ، المجاذيف : مفردها مجذاف وهو ما تتحرك به السفينة ، القلوع : مفردها قلع وهو الشراع ، عواصف : مفردها عاصفة وهي الريح الشديدة .

الشرح
في هذا المقطع يوضح السياب الهم الذي سبب له الأرق وهو المستعمر الذي غزا بلاده فنجده يعايش الموقف بالعراق فالثورة قائمة والعراقيون يستعدون للقاء المستعمر وحربه ولكن تفرقوا وتشتت أمرهم فلم يبق إلا صوت المطر الذي يضفي الحزن في النفس وكذلك القرى التي لحقها الدمار من جراء الصراع الذي دار بينهم وبين المستعمر لاقتلاع خيرات الخليج .

مواطن الجمال
· اسمع العراق : شخص الشاعر العراق بالإنسان الذي يتكلم .
· يذخر الرعود ، يخزن البروق : أساليب خبرية تدل على الثورة الموجودة داخل العراق .
· لم تترك الرياح من ثمود
في الوادي من أثر : إشارة إلى قوم ثمود الذين أخذهم الله بالصيحة والرجفة والزلزلة وقد التبس الأمر على الشاعر بين قوم عاد وثمود فعاد هم من أخذوا بالريح الباردة " وهنا لجأ الشاعر إلى استخدام معاني القرآن الكريم "
· أكاد أسمع النخيل يشرب المطر : استعارة مكنية شبه النخيل بالإنسان الذي يشرب .
· أسمع القرى تئن : استعارة مكنية شبه القرى بالإنسان الذي يئن .
· المهاجرين يصارعون عواصف الخليج : شبه أهل العراق بالعواصف في ثورتهم .


نقد القصيدة


التمهيد ..
يعد بدر شاكر السياب من الذين وظفوا المطر ليكون رمزا واسعاً على حمل هواجس النفس الإنسانية وعرض همومه الفردية منطلقاً منها إلى عدد من الهموم الاجتماعية مثل الفقر والجوع على الرغم من وجود الخير الكثير في بلده ، فقد حوّل المطر إلى قيمة ثرية غنية بالدلالات .
ولعل المحور الرئيسي الذي تدور حوله هذه الأبيات من القصيدة هو قضية العراق والاستعمار الذي طالما حاول النيل منها ولا عجب أن تتفق هذه الرؤية مع الواقع الحالي الذي يعيشه العراق فقد استبد فيه الطامعين وحولوه إلى ساحة قتال لهدف واحد وهو الثروات العراقية التي تزخر بها .

الأفكار :
أفكار القصيدة مترابطة ، وقد ابرز الشاعر أفكاره من خلال التشخيص والتجسيم والرمز فلم يعبر عنها صراحة ولكن ضمنا حيث نجده يبدأ القصيدة بذكرياته الجميلة في العراق ثم يبين المناحي التي تبعث السرور في حياته والمناحي التي تثير الحزن فيها والأسى ، فينطلق مباشرة إلى الهم الذي يؤرقه ويؤرق العراق كلها وهو طمع المستعمر فيها .

العاطفة :
عاطفة الشاعر في هذه القصيدة إنسانية عامة ، فهو يريد أن يدفع الخطر عن وطنه المتمثل في المستعمر الغاصب لخيرات بلاده فحب الوطن والانتماء إلى الأرض يشترك فيه جميع الناس ، فالعاطفة صادقة " بين الألم والحزن والأمل والفرحة " نابعة من حب الشاعر لوطنه وأرضه وشعبه المقهور .

الألفاظ :
استخدم الشاعر الألفاظ السهلة الواضحة موحية فجاءت ملائمة للموضوع ، وقد استخدم الشاعر الرمز للتعبير عما يريد دون خوف مثل:
الطفل : رمز للمستقبل الذي يبشر بالأمل ، والأم : رمز للوطن ، والصياد : رمز للشعب اليائس الذي يصارع الحياة ، والمهاجرين : رمز للمستعمرين الذين يغتصبوا ثروات العراق .

الأساليب
تنوعت الأساليب في القصيدة بين الخبرية والإنشائية التي توحي بالصراع المرير والحزن
فمن الأساليب الإنشائية أكثر من النداء والاستفهام للتعبير عن الجو النفسي الذي يعيشه الشاعر.
وبالنسبة للأساليب الخبرية نجد الشاعر وفق في استخدام الجمل الاسمية التي توحي بالسكون والهدوء و يعقبها بالجمل الفعلية التي تسبب الحركة وبدء الحياة وتجددها .
وكذلك استعان الشاعر بأسلوب التقديم لما حقه التأخير مثل تقديم الحال
كما ضمن الشاعر بعض الأساليب القرآنية ويعاب عليه الخلط بين عاد وثمود .

الصور والأخيلة :

جمع الشاعر بين التصوير الكلي والجزئي لتوضيح الفكرة والتعبير عن المشاعر فنجده يفصّل الصور الكلية بصور جزئية تثري العمل الفني مثل : " عيناك حين تبسمان " صورة كلية فسرها بعدة صور جزئية مثل :" ترقص الأضواء كالأقمار في نهر ، كأنما تنبض في غوريهما النجوم ، وتغرقان في ضباب من أسى شفيف ، كالبحر سرح اليدين فوقه المساء "
فنلاحظ تداعي الصور الشعرية فالصور تتوالد داخليا لتشكل حشداً هائلا من الصور المبنية على التشبيه والتي تعد بمثابة إشعاعات تومض بصفة دورية.
لمحسنات البديعية :
غير متكلفة وقد استخدم الشاعر بعض المتناقضات للتعبير عما بداخله من إحساس
كالموت والميلاد ، والظلام والضياء ، دفء وارتعاشة
في القصيدة نوعان من الموسيقى :


أ – ظاهرة : وتتمثل في المحسنات البديعية والمتناقضات .
ب- خفية : تتمثل في حسن اختيار الألفاظ الموحية التي تعبر عن الحالة الوجدانية ، والمتواليات الصوتية التي تحدث إيقاعاً يتوافق مع الجو النفسي والصور الحية الرائعة وترتيب الأفكار مع صدق العاطفة وقوتها .

الوحدة العضوية :
تتحقق الوحدة العضوية حيث نرى أن حب الوطن والانتماء إليه يدفع الشاعر لدفع خطر المستعمر عن بلاده ، ووحدة الجو النفسي والتي تمثلت في الفاجعة والحزن لما آل إليه الوطن الجريح .
الخصائص الفنية لأسلوب الشاعر :
1- اختيار الألفاظ السهلة الموحية المعبرة الموسيقية .
2- عدم الالتزام بقافية واحدة .
3- الميل إلى التجسيم والتشخيص والاهتمام بالصورة الشعرية.
4- التحرر من المحسنات البديعية المتكلفة .
5- التجديد في شكل القصيدة .
6- البناء على وحدة التفعيلة
7- استخدام الرمز في قصائده .
8- التأثر بالآداب الغربية والصينية .
9- استخدام الأسطورة أو الحكايات المروية من التراث .


نرجو منكم التعليق والتكمله والردف كما تعودتم

صدرية سوق الشيوخ
22-06-2010, 10:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

موضوع راقي وتحليل رائع

العم الغالي ابو علاء,,

وفقكم لنصرة الحق.

العليــــاء
22-06-2010, 11:05 PM
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع
كالحبّ كالأطفالِ ، كالموتى –
هو المطر
××××
في كلّ قطرةٍ من المطر
حمراءُ أو صفراءُ من أجنّة الزهر
وكلّ دمعةٍ من الجياعِ والعراة
وكلّ قطرةٍ تُراقُ من دمِ العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ تورّدتْ على فمِ الوليد
في عالمِ الغدِ الفتيّ واهبِ الحياة
مطر
مطر
مطر
سيعشبُ العراقُ بالمطر
أصيحُ بالخليج: "يا خليج..
يا واهبَ اللؤلؤ والمحار والردى"
فيرجع الصدى كأنه النشيج:
"يا خليج: يا واهب المحار والردى"
×××××
ما أجمل هذه القصيدة ،من أروع ما كتب السياب،
ومن أروع القصائد في تاريخ الأدب العربي،
لحن شجي،وموسيقى عذبة، دائما ما أقراها،
وأترنم بها ـ ولا سيما الفقرة التي اقتطعتها منها ـ
ولها تأثير عظيم في نفسي،وكأني بالسياب ينتزع من روحه ،
ليخرج لنا هذه الكلمات الراقية،والصور البيانية الجميلة،
فلله درك يا أخي حسـين وأنت تنقل لنا هذه الغرر،والتحليل الأدبي الرائع،
فجزاك الله خير جزاء المحسنين المتفضلين،
ودمت بخير.

نادية الاسدي
22-06-2010, 11:33 PM
السياب تاريخ ليس للشعراء و المثقفين السياب اسطورة اجيال واجيال اسلوبه في القصيدة مميز ومايميزه حبه الحقيقي والواضح في قصائده للعراق في يوم من الايام وبعد وفاة الشاعر بسنين عدة حاولت الشاعرة لميعة عباس عمارة ان تستذكر قصائد السياب وتتحدث عنه فاغرورقت عيناها واختنقت فلم تنس هذا الشاعر هي او من عاصره في تلك الحقبة ترى هل يعلم الشاعر باهميته الان العالمية وكل المناهج الدراسية تدرس شعره في كل انحاء الوطن العربي لابل تخطى حتى دول العالم الغربي
حقيقة اخي العزيز موضوعك مهم جدا وفيه تكملة لماهية السياب وشعره اتمنى ان تكون هذه الحلقة الاولى وننتظر بقية الحلقات عن شعره في الوقت القريب
تحياتي
اختكم ام زهراء

راية الصدر
23-06-2010, 08:37 AM
جزاكم الله خيراً ووفقكم ربي

روح الموسوي
23-06-2010, 09:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

بارك الله بك

جزيل الشكر

hussain1
23-06-2010, 09:56 AM
يعجز قلمي ويجف حبره عند محاولته الرد

على ما تكتبوه

ماذا بيديناوانتم الاروع فى الردود

وكلماتكم الذهبيه والجميله تزخرف صفحاتى

سلمت اناملكم

والتي صفصفت أروع الحروف وأجملها

تحياتى للجميع من مر وكتب وعلق على الموضوع

hussain1
23-06-2010, 12:32 PM
بدر شاكر السياب ذكريات الشعر والألم
عبد الوهاب الشيخلي

في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن العشرين بدأ اسم الشاعر بدر شاكر السياب يتردد في المحافل الأدبية والفنية في بغداد. وشاءت الصدف أن نعمل معا في النهار بمديرية الأموال المستوردة ومساءً في جريدة الشعب ومجلة الأسبوع. وفي عام1957وعلى أثر عودته من لبنان أجريت معه حواراً نشر في مجلة الأسبوع قبل أن يعين سكرتيرًا لها ببضعة شهور جاء فيه: إذا قدر لك أن تلتقي الشاعر بدر شاكر السياب دون أن تعرفه من قبل, فستحسبه كاتباً بسيطاً في إحدى الدوائر, أو معلمًا خاب أمله في الترقية منذ زمن بعيد. جسم نحيل هزيل, بسيط في ملبسه, يسير بصورة مستعجلة متأبطًا كتابه. اكثر قراءاته بالإنجليزية. يكره الزيف والادعاء والعظمة.
وبعد أن التقطت له بعض الصور بالكاميرا التي كنت أحملها معي دائماً لأغراض صحفية سألته عن المهمة التي ذهب من أجلها إلى لبنان والأهداف التي حققها هناك فأجاب: اعتادت مجلة (شعر) اللبنانية تقديم أمسية شعرية مساء كل خميس يحضرها شعراء لبنانيون - وقد شاءت هذه المرة أن يشارك فيها شاعر من العراق فوقع الاختيار علي فذهبت وألقيت شيئًا من أشعاري. وفي تلك الجلسة قررت الجامعة الأمريكية (قسم اللغة العربية) الاعتراف بالشعر الحر و إدخاله في مناهج الدراسة للسنوات المقبلة. وقد استغرق إلقاء الشعر من قبلي ساعة من الزمن إلا أن الجمهور طالب المزيد فألقيت قصيدة أخرى. لكنهم لم يكتفوا بذلك وطلب أحدهم قصيدة (المومس العمياء) ولما أخبرتهم أن هذه القصيدة تستغرق ساعة من الزمن أجابوا جميعًا أنهم مستعدون لذلك! وهنا سألت الشاعر السياب - هل كنت تكتفي بإلقاء القصائد دون شرحها? فأجاب: كنت أشرح لهم الجو العام للقصيدة, وهذه طريقة جديدة لتذوق الشعر الحر وتقريبه إلى أذهان الجماهير. وهل خرج أحدهم برأي جديد خلال تلك الجلسة? - نعم. لقد صرح جورج صيدح الشاعر المهجري الكبير برأي جديد حيث صار يعتقد بوجود شعر جيد بغض النظر عن أسلوبه في التعبير.
الشعراء في مرآته
سألت السياب عن رأيه في بعض الشعراء الذين يزاولون نظم الشعر الحر في لبنان فأجاب قائلاً: هناك يوسف الخال وخليل حاوي والشاعر السوري (أدونيس) - ما النتائج التي توصلت إليها من خلال اشتراكك في تلك الأمسية? لقد ثبت لي أن الشعر العراقي الحر متقدم على الشعر الحر في الوطن العربي من حيث الكمية والجودة. وبعد أن انتهينا من الأسئلة والأجوبة الخاصة بسفره إلى لبنان, سألته عن رأيه بديوان (قرارة الموجة) للشاعرة نازك الملائكة فقال بعد أن أشعل سيجارة جديدة: نازك الملائكة أكبر من ديوانها!! ثم أردف قائلاً: لاحظت أن الشاعرة نازك الملائكة لم تدخل بعض قصائدها التي نشرت في الصحف والمجلات, في ذلك الديوان, مثل: النهر العاشر وشجرة القمر وسواهما. ومع ذلك فأنا أعتقد بأن القارئ لن يفهم بعض القصائد في ديوانها الأخير إلا بعد القراءة الثانية أو الثالثة! وهنا سألته عن أنواع الشعر المتداول في الوطن العربي فقال: هناك شعر تعجب به لأول وهله ويزداد إعجابك به على مر الزمن. وهذا هو أرفع أنواع الشعر وهو نادر الوجود. والنوع الثاني من الشعر هو الذي لا يعجبك للمرة الأولى ولكنك تعجب به عندما تقرأه في المرة الثانية أو الثالثة.. وشعر نازك الملائكة من هذا النوع, وهو الشعر المتوسط الجودة. وأردف قائلاً: وهناك نوع آخر من الشعر الذي يبهرك عند قراءته لأول مرة ثم يفقد بريقه وقيمته بمرور الزمن. وهذا هو الشعر المزوق البراق الفارغ الذي لا معنى له.. وبناء على طلب مني راح يستعرض بعض الشعراء المعروفين فقال عن عبد الوهاب البياتي: بعد أن قرأت ديوانه الأخير (المجد للأطفال والزيتون) وجدته يميل إلى التكرار ويلاحظ أن الكثير من قصائده عبارة عن شعارات سياسية تصلح مقالات افتتاحية للجرائد اليومية. ووجدت في عدد من قصائد الشاعر بلند الحيدري ما أثار في الرغبة لإعادة قراءتها. أما سعدي يوسف فيعجبني منه الطابع الريفي في شعره وأتوقع له الكثير من النجاح. أما الشاعر موسى النقدي فإنني أتوقع له بعد شئ من التوجيه أن يكون في طليعة الشعراء في العراق. وقال السياب عن الشاعر العظيم أحمد شوقي إنه أحيا الديباجة العربية المشرقة. ووضع الشاعر محمد مهدي الجواهري في مرتبة المتنبي وأبي تمام. واتهم بدر شاكر السياب الشاعر كاظم جواد بالهياج والتقليد فما كان من هذا الشاعر إلا الرد عليه بقسوة واتهمه بالعمالة والتذبذب فرد عليه السياب رداً مناسباً ورسمه بأسلوب كاريكاتوري وأجاد في رسمه. وبعد سنوات من رحيل السياب حظي بمكانة مرموقة في ميدان الشعر الحر. ووضعت عنه دراسات وكتب عديدة في كثير من أرجاء الوطن العربي ولكن تلك الدراسات لم تتمكن من الوصول إلى الحقيقة التي تقول إنه كان أول من كتب في الشعر الحر وأنه كان من اكتشافه. وهو شخصياً وفي حديث عن تجربته فشل في إثبات أنه المكتشف الأول للشعر الحر في الوطن العربي. وقد توفي بدر شاكر السياب في المستشفى الأميري بالكويت وكان فقيراً معدماً في سنواته الأخيرة. كما كان فاشلاً في حبه دائماً وأبداً. وفي عام 1958 عين مسئولاً عن مجلة الأسبوع التابعة لجريدة الشعب لصاحبها يحيى قاسم فصار يفحص ما نكتبه أسبوعياً بأسلوب رقيق حتى أنه لم يكن يعطينا أي ملاحظات سواء في اختيار المواضيع الصحفية أو الأسلوب الذي نتبعه في الكتابة.
تجربة السياب الشعرية
كان السياب يحمل كتاباً باللغة الإنجليزية للشاعر (ت. س. اليوت) فقلت له: ما هذا? فقال: هذا الكتاب يعود لشاعر عظيم تعلمنا منه الكثير في مجال الشعر الحر وقد حاول بعض الشعراء العرب تقليده ففشلوا لضعف في اللغة العربية أو الإنجليزية. وهنا طلبت من الشاعر بدر السياب أن يتحدث عن تجربته الشعرية فقال: كان الحافز الأول لكتابة الشعر الحر بعد أن قرأت الشعر في اللغة الإنجليزية فلاحظت تعدد التفعيلات في أبيات الشعر وعدم انقطاع المعاني من بيت لآخر كما هو الحال في القصيدة العربية. فبدأت الكتابة وفق نسق ٍ جديد من التفعيلات مع أجواء وأفكار جديدة تنسجم مع روح العصر. وأضاف السياب قائلاً: وللحقيقة والتاريخ لاحظت أيضا ً أن الموشحات الأندلسية تتسم بطابع خاص تجد في بعضه ملامح الشعر الحر. وفي عام 1940 وفي مجلة الرسالة المصرية قرأت للشاعر خليل شيبوب قصيدة عنوانها (القصر والحديقة المهجورة) وكانت في معانيها وألفاظها وتفعيلاتها قريبة من الشعر الحر. وفي عام 1947 وفي قصيدة (روميو وجولييت) للشاعر علي أحمد باكثير تجد هذا اللون من الشعر بشكل ملحوظ 00 وكنت قد كتبت في الشعر الحر عام 9461 قصيدة عنوانها (هل كان حبًا) وألقيتها أمام طلاب دار المعلمين العالية ببغداد فلاقت استحسانًا كبيرًا وكان عبد الوهاب البياتي وشاذل طاقة بين الحاضرين أما قصيدة (الكوليرا) للشاعرة نازك الملائكة فكانت أقرب ما تكون إلى الموشح00 ولكنها أصدرت عام 9481 ديوان (عاشقة الليل) وفيه عدد لا يستهان به من الشعر الحر مع شرح وتحليل, أما أنا فقد أصدرت ديوان (أساطير) عام 1950 وقد تضمن عددًا من القصائد التي نشرتها في مجلة البيان والعقيدة عام 1948. وأعود فأكرر أنه كان لقراءتي للشعر الإنجليزي الأثر الكبير في التوجه نحو الشعر الحر.
وكان السياب قد بدأ العمل في الصحافة مترجمًا باعتباره يجيد اللغتين الانجليزية والعربية. وقبل غلق مجلة الأسبوع بسنة تقريباً عين سكرتيراً لها. ومن هنا بدأ يكتب القصص القصيرة وكان بعضها يدور حول أشخاص التقى بهم في قرية جيكور أو البصرة. ولم أقرأ حتى يومنا هذا من تناول هذه القصص بالنقد أو الدراسة وفيما إذا كان السياب يمكن أن يكون قصصيًا بمستوى تشيخوف الروسي أو موبا سان الفرنسي. ولا أستطيع الادعاء بأنني أتمكن من تقييم تلك القصص القصيرة. أما شعره فقد انتشر في أنحاء الوطن العربي وأصبح السياب من الأسماء المعروفة وكان النقاد إلى جانبه دائماً.. ومع ذلك فإن أحد العلماء الراحلين وعضو المجامع العلمية في العراق وبعض أقطار الوطن العربي أجاب عن سؤال وجهته له في لقاء إذاعي عن رأيه بالشعر الحر وبدر شاكر السياب فكانت إجابته وهو الشاعر التقليدي المحب للشاعر أحمد شوقي: إن الشعر الحر مؤامرة كبيرة على الشعر العمودي واللغة العربية!
في مجتمع بغداد
لم يكن الشاعر بدر شاكر السياب يشكو من المرض خلال السنوات التي عرفته فيها حتى 1958, ولكنه كان يبدو نحيلاً شاحباً.. ومع ذلك فهو سريع الخطى, وكنت أحس أنه يعاني هشاشة في العظام. وكان للسياب من يشتمه ويقلل من قيمة ما يكتب من شعر.. وربما كان الشاعر كاظم جواد من ألد أعدائه وقد سمعته وهو يسبه ويشتمه مدعياً أنه تسبب في فصله من الوظيفة.
كان السياب من رواد المقاهي البغدادية حيث يجتمع مع بعض الشعراء والأدباء.. وحدث ذات مرة أنه كان يكتب قصيدة جديدة فاقترب منه شاعر مغمور ومد عنقه متطفلاً وأشار عليه أن يستبدل كلمة بأخرى فنظر إليه بدر باستغراب وقام من محله وجلس في مكان بعيد دون أن يفوه بكلمة واحدة!
كان لقصيدة المومس العمياء وهي قصيدة طويلة يستغرق قراءتها ساعة كاملة أثرها العميق في نفوس القراء.. وكنت أعتقد أنها من بنات أفكاره وليس لها وجود إلا في مخيلته إلا أن الصحفي قاسم السماوي وهو من أصدقاء السياب أكد لي أن هذه الشخصية موجودة في بغداد وقد شاهداها معاً وهي التي أوحت له بتلك القصيدة الرائعة والتي طلبها الجمهور اللبناني واضطر السياب إلى قراءتها كما أشرنا في الحوار الذي أجريناه معه.. ويبدو لي من خلال معرفتي بالشاعر بدر أنه يميل إلى الصراحة أحياناً بدليل أنه كان يقول عن الشاعر محمود البريكان وهو من مدينة البصرة أيضاً: إنه شاعر أصيل ومقتدر وكان من الممكن أن يكون شاعراً كبيراً لولا انزواؤه في البيت وعدم مزاولته للشعر إلا في حالات نادرة, وهو خيرٌ منا جمعياً.
*****
حاول بعض الملحنين تلحين بعض قصائد السياب.. وكنت أتمنى لو أن ملحناً كبيراً كالموسيقار محمد عبد الوهاب أو بمستواه الفني قد أخذ بعض تلك القصائد بدلاً من الملحنين والمطربين الذين يفتقرون إلى الموهبة وأبسط قواعد الإبداع, لكان نصيب تلك القصائد مزيداً من الانتشار في جميع أنحاء الوطن العربي. كان السياب, قبل زواجه ينتقل من فشل إلى آخر في ميدان الحب.. وقد تبين له بعد حين أن كل من تعرف عليها كانت تأمل أن تجد نفسها في إحدى قصائده المتداولة بين الناس وخاصة في دار المعلمين العالية وبعض المجالس الأدبية. حتى تمنى أن يكون أحد الدواوين التي نشرها.
لم يكن الشاعر بدر شاكر السياب يعتني بهندامه. ولضيق ذات يده, شكا ذات يوم أمامنا قائلاً: إلى متى نبقى على هذه الحال? ثم اقترح علينا مشروعاً قد يدر علينا بعض المال. وكنا أربعة من المحررين, ولكننا وبعد أقل من شهر نبذنا تلك الفكرة وذلك المشروع لأسباب تتعلق بشخصية الإنسان النزيه الذي ينزع إلى النجاح والعيش بطرق مشروعة.. وقد لاحظت من خلال عملي معه أنه يميل أحياناً إلى الاعتداء على الآخرين والإيقاع بهم. كما أنه لم يكن مستقراً في موقفه السياسي فقد انتقل من اليسار إلى اليمين وأخذ يطعن بزملائه القدامى من الحزبيين على صفحات الصحف اليومية باسمه الصريح وكشف عن أسرارهم الحزبية بأسلوب جعله في موضع نقد كبير من معارفه وأصدقائه.
وكان آخر لقاء لي معه في بغداد في منطقة الأعظمية (ساحة عنتر) وبعد أن تبادلنا التحية نصحني ألا أنتمي لأي حزب من الأحزاب, قال ذلك بلهجة عراقية بغدادية!! واكتفيت بالصمت وعدم الرد عليه.
*****
كنت أتمشى ذات يوم في بغداد(شارع الرشيد) مع الشاعر عبد الوهاب البياتي في الخمسينيات من القرن العشرين. وقرب مقهى البرازيلة التقينا بالشاعر بدر السياب وتبادلنا التحية ثم ذهب السياب مسرعاً وكان كعادته يحمل كتاباً مع بعض الأوراق.. وفي اليوم التالي سألني بدر: منذ متى تعرفت على البياتي وهل هو حقاً من المنطقة الشمالية للعراق وليس من بغداد? فأجبته: إني عرفت عبد الوهاب منذ كنا صغاراً في المدرسة الابتدائية وكان صديقاً لأخي الصغير الذي كان يدرس في مدرسة الشيخ رفيع في باب الشيخ, أما أنا فكنت في مدرسة العوينة التي تقع قرب دكان والده في منطقة سراج الدين وكان ينتظرني عند خروجي من المدرسة. وقد لاحظت أن البياتي كان من المولعين بكتابة الشعر منذ عهد الطفولة, فقد أخرج ذات يوم قصاصة من الورق وطلب مني أن أقرأها فإذا هي عبارة عن بيتين من الشعر في الغزل.. ولما كنت أهوى الموسيقى والغناء منذ العاشرة من العمر فقد لحنت ذلك الشعر وغنيته بصوتي ونحن في طريقنا إلى البيت.. كان ذلك حوالي عام 1937 واكتفى السياب عندما سمع ذلك بالقول: كلنا بدأنا في قرض الشعر منذ عهد الطفولة الأولى.
أعتقد أن صحة الشاعر بدر السياب بدأت تتدهور في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته القصيرة. تقول بعض المصادر إنه زار بيروت عام1960 وهناك طبع أحد دواوينه الشعرية وزار بعض المجلات الأدبية مثل مجلة الآداب وحوار وشعر.. ولا شك أنه التقى ببعض الأدباء والشعراء في لبنان.. كما أنه لا بد وأنه كان يراجع بعض الأطباء لمعرفة سر مرضه والعلاج الذي قد يساعده على الحياة البائسة التي كان يحياها.. واستمر في كتابة الشعر الذي كان هاجسه الأول آناء الليل وأطراف النهار.
إن الشاعر بدر شاكر السياب المرهف الإحساس مات فقيراً معدماً في المستشفى الأميري في دولة الكويت التي قامت برعايته وأنفقت عليه خلال مدة علاجه.. وعاد جثمانه إلى قرية (جيكور) في البصرة في يوم من أيام الشتاء الباردة الممطرة. وقد شيعه عدد قليل من أهله وأبناء جلدته وبذلك انطفأت شعلة الإبداع.. وسكنت آلامه إلى الأبد.

العليــــاء
23-06-2010, 02:39 PM
جميل ما نقلته اخي الكريم عن سيرة الشاعر العراقي الرائع السياب وشعره،لا عدمنا حضورك،ولتتقبل مشاركتي: الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام، على الأصيل
و على القلوع تظل تطوى أو تنشر للرحيل
زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار
.من كل حاف نصف عاري
و على الرمال ، على الخليج
جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج
: و يهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج
أعلى من العباب يهدر رغوه و من الضجيج"
، صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى : عراق
.كالمد يصعد ، كالسحابة ، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي : عراق
و الموج يعول بي : عراق ، عراق ، ليس سوى عراق ‍‍
البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
و البحر دونك يا عراق

.. بالأمس حين مررت بالمقهى ، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانه
هي دورة الأفلاك في عمري، تكور لي زمانه
.في لحظتين من الأمان ، و إن تكن فقدت مكانه
هي وجه أمي في الظلام
، وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
و هي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب
فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب
،من الدروب وهي المفلية العجوز وما توشوش عن حزام
وكيف شق القبر عنه أمام عفراء الجميلة
.فاحتازها .. إلا جديله
زهراء أنت .. أتذكرين
تنورنا الوهاج تزحمه أكف المصطلين ؟
وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين ؟
ووراء باب كالقضاء
قد أوصدته على النساء
أبد تطاع بما تشاء، لأنها أيدي الرجال
.كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال
أفتذكرين ؟ أتذكرين ؟
سعداء كنا قانعين
. بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء
،حشد من الحيوات و الأزمان، كنا عنفوانه
.كنا مداريه اللذين ينام بينهما كيانه
أفليس ذاك سوى هباء ؟
حلم ودورة أسطوانه ؟
ان كان هذا كل ما يبقى فأين هو العزاء ؟
،أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه
يا أنتما - مصباح روحي أنتما - و أتى المساء
.و الليل أطبق ، فلتشعا في دجاه فلا أتيه
لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء
الملتقى بك و العراق على يدي .. هو اللقاء
شوق يخض دمي إليه ، كأن كل دمي اشتهاء
جوع إليه .. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء
شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولاده
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام
.حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق
واحسرتاه ، متى أنام
فأحس أن على الوساده
ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق ؟
بين القرى المتهيبات خطاي و المدن الغريبة
،غنيت تربتك الحبيبة
وحملتها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه ،
فسمعت وقع خطى الجياع تسير ، تدمي من عثار
.فتذر في عيني ، منك ومن مناسمها ، غبار
ما زلت اضرب مترب القدمين أشعث ، في الدروب
،تحت الشموس الأجنبيه
متخافق الأطمار ، أبسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب
،بين العيون الأجنبيه
بين احتقار ، و انتهار ، و ازورار .. أو ( خطيه) 2
(و الموت أهون من (خطيه
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبيه
قطرات ماء ..معدنيه
،فلتنطفئ ، يا أنت ، يا قطرات ، يا دم ، يا .. نقود
يا ريح ، يا إبرا تخيط لي الشراع ، متى أعود
إلى العراق ؟ متى أعود ؟
يا لمعة الأمواج رنحهن مجداف يرود
.بي الخليج ، ويا كواكبه الكبيرة .. يا نقود

ليت السفائن لا تقاظي راكبيها من سفار
أو ليت أن الأرض كالأفق العريض ، بلا بحار
ما زلت أحسب يا نقود ، أعدكن و استزيد ،
ما زلت أنقض ، يا نقود ، بكن من مدد اغترابي
ما زلت أوقد بالتماعتكن نافذتي و بابي
في الضفة الأخرى هناك . فحدثيني يا نقود
متى أعود ، متى أعود ؟
أتراه يأزف ، قبل موتي ، ذلك اليوم السعيد ؟
سأفيق في ذاك الصباح ، و في السماء من السحاب
،كسر، وفي النسمات برد مشبع بعطور آب
و أزيح بالثوباء بقيا من نعاسي كالحجاب
:من الحرير ، يشف عما لا يبين وما يبين
.عما نسيت وكدت لا أنسى ، وشك في يقين
ويضئ لي _ وأنا أمد يدي لألبس من ثيابي-
ما كنت ابحث عنه في عتمات نفسي من جواب
لم يملأ الفرح الخفي شعاب نفسي كالضباب ؟
اليوم _ و اندفق السرور علي يفجأني- أعود

واحسرتاه .. فلن أعود إلى العراق
وهل يعود
من كان تعوزه النقود ؟ وكيف تدخر النقود
و أنت تأكل إذ تجوع ؟ و أنت تنفق ما تجود
به الكرام ، على الطعام ؟
لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع
.وسوى انتظارك ، دون جدوى ، للرياح وللقلوع
××××
وهذه قراءة للدكتور ثائر العذاري لهذه القصيدة أتمنى أن تروق لكم:
في البداية ينبغي أن نلاحظ تركيب العنوان (غريب على الخليج) ، فهو أولا يخلو من فعل ويجعلنا أمام صورة ثابتة أو جامدة ، غريب يجلس على ضفة الخليج،ولو تخيلنا صورة فوتوغرافية يظهر فيها رجل بائس يجلس على ضفة الخليج لكانت ستنفعنا كثيرا في تعاطينا مع القصيدة
يبدأ السياب قصيدته بداية سينمائية ، فهناك (لقطة كبيرة) كما يسميها كتاب السيناريو:

الريح تلهث بالهجيرة كالجثام على الأصيل
وعلى القلوع ، تظلّ تطوى ، أو تنشّرُ للرحيل
زحم الخليج بهنّ مكتدحونَ جوّابو بحارِ
من كلأ حافٍ نصف عاري

هذه خلفية كبيرة سترسم عليها تفاصيل اللوحة القصيدة فيما بعد ، منظر الخليج وأشرعة السفن المبحرة فيه ، وهؤلاء البحارة نصف العراة الباحثين عن الرزق بين الموت والغنيمة، والحرّ اللاهب ورياح الصيف.
في السطر الأول يدفع الشاعر بشعور بالبؤس الىأنفسنا من خلال بناء التشبيه الغريب ، الريح بقوتها وغبارها المتطاير في الأفق كأنها جثاما (مرض جلدي) أصاب جلد الأصيل.
ثم تبدأ كاميرا المصور بتقريب اللقطة:

وعلى الرمال على الخليج
جلس الغريب يسرح البصر المحير في الخليج
ويهدّ أعمدة الضياء بما يصعّدُ من نشيج

صورة رجل يجلس على الساحل ويستغرق في البكاء ، وأعمدة الضياء القادمة من الشمس ، أو الأمل في شيء ما ، تتحطم (تنكسر) وهي تتخلل دموعه في طريقها الى عينيه.
عند هذه النقطة يكون الشاعر قد أكمل رسم الخلفية، والسؤال الذي يمكن أن يسأل هنا، من المتحدث في هذه الأسطر ، من هذا الذي ينقل صورة الغريب بهذه اللغة الوجدانية الإنفعالية؟ والجواب انه الشاعر (المخرج) الذي وجه كامرته لتنطلق من اللقطة الكبيرة حتى تلقط صورة الغريب الذي سيستلم زمام الحديث بعد الآن، بالضبط مثل بداية فيلم سينمائي يلتقط شخصية من بين الزحام ثم يتركها تحكي حكايتها مباشرة.
صحيح ان هذه هي البداية الفيزياوية للقصيدة ، لكنها في الحقيقة ليست البداية الشعورية لها فهي لا تعدو كونها فرشة شعورية تحاول بناء سطح عاطفي سنتلقى القصيدة عليه ، فبعد هذه المقدمة يفتح الشاعر علامة اقتباس هي - في حقيقة الأمر - البداية الحقيقية للقصيدة:

"أعلى من العبّاب يهدر رغوهُ ومن الضجيج
صوتٌ تفجّر في قرارةِ نفسي الثكلى: عراق،
كالمد يصعد كالسحابةِ كالدموع الى العيون
الريح تصرخُ بي :عراق
والموج يعولُ بي : عراق عراق ليس سوى عراق
البحرُ أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون
والبحرُ دونك يا عراق
بالأمس حين مررت بالمقهى سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانة
هي دورة الأفلاك من عمري تكورُ لي زمانه
في لحظتين من الزمان ، وان تكن فقدت مكانه

هذه الأسطر وكل ما سيأتي بعدها هو نقل مباشر للحوار الداخلي في نفس الغريب الذي يتسم بخصائص لغوية لابد من ملاحظتها لفهم القصيدة، فمن الملاحظ أولا اصرار الشاعر على أن تكون الجملة الإسمية هي الجملة الأساس في لغة الغريب ، والأفعال دائما تأتي في حشو الجمل لا بداياتها ، وهذا منسجم مع الفكرة التي بنيت القصيدة عليها ، فكل الحركة التي ستوصف في كلام الغريب ليست حركة حقيقية تحدث الآن ، انها حركة داخل السكون ، ليس لها وجود الا في مخيلة الغريب وذاكرته.
والسمة الثانية هي تكرار كلمة عراق في هذه الأسطر التي ستدخلنا فيما بعد الى سلسلة طويلة من تداعيات الذاكرة ، (عراق) تكررت سبع مرات بإلحاح واضح ، ونحن نرى ان لهذا التكرار مدلول سحري ، ويشجعنا على هذا الرأي الرقم سبعة الذي يرتبط بالسحر في الموروث الإنساني ، فالغريب يحاول ( استحضار روح) العراق من خلال التكرار السباعي الشائع في الرياضات الروحانية.
ومن الملاحظ أيضا استخدام الغريب كلمة (عراق) مجردة من (الـ) التعريف، عراق وليس العراق، طبعا لأن العراق في نفس الغريب لم يعد بحاجة الى التعريف فقد أصبح قيمة مطلقة موغلة التعريف مستغنية عما يعرفها.
وكما أشرنا في مقال سابق يمثل السطر (وكنت دورة أسطواتة) مفتاحا فنيا لبناء القصيدة ، فكل ما سيأتي بعد ذلك هو صور لا رابط موضوعي بينها ، تتدفق تدفقا سريعا بطريقة التداعي الحر:

هي وجهُ أمي في الظلام
وصوتها يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
وهي النخيل أخاف منه اذا ادلهم مع الغروب
فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب
من الدروب
وهي المفلّيةُ العجوز وما توشوشُ عن حزام
وكيف شقّ القبرَ عنهُ أمام عفراء الجميلة
فاحتازها الا جديلة

هذه هي الصور الثلاث الأولى من دفق صور طفولة الغريب (الأم ، النخيل، الجدة المفلّية) ، حيث نلاحظ أنها لا ترتبط بالسببية ، بل ان ما يربط بينها فقط تداعيها بوصفها ذكريات طفولة ، انها مستقلة عن بعضها حتى في شكلها اللغوي فليس هنا سطر واحد تشترك فيه صورتان، هذه الصور وكل ما سيأتي بعدها ليست الا الأخاديد الدائرية المحفورة على ظهر اسطوانة الكراموفون ، التي ذكرها الغريب في البداية ، انها تبدو دوائر متحدة المركز مستقلة عن بعضها ، لكنها في الحقيقة ليست الا خطا واحدا مرسوم بشكل حلزوني ليتيح لأبرة الكراموفون السير بداخله من الخارج الى الداخل حتى الوصول الى المركز. والمركز في غريب على الخليج هو هذه النقطة التي يجلس فيها الغريب متحسرا على العراق متمنيا العودة اليه ، وهكذا يعود الغريب في النهاية بعد سلسلة طويلة من صور الذاكرة الى نقطة المركز:

لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع
وسوى انتظارك دون جدوى للرياح وللقلوع

ولا يمكن للقارئ أن لا يلاحظ استخدام كلمات (الرياح ، القلوع) في السطر الأخير وهما الكلمتان اللتان بدأت بهما القصيدة.

hussain1
23-06-2010, 02:42 PM
شرح قصيدة أنشودة المطر
أفكار رئيسية :
تبدأ القصيدة بالسكون ( وقت السحر ) حيث تختفي ملامح الحياة
ثم تأخذ في الحركة ، وظهور ملامح الحياة ( تورق الكروم ، وترقص الأضواء ، ... )
وكانت البداية بالمقدمة الغزلية
ثم مزج الذكريات الجميلة بمظاهر حزينة ، بذكر النواحي التي تبعث السرور، والنواحي المحزنة


الصور :
- صورة المحبوبة ، يتلاشى حبها في عباب بحر متلاطم من الهموم والأحزان ، والتواصل معها لا يتم إلا بزوال الظلم
- صورة يتيم ماتت أمه ففقد مصادر الحنان والحياة .
-صورة صياد يائس حزين ،لا يلقى ما يعوضه رزقه


الشرح :





عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
عينا المحبوبة والمقصود الوطن ، شبههما بغابتي نخيل وقت السحر(وهو قبل الصبح) حيث الهدوء
وسواد العينين كسواد النخيل في هذا الوقت
س/ لماذا يتغزل بها ويصورها في وقت السحر ؟
السحر (اختلاط الظلام بالنور فكأن بينهما صراع) يعني (اختفاء مظاهر الحياة في الوطن )


أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
شبههما كشرفتين(البناء الخارج من أحد جوانب البيت بأعلاه) ابتعد عنهما القمر


عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
هما لم يبتسما ، ولكن حين تبسمان تخرج أوراق الكروم وتخضرّ


وترقصُ الأضواءُ .. كالأقمارِ في نهر
والأضواء ترقص ، وفي رقصتها تشبه الأقمار التي ينعكس شعاعها ويتموج على النهر


يرجُّهُ المجدافُ وَهْناً ساعةَ السحر...
هذا النهر يرجه المجداف (وجمعه مجاديف) وقت السحر


كأنّما تنبضُ في غوريهما النجوم
كأنما تتحرك في عمقيّ هذين العينين النجوم
الفكرة : يقارن الشاعر صورة الوطن في وقت السحر حيث اختفاء ملامح الحياة ، وصورته حينما تتحرك الحياة بأرجائه .


وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
وعيناها غارقتان في ضباب (حيث تصعب الرؤية) من حزن شديد


كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء
والصراع بين عينيها والضباب كالصراع بين البحر والمساء ، فالمساء أطلق يديه فوق البحر ليسيطر عليه


دفءُ الشتاءِ فيه و ارتعاشةُ الخريف
والبحر يجمع المتناقضات : به نشعر بالدفء في موسم الشتاء ، والارتعاش في موسم الخريف


و الموتُ و الميلادُ و الظلامُ و الضياء
بالبحر صراع بين الموت والميلاد ، وبين الظلام والضياء
س/ لماذا قدّم الموت على الميلاد ، والظلام على الضياء ؟ أي أن المحنة يعقبها الفرج ، عليك أن تصارع
الموت والظلام كي يتحقق لك الميلاد والنور .


فتستفيقُ ملء روحي، رعشةُ البكاء
فيحس برعشة البكاء كامل روحه


ونشوةٌ وحشيةٌ تعانق السماء
ولذة وحشية بالبكاء تلامس السماء لشدتها
س/ ما الذي أثار رعشة البكاء في نفسه ؟
تنعكس الأشياء (دفء الشتاء و.. ) على نفسية الشاعر فيحس برغبة في البكاء كي يستريح
س/ هل للبكاء نشوة ؟ نعم، إذا عند التعبير عن انفعال شديد لا يستطيع كتمانه ، وقد يكون بكاء فرح أو حزن


كنشوةِ الطفلِ إذا خاف من القمر
كلذة الطفل الخائف من القمر
س/ هل للطفل لذة حين يبكي ؟ كي تحقق له مطالبه
الفكرة : الوطن لا يستطيع أن يفرح بسبب ما يعانيه من ظلم


كأنَّ أقواسَ السحابِ تشربُ الغيوم
أي تجمع السحب


وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر
أي تكونان المطر


وكركرَ الأطفالُ في عرائش الكروم
وضحك الأطفال بشدة في أماكن العنب ، عرائش مفردها عريشة وهي ما يستظل به


ودغدغت صمتُ العصافيرِ على الشجر
أنشودةُ المطر
مطر
مطر
مطر
دغدغه : غمزه في بطنه أو إبطه ليتحرك وينفعل
أي حرك تساقط المطر العصافير من صمتها
أنشودة المطر : شبه المطر حين يتساقط كأنه ينشد
الفكرة : المطر ينشر الفرح حين يسقط ، والدليل فرحة الأطفال والعصافير


تثاءبَ المساءُ و الغيومُ ما تزال
تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال
صور المساء كإنسان متثاقل يعاني الكسل والنعاس ، والغيوم تنزل قطرات المياه التي تشبه الدموع
س/ لماذا تبكي الغيوم وهي تنزل المطر ؟
الخيرات التي سيأتي بها المطر تذهب لمن لا يستحقها


كأنّ طفلاً باتَ يهذي قبلَ أنْ ينام
شبه الغيوم وهي تصب المطر بطفل يتلفظ بكلام غير واضح قبل نومه
س/ هل ماتت أم الشاعر في يوم ممطر ؟
فالمطر مرتبط بالتداعيات الموجودة في ذهن الطفل


بأنّ أمّه - التي أفاقَ منذ عام
فلم يجدْها، ثم حين لجَّ في السؤال
قالوا له : " بعد غدٍ تعود" -
لابدّ أنْ تعود
فهو محتاج لأمه التي أفاق (بدأ يشعر بما حوله ويفهم ) وأصرّ في السؤال عنها ، فأخذوا يعدونه بعودتها


و إنْ تهامسَ الرفاقُ أنّها هناك
في جانبِ التلِ تنامُ نومةَ اللحود،
تسفُّ من ترابها و تشربُ المطر
ومن همس الرفاق عرف أنها ماتت ودفنت جنب التل ، تأكل من ترابها وتشرب المطر
تراب جسد أمه اتحد مع الأرض الأم الكبرى ، فأصبح الشاعر ابنا للاثنتين .
الفكرة : المطر د يهيج مشاعر الحزن ، والدليل تذكر الشاعر لأمه التي ماتت عنه وهو صغير


كأنّ صياداً حزيناً يجمعُ الشباك
حزينا على ضياع رزقه بسبب المطر المتساقط
ويلعنُ المياهَ و القدر


و ينثرُ الغناء حيث يأفلُ القمر
يتغني بأنشودة المطر، ويوزّع هذا الغناء حيث يغيب القمر


مطر
مطر
س/ هل يغني الصياد وهو حزين ؟ ولماذا يغني للمطر وهو غاضب منه ؟
أو أن غناءه حزين يشكو فيه لمحبوبته الأذى الذي سببه له المطر حين نزل
الفكرة : الصياد دليل على أن المطر قد يتسبب في إثارة الحزن


أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر ؟
يسأل الصياد محبوبته : أتعلمين أي حزن ينشئ المطر بنزوله
فالمطر مثلا فقد يقطع الطرقات ، ويخرب أكواخ الفقراء
س/ ما الغرض من الاستفهام ؟


وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف تبكي المزاريب ومفردها مزراب وهو الذي يتسرب من الماء بأعلى البناء إذا سقط المطر بغزارة


و كيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع ؟
الوحيد الذي يعاني الوحدة والبعد عن الأهل والأصدقاء ، فهو يحس بالتشرد عن الوطن


بلا انتهاء _ كالدمِ المُراق ، كالجياع
هذا الشعور بالضياع لا انتهاء له ، مثل الدم المسال والجياع


كالحبّ ، كالأطفالِ ، كالموتى – هو المطر
س/ هل المشبه هو : ( الشعور بالضياع أم المطر ) ؟
الفكرة : المطر لا يستفاد منه ، لأن خيرات الأرض بعد أن يسقيها المطر يأكلها الطامعون دون الكادحين


ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
أو تطوفان كلاهما صحيح ، أي أنه تذكر محبوبته عند نزول المطر


وعبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
البروق رمز للخير


سواحلَ العراقِ بالنجومِ و المحار
المحار هو الصدف، البروق تمسح بالنجوم والمحار، أي أنها تبشر بقدوم الخير سماء وأرضا


كأنها تهمُّ بالشروق
تبشر بالخير


فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار
الليل رمز للظلم ، يسيطر على هذه السواحل و يغطيها بالدم


أصيحُ بالخليج : " يا خليج
يا واهبَ اللؤلؤ و المحارِ و الردى
اللؤلؤ والمحار يرمزان للخير، والردى هو الموت


فيرجع الصدى كأنّهُ النشيج :
يسخر منه الصدى ، ويعيد له صيحته البكاء


"يا خليج: يا واهب المحار و الردى "
س/ لماذا حذف (اللؤلؤ) حين أعاد الصدى العبارة ؟
للدلالة على أن الخليج لا يهب الكادحين إلا المحار الخالي من اللؤلؤ ويهب الموت ، أما الثروة فمن
نصيب الطامعين
الفكرة : الوطن به خير وفير ، لكنه ليس للشعب الكادح


أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود
يجمع ويوفر الرعود


و يخزنُ البروقَ في السهولِ و الجبال


بالعراق الخير الوفير بكل أرجائه


حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال
نزع الرجال ختمها ، أي حان وقت الحصاد واقتسام الغنيمة


لم تترك الرياحُ من ثمود
في الوادِ من أثر
الرياح رمز للطامعين ، وثمود رمز للشعب الكادح
نهب الطامعون كل الخير الذي جمعه الوطن بشعبه الكادح
س/ هل قضت الرياح على ثمود ؟ لا ، بل قضت على عاد ، ولا ندري إن كان أخطأ الشاعر ، أو قصد بها أمرا آخر
الفكرة : كالفكرة السابقة


أكادُ أسمعُ النخيلَ يشربُ المطر
و أسمعُ القرى تئنّ ، و المهاجرين
يصارعون بالمجاذيفِ و بالقلوع
عواصفَ الخليجِ و الرعود ، منشدين
مطر .. مطر .. مطر
يصور صراع الكادحين(النخيل والقرى) للشقاء ، وللمستعمرين القادمين لنهب خيرات الوطن (المهاجرين) ، إنه صراع من أجل الحياة والبقاء ، فلا بد للشعوب المقهورة أن تثور على الظلم ، والمطر يعني الحرية والنعيم



-

منــ قـ ول

محب لال الصدر
23-06-2010, 04:51 PM
بارك اللة بكم على التعب ليصال المعلومة الصادقة

العليــــاء
23-06-2010, 05:32 PM
قصيدة سفر أيوب للسياب.
لك الحمد مهما استطال البلاءْ
ومهما استبدَّ الألمْ،
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وإن المصيبات بعضُ الكَرَمْ.
ألم تُعطني أنت هذا الظلامْ
وأعطيتني أنت هذا السَّحَرْ؟
فهل تشكر الأرض قَطْرَ المطر
وتغضبُ إن لم يَجُدْها الغمام؟
شهورٌ طوالٌ وهذي الجراحْ
تمزِّق جَنبيَّ مثلَ المُدى
ولا يهدأ الداءُ عند الصباح
ولا يمسح اللَّيلُ أوجاعه بالردى.
ولكنَّ أيُّوبَ إن صاح صاح:
((لك الحمدُ، إن الرزايا ندى،
وإن الجراحَ هدايا الحبيبْ
أضمُّ إلى الصَّدر باقاتِها،
هداياكَ في خافقي لا تغيب،
هداياك مقبولةٌ. هاتِها!))
أشدّ جراحي وأهتف بالعائدينْ:
((ألا فانظروا واحسدوني، فهذي هدايا حبيبي.
وإن مسَّت النارُ حُرَّ الجبين
توهَّمْتُها قُبلةً منكَ مجبولةً من لهيبِ.
جميلٌ هو السُّهدُ أرعى سماكَ
بعينيَّ حتى تغيبَ النجومْ
ويلمسَ شبَّاكَ داري سناكْ
جميلٌ هو الليل: أصداء يوم
وأبواقُ سيارةٍ من بعيد
وآهاتُ مرضى، وأمّ تُعيد
أساطيرَ آبائها للوليد.
وغاباتُ ليل السُّهادِ، الغيوم
تحجِّبُ وَجْهَ السماءْ
وتجلوه تحت القمر.
وإن صاح أيُّوبُ كان النداءْ:
((لك الحمد يا رامياً بالقَدَرْ
ويا كاتباً، بَعْدَ ذاكَ، الشَّفاء!))

hussain1
23-06-2010, 06:41 PM
الباب تقرعه الرياح - للسياب


البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحِ في اللَّيْلِ العَمِيقْ


البَابُ مَا قَرَعَتْهُ كَفُّكِ .


أَيْنَ كَفُّكِ وَالطَّرِيقْ


نَاءٍ ؟ بِحَارٌ بَيْنَنَا ، مُدُنٌ ، صَحَارَى مِنْ ظَلاَمْ


الرِّيحُ تَحْمِلُ لِي صَدَى القُبْلاَتِ مِنْهَا كَالْحَرِيقْ


مِنْ نَخْلَةٍ يَعْدُو إِلَى أُخْرَى وَيَزْهُو في الغَمَامْ


* * * *


البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحْ ...


آهِ لَعَلَّ رُوحَاً في الرِّيَاحْ


هَامَتْ تَمُرُّ عَلَى الْمَرَافِيءِ أَوْ مَحَطَّاتِ القِطَارْ


لِتُسَائِلَ الغُرَبَاءَ عَنِّي ، عَن غَرِيبٍ أَمْسِ رَاحْ


يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ ، وَهْوَ اليَوْمَ يَزْحَفُ في انْكِسَارْ .


هِيَ رُوحُ أُمِّي هَزَّهَا الحُبُّ العَمِيقْ ،


حُبُّ الأُمُومَةِ فَهْيَ تَبْكِي :


" آهِ يَا وَلَدِي البَعِيدَ عَنِ الدِّيَارْ !


وَيْلاَهُ ! كَيْفَ تَعُودُ وَحْدَكَ لاَ دَلِيلَ وَلاَ رَفِيقْ "


أُمَّاهُ ... لَيْتَكِ لَمْ تَغِيبِي خَلْفَ سُورٍ مِنْ حِجَارْ


لاَ بَابَ فِيهِ لِكَي أَدُقَّ وَلاَ نَوَافِذَ في الجِدَارْ !


كَيْفَ انْطَلَقْتِ عَلَى طَرِيقٍ لاَ يَعُودُ السَّائِرُونْ


مِنْ ظُلْمَةٍ صَفْرَاءَ فِيهِ كَأَنَّهَا غَسَق ُ البِحَارْ ؟


كَيْفَ انْطَلَقْتِ بِلاَ وَدَاعٍ فَالصِّغَارُ يُوَلْوِلُونْ ،


يَتَرَاكَضُونَ عَلَى الطَّرِيقِ وَيَفْزَعُونَ فَيَرْجِعُونْ


وَيُسَائِلُونَ اللَّيْلَ عَنْكِ وَهُمْ لِعَوْدِكِ في انْتِظَارْ ؟


البَابُ تَقْرَعُهُ الرِّيَاحُ لَعَلَّ رُوحَاً مِنْك ِ زَارْ


هَذَا الغَرِيبُ !! هُوَ ابْنُكِ السَّهْرَانُ يُحْرِقُهُ الحَنِينْ


أُمَّاهُ لَيْتَكِ تَرْجِعِينْ


شَبَحَاً . وَكَيْفَ أَخَافُ مِنْهُ وَمَا أَمَّحَتْ رَغْمَ السِّنِينْ


قَسَمَاتُ وَجْهِكِ مِنْ خَيَالِي ؟


أَيْنَ أَنْتِ ؟ أَتَسْمَعِينْ


صَرَخَاتِ قَلْبِي وَهْوَ يَذْبَحُهُ الحَنِينُ إِلَى العِرَاقْ ؟


* * * *


البَابُ تَقْرَعُهُ الرِّيَاحُ تَهُبُّ مِنْ أَبَدِ الفِرَاقْ





تحليل قصيدة " الباب تقرعه الرياح
البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحِ في اللَّيْلِ العَمِيقْ
البَابُ مَا قَرَعَتْهُ كَفُّكِ .
أَيْنَ كَفُّكِ وَالطَّرِيقْ
نَاءٍ ؟ بِحَارٌ بَيْنَنَا ، مُدُنٌ ، صَحَارَى مِنْ ظَلاَمْ
الرِّيحُ تَحْمِلُ لِي صَدَى القُبْلاَتِ مِنْهَا كَالْحَرِيقْ
مِنْ نَخْلَةٍ يَعْدُو إِلَى أُخْرَى وَيَزْهُو في الغَمَامْ

رجلٌ مشلولٌ يجلس وحيداً في المستشفى ، لا زائر له ولا عائد ، عينه لا تفارق الباب ، فهو المكان الوحيد الذي قد يأتي منه شخص يؤنس وحشته . والغريب في الأمر أنه لا يتمنى أن تأتي زوجته أو أولاده ، بل أن تأتي أمه ! بدر الذي فارق والدته وهو صغير لم يقتنع بهذا القدر ، فمازال يناديها ويطلب منها الوجود بجانبه في كل محنة تمر به !

البَابُ مَا قَرَعَتْهُ غَيْرُ الرِّيحْ ...
آهِ لَعَلَّ رُوحَاً في الرِّيَاحْ
هَامَتْ تَمُرُّ عَلَى الْمَرَافِيءِ أَوْ مَحَطَّاتِ القِطَارْ
لِتُسَائِلَ الغُرَبَاءَ عَنِّي ، عَن غَرِيبٍ أَمْسِ رَاحْ
يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ ، وَهْوَ اليَوْمَ يَزْحَفُ في انْكِسَارْ .

هاهو الآن يعود إلى رشده ويعلم أن أمه لن تأتيَ ، فيتمنى لو أن روحها جاءت تجوب المرافئ ومحطات القطار تبحث عنه ، وهذه الفكرة تؤمن بها بعض الثقافات ، أعني وفاة الإنسان وبقاء روحه لتتابع أحبابه فوق الأرض ؛ وبالطبع لن تجده ، فهي تطرح السؤال على ( غرباء ) ، وكيف لهم أن يعرفوه ؟ فتدور حول نفسها باحثة ، لعلها تجده هنا أو هناك ، وتتمتم في بكاءٍ :

آهِ يَا وَلَدِي البَعِيدَ عَنِ الدِّيَارْ !
وَيْلاَهُ ! كَيْفَ تَعُودُ وَحْدَكَ لاَ دَلِيلَ وَلاَ رَفِيقْ

كما ينظر بدر لأمه نظرة الطفل لوالدته ، فأمه تراه بالمثل ، وكأنه طفل صغير لايمكنه العودة إلى منزله دون دليل أو رفيق .

أُمَّاهُ ... لَيْتَكِ لَمْ تَغِيبِي خَلْفَ سُورٍ مِنْ حِجَارْ
لاَ بَابَ فِيهِ لِكَي أَدُقَّ وَلاَ نَوَافِذَ في الجِدَارْ !
كَيْفَ انْطَلَقْتِ عَلَى طَرِيقٍ لاَ يَعُودُ السَّائِرُونْ
مِنْ ظُلْمَةٍ صَفْرَاءَ فِيهِ كَأَنَّهَا غَسَق ُ البِحَارْ ؟

لازال الطفل يناجي أمه ، ويعاتبها على ذهابها من هذا الطريق المظلم . الأطفال يخافون الظلام ، وهنا يتضح السبب في عدم لحاقه بها ، فظل يناديها من بعيد ، ويسألها عن سبب أخذها لهذا الطريق وهي تعلم أن ولدها لن يستطيع اللحاق بها إن هي سلكته .

كَيْفَ انْطَلَقْتِ بِلاَ وَدَاعٍ فَالصِّغَارُ يُوَلْوِلُونْ ،
يَتَرَاكَضُونَ عَلَى الطَّرِيقِ وَيَفْزَعُونَ فَيَرْجِعُونْ
وَيُسَائِلُونَ اللَّيْلَ عَنْكِ وَهُمْ لِعَوْدِكِ في انْتِظَارْ ؟

لم تقم أمه بوداعه هو وأخوته ، فكانوا في كل ليلة عندما يعودون للبيت ، يسألون عن والدتهم ويقال لهم : بعد غدٍ تعود ، لابد أن تعود . فيجلسون في انتظارها ، هكذا كانوا في كل ليلة ، ولم يأتِ الغد الذي ينتظرونه بعد !

البَابُ تَقْرَعُهُ الرِّيَاحُ لَعَلَّ رُوحَاً مِنْك ِ زَارْ
هَذَا الغَرِيبُ !! هُوَ ابْنُكِ السَّهْرَانُ يُحْرِقُهُ الحَنِينْ
أُمَّاهُ لَيْتَكِ تَرْجِعِينْ
شَبَحَاً . وَكَيْفَ أَخَافُ مِنْهُ وَمَا انمَحَتْ رَغْمَ السِّنِينْ
قَسَمَاتُ وَجْهِكِ مِنْ خَيَالِي ؟
أَيْنَ أَنْتِ ؟ أَتَسْمَعِينْ
صَرَخَاتِ قَلْبِي وَهْوَ يَذْبَحُهُ الحَنِينُ إِلَى العِرَاقْ ؟

يعود مرة أخرى للباب وقرعه ، فيتوقع أن روحاً من أمه أتت لزيارة هذا ( الغريب ) ، هو بالفعل غريب في هذه الديار ، فكان احتمال أن تزوره أمه أو روحها ، أكبر من أن يزوره أحد أصدقائه ، أو عائلته ، التي لم يتمنَ يوماً زيارتهم ، وكأنه قطع الرجاء بالأحياء ، فأصبح يطلب من الأموات أن يقوموا بما يجب أن يقوم به الأحياء .

يُريد أن تعود أمه بأي صورة كانت ، حتى لو كانت شبحاً فلن يخاف منه ، وكيف يخاف الطفل الوحيد من شبح أمه ؟ ويردف : أتسمعين صرخات قلبي وهو يذبحه الحنين إلى العراق ؟ ( إلى المكان الذي يوجد به قبرها ) .

البَابُ تَقْرَعُهُ الرِّيَاحُ تَهُبُّ مِنْ أَبَدِ الفِرَاقْ

لازالت الرياح تقرع الباب الذي يهبُّ من فراق أمه الأبدي ، ولا أدري هل هذه نهاية تموزية أم هي شعور ذلك الطفل الذي يئس من عودة أمه ؟

ام تقي الجواد
23-06-2010, 08:50 PM
احسنتم اخي ولك مقطع من قصيده اخرى له هي (غريب على الخليج)
وهي من اهم القصائدالتي تعبر عن حب الوطن والحنين اليه والشوق لمن فيه
احببت فيك عراق روحي اوحببتك انت فيه
يا انتما مصباح روحي انتما
واتى المساء..........
لو جئت في البلد الغريب اليّ ما كمُل اللقاء
الملتقى بك والعراق على يدي هو اللقاء
شوق يخضُ دمي اليه .
كأن كل دمي اشتهاء......
وجزاك الله خيرا اخي الكريم

hussain1
23-06-2010, 09:55 PM
سيرة الشاعر

النص الأخير قبل القبر

البداية السريعة على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، وعلى مسافة تقطعها السيارة في خمس و أربعين دقيقة تقع أبو الخصيب التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى من بينها قرية لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة

تقع على ما يسمى نهر أبو فلوس من شط العرب تدعى جيكور تسير إليها في طريق ملتوية تمتد بالماشي مدى ثلاثة أرباع الساعة من أبي الخصيب وهي الزاوية الشمالية من مثلث يضم أيضا قريتين أخريين هما بكيع وكوت بازل، قرى ذات بيوت من اللبن و الطين، لا تتميز بشيء لافت للنظر عن سائر قرى العراق الجنوبي

فهي عامرة بأشجار النخيل التي تظلل المسارح المنبسطة ويحلو لأسراب الغربان أن تردد نعيبها فيها، و عند أطراف هذه القرى مسارح أخرى منكشفة تسمى البيادر، تصلح للعب الصبيان ولهوهم في الربيع والخريف، وتغدو مجالا للنوارج في فصل الصيف، فكل شخص يعمل في الزراعة ويشارك في الحصاد و الدراس، ويستعين على حياته بتربية الدجاج والأبقار، و يجد في سوق البصرة مجالا للبيع أو المقايضة، ويحصل على السكر و البن و الشاي وبعض الحاجات الضرورية الأخرى لكي ينعم في قريته بفضائل الحضارة المادية، وإذا كان من الطامحين إلى (الوجاهة) فلا بأس أن يفتح ديوانا يستقبل فيه الزائرين من أهل القرية أو من الغرباء ليشاركوه في فضائل تلك الحضارة المادية


السياب - دراسة في حياته وشعره

والبلدة التي ولد الشاعر في إحدى قراها و أكمل دراسته الأولى فيها والتي بقي يتردد إليها طيلة عمره القصير، برز فيها شعراء كثيرون، وان لم يشتهروا كشهرته، لضعف وسائل الأعلام ولخلود أكثرهم إلى السكينة ولعزوفهم عن النشر، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشعراء محمد محمود من مشاهير المجددين في عالم الشعر و النقد الحديث، ومحمد علي إسماعيل، زميل السياب في العالية وصاحب الشعر الكثير، وأبوه شاعر مشهور أيضا و اسمه ملا علي إسماعيل، ينظم القريض والشعر العامي، و الشاعر خليل إسماعيل توفي في 1961 الذي ينظم المسرحيات الشعرية ويخرجها بنفسه ويصور ديكورها بريشته

و الشاعر مصطفي كامل الياسين الدكتور و الموظف الكبير في الخارجية وعبد الستار عبد الرزاق الجمعة، وعبد الباقي لفته و عبداللطيف الدليسي وعبدالحافظ الخصيبي ومؤيد العبدالواحد الشاعر الوجدان بالرقيق ومن رواة شعر السياب، والشاعر الأستاذ سعدي يوسف هو من أبناء أبي الخصيب، ظهرت له عدة دواوين شعرية، ونال شهرة واسعة بين شعراء البلاد العربية، اشتهر كالسياب بشعره الحر

ونذكر الشاعر الشعبي عبدالدايم السياب، من أقارب الشاعر ولشعره شهرة في المنطقة الجنوبية، والشاعر الشعبي كذلك عدنان دكسن وهو معلم

ولد السياب في منطقة (بكيع) بكاف فارسية وجيكور محلة صغيرة فيها وهي كلمة فارسية تعني (بيت العميان) وتبعد عن أبي الخصيب بما يقارب الكيلوين و تقع القرية على شط العرب، وأمامها جزيرة جميلة اسمها (الطويلة) كثيرا ما كان السياب يقضي الساعات الطوال فيها

و نهر (بويب) الذي تغنى به الشاعر كثيرا، يسيل في أملاك عائلة السياب وهو يتفرع من النهر الكبير إنها قرية صغيرة اسمها مأخوذ من العبارة الفارسية (جوي كور) أي الجدول الأعمى

و آل السياب يملكون أراضي مزروعة بالنخيل، وهم مسلمون سنيون عرفتهم جيكور لأجيال عدة. و على الرغم من أنهم لم يكونوا من كبار الملاكين في جنوب العراق، فانهم كانوا يحيون حياة لائقة محترمة حسب المعايير المحلية

إن أعضاء الأسرة من الذكور لا يزيدون على ثلاثين في الوقت الحاضر مصطفى السياب ، في رسالة إلى المؤلف، بيروت 32 نيسان 1966 لكن الأسرة كان أكبر مما هي اليوم في أوائل القرن التاسع عشر إذ كانت تصم عائلة المير

لكن كثيرين من أعضائها ماتوا في الطاعون الذي انتشر في العراق سنة 1831 وكان سياب بن محمد بن بدران المير أحد أعضائها، وكان قد فقد جميع أهله الأقربين

وكلمة سياب بتشديدها بضم السين أو فتحها : اسم يطلق على البلح أو البسر الأخضر. لكن قصة تروى في العائلة تزعم أنه دعي بهذا الاسم لأنه فقد جميع أقربائه وسيب وحيدا. وهي تلفظ سياب في اللهجة المحلية بتسكين السين

وفي عام تزوج شاكر بن عبدالجبار ابنة عمه كريمة،وكانت أمية في السابعة عشرة من عمرها. و أسكنها معه في دار والده على ما تقضي به العادات المرعية. وفي 1926 ولدت له ابنا دعاه (بدرا). وقد طار به فرحا وسجل تاريخ ميلاده حتى يتذكره، لكنه ما لبث أن فقده وبقي تاريخ ميلاد بدر مجهول

ولم تكن إدارة البلاد في ذلك الوقت متفرغة لتنظيم تسجيل المواليد، ولا سيما في النواحي النائية. وفي 1928 ولدت له ابنا ثانيا دعاه عبدالله، وفي 1930 ولدت له ابنا ثالثا دعاه مصطفى وكان فخورا بأبنائه الثلاثة، واثقا من أنهم سيكبرون ويساعدونه في عمله لكن أحدا منهم ما ساعده كما كان ينتظر ويأمل

أما في البيت فقد كان بدر يلعب مع أصدقائه فيشاركه أخواه الأصغران. وكان الأماكن المحببة للعبهم بيت واسع قديم مهجور يدعى (كوت المراجيح) باللهجة المحلية

وكان هذا البيت في العهد العثماني يؤوي عبيد الأسرة (مصطفى السياب، من مقابلة مع المؤلف، بيروت 41 حزيران 1966) و من هنا أسمه، إذا معنى (المراجيح) المراقيق أي الرقي أو العبيد

وقد دعاه بدر في شعره فيما بعد (منزل الأقنان) كانوا يلعبون في فنائه بالقفز على مربعات ودوائر تخطط على الأرض وما شابه ذلك من العاب القفز، واكن يلذ لهم كذلك أن يرووا عنه قصص الأشباح. وقد جعله بدر مقرا لجريدة خطية كان يصدرها مدة باسم (جيكور) تتناقلها أيدي صبيان القرية، ثم تعود في ختام المطاف لتجد محلها على الحائط في غرفة الإدارة

وتشمل ذكرياته أقاصيص جده - على نحو مبهم- وقصص العجائز من عمة وجدة وغيرهما، و من أقاصيصهما حكاية عبد الماء الذي اختطف زينب الفتاة القروية الجميلة، وهي تملأ جرتها من النهر، ومضى بها إلى أعماق البحر و تزوجها، و أنجبت له عددا من الأطفال، ثم رجته ذات يوم أن تزور أهلها، فأذن لها بذلك، بعد أن احتفظ بأبنائه ليضمن عودتها، و لكنها لم تعد, فأخذ يخرج من الماء ويناديها ويستثر عاطفتها نحو الأطفال، و لكنها أصرت على البقاء، و أخيرا أطلق أهلها النار على الوحش فقتلوه، أما الأطفال فتختلف روايات العجائز حول مصيرهم

كذلك تشمل ذكرياته لعبه على شاطئ بويب، وهو لا يفتأ يذكر بيتا في بقيع يختلف عن سائر البيوت، في أبهائه الرحبة، وحدائقه الغناء، ولكن اشد ما يجذب نظره في ذلك المنزل الإقطاعي تلك الشناشيل، وهي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف و الزجاج الملون

غير أن الشاعر حين يتحدث من بعد عن بيت العائلة في جيكور فإنما يعني البيت الذي ولد فيه وعاش فيه سنوات طويلة في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنباته، وهكذا ينبسط اسم (جيكور) على القريتين إذا ليست بقيع في واقع الحال الا حلة من جيكور

ولابد لنا من أن نشير إلى أن بعض الصحفيين زاروا هذا البيت في عام 1965 وكان مما قالوه في وصفه : البيت قديم جدا وعال، وقد تحللت جذور البيت حتى أصبحت كأسفل القبر، والبيت ذو باب كبير كباب حصن كتب عليه بالطباشير اسم ؛ عبدالمجيد السياب

وهو الذي يسكن الآن في الغرفة الوحيدة الباقية كان البيت قبل عشر سنين يموج بالحركة والحياة، أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفه" جريدة الثورة العربية، بغداد عدد 184 - 12 شباط 1965

دخل السياب في أول مراحله الدراسية مدرسة باب سليمان الابتدائية في أبي الخصيب، ثم انتقل إلى المحمودية الابتدائية التي أسسها المرحوم محمود باشا العبدالواحد في سنة 1910 في العهد العثماني، وبقيت تحمل اسمه حتى الآن
و تخرج من هذه المدرسة في تاريخ 1-10-1938
ولدى مراجعة محمود العبطة سجلات المدرسة المحمودية ، عثر على معلومات خاصة بالشاعر نقلها من السجل رقم 6 وصفحة السجل 757 و المعلومات هي :

المحلة : قرية جيكور
تاريخ الولادة 1925
آخر مدرسة كان فيها قبل دخوله المحمودية : مدرسة باب سليما
تاريخ دخوله المدرسة : 1-10-1936
الصف الذي قبل فيه: الصف الخامس
تاريخ الانفصال 1:- 10 - 1938
رسب في الصف السادس سنة : 1937
نجح من السادس سنة: 1938
صفاته :ابيض الوجه - أسود العينين
جيدة أحواله الصحية
جيدة سيرته في المدرسة

عاش بدر طفولة سعيدة غير إنها قصيرة سرعان ما تحطمت إذ توفيت أمه عام 1932 أثناء المخاض لتـترك أبناءها الثـلاثة وهى في الثالثة والعشرين من عمرها. وبدا بدر الحزين يتساءل عن أمه التي غابت فجأة، وكان الجواب الوحيد: ستعود بعد غد فيما يتهامس المحيطون به: أنها ترقد في قبرها عند سفح التل عند أطراف القرية

وغابت تلك المرأة التي تعلق بها ابنها الصغير، وكان يصحبها كلما حنت إلى أمها، فخفت لزيارتها، أو قامت بزيارة عمتها عند نهر بويب حيث تملك بستانا صغيرا جميلا على ضفة النهر، فكان عالم بدر الصغير تلك الملاعب التي تمتد بين بساتين جيكور ومياه بويب وبينها ما غزل خيوط عمره ونسيج حياته وذكرياته

وما كان أمامه سوى اللجوء إلى جدته لأبيه (أمينة) وفترة علاقته الوثيقة بأبيه بعد أن تزوج هذا من امرأة أخرى سرعان ما رحل بها إلى دار جديدة بعيدا عن بدر وأخـويه، ومع أن هذه الدار في بقيع أيضا، غير أن السياب أخويه انضموا إلى دار جده في جيكور

القرية الأم، ويكبر ذلك الشعور في نفس بدر بأنه محروم مطرود من دنيا الحنو الأمومي ليفر من بقيع وقسوتها إلى طرفه تدسها جدته في جيبه أو قبلة تطبعها على خده تنسيه ما يلقاه من عنت وعناء، غير أن العائلة تورطت في مـشكلات كبيرة ورزحت تحت عبء الديون، فبيعت الأرض تدريجيا وطارت الأملاك ولم يبق منها إلا القليل يذكر بالعز القديم الذي تشير إليه الآن أطلال بيت العـائلة الشاهق المتحللة

ويذهب بدر إلى المدرسة، كان عليه أن يسير ماشيا إلى قرية باب سليمان غرب جيكور لينتقل بعدها إلى المدرسة المحمودية الابتدائية للبنين في أبي الخصيب التي شيدها محمود جلبي العبد الواحد أحد أعيان أبي الخصيب، وكان بالقرب من المدرسة البيت الفخم الذي تزينه الشرفات الخشبية المزججة بالزجاج الملون الشناشيل و التي ستكون فيما بعد اسما لمجموعة شعرية متميزة هي شناشيل ابنة الجلبي- الجلبي لقب للأعيان الأثرياء- وفى هذه المدرسة تعلم أن يردد مع أترابه أهزوجة يرددها أبناء الجنوب عند هطول المطر، ضمنها لاحقا في إحدى قصائده

يا مطرا يا حلبي عبر بنات الجلبي
يا مطرا يا شاشا عبر بنات الباشا


وفى هذه المرحلة المبكرة بدأ ينظم الشعر باللهجة العراقية الدارجة في وصف الطبيعة أو في السخرية من زملائه، فجذب بذلك انتباه معلميه الذين شجعوه على النظم باللغة الفصيحة، وكانت العطلة الصيفية التي يقضيها في جيكور مجلبة لسروره وسعادته إذ كان بيت العبيد الذي غدا الآن مهجورا، المكان المحبب للعبهم برغم ما يردده الصبية وخيالهم الفسيح عن الأشباح التي تقطنه
وكانت محبة جدته أمينة تمنحه العزاء والطمأنينة والعطف غير انه سرعان ما فقدها إذ توفيت في أيلول 1942 ليكتب في رثائها قصيدة

جدتي من أبث بعدك شكواي؟
طواني الأسى وقل معيني
أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي
أوصدت قبرك دوني
فقليل على أن اذرف الدمع
ويقضى على طول أنيني

وتفاقم الأمر إذ باع جده ما تبقى من أملاكه مرغما، إذ وقع صغار الملاك ضحية للمالكين الكبار و أصحاب مكابس التمر والتجار والمرابين وكان بدر يشعر بالظلم واستغلال القوى للضعيف وكانت طبيعته الرومانسية تصور له مجتمعا مثاليا يعيش فيه الناس متساوين يتعاون بعضهم مع بعض بسلام

هذه النظرة المثالية عمقها شعور بدر بأن أسرته كانت عرضه للظلم والاستغلال فضلا عما لحق به إذ فقد أمه وخسر أباه و أضاع جدته وسلبت حبيبته منه وكان قد بدأ يدرك انه لم يكن وسيما هذا كله احتشد في أعماق روحه ليندلع فيما بعد مثل حمم بركان هائج تدفق شعرا ملتهبا

في مدينة بغداد صيف 1943 أنهى بدر دراسته الثانوية، وقـبل في دار المعلمين العالية ببغداد (كلية التربية) وكان في السابعة عشرة من عمره ليقضى فيها أربعة أعوام

كتب السياب خلال تلك الفترة قصائد مترعة بالحنين إلى القرية والى الراعية هالة التي احبها بعد زواج وفـيقة ويكتب قصائده العمودية أغنية السلوان و تحية القرية.. الخ

ويكسب في بغداد ومقاهيها صداقة بعض من أدبائها وينشر له ناجي العبيدي قصيدة لبدر في جريدته الاتحاد هي أول قصيدة ينشرها بدر في حياته

تكونت في دار المعلمين العالية في السنة الدراسية 1944-1945 جماعة أسمت نفسها أخوان عبقر كانت تقيم المواسم و الحفلات الشعرية حيث ظهرت مواهب الشعراء الشبان، ومن الطبيعي تطرق أولئك إلى أغراض الشعر بحرية وانطلاق، بعد أن وجدوا من عميد الدار الدكتور متى عقراوي، أول عميد رئيس لجامعة بغداد و من الأساتذة العراقيين والمصريين تشجيعا

كان السياب من أعضاء الجماعة، كما كانت الشاعرة نازك الملائكة من أعضائها أيضا، بالإضافة إلى شاعرين يعتبران المؤسسين للجماعة هما الأستاذان كمال الجبوري و الدكتور المطلبي، ولم يكن من أعضائها شعراء آخرون منهم الأستاذ حازم سعيد من مواليد 1924و أحمد الفخري وعاتكة وهبي الخزرجي

ويتعرف بدر على مقاهي بغداد الأدبية ومجالسها مثل مقهى الزهاوي ومـقـهى ا لبلدية و مقهى البرازيلية وغيرها يرتادها مع مجموعة من الشعراء الذين غدوا فيما بعد (رواد حركة الشعر الحر) مثل بلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد ورشيد ياسين وسليمان العيسى وعبد الوهاب البياتي وغيرهم

ويلتقي امرأة يحبها وهي لا تبادله هذا الشعور فيكتب لها
أبي.. منه جردتني النساء
وأمي.. طواها الردى المعجل
ومالي من الدهر إلا رضاك
فرحماك فالدهر لا يعدل

ويكتب لها بعد عشرين عاما- وكانت تكبره عمرا- يقول
وتلك.. لأنها في العمر اكبر
أم لأن الحسن أغراها
بأني غير كفء
خلفتني كلما شرب الندى ورق
وفتح برعم مثلتها وشممت رياها؟


غلام ضاو نحيل كأنه قصبة، ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل، على عنق دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله العينين الصغيرين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبز (الضبة) العليا منه ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عما اقتساري

وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه الحنطي فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين

وتزداد شـهرة بدر الشاعر النحـيل القادم من أقصى قـرى الجنوب، وكانت الفتيات يستعرن الدفتر الذي يضم أشعاره ليقرأنه، فكان يتمنى أن يكون هو الديوان
ديوان شعر ملؤه غزل
بين العذارى بات ينتقل
أنفاسي الحرى تهيم على
صفحاته والحب والأمل
وستلتقي أنفاسهن بها
وترف في جنباته القبل


يقو ل محمود العبطة:
عندما أصدر الشاعر ديوانه الأول أزهار ذابلة في 1947 وصدره بقصيدة من الشعر العمودي مطلعها البيت المشهور
ديوان شعر ملوْه غزل
بين العذارى بات ينتقل

اطلع علي الديوان الشاعر التقدمي الأستاذ علي جليل الوردي، فنظم بيتا على السجية وقال للسياب ، كان الأولى لك أن تقول
ديوان شعر ملوْه شعل
بين الطليعة بات ينتقل

وفى قصيدة أخرى يقول
يا ليتني أصبحت ديواني
لأفر من صدر إلى ثان
قد بت من حسد أقول له
يا ليت من تهواك تهواني
ألك الكؤوس ولى ثمالتها
ولك الخلود وأنني فاني؟

ويتعرف السياب على شعر وود زورت وكيتس وشيلى بعد أن انتقل إلى قسم اللغة الإنجليزية ويعجب بشعر اليوت واديث سيتويل ومن ثم يقرأ ترجمة لديوان بودلير أزهار الشر فتستهويه
ويتعرف على فتاة أضحت فيما بعد شاعرة معروفة غير أن عائق الدين يمنع من لقائهما فيصاب بإحباط آخـر، فيجـد سلوته في الانتماء السياسي الذي كانت عاقبته الفـصل لعـام دراسي كامل من كليته ومن ثم سجنه عام 1946 لفترة وجيزة
أطلق سراحه بعدها ليسجن مرة أخرى عام 1948 بعد أن صدرت مجموعته الأولى أزهار ذابلة بمقدمة كتبها روفائيل بطي أحد رواد قصيدة النثر في العراق
عن إحدى دور النشر المصرية عام 1947 تضمنت قصيدة هل كان حبا حاول فيها أن يقوم بتجربة جديدة في الوزن والقافية تجمع بين بحر من البحور ومجزوءاته أي أن التفاعيل ذات النوع الواحد يختلف عددها من بيت إلى آخر

وقد كتب روفائيل بطي مقدمة للديوان قال فيها نجد الشاعر الطليق يحاول جديدا في إحدى قصائده فيأتي بالوزن المختلف وينوع في القافية، محاكيا الشعر الإفرنجي، فعسى أن يمعن في جرأته في هذا المسلك المجدد لعله يوفق إلى أثر في شعر اليوم، فالشكوى صارخة على أن الشعر الربي قد احتفظ بجموده في الطريقة مدة أطول مما كان ينتظر من النهضة الحديثة

إن هذه الباكورة التي قدمها لنا صاحب الديوان تحدثنا عن موهبة فيه، وان كانت روعتها مخبوءة في اثر هذه البراعم - بحيث تضيق أبياته عن روحه المهتاجة وستكشف الأيام عن قوتها، و لا أريد أن أرسم منهجا مستقبلا لهذه القريحة الأصيلة تتفجر وتفيض من غير أن تخضع لحدود و القيود، ولكن سير الشعراء تعلمنا أن ذوي المواهب الناجحين، هم الذين تعبوا كثيرا، وعالجوا نفوسهم بأقصى الجهد، وكافحوا كفاح الأبطال، حتى بلغوا مرتبة الخلود
ويتخرج السياب ويعين مدرسا للغة الإنجليزية في مدرسة ثانوية في مدينة الرمادي التي تبعد عن بغداد تسعين كيلومترا غربا، تقع على نهر الفرات. وظل يرسل منها قصائده إلى الصحف البغدادية تباعا، وفى يناير 1949
ألقي عليه القـبض في جـيكور أثناء عطلة نصف السنة ونقل إلى سجن بغداد واستغني عن خدماته في وزارة المعارف رسميا فى25 يناير 1949 وافرج عنه بكفالة بعد بضعة أسابيع ومنع إداريا من التدريس لمدة عشر سنوات، فعاد إلى قريته يرجو شيئا من الراحة بعد المعاملة القاسية التي لقيها في السجن
ثم توجه إلى البصرة ليعمل (ذواقة) للتمر في شركة التمور العراقية، ثم كاتبا في شركة نفط البصرة، وفى هذه الأيام ذاق مرارة الفقر والظلم والشقاء ولم ينشر شعرا قط، ليعود إلى بغداد يكابد البطالة يجتر نهاراته في مقهى حسن عجمي يتلقى المعونة من أصحابه اكرم الوتري ومحي الدين إسماعيل وخالد الشواف، عمل بعدها مأمورا في مخزن لإحدى شركات تعبيد الطرق في بغـداد
وهكذا ظل يتنقل من عمل يومي إلى آخر، وفى عام 1950 ينشر له الخاقاني مجموعته الثانية (أساطير) بتشجيع من أكرم الوتري مما أعاد إلى روحه هناءتها وأملها بالحياة، وقـد تصدرتها مقدمة لبدر أوضح فيها مفهومه للشعر الجديد الذي يبشر به ويبدأ بدر بكتابة المطولات الشعرية مثل أجنحة السلام و اللعنات وحفـار القـبور و المومس العمياء وغيرها
ويضطرب الوضع السياسي في بغداد عام 1952 ويخشى بدر أن تطاله حملة الاعتقالات فيهرب متخفيا إلى إيران ومنها إلى الكويت بجواز سفر إيراني مزور باسم (على آرتنك) على ظهر سفينة شراعية انطلقت من عبادان في يناير 1953، كتب عنها فيما بعد قصيدة اسمها فرار 1953 وهناك وجد له وظيفة مكتبية في شركة كهرباء الكويت حيث عاش حياة اللاجئ الذي يحن بلا انقطاع إلى أهله ووطنه، وهناك كـتب أروع قصائده غريب على الخليج يقول فيها

مازلت اضرب، مترب القدمين أشعث
في الدروب تحت الشموس الأجنبية
مـتخافق الأطمار
أبسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل وحمى
ذل شحاذ غريب بين العيون الأجنبية
بين احتقار، وانتهار، وازورار.. أوخطيه
والموت أهون من خطيه
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية
قطرات ماء.. معدنية

ويعود إلى بغداد بعد انقضاء عدة اشهر يلتقي بأصدقائه القدامى في مقهى حسن، ويقطع صلته بالحركة السياسية التي كان ينتمي إليها بعد تجربته المريرة في الكويت مع بعض رفاقه السابقين الذين عاشوا معه في بيت واحد. ثم يصدر أمر وزاري بتعيينه في مديرية الاستيراد والتصدير العامة، ويستأجر بيتا متواضعا في بغداد ويستدعى عمته آسيه لترعى شؤونه اليومية
تنشر له مجلة الآداب في يونيو 1954 أنشودة المطر تتصدرها كلمة قصيرة جاء فيها من وحي أيام الضياع في الكويت على الخليج العربي ويكتب بعدها المخبر تليها الأسلحة والأطفال وفي المغرب العربي و رؤيا فوكاي و مرثية الآلهة و مرثية جـيكور وينشغل بالترجمة والكتـابة، وتحل سنة1955 حـيث يتزوج من إقبال شقيقة زوجة عمه عبد اللطيف، وهى معلمة في إحدى مدارس البصرة الابتدائية
في العام نفسه نشر ترجماته من الشعر المعاصر في كتاب سماه قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث يحتوى على عشرين قصيدة لأليوت وستويل وباوند سبندر ودي لويس، ودي لامير و لوركا ونيرودا ورامبو وبريفير، وريلكه طاغـور وناظم حكمت وغيرهم
وتقوم حرب السويس اثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ليكتب بعـدها السـيـاب قصيدته بور سعيد ألقاها في اجتماع عقد في دار المعلمين العالية ببغداد تضامنا مع شعب مصر وفى،2 ديسمبر 1956 تولد ابنته البكر غيداء، التي ستصبح مهندسة فيما بعد
ويتعرف في شتاء1957 على مجلة جديدة ستلعب دورا هاما في مرحلته الفنية الجديدة تلك هي مجلة (شعر) اللبنانية كان محررها يوسف الخال وسرعان ما أصبح السياب أحد كتابها العديدين من دعاة التجديد في الشعر العربي مثل أدونيس وأنسي الحاج وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ، لتبدأ قطيعته مع مجلة الآداب التي تبنت نتاجه المدة السابقة
وبدعـوة من المجلة الجديدة يسافر إلى بيروت لاحياء أمسية شعرية تعرف خلالها على أدونيس و أنسي الحاج وشوقي أبى شقرا وفؤاد رفقه ويوسف الخال، ويعود إلى بغداد أشد ثقة بشاعريته. واكثر إحساسا بالغبن في بلده حيث يجابه وعائلته مصاعب الحياة براتب ضئيل

وتستهويه الأساطير التي دلها عليه (الغصن الذهبي) لجو فريزر والذي ترجم جبرا فصلا منه، فيكتب قصائد مثل المسيح بعد الصلب و(جيكور والمدينة) و(سربروس في بابل) و (مـدينة السندباد) وهى قصائد تمتلئ بالرموز مثل المسيح ويهوذا وتموز وعشتار وسربروس والسندباد، ويجئ يوم 23 نوفمبر 1957 لتكتحل عينا الشاعر بابنه غيلان وقد كثف بدر فرحه بمولوده في قـصيـدته مرحى غيلان و فيها يقول
بابا .. بابا
ينساب صوتك في الظلام إلى كالمطر الغضير
ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير
من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق؟
وأظل أسبح في رشاش منه، أسبح في عبير
أن أودية العراق
فـتـحت نوافـذ من رؤاك على سهادي
كل واد
وهبته عشتار الأزاهر والثمار
كأن روحي
في تربة الظلماء حبة حنطة
وصداك ماء أعلنت بعثي
يا سماء
هذا خلودي في الحياة
تكن معناه الدماء

وتأتى صبيحة 14 يوليو 1958 لتعلن عن نهاية الحكم الملكي على يد الجيش وتنسحب الجمهورية الوليدة من حلف بغداد تركيا، إيران، باكستان، العراق وتخرج من كتلة الإسترليني وتعلن قانون الإصلاح الزراعي وتطلق سـراح السجناء السياسيين، ويحس بدر أن ما تمناه طويلا قد تحقق، غير أن آمال بدر قد تهاوت اثر الانقسامات والاحترابات التي عصفت بالمجتمع آنذاك
وفى السابع من أبريل 1959 فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات بأمر وزاري لتبدأ من جديد رحلة التشرد والفقر، كان نتاجها عدد من القصائد مثل العودة لجيكور و رؤيا في عام 1956 و المبغى

في يوليو 1960 يذهب إلى بيروت لنشر مجموعة من شعره هناك، وتوافق وجوده مع مسابقة مجلة شعر لأفضل مجموعة مخطوطة فدفع بها إلى المسابقة ليفوز بجائزتها الأولى (1000 ل. ل) عن مجموعته أنشودة المطر التي صدرت عن دار شعر بعد ذلك

وعاد إلى بغداد بعد أن ألغي فصله وعين في مصلحة الموانئ العراقية لينتقل إلى البصرة ويقطن في دار تابعة للمصلحة في الوقت نفسه بدأت صحته تتأثر من ضغط العمل المضني والتوتر النفسي، غير انه اعتقل ثانية في 4 فبراير 1961 ليطلق سراحه في 20 من الشهر نفسه، و أعيد تعيينه في المصلحة نفسها، غير أن صحته استمرت بالتدهور فقد بدا يجد صعوبة في تحريك رجليه كلتيهما وامتد الألم في القسم الأسفل من ظهره

في 7 يوليو 1961 رزق بابنته آلاء في وقت ساءت فيه أحواله المالية، وغدا مثل قصبة مرضوضة. وحملته حالة العوز إلى ترجمة كتابين أمريكيين لمؤسسة فرانكلين، جرت عليـه العـديد من الاتهامـات والشكوك
ثم تسلم في العام نفسه دعوة للاشتراك في (مؤتمر للأدب المعاصر) ينعقد في روما برعاية المنظمة العالمية لحرية الثقافة

ويعود إلى بفداد و من ثم إلى البصرة- محلة- المعقل- حيث الدار التي يقطنها منذ تعين في مصلحة الموانئ، يكابد أهوال المرض إذ لم يعد قادرا على المشي إلا إذا ساعده أحد الناس ولم يعد أمامه سوى السفر وهكذا عاد إلى بيروت في أبريل 9962 في 18 أبريل 1962 أدخل مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد محاولات فاشلة لتشخيص مرضه غادر المستشفى بعد أسبوعين من دخوله إليه بعد أن كتب قصيدته الوصية يخاطب فيها زوجته
إقبال، يا زوجتي الحبيبه
لا تعذليني، ما المنايا بيدي
ولست، لو نجوت، بالمخلد
كوني لغيلان رضى وطيبه
كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه

ويزوره اكـثر من طبيب في مرضه الميؤوس منه، وتنفد النقود التي تبرع بها أصدقاؤه له، وينشر له أصحابه ديوانه المعبد الفريق عن دار العلم للملايين لكن الدخل الضئيل الذي جناه منه لم يسد نفقات علاجه، وازدادت حاله سوءا وابتدأت فكرة الموت تلح عليه وهو ما نراه في قصيدة نداء الموت ليعود بعدها مدمرا نهاية سبتمبر 1962 تلاحقه الديون إلى البصرة، وتكفلت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بنفقاته لعام كامل بعد أن رتبت له بعثة دراسية

يقول جبرا إبراهيم جبرا
في أواخر عام 1961 كانت وطأة المرض في بدء شدتها على الشاعر، حتى أخذ يفكر في أن لابد له من علاج في لندن قد يطول. ولما كان قد حصل على زمالة دراسية، كان الاقتراح أن ينخرط طالبا في جامعة إنكليزية للدراسة من أجل الدكتوراه

في أثناء ذلك ينصرف أيضا لمعالجة مرضه. وكان عندها أن سعيت له مع صديقي المفكر العربي الأصل، الأستاذ ألبرت حوراني، الأستاذ في جامعة أكسفورد لقبوله بأسرع ما يمكن، وكان التأكيد على السرعة
فأبدى الأستاذ حوراني حماسة للفكرة، و حاول أن يجد له مكانا في الجامعة غير أن قبوله لم يكن ليتم في الحال - والذين حاولوا أيجاد مكان لهم في أكسفورد يعلمون بالمدة الطويلة التي لابد من انقضائها أحيانا بين تقديم الطلب و القبول النهائي- ولما لم يكن ثمة مجال للانتظار

ومرض بدر في تصاعد سريع أخذ يعيق عليه سيره، استطاع الأستاذ حوراني أن يجد له قبولا في جامعة درم وهي من جامعات شمال إنكلترا، المعروفة بدراساتها الشرقية وفي أوائل خريف 1962 سافر در إلى إنكلترا لأول مرة والمرض يكاد يقعده، وتوجه إلى مدينة درم، وهو شديد القلق و المخاوف على حالته الصحية

درم مدينة جبلية صغيرة، ابتنت شهرتا على وجود جامعة فيها هي من أفضل الجامعات البريطانية. بيد أنها رغم جمالها الطبيعي، وجمال كلياتها التي يتباهى بعضها بروائع هندستها المعمارية، مدينة يلفها الضباب في معظم أيام السنة، ولقربها من مناجم الفحم المحيط بها من كل صوب، يشتد فيها الضباب قتاما أيام الخريف و الشتاء لدرجة الكآبة
وهي في مثل هذا القتام الكئيب أدركها بدر وهو ينوء بعبء سقامه. ويبدو أنه أقام فيها بضعة أيام كانت له أيام خيبة ومرارة، كتب في كل يوم منها. ولم يستطع أن ير أحدا، ولم يره أحد. واستقل القطار بعدها عائدا إلى مستشفي في لندن، حيث نظم شعرا كثيرا يحمل بعض ما أحس به من كآبة في تلك المدينة الصغيرة التي لم تتح له أن يرى فيها شيئا من فتنة كان يتوقعها

في نهاية عام 1968، إذ كنت في جولة بين بعض الجامعات الإنكليزية أحاضر عن الأدب العربي، ذهبت إلى درم لأول مرة، وألقيت فيها محاضرة على جمهور جامعي، وكان التجاوب بيننا حارا، طيبا. وتحدثت عن بدر، وذكرت كيف انه انخرط طالبا في درم، ولو لأيام قلائل، وتوقعت أن يكون بين الأساتذة على الأقل من يعلم بذلك
وكانت الدهشة كبيرة : السياب طالب في درم
لم يعلم بذلك أحد. لم يكن قد سمع بذلك أحد، حتى من المعنيين بالدراسات المعاصرة. دهشة طيبة، ولكن، رحماك يا بدر، لم تعلم الجامعة حتى بمجيئك
لكنت ضحكت ولا ريب، غير أنها الآن تعلم، وتفخر بأنك قضيت فيها عدة من أيام في مستشفى لندن كتب السياب العديد من القصائد لعل من أهمها سفر أيوب لك الحمد مهما استطال البلاء
و مهما استبد الألم
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وان المصيبات بعض الكرم

وفي درم كتب قصيدة الليلة الأخيرة وكانت زيارته إلى درم تجربة مريرة في الوحدة والبرد والمرض، وهناك اسـتعان بعكاز اصطحبه إلى لندن حيث لزم غرفته فقيرا وحيدا بانتظار تحويل مصرفي من المنظمة العالمية لحرية الثقافة في باريس
وبين الأمل واليـأس والمراسلات المستمرة انقضت أيامه في المستشفى موحشة باردة حتى صدرت مجموعته منزل الأقنان في بيروت- مارس 1963 بعد أن غادر بدر المستشفى بأيام قليلة، ليكتب بعدها مجموعة قصائد اشهرها شناشيل ابنة الجلبي مستذكرا كعادته طفولته وصباه في جيكور وأبي الخصيب وبين أفياء النخيل الوارفة وظلال البساتين ومجارى الأنهار

وفى15 مارس 1963 طار إلى باريس في طريق العودة إلى الوطن تحت إلحاح زوجته ورسائلها التي تصف الحالة المزرية التي ترزح تحت وطأتها العائلة، وفى باريس عرفه أصحابه بلا جـدوى على عـدد من الأطباء الفرنسيين، وفى 23 مارس 1963 غادر باريس على كرسي متحرك من مطار أورلي
وقد ذكرت لوك نوران كيف جاءت هي وأدروار طربيه و ماري جورج و سيمون جارجي لتوديع بدر في المطار فبدا بدر لها وكأنه ذاهب ضد الزمن وضد الموت
وعندما جاءت المضيفة لتأخذه إلى ذلك الجانب الغامض من المطار حيث لا يسمح بدخول أحد غير المسافرين، وعندما دفعت كرسيه الدراج إلى الباب فانفتحت دفتاه ثم أغلقتا مثل فخ، شعرنا بقلبنا يتوقف
فقد اختفى بدر وهو عالق بابتسامة المضيفة بتجلد. كان قد التفت نحونا وهز يده ولكننا كنا نعلم أنه كان يغور في الفراغ. كان بدر يموت للمرة الأولى بالنسبة لنا، بينما ابتسامة الموت ترتسم على شفتي امرأة
ولم يمر أسبوعان على وصول بدر إلى البصرة، حتى فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات ابتداء من 4 نيسان 1963 بناء على مقتضيات المصلحة العامة، واستنادا لأحكام المادة 2-أ من قانون تطهير الجهاز الحكومي رقم 2 لسنة 1958

كانت هذه صدمة شديدة زادت من هموم بدر/ فكتب رسالة إلى لجنة الاعتراضات الخاصة بالمفصولين و المعزولين، وأرسلها إلى بغداد وفيها يحتج لبراءته و يؤكد ولاءه للعهد الجديد. ولكنه قبل النظر في أمره كان بلا عمل وبلا دخل وكانت أول قصيدة كتبها بعد رجوعه إلى البصرة هي ليلة في العراق :

وعدت إلى بلادي، يالنقالات إسعاف
حملن جنازتي، ماتمدد فيها أثن رأيت غيلانا
يحدق ، بانتظاري، في السماء وغيمها السافي
و ما هو غير أسبوعين ممتلئين أحزانا
ويفجأني الن1ير بأن أعواما من الحرمان و الفاقة
ترصد بهي هنا، في غابة الخوذ الحديدية

بعد ذلك بدأ بدر يعمل كمراسل أدبي لمجلة حوار في العراق، بعد أن نال موافقة جون هنت، سكرتير المنظمة العالمية لحرية الثقافة في بباريس. وبدأ يرسل إلى توفيق صايغ محررها في بيروت، تقارير فصلية عن الحركة الأدبية في العراق،وكان يدفع له أربعين دولارا على التقرير
وصار ينشر شعره كذلك في هذه المجلة التي كانت تدفع لكتابها مبالغ طيبة. و كانت الأوساط الفكرية القومية قد بدأت ترتاب بها و تهاجمها على أنها أداة من أدوات الاستعمار الغربي وتسلله الثقافي
ولم تتحسن صحته بدر على الرغم من أنه واصل اخذ الدواء الذي وصفه له الدكتور في باريس، وسال سيمون جارجي أن يرسل له المزيد منه. وكان يستصعب المشي الآن حتى بعكاز، وقد وقع على الأرض مرارا وهو يحاول المشي مجررا قدميه. و عندما مات أبوه في أوائل 1963 ، في عيد الأضحى، لم يستطع أن يذهب إلى المسجد لحضور جنازته. وكان يقضي معظم وقته في البيت
ولم يكتب شعرا مدة طويل، ولكنه عمل على ترجمة فصول عينها له جبرا من كتاب الشعر و النثر الأمريكيان الذي كان سينشر في بيروت بتكليف من مؤسسة فرنكلين في بغداد باشتراك مترجمين آخرين
وفي هذا الوقت قبل بدر أن يعالجه بدوي من الزبير، فكوى ساقيه وظهره بالنار ثم أعطاه بعض المراهم ليدهن بها أطرافه المشلولة. لم يكن لهذا (العلاج) فائدة وقبل بل بدر في يأسه كذلك أن يعالجه سادات البصرة من الرفاعية الذين كانوا يدعون العلم بالعلاج الروحاني
فحل عندهم يومين تحسنت صحته بعدهما، ربما بفعل الإيحاء الذاتي، لكن التحسن كان قصير الأجل. ولم يعد تعيين بدر في وظيفته السابقة في مصلحة الموانئ العراقية إلا في 11 تموز 1963
وكان صديقه مؤيد العبدالواحد يرافقه يوميا إلى العمل ومنه إلى البيت. لكن بدر لم يكن في الواقع قادرا على شيء يذكر من العلم في حالته السيئة تلك. و كتب إلى سيمون جارجي في 21 تشرين الأول 1963 يقول : إنتاجي الشعري، هذه الأيام، قليل جدا، وذلك لانعدام أية تجربة شعرية جديدة
إنني نادرا ما أغادر الدار إلا إلى مقر عملي. كما أنى سئمت من الضرب على وتر أنا مريض فيما أكتب من شعر
وقد فكر بدر، وهو يعيش ذكريات الماضي وينتج القيل من الشعر، أن يعيد شيء من شعر الباكر فاختار من أزهار ذابة- القاهرة 1048- و أساطير -النجف 1950- عددا من القصائد ولا سيما من المجموعة الأخيرة، فشذبها وهذبها وحذف منها قليلا، ونشرها في بيروت في تشرين الأول 1963 بعنوان أزهار وأساطير
وكان مجرى الأحداث السياسية في العراق يسوء فحيث كان بدر يأمل أن يرى جبهة متضامنة تؤيد العهد الجديد الذي أطاح بقاسم، كان هناك صراع على السلطة. وكان البعثيون يحاولن السيطرة على البلاد، لكن الرئيس عبد السلام عارف والجيش أحبطا خططهم في تشرين الثاني 1963
وكان الصراع على السلطة يعتبر أهم من الوحدة الوطنية و تنفيذ الإصلاحات الواسعة التي وعدت بها ثورة 14 تموز 1958، وأعادت تأكيدها ثورة 41 رمضان 1382 8 شباط 1963
لكن بدرا كان قد بلغ به المرض حدا ما عاد به يقوى على الاهتمام. بل أنه كان يشعر كأنه أسير في سفينة قراصنة، أزيل ربانها وقام ثان طموح مكانه لن يلبث أن يزال أيضا، وهكذا باستمرار

وفي 29 تشرين الثاني 1963 كتب قصيدة أسير القراصنة يصف فيها حسرته لأنه مشلول، ويتمنى لو كان يستطيع المشي ويفضل ذلك على كونه شاعرا يعزف القيثار باسم الجراح ، ثم يقول لنفسه .
و أنت في سفينة القرصان عبد أسير دونما أصفاد تقبع في خوف وإخلاد تصغي إلى صوت الوغى والطعان
سال دم
اندقت رقاب ومال
ربانها العملاق
وقام ثان بعده ثم زال
فامتدت الأعناق
لأي قرصان سيأتي سواه
و أي قرصان ستعلو يداه
حينا على الأيدي ؟
وليأت من بعدي
من بعدي الطوفان
تسمعها تأتيك من بعد
يحملها الإعصار عبر الزمان

وكان بدر في غضون ذلك هدفا لحملات صحفية بسبب تناقضاته السياسية في الماضي وموقفه غير الملتزم في الحاضر. وكانت علاقاته بمجلة جوار و المنظمة العالمية لحرية الثقافة تذكر ضده
وكان معظم الناس يحكم عليه أشد الحكم بناء على ما كتب أو ما كان يكتب ولكن قلائل كانوا يعلمون حقا مبلغ مرضه ومدى ضعفه، إذ كانوا لا يزالون يحسبون أنه عملاق الشعر العربي الحديث الذي يجب أن يكون دائما عند كلمته بينما لم يكن عند بدر الا أن يندب حظه ويتحسر على عمره الضائع ويرغب في الموت


قال في رسالة إلى صديق :
( لا أكتب هذه الأيام إلا شعرا ذاتيا خالصا. لم اعد ملتزما. ماذا جنيت من الالتزام؟ هذا الفقر وهذا المرض؟ لعلي أعيش هذه الايام آخر أيام حياتي
إنني أنتج خير ما أنتجته حتى الآن. من يدري؟ لا تظن أنني متشائم، العكس هو الصحيح لكن موقفي من الموت قد تغير
لم أعد أخاف منه، ليأت متى شاء. أشعر أنني عشت طويلا. لقد رافقت جلقامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، و عشت التاريخ العربي كله ألا يكفي هذا؟ تمثال السياب
وكانت حالته الصحية تزداد سوءا كل يوم وكاد فقد القدرة على الوقوف الآن كان طريح الفراش في إجازة مرضية وقد بدأت تظهر له في منطقة الأليتين قرحة سريرية جعلت تتوسع لطول رقاده في السرير
ولم يعد قادرا على ضبط حركتي التبول و إفراغ الأمعاء لضعف الأعصاب الاحساسية والعضلات الضابطة في جذعه الأسفل
ومرت بامرأته أيام عصيبة وهي تتفانى في خدمته وتوفر أسباب الراحة له وعلى الرغم من أنه كان يتمتع بكامل قواه العقلية فانه كان أحيانا يتهمها بعدم العطف عليه
وفي كانون الثاني 1964 سمع بدر بوفاة الشاعر لويس مكنيس، فكتب قصيدة لهذه المناسبة. ولكنه لم يستطع أن يحجم عن الإشارة إلى مرضه وغربته عن زوجته وتمنى الموت. وكان يدخن كثيرا ويأكل قليلا جدا
واذا به في 9 شباط 1964 في حالة صحية حرجة استدعت إدخاله إلى مستشفي الموانئ في البصرة، وهو يعاني ارتفاع حرارته إلى أربعين درجة مئوية، بالإضافة إلى عسر في التنفس مع ازرقاق الشفتين وسعال شديد
و بعد الفحص تبين أنه مصاب بذات الرئة المزدوجة وبداية خذلان القلب، وإسهال شديد مع تقيؤ، وقرحة سريرة متعفنة قطرها 25 سنتيمترا في المنطقة الحرقفية، بالإضافة إلى شلل أطرافه السفلى وهزاله الشديد
فوضع مدة أسبوع كامل تحت المعالجة الخاصة بالحالات الطارئة الحرجة في المستشفى الحكومي، وبعد أن زال الخطر عن حياته مباشرة، وبعد أن بدأت حالة قلبه ورئتيه تتحسن عولج لإزالة الإسهال الذي كان يزيد قرحته السريرية سوءا
وعندما بدأ الإسهال يزول اصبح في الإمكان معالجة قرحته السريرية، فتحسنت حالتها و أصبحت غير متقيحة. غير أن التئامها بطريقة نمو الأنسجة الذاتي كان مشكوكا فيه إلا بعملية رقع الجلد

وقد كتب بدر بهذا الشأن رسالة مؤثرة إلى توفيق صايغ يسأله فيها أن يرسل مسحوقا طبيا لجراح الناغرة و الفاغرة يشتريه له من صيدليات بيروت
وقد أعطي بدر كميات كبيرة من الأدوية المقوية ، فضلا عن الكميات الإضافية من الحليب و اللحوم و الأسماك و الفواكه، مع العلم أنه لم يكن في المستشفى إلا أسرة من الدرجة الثالثة التي لا تقدم لها هذه الأغذية وبمثل هذه الكميات
فازداد وزن بدر اكثر من ثمانية كيلوغرامات، وبوشر باجرء تمارين رياضية بسطة لأطرافه السفلى. و كان الطبيب يعلم أن لا علاج لمرض التصلب المنتشر في النخاع الشوكي المسبب للشلل، ولكنه اقترح أن ينقل بدر إلى أحد مستشفيات بغداد ليوضع تحت إشراف طبيب أخصائي بأمراض الجهاز العصبي
وفي أول نيسان 1964 انتهت المدة التي يحق لبدر فيها أن ينال إجازات مرضية واجازات اعتيادية براتب تام 54 دينارا عراقيا، وكذلك المدة التي يحق له فيها أن ينال إجازات مرضية بنصف راتب، بمقتضى أحكام قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960
ولكنه لم يستطع أن يغادر المستشفى لاستئناف العمل في مصلحة الموانئ. لذلك بدأت مدة الإجازة المرضية بدون راتب التي يسمح بها القانون، وطولها 180 يوما وفي 8 نيسان 1964 أرسلت جمعية المؤلفين و الكتاب العراقيين ببغداد، وكان بدر عضوا فيها، رسالة إلى وزارة الصحة العراقية تتوسط لديها لمعالجة بدر
وجوابا على استفسارات الوزارة، أرسلت الجمعية رسالة أخرى في 26 نيسان 1964 فيها معلومات عن حالة بدر المرضية و معالجته في مستشفى الموانئ، مع رجاء حار بسرعة توفير الأخصائيين الطبيين لمساعدة بدر
ولكن الرسميات في الدوائر الحكومية طالت، بحيث أن شهر حزيران 1964 كاد ينتهي قبل أن تتخذ ترتيبات لنقل بدر بالقطار إلى بغداد ليوضع في غرفة من الدرجة الأول ويعالج في مستشفى الشعب ببغداد وصدرت دعوة المستشفى بتاريخ 29 حزيران 1964، ولكنها لم تصل بدرا إلى في 5 تموز 1964
وكانت ترتيبات خاصة أخرى قد اتخذت قبل ذلك لمعالجة بدر في الكويت وذلك أن الشاعر الكويتي علي السبتي كان قد نشر نداء موجها لوزير الصحة الكويتي عبداللطيف محمد الثنيان يناشده فيه معالجة بدر في الكويت على حساب الحكومة الكويتية فرحب وزير الصحة بذلك وكان معجبا بشعر بدر فاتخذت الترتيبات لأن يجئ بدر إلى الكويت بالطائرة ليعالج في المستشفى الأميري
في 5 تموز 1964، كتب بدر كلمة شكر واعتذار على رسالة الدعوة التي جاءت من مستشفى الشعب ببغداد يشرح الترتيبات السابقة مع الحكومة الكويتية. وفي 6 نموز طار إلى الكويت على إحدى طائرات الخطوط الجوية العراقية وكان وحده
فاستقبله في المطار الكويتي صديقه علي السبتي مع أصدقاء آخرين. وادخل المستشفى الأميري في الحال ووضع في غرفة خاصة و أحيط بكل عناية واهتمام


غير أن لا عناية ولا اهتمام مهما حسنا كان بإمكانهما أن يعيدا الصحة لبدر فقد كانت صحته في تأخر وانحدار متزايدين، وكان التصلب يسوء صعدا في نخاعه الشوكي ويزيد في إفساد وظائف جهازه العصبي، وساءت حالة قرحته السريرية بفقدان الإحساس في جذعه الأسفل وعدم قدرته على السيطرة على البراز و البول
وكانت رجلاه الضامرتان بلا قوة، وقد أدى عدم استعمالهما إلى بداية فساد في العظام نفسها ولكنه كان متمالكا لجميع قواه العقلية، وكان برى أنه يعيش في حضن الموت

> و لم يكن في حاجة لأن يقول له أحد أن أيامه كانت معدودة. لماذا إذن اذلال الجسد، ولماذا آلام الروح؟ ليأت الموت سريع، وليأت فجأة .

وفي ليلة 9 تموز 1964 كتب قصيدة عنوانها في غابة الظلام بينما كان ساهرا يفكر بحالته الحزينة وبابنه غيلان يحلم بعودة والده، وختمها بقوله:
أليس يكفي أيها الإله
أن الفناء غاية الحياه
فتصبغ الحياة بالقتام ؟
سفينة كبيرة تطفو على المياه؟
هات الردى ، أريد أن أنام
بين قبور أهلي المبعثرة
وراء ليل المقبرة
رصاصة الرحمة يا اله

لقد بلغ به اليأس مبلغا حتى أنه طلب من الله رصاصة الرحمة، طلب موتا فجائيا ينهي شقاءه برحمة .

وكان يزوره في المستشفى يوميا كثيرون من أصدقائه مثل علي السبتي وناجي علوش، وإبراهيم أبوناب وفاروق شوشه وسلمى الخضراء الجيوسي مع زوجها. وكان وزير الصحة الكويتي وغيره من كبار الرسميين الكويتيين يزورونه كذلك، ولم يكن بدر وحيدا ، بل أنه في الواقع كان ينزعج أحيانا من طول جلسات الشعراء و الكتاب والصحفيين التي كانت تدوم إلى ساعات متأخرة من الليل

وما أعظم ما كنت سعادته حين تسلم رسالة من زوجته في 3 آب 1964، فكتب قصيدة عنوانها (رسالة) يصف فيها شعوره بالقلق على أسرته. وفي ليلة 5 آب 1964 كان يفكر مشتاقا بابنتيه غيداء وآلاء وينتظر وصولهما مع غيلان وزوجته إقبال في اليوم التالي. فكتب قصيدة عنوانها (ليلة انتظار)، وفيها يقول :
غدا تأتين يا إقبال ، يا بعثي من العدم
ويا موتي ولا موت
ويا مرسى سفينتي التي عادت ولا لوح على لوح
ويا قلبي الذي إن مت أتركه على الدنيا ليبكيني
ويجأر بالرثاء على ضريحي وهو لا دمع ولا صوت
أحبيني ، إذا أدرجت في كفني .. أحبيني
ستبقى - حين يبلى كل وجهي ، كل أضلاعي
وتأكل قلبي الديدان ، تشربه إلى القاع
قصائد .. كنت أكتبها لأجلك في دواويني
أحبيها تحبيني

ووصلت إقبال و أولادها إلى الكويت في اليوم التالي ونزلوا في بيت علي السبتي خلال اقامتهم في الكويت. وكانت إقبال تزور زوجها في المستشفى كل يوم فتؤنسه وتخدمه
وكانت رؤية أطفاله تدمي قلبه على رغم ما كانت تدخل إليه من سعادة. فقد كان يعلم أنه مائت وتاركهم وراءه
ولم يكن بدر الآن قادرا على كتابة الشعر بتدفق كالسابق. على الرغم من الحافز الأقوى على الكتابة وفي 14 آب 1964 كتب قصيدة (المعول الحجري) وفيها يقول
رنين المعول الحجري يزحف نحو أطرافي
سأعجز بعد حين عن كتابة بيت شعر في خيالي جال
فدونك يا خيال مدى و آفاق ألف سماء
وفجر من نجومك ، من ملايين الشموس من الأضواء
وأشعل في دمي زلازال
لأكتب قبل موتي أو جنوني أو ضمور يدي من الإعياء
خوالج كل نفسي ، ذكرياتي ، كل أحلامي
و أوهاني
و اسفح نفسي الثكلى على الورق
ليقرأها شقي بعد أعوام وأعوام
ليعلم أ، أشقى منه عاش بهذه الدنيا
وآلى رغم وحش الداء والآلام و الأرق
و رغم الفقر أن يحيا

وينهي بدر قصيدته مودعا أصدقاءه وأحباءه، وهو يعلم أن مرضه لن يسمح له بمزيد من الحياة

وفي ليلة 21 آن 1964 كتب قصيدة عنوانها ليلة وداع أهداها إلى زوجتي الوفية وفيها يعبر بدر عن حبه لزوجته وعطفه عليها وشعوره معها في وحدتها ويتمنى لو كان بمقدورها أن تشعر معه ويقول :

آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دم
ميت الساقين محموم الجبين
تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي
تائها في واحة خلف دار من سنين
و أنين
مستطار اللب بين الأنجم

وعندما يتحدث عن حبه لها يتمنى لو كانت أقل غيرة و أكثر صراحة ويقول :
آه لو كنت كما كنت صريحه
لنفضنا من قرار القلب ما يحشو جروحه
ربما أبصرت بعض الحقد ، بعض السأم
خصلة من شعر أخرى أو بقايا نغم
زرعتها في حياتي شاعره
لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقى دمي
إنها ذكرى ولكنك غيرى ثائره
من حياة عشتها قبل لقانا
أوصدي الباب . غدا تطويك عني طائرة
غير حب سوف يبقى في دمانا

عادت زوجته و أطفاله إلى العراق في اليوم التالي
وكان بدر خلال اقامته في المستشفى يكسب بعض المال بنشر قصائده في الصحف الكويتية التي كانت تدفع له جيدا. ومنه مجلة (الرائد العربي) التي كان يحرر فيها إبراهيم أبو ناب، فكانت تدفع له عشرة دنانير عن كل قصيدة
وكان بدر في غضون ذلك يقوم باتصالات لنشر مجموعة جديدة من شعره لدي دار الطليعة في بيروت، بعنوان شناشيل ابنة الجلبي
وكانت صحته قد هبطت هبوطا شديدا. وفقد الشهية للطعام وزاد هزاله. وعلى الرغم من تعاطي الأدوية المقوية فقد بلغ ضعفه درجه أصبح معها يجد صعوبة في الكلام أحيانا
وقد أصيب بكسر في عنق عضل فخذه اليسرى بينما كانت المدلكة تقوم بتدليكه، وذلك لذوبان الكلس في العظام
وفي أيلول 1964 أصيب مرتين بالنزلة الصدرية وصل فيها إلى حالة خطيرة كادت تودي بحياته لولا العلاجات التي أعطيت له بكميات كبيرة
وفي أواخر أيلول 1964 عندما لم يكن بعد قد تغلب على نزلته الصدرية أرسلت له مصلحة الموانئ العراقية في البصرة رسالة تخبره فيها أنه ابتداء من بعد ظهر 27 أيلول 1964 انتهت مدة أجازته المرضية البالغة 180 يوما بدون راتب، وأنه لعدم استئنافه العمل أحيل على التقاعد استنادا لأحكام الفقرة 30ب من المادة 46 من قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960. ولم يكن أثر هذه الرسالة في بدر حسنا بالطبع
وقفي تشرين الأول 1964 بلغ الضعف حدا لم يعد منه قادرا على الأكل، واستوجبت الحالة تغذيته بواسطة أنابيب تدلى من أنفه. وقد أرسلت له جمعية المؤلفين و الكتاب العراقيين ببغداد منحة مالية قدرها مائة دينار عراقي في محاولة لمساعدته ماليا ومعنويا. بيد أن أية مساعدة لم تكن مجدية
وبدأت تنتاب بدرا نوبات من الهذيان و التصورات الوهمية، فان هزاله وضعفه الشديد و اضطراب جهازه العصبي بدأت تؤثر في دماغه. و كان يستعيد صفاءه الفكري مدة ساعات ليعود بعدها إلى حالة من الاضطراب الفكري


وقد وصفته الشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي في هذه الفترة ، فقالت:
بدر إلى سرير المستشفى- المستشفى الأميري في الكويت- الغرفة رقم 1 ، وفي أنفه أنبوب الطعام، و الحياة تهجر جسمه الذي أذوته الجهود و الأوجاع، وعذبه ترقب الموت. انه يناديني نعم يا بدر. صوتي مرهق وخافت
إذا ينطلق في هواء الغرفة الساخن الحزين. لقد كنت ارتجف. وأوشك على البكاء هل تعلمين؟ لقد ضاع دفتر شعري الجديد وبصوت لا يكاد يسمع إقبال لم تجئ. ثم بعد لحظات لقد ضاع مني كل شيء
هراء قلتها له ألف مرةإن ما ملكت لا يضيع. ما كان أفقرنا لو ضاع منا ما أعطيت انهم لم يروك كما رأيتك أنا، في تلك النهاية البطيئة التي تحطم القلب الأنابيب و البثور ة الهذيان و الطعام الذي لم يمس
لحظات الصفاء اللامعة ثم الكابوس و الانهيار، مودتك وحكاياتك و طلباتك الصغيرة، ينبوع الشعر الذي ظل يتفجر من قلبك
لقد عرفت لحظة الشعر في نفسك أطراف النقيضين: ينبوع الشعر، والانكسار المغدور البائس و انسحاقه في الموت
ويقول الدكتور محمد أبو هنطش مدير المستشفى الأميري بالكويت ويروي إبراهيم أبو ناب أن بدرا حدثه كيف كان إبليس يحاول جره إلى النار، وكيف كان هو يقاوم ويمانع ويدافع عن نفسه، بأنه ليس الشخص المراد به ذلك
ويقول ناجي علوش أنه كان يسمع بدرا يهذي بالجن و الأرواح ويقول راضي صدوق أن بدرا في لحظات صفائه الفكري، كان يعتذر لأصدقائه عما قد يكون قاله لهم خلال لحظات هذيانه وتصوراته الوهمية
وكان بدر يدخن كثيرا ويشرب الشاي الثقيل. ولم يكتب شعرا مدة طويلة. وفي 10 تشرين الثاني 1964 ، كتب بدر قصيدة عنوانها عكاز في الجحيم وهي على ما يروى علي السبتي آخر ما كتب بدر من قصائد
ولكن هناك قصيدة أخرى غير مؤرخة عنوانها إقبال و الليل يقول فؤاد طه العبد الجليل أخو زوجة بدر الذي نشر مجموعة بدر الأخيرة، إنها قد تكون آخر ما كتب بدر. وربما كتبت في حدود هذا التاريخ .
وفي القصيدة الأولى يلخص بدر تاريخ عذابه الذي سجنه في سريره وحد من انطلاقة عبقريته ويقول:
وبقيت أدور
حول الطاحونة من ألمي
ثورا معصوبا، كالصخرة، هيهات تثور
والناس تسير إلى القمم
لكني أعجز عن سير - ويلاه- على قدمي
وسريري سجني ، تابوتي، منفاي إلى الألم
و إلى العدم

ثم يقضي في قوله كيف كان يتوقع أن يقدر على المشي يوما ولو على عكازين. لكنه الآن يرغب أن يسعى على رأسه أو ظهره ليصل القبر ويشق دربه إلى الجحيم. ويصرخ في وجه موكلها :
لم تترك بابك مسدودا ؟ ولتدع شياطين النار
تقتص من الجسد الهاري
تقتص من الجرح العاري
وتأت صقورك تفترس العينين و تنتهش القلبا
فهنا لا يشمت بي جاري
أو تهتف عاهرة مرت من نصف الليل على داري
بيت المشلول هنا ، أمسى لا يملك أكلا أو شربا
وسيرمون غدا بنتيه وزوجته دربا
وفتاة الطفل إذا لم يدفع متراكم إيجار
انثرني ويك أباديدا
وافتح بابك لا تتركه أمام شقائي مسدودا
ولتطعم جسمي للنار

وفي القصيدة الأخرى يلخص بدر في ليلة طويلة ساهرة حبه للعراق وجيكور ولأصدقائه وأقاربه، ولزوجته و أطفاله، ويوجه الكلام لزوجته فيقول :
يا أم غيلان الحبيبة صوبي في الليل نظره
نحو الخليج. تصوريني اقطع الظلماء وحدي
لولاك ما رمت الحياة، ولا حننت إلى الديار
حببت لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار
لم توصدين الباب دوني؟ يا لجواب القفار
وصل المدينة حين أطبقت الدجى ومضى النهار
والباب أغلق فهو يسعى في الظلام بدون قصد

ثم ينهي بدر القصيدة بنغمة عاطفية فيقول:

إقبال مدي لي يديك من الدجى و من الفلاه
جسي جراحي و امسحيها بالمحبة و الحنان
بك أفكر لا بنفسي : مات حبك في ضحاه
وطوى الزمان بساط عرسك و الصبى في عنفوان

في كانون الأول 1964 كانت لحظات الصفاء في تفكير بدر تقل وتصبح نادرة ولحظات الاضطراب تكثر وتصبح متصلة تقريبا. و لم يتعرف على كثيرين من أصدقائه ومعارفه عندما كانوا يزورونه

وبدأت تنتابه، بالإضافة إلى ذلك، حالات إغماء وفقدان الوعي كانت تدوم ساعات فإذا صحا كان كامل الوعي متمالكا لقواه العقلية لا ينقصه شيء سوى قواه الجسدية. و أخيرا، وفي يوم الخميس الموافق للرابع و العشرين كمن كانون الأول 1964 وقع في غيبوبة وفاضت روحه في الساعة الثالثة بعد الظهر

فأبرق علي السبتي ينعي بدرا لأهلهن وأخبرهم أنه سيصطحب جثمانه إلى البصرة يوم الجمعة في 25 كانون الأول 1964

وكان اليوم يوما ماطرا لم تر المنطقة مثله مدة سنين عديدة. ورافق المطر السيارة التي حملت جثمان بدر من الكويت الى أن وصلت البصرة، في ذلك اليوم الذي كان العالم يحتفل فيه بعيد الميلاد. واستقبلها في البصرة مزيد من المطر

و أخذ جثمان بدر بالسيارة إلى داره في شارع أجنادين بالمعقل. لكن الدار كانت خالية، إذا أن عائلته كانت قد خرجت منها بأمر حكومي في ذلك اليوم نفسه. فأخذ جثمان بدر بالسيارة إلى دار فؤاد طه العبدالجليل في محلة الأصمعي، ولكن لم يكن في البيت أحد، وقيل لعلي السبتي أن الجميع ذهبوا إلى المسجد لاستقبال الجثمان وحضور الجنازة

وسيق الجثمان إلى المسجد حيث اجتمع قلة من الأهل و الأصحاب. وبعد صلاة الجنازة أخذ جثمان بدر إلى الزبير يرافقه بضعة رجال فقط، فووري التراب في مقبرة الحسن البصري غير بعيد عن قبر ذلك الرجل العظيم
وكان المطر لا يزال ينهمر، ولكن لم يكن يرى في المنطقة نخيل .
مؤلفات بدر شاكر السياب ...


الكتب الشعرية

أزهار ذابلة- مطبعة الكرنك بالفجالة- القاهرة- ط ا- 1947
أساطـير- منشورات دار البيان- مطبعـة الغرى الحديثـة- النجف- ط 1
حفار القبور- مطبعة الزهراء- بغداد- ط ا- 1952
المومس العمياء- مطبعة دار المعرفة- بغداد- ط 1- 1954
الأسلحة والأطفال- مطبعة الرابطة- بغداد- ط ا- 1954
أنشودة المطر- دار مجلة شعر- بيروت- ط 1- 1960
المعبد الغريق- دار العلم للملايين- بيروت- ط ا- 1962
منزل الأقنان- دار العلم للملايين- بيروت- ط ا- 1963
أزهار وأساطير- دار مكتبة الحياة- بيروت- ث ا- د. ت
شناشيل ابنة الجلبي- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1964
إقبال- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1965
إقبال وشناشيل ابنة الجلبي- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1965. 13- قيثارة
الريح- وزارة الأعلام العراقية- بغداد- ط ا- 1971
أعاصير- وزارة الأعلام العراقية- بغداد- ط ا- 1972
الهدايا- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربي- بيروت- ط ا- 1974
البواكيرـ- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربـي- بـيروت- ط ا- 1974
فجر السلام- دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربي- بيروت- ط ا- 1974 365


الترجمات الشعرية

عيون الزا أو الحب و الحرب
عن أراغون- مطبعة السلام- بغداد- بدون تاريخ
قصائد عن العصر الذري
عن ايدث ستويل- دون مكان للنشر ودون تاريخ
قائد مختارة من الشعر العالمي الحديث
دون مكان للنشر ودون تاريخ
قصائد من ناظم حكمت
مجلة العالم العربي، بغداد - 1951


الأعمال النثرية

الالتزام واللالتزام في الأدب العربي الحديث،
محاضرة ألقيت في روما ونشرت في كتاب الأدب العربي المعاصر، منشورات أضواء، بدون مكان للنشر ودون تاريخ


الترجمات النثرية

ثلاثة قرون من الأدب - مجموعة مؤلفين، دار مكتبة الحياة- بيروت- جزآن، الأول
بدون تاريخ،و الثاني 1966
الشاعر و المخترع و الكولونيل، مسرحية من فصل واحد لبيتر أوستينوف، جريدة
الأسبوع- بغداد- العدد 23- 1953

hussain1
23-06-2010, 09:55 PM
من قصائد السياب

النهر و الموت


1
بويب
بويب
أجراس برج ضاع في قارة البحر
الماء في الجرار، و الغروب في الشجر
وتنضج الجرار أجراسا من المطر
بلورها يذوب في أنين
" بويب .. يا بويب"
فيدلهم في دمي حنين
إليك يا بويب
يا نهري الحزين كالمطر

أود لو عدوت في الظلام
أشد قبضتي تحملان شوق عام
في كل إصبع كأني أحمل النذور
إليك من قمح و من زهور
أود لو أطل من أسرة التلال
لألمح القمر
يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال
و يملأ السلال
بالماء و الأسماك و الزهر
أود لو أخوض فيك أتبع القمر
و اسمع الحصى يصل منك في القرار
صليل آلاف العصافير على الشجر
أغابة من الدموع أنت أم نهر؟
و السمك الساهر هل ينام في السحر؟
و هذه النجوم هل تظل في انتظار
تطعم بالحرير آلاف من الإبر ؟

و أنت يا بويب
أود لو غرقت فيك ألقط المحار
أشيد منه دار
يضيء فيها خضرة المياه و الشجر
ما تنضح النجوم و القمر
و أغتدي فيك مع الجزر إلى البحر
فالموت عالم غريب يفتن الصغار
وبابه الخفي كان فيك يا بويب

2
بويب .. يا بويب
عشرون قد مضين كالدهور كل عام
و اليوم حين يطبق الظلام
و استقر في السرير دون أن أنام
و ارهف الضمير دوحة إلى السحر
مرهفة الغصون و الطيور و الثمر
أحس بالدماء و الدموع كالمطر
ينضحهن العالم الحزين
أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين
فيدلهم في دمي حنين
إلى رصاصة يشق ثلجها الزؤام
أعماق ، كالجحيم يشعل العظام
أود لو عدوت أعضد المكافحين
اشد قبضتي ثم أصفع القدر
أود لو غرقت في دمي إلى القرار
لأحمل العبء مع البشر
.و أبعث الحياة ، إن موتي انتصار

hussain1
23-06-2010, 09:56 PM
غريب على الخليج


الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام، على الأصيل
و على القلوع تظل تطوى أو تنشر للرحيل
زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار
.من كل حاف نصف عاري
و على الرمال ، على الخليج
جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج
: و يهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج
أعلى من العباب يهدر رغوه و من الضجيج"
، صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى : عراق
.كالمد يصعد ، كالسحابة ، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي : عراق
و الموج يعول بي : عراق ، عراق ، ليس سوى عراق
البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
و البحر دونك يا عراق

.. بالأمس حين مررت بالمقهى ، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانه
هي دورة الأفلاك في عمري، تكور لي زمانه
.في لحظتين من الأمان ، و إن تكن فقدت مكانه
هي وجه أمي في الظلام
، وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
و هي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب
فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب
،من الدروب وهي المفلية العجوز وما توشوش عن (حزام) 1
وكيف شق القبر عنه أمام عفراء الجميلة
.فاحتازها .. إلا جديله
زهراء أنت .. أتذكرين
تنورنا الوهاج تزحمه أكف المصطلين ؟
وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين ؟
ووراء باب كالقضاء
قد أوصدته على النساء
أبد تطاع بما تشاء، لأنها أيدي الرجال
.كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال
أفتذكرين ؟ أتذكرين ؟
سعداء كنا قانعين
. بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساء
،حشد من الحيوات و الأزمان، كنا عنفوانه
.كنا مداريه اللذين ينام بينهما كيانه
أفليس ذاك سوى هباء ؟
حلم ودورة أسطوانه ؟
ان كان هذا كل ما يبقى فأين هو العزاء ؟
،أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه
يا أنتما - مصباح روحي أنتما - و أتى المساء
.و الليل أطبق ، فلتشعا في دجاه فلا أتيه
لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء
الملتقى بك و العراق على يدي .. هو اللقاء
شوق يخض دمي إليه ، كأن كل دمي اشتهاء
جوع إليه .. كجوع كل دم الغريق إلى الهواء
شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولاده
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام
.حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق
واحسرتاه ، متى أنام
فأحس أن على الوساده
ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق ؟
بين القرى المتهيبات خطاي و المدن الغريبة
،غنيت تربتك الحبيبة
وحملتها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه ،
فسمعت وقع خطى الجياع تسير ، تدمي من عثار
.فتذر في عيني ، منك ومن مناسمها ، غبار
ما زلت اضرب مترب القدمين أشعث ، في الدروب
،تحت الشموس الأجنبيه
متخافق الأطمار ، أبسط بالسؤال يدا نديه
صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب
،بين العيون الأجنبيه
بين احتقار ، و انتهار ، و ازورار .. أو ( خطيه) 2
(و الموت أهون من (خطيه
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبيه
قطرات ماء ..معدنيه
،فلتنطفئ ، يا أنت ، يا قطرات ، يا دم ، يا .. نقود
يا ريح ، يا إبرا تخيط لي الشراع ، متى أعود
إلى العراق ؟ متى أعود ؟
يا لمعة الأمواج رنحهن مجداف يرود
.بي الخليج ، ويا كواكبه الكبيرة .. يا نقود

ليت السفائن لا تقاظي راكبيها من سفار
أو ليت أن الأرض كالأفق العريض ، بلا بحار
ما زلت أحسب يا نقود ، أعدكن و استزيد ،
ما زلت أنقض ، يا نقود ، بكن من مدد اغترابي
ما زلت أوقد بالتماعتكن نافذتي و بابي
في الضفة الأخرى هناك . فحدثيني يا نقود
متى أعود ، متى أعود ؟
أتراه يأزف ، قبل موتي ، ذلك اليوم السعيد ؟
سأفيق في ذاك الصباح ، و في السماء من السحاب
،كسر، وفي النسمات برد مشبع بعطور آب
و أزيح بالثوباء بقيا من نعاسي كالحجاب
:من الحرير ، يشف عما لا يبين وما يبين
.عما نسيت وكدت لا أنسى ، وشك في يقين
ويضئ لي _ وأنا أمد يدي لألبس من ثيابي-
ما كنت ابحث عنه في عتمات نفسي من جواب
لم يملأ الفرح الخفي شعاب نفسي كالضباب ؟
اليوم _ و اندفق السرور علي يفجأني- أعود

واحسرتاه .. فلن أعود إلى العراق
وهل يعود
من كان تعوزه النقود ؟ وكيف تدخر النقود
و أنت تأكل إذ تجوع ؟ و أنت تنفق ما تجود
به الكرام ، على الطعام ؟
لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع
.وسوى انتظارك ، دون جدوى ، للرياح وللقلوع

الكويت 1953

hussain1
23-06-2010, 09:57 PM
مقالات كتبت عن السياب ...


ثلاثون موتاً مطر واحد و محتملان
قاسم حداد




1


أعرف صديقا، كلما هطل مطر فـي الأرض، جـاء يدق بقبضتـه جدار غرفتـي صارخـا: " أخرج، لقد جـاء المطر وعلينا أن نقرأ أنشودة السيـاب ". فأخرج معه، دائما كنت أخرج، ليأخذنـي بسيارته ونقف على سـاحل البحـر والمطر يغسل كل شيء، يخـرج ديوان "أنشودة المطر " ويطلب مني أن أقرأ، فيما هو يحـتـقن. هكذا كل شتاء. صديق مثل هذا، يقرأ المطر بدموع السياب، لن يغفر لي سهوا ولا غفلة عن الشعر، معبرا عن إعجابه الأزلي ببدر، و متوغلا معي فـي تحـولات الفصول منذ الدرس الأول. ذلك الدرس الذي صاغ اتصال جـيلنا بالشعر بوصفه مطر الحيـاة على يبـاس الأرض. لكي يوشك الارتباط الخرافـي بين السيـاب والمطر أن يصبـح أحـد معالم الثـقافة العربية المعاصرة. ليـس لأن " أنشودة المطر " خصوصا هي واحـدة من أهم التجـارب الشعرية العربيـة، ا المؤسسة فحـسب، ولكن لأن الهيـام الوجـودي بالمطر لدي السيـاب يشكل المفارقة الحيـاتية التي صاغت تجـربـة السيـاب الرؤيوية. فهو الشاعر العربـي الذي مات لفوط المرض والعوز بـالمعنى المادي للكلمة، مات وهو يصوغ شعرا فتح، لأكثر من جـيل،الأفق للشعري العربـي برحـابة نهر لا ينضب. وهنا تكمن طاقة الرؤيا التي سيصدر عنها السياب ذاهبا نحـو قدره المأساوي. ذهب، غير محسود على الموت

2


" أتعرفين أي حزن يبعث المطر.. " ويطلق صديقي تنهيدة ادخـرها طوال الصيف، لكـي يفصح عنها تحت مطر السياب. أتساءل أحيانا، لفرط الحرائق التـي يلهبني بها صديق مثل هذا، ما إذا كان بمقدور الإنسان أن يحمل هذا القدر من الألم، ويكون مستعدا لأن يتطوع باستـعادتها كمن يستحـضر أحلامه المغدورة. لكن السيـاب كـان يذهب إلى أبعد مما يتعثـر به صديقي بـين مطر و آخـر. لقد كـان يختـزل الحـزن الإنساني كله في كـلمات. وكـان علينا أن ننتظر سنوات لنحـيط بتـجـربة السيـاب صـاعدا بعذابـه الجـسدي والروحـي وهو يجـابه الواقع. علينـا التـخـبط فـي محـتملين أمام تجربة السياب التي لا تزال متاحـة للدرس و التأمل كـأنها تحدث الآن محـتملان كـان السيـاب يقتـرحها على مستـقبلنا الشعري العربـي: الخـضوع لوهم الواقع بإعتباره التفسير الوحيد للشعر، وبالتالـي الامتثـال لكـل ما تطرحه علينا تنظيرات النقد الأبي بـي الذي لم يكن يـرى إلى الأدب إلا انعكاسا للحدث العام. وهذا الاحـتـمال هو لأبرز والأكـثـر شيـوعا حيث يتـعرض السيـاب لآلتـه الجـهنميـة، ويصبح وردة الضحـايا لتـلك المرحلة. الاحتمال الآخر، هو الإيمان بطاقة المخـيلة بوصفها جـوهرة المراصد التـي تـأخـذ الشاعر والشعر والقارئ نـحـو أفق يصدر عن الأعماق، حيث لا نكون صادقين حقا إلا هناك. وهو احتمال اقترحتـه (من بين تجـارب شعرية نـادرة) تجـربة السيـاب فـي الجـانب المكبـوت فيـها والمسكوت عنه نقديا أكثـر الأوقـات. فمعظم النقد الذي احـتـفى بالسيـاب انحـاز لشائـع الإحـتمال الأول، لكونه يلبي متطلبـات تلك اللحظة. لكن مايبـقى من تجـربة السيـاب الرؤيـويـة هو ما سوف يتصل دوما بـالإحتمال الآخر، الذي تتأكد لنا الآن قدرته على سبر الروح واكتشاف الجسد وتحرير الجمال على الجانبـين، حيث يكون الشعر هو الحلم بإعتباره كشف الواقع وفضيحـته ومجـابهة الحياة فيـه

3


الصديق يطرق جدار الغرفة صارخـا بـي، كمن ينـهر جرحـا متـماثلا للنوم: "أخـرج. المطر في الخـارج، تعال لنقرأ السيـاب تحت سقفه الأثير، المطر". هكذا فـي كل مطر، يترك كل مشاغله ويأتـي لكـي يسمع الشعر. قلت لصديقي ذات ليلة: "هل تعرف أن السيـاب مات بعيدا عن بيته وأهله ووطنه؟ ". فـاستنفر، كمن يريد أن يغفل عن الموت: (، لا تصدق، إن الشاعر لا يموت ". وصرت أتيقن بخـلود الشاعر كلما أعدت قراءة السياب، وأنحـاز لعذابه ومعاناته ضد واقع كان يحـدق به ويستهدف مصادرتـه بشتى الأشكال. ففي مثل هذه المجـابهة ضرب من اخـتبـار طاقة الشعـر على اخـتـراق الحـصـارات كلها، مـبـتكـرا الوقت والمكان. ويـومـا بعـد يوم تعلمت من السيـاب، فـي أجمل شعره، أن الشعر هو ماتكتبه وليس ما يكتبك. بمعنى أن الشعر هو مايصدر عن ذاتك (+ العالم) وليس ما يصدر عن العالم (+ ذاتك). فعنـدما أتمعن فـي تجـربـة السيـاب أشعر بـأن بؤرة عذاباته الروحـيـة تكمن فـي صراعه المأساوي بين مـا يحـب (ويحلم) أن يكئـبـه، وبـين مـا يسعى (الواقع) إلـى فرضه لكي يقوله عنه، وهذا مـا أوقـع السيـاب (كـإنسان) فـي الملابسات التـي جعلته ضحـيـة المهانات والعذاب فـي حيـاته. ففيما كان يكتـشف تفجـرات الشعر من جـهة، وينغمس متورطا فـي تفجـرات الروح والجسد من جهة أخـرى، كان الشاعر فيـه يبرأ من الحيـاة متطهرا بالتجـربـة. و قـد أتاح له كل ذلك أن يعرف كـيف تضيـع الجموع فـي تيـه الوهم، وكيف يضرب الجفاف روح الإنسان شوقا إلـى أنشودة المطر، ويعرف " كيـف يشعر الوحيد فيـه بالضيـاع ". و ها نحـن نتـأكد، يوما بعد يوم، كم كـان بدر شاكر السيـاب وحـيدا. وكأننا لسنا وحدنا فـي هذه الوحدة

4


" أرسل إليـك رفقة هذه الرسالة قصيدة لي بعنوان " أنشودة المطر" وأتمنى أن تنال رضاك وأن تكون صالحـة للنشر فـي (الآداب) بم نـي لخجـول. جدا من أن قصيدتي هذه ستـشغل فـي مجـلة (الآداب) حيزا قد يكون من الأولى ملؤه بما هو خير من قصيدتـي و أجدى " (رسائل السياب.
أولا، ترى هل كـان السيـاب يدرك أن قصيدتـه، التي يقدمها إلى سهيل إدريس بتـوإضع المبـدع ورهافة الشاعر، سوف تكون حجـر أساس فـي تجديد تجربة الشعر العربـي المعاصر كله، وعلامة من علامات انعطافته الحاسمة؟ وثانيا، كيف يتسنـى لنا العثور الآن على شاعر يقدم قصيدته بمثل هذا التواضع. ونحن نرقب الذين يكتبون محـاولاتهم الأولـى (ليسوا شعراء كما كان السياب، ولا أقل أيضا) يمعنون تيها وغرورا وغطرسة، مما يدفعنا إلـي الخجـل مما يحـدث؟ الحـقيقة أن الدرس الذي تقترحـه علينا تجـربة السياب هو من الغنـى والخصوبـة بحـيث يمكن أن يتـحـول إلـى ضوء يكـشف الواقـع الشعري العربـي الواهن، إن كان على صعيد تواضع المبدع أو جدية الأديب أو ضرورة حرية الشاعر الكـاملة فـي مجـابهة دوره الإبداعي. و إذا كـان السيـاب قد صودر فـي بعض هذه الشروط، فإنه كـان نموذجـا جميلا فـي بعضها الآخـر. وما علينـا إلا أن نتأمل ما حـولنا لكـي ندرك مقدار التـضحـيات التـي نالت من روحه وجـسده فـي سبيل أن يحـصل على أيام إضافيـة نادرة من الحياة

5


" أحس بأجـراس خـافـتـة، أجـراس مطر وزهر، تقرع في نفسي، مـبـشرة بميـلاد قصيـدة.. هذه الليلة أو غدا. سيكون ميلادها نعمة تنزلها السماء عليه. (رسائل السياب). في غمرة عذاباتـه كـان الشعر يأتيه مثل البلسم. وفيـما كان جسده يتـآكل بفعل الجراح (الناغرة الفاغرة) كمـا يصفها فـي إحدى رسائله، كـان انهماكـه فـي كـتـابة الشعر هو الملاذ الرحـيم الذي يخفف عنـه تلك الأوجاع. والآن، بعد ثلاثـين عاما من ذهابه، لماذا لا نجـد مفرا من شعور الخسارة ونحـن نستعيد تجـربتـه الإبداعيـة، ولماذا تظل تجـربـة الروح والجسد عند السيـاب، مدخلا متـاحـا دوما للإحاطة بتجـربته الشعريـة و كنه العذاب الذي عاشه وتـعدد دلالاتـه؟ ليس ثمـة جـواب لدينا. على العكس، فإن أسئلة لا تحـصى يمكن أن نصادفها ونحـن نتـوغل، مع الوقت، فـي معـالم حـيـاة السيـاب وملامح إبداعه الشعري. وما أن نسمع أو نقرأ شاعرا يذكر المطر فـي قصيدته حتـى يحـضر السياب ليضعنا فـي ارتباكة المقاربات، كما لو أن تلك الأنشودة قد وضعت حـدا يقاس عليه كل ما سيكتب عن المطر بعد ذلك.. ولكأننا لم نكن نحـسن اكتشاف المطر قبل السيـاب، ولأن السيـاب قد منـح الخلود والمجـد للمطر منذ أن كـتب أنشودته.
وحين تنفجـر المفارقات ساعة موتـه، مثلما تفجـرت طوال حيـاته، فسوف يشارك فـي تشييع جـثمانه، ذات. صبـاح ممطر، عدد قليل من أهله و أبناء قـريتـه الجنوبيـة (جـيكور)، ومن بينهم صديقـه الشاعـر الكويتي علي السبـتي، الذي نقل الجـثـمـان من المستـشفى،الأمـيـري فـي الكويت إلى جيكور فـي العراق. لقد كان الشتاء يبكي على شاعر مات غريبا على الخليج، وغريبا عنـه أيضا. كما لو أن الطبيعة أرادت أن تـعبر. للشاعر عن محـبة وتقدير لم يحصل عليـهما من البشر في حياته

6


بعد ثلاثـين مـوتا، كـيـف لنا أن نقرأ درس السيـاب. كـيـف نقرأ فيـه الدم والشعـر و المطر، ونستـفيق على صوته الشاحب وهو يفتح الأفق لنهر الشعر العربـي الحديث، ونسمع الصدى كـأنه النـشيـج: "يا خليج، يا واهب المحـار والردى ". فإذا جـاء ذلك الصديق ثانيـة يطرق جـدار غرفتـي، لكـي نستعيد معا ذلك الصدى، يمكن أن أقـول له: " أنظر إلى الشاعر الآن، أنظر إليـه، يعبر موتا بعد موت، دون أن يسفر كل هذا الليل عن... بدر واحد، حيث الظلام هو سيد الوقت والمكان ".
بعد ثلاثين موتا، منذ أن غاب السيـاب بعيـدا عن بيـتـه، لا يزال الشاعر العربـي يموت.. ولا بيت له، غير الغربة والوحدة واليأس، فيما يرقب أحلامه مهدورة مغدورة وقبض الريـح. بعد ثلاثين موتا، ماذا ينبغي أن يقال، وأكثر من مبدع يذهبون إلـى الموت نحـرا أو انتحـارا. سنقول: طوبـى لمن يرى إلـى السيـاب فـي موته، ويقرؤه قليلا من الشعر تحت المطر. لقد ذهب بدر شاكر السياب غير محسود على الموت، ولسنا... على الحياة

صدري وافتخر 1
23-06-2010, 10:07 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

نور المولى المقدس
23-06-2010, 10:12 PM
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر
يرجُّهُ المجدافُ وَهْناً ساعةَ السحر...
كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم


رائــــــــــــ ع ماتفضلت به أستاذنا القدير من موضوع
تقبل أطلالتي
نــــــــــــور

almahdi
24-06-2010, 10:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

صدرية للابد
24-06-2010, 11:44 AM
جميل جدا موضوع رائع مميز
وفقكم الله لما يحب ويرضى

السيد الخرسان
24-06-2010, 10:12 PM
لك الحمد مهما استطال العذاب ومهما استبدّ الالم
لك الحمد ان العطايا رزاء وان المصيبات بعض الكرم




لك الشكر الاستاذ الغالي ابو علاء نوّرت وابدعت

نادية الاسدي
24-06-2010, 11:17 PM
نعم اخي مرارا قرأت موضوعك وتكرارا لروعة الشاعر هذا بالاضافة الىان الموضوع ليس سردا قصصيا هنا ولد وهناك مات لا بل كان تحليلا رائعا وموفقا ارتباطي بهذا الشاعر كبير فاول هدية لي كنت قد تخرجت من السادس الابتدائي بمعدل كبير ودخلت المتوسطة فاهداني والدي كتاب مؤلفاته الكاملة وخط بيده اروع الكلمات ليشجعني على قراءة الشعر فارتبط السياب وقصائده بالنسبة لي ارتباطا وثيقا بوالدي بق الديوان احمله اينما اذهب وبقت كلمات والدي تزين الصفحة الاولى لكن والدي لم يبق رحمه الله المهم حقيقة اثارت في نفسي موضوع السياب امور كثيرة فشكرا مرة اخرى
تحياتي
اختكم ام زهراء

hussain1
24-06-2010, 11:29 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم اختى بدر ليس فقط قصيدة او انشودة او شاعر وانما هو رمز شعرى للوطن والغربه والضياع

ابن الشهيد


و تراجع الطوفان لملم كل أذيال المياه
و تكشفت قمم التلال سفوحها و قرى السهول
أكواخها و بيوتها خرب تناثر في فلاة
عركت نيوب الماء كل سقوفها و مشى الذبول
فيما يحيط بهن من شجر فآه
آه على بلدي عراقي : أثمر الدم في الحقول
حسكا و خلف جرحة التتري ندبا في ثراه
يا للقبور كأن عاليها غدا سفلا و غار إلى الظلام
مثل البذور تنام في ظلم الثمار و لا تفيق
يتنفس الأحياء فيها كل وسوسة الرغام
حتى يموتوا في دجاها مثلما اختنق الغريق
جثث هنا ودم هناك
وفي بيوت النمل مدّ من الجفون
سقف يقرمده النجيع و في الزوايا
صفر العظام من الحنايا
ماذا تخلف في العراق سوى الكآبه و الجنون
أرأيت أرملة الشهيد
الزوج مد عليه من ترب لحافا ثم نام
متمددا بأشد ما تجد العظام
من فسحة سكنت يداه على الأضالع
و العيون
تغفو إلى أبد الإله إلى القيامة في سلام
رمت الرداء العسكري و نشرته على الوصيد
لثمته فانتفض القماش يرد برد الموت
برد المظلمات من القبور
يا فكرها عجبا ثقبت بنارك الأبد البعيد
يا فكر شاعرة يفتش عن قواف للقصيد
ماذا وجدت وراء أمسي و عبر يومّك من دهور
الثأر يصرخ كل عرق كل باب
في الدار يا لفم تفتّح كالجحيم من الصخور
من كل ردن في الرداء من النوافذ و الستور
من عيني ابنك يا شهيد تسائلان بلا جواب
عنك الأسرة و الدروب و تسألان عن المصير
مذ ألبسته الأم ثوبك في معاركك الأثير
و يداه في الردنين ضائعتان و الصدر الصغير
في صدرك الأبوي عاصفة تغلف بالسحاب
ورنا إلى المرآة
أبصرت فيه شخصك في الثياب
أبني كان أبوك نبعا من لهيب من حديد
سوراً من الدم و الرعود
ورماه بالأجل العميل فخر واها كالشهاب
لكن لمحا منه شع وفض أختام الحدود
و أضاء وجه الفوضوي ينز بالدم و الصديد
و كأن في أفق العروبة منه خيطا من رغاب
و تنفس الغد في اليتيم و مد في عينيه شمسه
فرأى القبور يهب موتاهن فوجا بعد فوج
أكفانها هرئت
و لكن الذي فيها يضم إليه أمسه
ويصيح يا للثار يا للثار
يصدي كل فج
و ترنّ أقيبة المساجد و المآذن بالنداء
و ينام طفلك و هو يحلم بالمقابر و الدماء .

hussain1
24-06-2010, 11:31 PM
يوم الطغاة الأخير


إلى الملتقى و انطوى الموعد
و ظل الغد
غد الثائرين القريب
يدا بيد من غمار اللهيب
سنرقى إلى القمة العالية
و شعرك حقل حباه المغيب
أزاهيره القانية
نرى الشمس تنأى وراء التلال
و بين الظلال
قد رف مثل الجناح الكسير
على كومة من حطام القيود
على عالم بائد لن يعود
سناها الأخير
تقولين لي هل رأيت النجوم
أأبصرتها قبل هذا المساء
لها مثل هذا السّنا و النّقاء
تقولين لي هل رأيت النجوم
و كم أشرقت قبل هذا المساء
على عالم لطخته الدماء
دماء المساكين و الأبرياء
تقولين لي هل رأيت النجوم
تطل على أرضنا و هي حرّة
لأول مرّة
نعم أمس حين التفتّ إليك
تراءين كالهجس في مقلتيك
و إذ يستضيء المدى بالحريق
فيندكّ سجن و يجلى طريق
و يذكي بأطيافه الدافئة
محيّاك باللهفة الهانئة
تقولين نحن ابتداء الطريق
و نحن الذين اعتصرنا الحياة
من الصّخر تدمى عليه الجباه
و يمتص ريّ الشفاة
من الموت في موحشات السجون
من البؤس من خاويات البطون
لأجيالها الآتية
لنا الكوكب الطالع
و صبح الغد الساطع
وآصاله الزاهية

نادية الاسدي
24-06-2010, 11:45 PM
نرى الشاعر بمعاناته و بحياته الي عاشها من فقر ومن الم ومرض رغم قصائده التي يستخدم فيها عبارات ثقيلة لكن فيها او بين طياتها امل كبير وهو نجاح باهر في خلق امل من معاناة هناك صنفان من البشر عندما يعانون الاول يتعثر ويهزم ويتلاشى و الاخر يرتفع ويصبح ويقاوم وينجح وشاعرنا الكبير من الصنف الثاني تحية اخرى لك اخي

hussain1
24-06-2010, 11:52 PM
الأسلحة والأطفال
عصافير أم صبية تمرح
عليها سنا من غد يلمح
وأقدامها العاريه
محار يصلصل في ساقيه
لأذيالهم رفة الشمأل
سرت عبر حقل من السنبل
وهسهسة الخبز في يوم عيد
وغمغمة الأم باسم الوليد
تناغيه في يومه الأول
كأني أسمع خفق القلوع
وتصخاب بحاره السندباد
رأى كتره الضخم بين الضلوع
فما اختار الاه كترا وعادا
صدى عابر من وراء العصور
من الكهف والغاب والمعبد
سرى دافئا من عروق الصخور
وازميل نحاتها المجهد
يغني بأشواقه العاتيه
الينا الى القمه العاليه
الى أن يفل الردى بالحياه
وتلقاه أجيالها الآتيه
على صخرة حملتها يداه
تحاياه في بسمة في الشفاه
وفي أعين حجرت مقلتاه
عليها دموعها الجاريه
صدى رجعته الأكف الصغار
يصفقن في الشارع المشرق
كخفق الفراشات مر النهار
عليها بفانوسه الأزرق
وكم من أب آيب في المساء
الى الدار من سعيه الباكر
وقد زم من ناظريه العناء
وغشاهما بالدم الخاثر
تلقاه في الباب طفل شرود
يكركر بالضحكة الصافيه
فتنهل سمحاء ملء الوجود
وتزرع آفاقه الداجيه
نجوما وتنسيه عبء القيود
وهم في ليالي الشتاء الطوال
ربيع من الدفء والعافيه
تلم العجائز فيه الورود
ويلمحن عهد الصبا ثانيه
ويرقصن بين التلال
يرجحن أرجوحة في الخيال
بعذراء في ليلة مقمره
وفي ظل تفاحة مزهره
تنام العصافير فيها
وهم في الصباح
خطى خافقات على السلم
وأيد على أوجه النوم
يدغدغنها في مزاح
وأغنية من أغاني الطريق
يلحن سوى لحنها الأول
وشأو من الصوت مستعجل
وهم رفقة الأم اذ تستفيق
واذ تشعل النار في الموقد
كخيط ترى فيه بدء الغد
عصافير أم صبية تمرح
أم الماء من صخرة ينضج
فيخضل عشب وتندى زهور
زهور ونور
وقبرة تصدح
وتفاحة مزهرة
لخفق العصافير فيها
صدى قبلة الأم تلقى بنيها
دعيني فما تلك بالقبرة
دعيني أقل أنه البلبل
وان الذي لاح ليس الصباح
أتلك السفين التى تعول
على مرفا ناوحته الرياح
تلوح منهاأكف الجنود
لألف كجولييت فوق الرصيف
وداعا وداع الذي لا يعودا
وأم كما استوحشت في الخريف
وراء الدجى دوحة عاريه
وفرت عصافيرها الشاديه
عصافير أم صبية تمرح
أم الماء من صخرة ينضح
ولكن على جثة داميه
وقبرة تصدح
ولكن على خربة باليه
عصافير
بل صبية تمرح
وأعمارها في يد الطاغية
وألحانها الحلوة الصافيه
تغلغل فيها نداء بعيد
حديد عتيق
رصاص
حديد
وكالظل من ياشق في الفضاء
اذا اجتاح كالمدية الماضيه
عصافير تشدو على رابيه
ترامى الى الصبية الأبرياء
نداء تنشقت فيه الدماء
حديد عتيق
حديد عتيق
رصاص فحتى كأن الهواء
رصاص وحتى كأن الطريق
حديد عتيق
وينفض كالمعول الحافر
صدى راعب من خطى التاجر
له الويل ماذا يؤيد
حديد عتيق
رصاص
حديد
لك الويل من تاجر أشأم
ومن خائض في مسيل الدم
ومن جاهل أن ما يشتريه
لدرء الطوى والردى عن بنيه
قبور يوارون فيها بنيه
حديد عتيق
رصاص000ص
حديد
حديد عتيق لموت جديد
حد00يد
لمن كل هذا الحديد
لقيد سيلوى على معصم
ونصل على حلمة أو وريد
وقفل على الباب دون العبيد
وناعورة لاغتراف الدم
رصاص
لمن كل هذا الرصاص
لأطفال كورية البائسين
وعمال مرسيليا الجائعين
وأبناء بغداد والآخرين
اذا ما أرادوا الخلاص
حديد
رصاص
رصاص
رصاص
حديد
وأصغي الى التاجر
وأصغي الى الصبية الضاحكين
وكالنصل قبل انتباه الطعين
وكالبرق ينفض في خاطري
ستار وكالجرح اذ يترف
أرى الفوهات التى تقصف
تسد المدى واللظى والدماء
وينهل كالغيث ملء الفضاء
رصاص ونار ووجه السماء
عبوس لما اصطك فيه الحديد
حديد ونار حديد ونار
وثم ارتطام وثم انفجار
ورعد قريب ورعد بعيد
وأشلاء قتلى وأنقاض دار
حديد عتيق لغزوجديد
حديد ليندك هذا الجدار
بما خط في جانبيه الصغار
و ما استودعوا من امان كبار
سلام
كان السنا في الحروف
تخطى اليها ظلام الكهوف
بامال انسانها الاول
و ما اختط من صورة في الحجار
تحدى بها الموت فهي انتصار
و توق الى العالم الافضل
حديد
رصاص
حديد عتيق
رصاص ليخلو هذا الطريق
من الضحكة الثرة الصافيه
و خفق الخطى و الهتاف الطروب
فمن يملا الدار عند الغروب
بدفء الضحى و اخضلال السهوب
لظى الحقد في مقلة الطاغيه
و رمضاء انفاسه الباقيه
يطوفان بالدار عند الغروب
و اطلالها الباليه
حديد عتيق
نحاس عتيق
و اصداء صفارة للحريق
حديد حديد
و ام تبيع السرير العتيق
تبيع الحديد الذي امس كان
مهادا عليه التقا عاشقان
و شد نداء الحياة العميق
دراعا باخرى فما تخفقان
فيا حسرتا حين يمسى غدا
شظايا تدوي و بعض المدى
تنحى بها عن ذراع ذراع
و ينهد مهد و يخبو شعاع
امن حيث كان التقاء الشفاه
على الحب ينسجن خيط الحياه
يحوك الردا غزله الاسودا
دما او دخانا يحوك الردى
شباكا من النار حول البيوت
على صبية او صبايا تموت
و يرتد حتى حديد السرير
جناحا عليه المنايا تغير
و حتى الذي في عيون الدمى
من المعدن الزئبقي الحسير
رصاصا ابح الصدى مرزما
حديد عتيق حديد حديد
و اقدامها العاريه
محار يصلصل في ساقيه
و يعتاد بالي كرعد بعيد
ضجيج الخطى و انهيار الصخور
و خفق الفوانيس في المنجم
و ما نض من عاريات الظهور
و ما انسح في سعلة من دم
و ملء السنا من غبار الحديد
نواقيس فيها يرن السكون
و اجراس مركبة من بعيد
يخف لها صبية يلعبون
نواقيس في الفجر و اليوم عيد
و في الماء اضلال جسر جديد
و همس النواعير و الزارعون
و في كل حقل كنبض الحياه
تهز المحاريث قلب الثرى
و تبني القرى
قرى طينها من رميم الطغاه
و تخضل حتى الصخور الضنينه
و يثمر حتى سراب الفلاه
مدينه
فاخرى فاخرى الى منتهاه
حديد حديد
و اقدامها العاريه
و خفق الفوانيس في المنجم
و اعماقه الرطبة الداجيه
كظل الردى فاغرات الفم
كبئر من الظلمة الطاميه
ستمتاح منها الوف القبور
و يهوي من الزعزع العاتيه
عمى من دجاها على كل نور
على النور من باب كوخ مضاء
ومن كوة في خيام الرعاء
ومن شرفة ظلها الياسمين
دعيني اقل انة البلبل
وان الذي لاح ليس الصباح
على النور من موقد السامرين
ومن مدرج بالسنا يغسل
على كل نور تذر الرياح
ظلال الطواغيت في المنجم
كناعورة لاغتراف الدم
تذر الرياح الرياح الرياح
أراجيح في الملعب المظلم
وخفق الفوانيس والأنجم
وخفق الخطى والأكف الصغار
وخفق الفراشات مر النهار
عليها بفانوسه المعتم
فمن يملأ الدار عند الغروب
بدفء الضحى واخضلال السهوب
رصاص حديد رصاص حديد
وآهات ثكلى وطفل شريد
ومن يفهم الأرض أن الصغار
يضيقون بالحفرة الباردة
اذا استترلوها وشط المزار
فمن يتبع الغيمة الشارده
ويلهو بلقط المحار
ويعدو على ضفة الجدول
ويسطو على العش والبلبل
ومن يتهجى طوال النهار
ومن يلثع الراء في المكتب
ومن يرتمي فوق صدر الأب
اذا عاد من كده المتعب
ومن يؤنس الأم في كل دار
أسى موجع أن يموت الصغار
أسى ذقت منه الدموع الدموع
أجاجا ومثل اللظى في الفم
وأحسست فيه اشتعال الدم
بعيني من نازفات الضلوع
عويل من القرية النائية
وشيخ ينادي فتاه الغريق
بهذا الطريق وذاك الطريق
ويسعى الى الضفة الخالية
يسائل عنه المياه
ويصرخ بالنهر يدعو فتاه
ومصاباحه الشاحب
يغني سدى زيته الناضب
محال تراه
ويحتو على الصفحة القاتمه
يحدق في لهفة عارمه
فما صادفت مقلتاه
سوى وجهه المكفهر الحزين
ترجرجه رعشة في المياه
تغمغم لا لن تراه
حديد عتيق ورعب جديد
حديد
رصاص
لأن الطغاه
يريدون ألا تتم الحياه
مداها وألا يحس العبيد
بأن الرغيف الذي يأكلون
أمر من العلقم
وأن الشراب الذي يشربون
أجاج بطعم الدم
وأن الحياه الحياه انعتاق
وأن ينكروا ما تراه العيون
فلا بيدر في سهول العراق
ولا صبية في الضحى يلعبون
ولا همس طاحونه من بعيد
ولا يطرق الباب ساعي البريد
يبشرى ولا مترل
يضيء الدجى منه نور وحيد
سخي كما استضحك الجدول
ولا هدهدات ولا جلجل
يرن بساق الوليد
وبين الربى في رقاب الجداء
ولا وسوس الشاي فوق الصلاء
ولا قصة في ليالي الشتاء
لأن الطواغيت لا يسمعون
صداح العصافير في المغرب
كما صلصل الفضة القامرون
ولا زفة السنبل المذهب
لأن الطواغيت لا يحلمون
بغير المبيعات والأسهم
ان الطواغيت لا يسمعون
سوى رنة الفلس والدرهم
لأن الطواغيت لا يبصرون
على الشاطىء الأسيوي البعيد
سوى أن سوقا يباع الحديد
وتستهلك الريح والنار فيها
تدر العطايا على فاتحيها
بأقدام أطفالنا العاريه
يمينا وبالخبز والعافيه
اذا لم نعفر جباه الطغاه
على هذه الأرجل الحافيه
وأنلم نذوب رصاص الغزاه
حروفا هي الأنجم الهاديه
فمنهن في كل دار كتاب
ينادي ففي واصدأي يا حراب
وأن لم نضو القرى الداجيه
ولم نخرس الفوهات الغضاب
ونجل المغيرين عن آسيه
فلا ذكرتنا بغير السباب
أواللعن أجيالنا الآتيه
سلام على العالم الأرحب
على الحقل والدار والمكتب
على معمل للدمى والنسيج
على العش والطائر الأزغب
على التوت وسنان فيه الأريج
ووقح المجاديف في المغرب
على زهرة في وساد العروس
على صبية في انتظار الأب
على شاعر تستحم الشموس
بعينيه يصغي الى جندب
سلام على العالم الأرحب
سلام على الكنج فاض النعيم
ورنت أغاريد في ضفتيه
قرى من سنا عاصرات عليه
عناقيد من ضوئهن العظيم
سلام على الصين والحاصدين
وصياد أسماكها الأسمر
وما أنبتت من دم الثائرين
وما افتر في البيرق الأحمر
على صبية في قراها البعاد
وفي ظل تفاحها المزهر
وما جررت في ليالي الحصاد
ثيان العذراى على البيدر
سلام لأن الربيع
يمر بودياننا كل عام
وما زال قوس الغمام
ولولا الذي كدسوا من نضار
به يستضيئون دون النهار
تجوع الملايين عن جانبيه
وينحط في كل يوم عليه
دم من عروق الورى أو نثار
كذر الغبار
لما هزت الأمهات المهود
على هوة من ظلام اللحود
ولم تذرف الدمع عبر البحار
وعبر الصحارى نساء الجنود
ولم يرفع الزراع الأشيب
الى مقلتيه اليد الراجفه
يحدق في عتمة العاصفه
ويصغي وفي روعه القاصفه
ولم يبك صرعى بنيه الأب
جزوعا بأن يثكل الآخرين
ولا شردت نومة العاشقين
كوابيس من أعين الهالكين
وارنان صفارة تنعب
وغى فاستفاقوا ولا كوكب
ولا لمعة من سراج تبين
سوى قعقعات السلاح
وعصف الرياح
ولا ساءل الأم طفل غرير
ألا بلدة ليس فيها سماء
فلا قاذفات المنايا تغير
ولا من شظايا تسد الفضاء
ولا اختض في الصرصر اللاجئون
ولألاء يافا تراه العيون
وقد حال من دونه الغاصبون
بما أشرعوا من عطاش الحراب
وما استأجروا من شهود كذاب
وما صفحوا بالردى من حصون
سلام على العالم الأرحب
على مشرق منه أو مغرب
سلام لآفون لروى عروق
شكسبير والزهر والداليه
أفق شاعر النور أن الشروق
تهدده غيمة داجيه
سعى مكبث تحتها في احتراس
لقتل النعاس
لقتل النعاس البريء
سلام لباريس روبسبيي
والوار والغابة الحالمه
وعشاقها في المساء الأخير
تذريهم قوة ظالمه
كدوامة من رياح السعير
على تونس من لظاها ظلال
وحول الرباط المدمى هدير
وفي جيرة الصين حل انخذال
بقطعانها الفظة الضارية
لك المجد يا أسيه
سلام لفينيس والكرنفال
وأضوائه الثرة الزاهيه
وهمس المحبين بين الظلال
وفي دفء قمرائه الضاحيه
عصافير أم صبية تمرح
أم الماء من صخرة ينضح
وأقدامها العاريه
مصابيح ملء الدجى تلمح
هتكنا بها مكمن الطاغيه
وظلماء أو جاره الباليه
علينا لها أنها الباقيه
وأن الدواليب في كل عيد
سترقى بها الريح جذلى تدور
ونرقى بها من ظلام العصور
الى عالم كل ما فيه نور
رصاص رصاص رصاص حديد
حديد عتيق
لكون جديد

العليــــاء
24-06-2010, 11:56 PM
من كنوز شعر السياب قصيدة (المخبر )
أنا ما تشاء أنا الحقير
صبّاغ أحذية الغزاة و بائع الدم و الضمير
للظالمين أنا الغراب
يقتات من جثث الفراخ أنا الدمار أنا الخراب
شفة البغيّ أعفّ من قلبي و أجنحة الذباب
أنقى و أدفأ من يدي كما تشاء أنا الحقير
لكن لي من مقلتي إذا تتبعتا خطاك
و تقرتا قسمات وجهك و ارتعاشك إبرتين
ستنسجان لك الشراك
و حواشي الكفن الملطخ بالدماء و جمرتين
تروعان رؤاك إن لم تحرقاك
و تحول دونهما ودونك بين كفيّ الجريدة
فتندّ آهتك المديده
و تقول أصبح لا يراني بيد أن دمي يراك
إني أحسّك في الهواء و في عيون القارئين
لم يقرأون لأن تونس تستفيق على النضال
و لأن ثوار الجزائر ينسجون من الرمال
و من العواصف و السيول و من لهاث الجائعين
كفن الطغاة ؟ و ما تزال قذائف المتطوعين
يصفرن في غسق القنال
لم يقرأون و ينظرون إليّ حينا بعد حين
كالشامتين ؟
سيعلمون من الذي هو في ضلال
و لأيّنا صدأ القيود لأينا صدأ القيود
لأيّنا
نهض الحقير
و سأقتفيه فما يفرّ سأقتفيه إلى السعير
أنا ما تشاء أنا اللئيم أنا الغبيّ أنا الحقود
لكنّما أنا ما أريد أنا القويّ أنا القدير
أنا حامل الأغلال في نفسي أقيد من أشاء
بمثلهنّ من الحديد و أستبيح من الخدود
ومن الجباه أعزهن أنا المصير أنا القضاء
الحقد كالتنور في إذا تلهّب بالوقود
الحبر و القرطاس أطفأ في وجوه الأمّهات
تنورهنّ و أوقف الدم عن ثدي المرضعات
في البدء كان يطيف بي شبح يقال له الضمير
أنا منه مثل اللص يسمع وقع أقدام الخفير
شبح تنفّس ثمّ مات
و اللص عاد هو الخفير
في البدء لم أك في الصراع سوى أجير
كالبائعات حليبهنّ كما تؤجّر للبكاء
و لندب موتى غير موتاهنّ في الهند النساء
قد أمعن الباكي على مضض فعاد هو البكاء
الخوف و الدم و الصغّار فأي شيء أرتجيه
فعلى يديّ دم و في أذنيّ وهوهة الدماء
و بمقلتيّ دم و للدم في فمي طعم كريه
أثقل ضميرك بالآثام فلا يحاسبك الضمير
و انس الجريمة بالجريمة و الضحية بالضحايا
لا تمسح الدم عن يديك فلا تراه و تستطير
لفرط رعبك أو لفرط أساك و احتضن الخطايا
بأشدّ ما وسع احتضان تنج من وخز الخطايا
قوتي و قوت بني لحم آدمي أو عظام
فليحقدن علي كالحمم المستعرّة الأنام
كي لا يكونوا إخوة لي آنذاك و لا أكون
و ريث قابيل اللعين سيسألون
عن القتيل فلا أقول
أأنا الموكل و يلكم بأخي فإن المخبرين
بالآخرين موكّلون
سحقا لهذا الكون أجمع و ليحلّ به الدمار
مالي و مالي و ما للناس لست ابا لكل الجائعين
و أريد أو أروى و أشيع من طوى كالآخرين
فليترلوا بي ما استطاعوا من سباب و احتقار
لي حفنة القمح التي بيدي و دانية السنين
خمس و أكثر و أو أقل هي الربيع من الحياه
فليحلموا هم بالغد الموهوم يبعث في الفلاة
روح النماء و بالبيادر و انتصار الكادحين
فليحملوا إن كانت الأحلام تشبع من يجوع
إني سأحيا رجاء و لا اشتياق و لا نزوع
لا شيء غير الرعب و القلق الممض على المصير
ساء المصير
ربّاه إن الموت أهون من ترقّبه المرير
ساء المصير
لم كنت أحقر ما يكون عليه إنسان حقير

علي الجميلي
25-06-2010, 07:15 PM
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

البدري
26-06-2010, 02:15 AM
لكه مني جزي الشكر والتقدير

زياد الدراجي
28-06-2010, 12:04 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

الثائر الصدري
28-06-2010, 04:20 PM
الاخ الفاضل ابو علاء
بارك الله فيك

عاشق القائد
29-06-2010, 11:44 AM
جزيل الشكر لكم على الطرح الرائع تقبلو مروري

يتيم العراق
29-06-2010, 08:39 PM
الف شكر ع الموظوع المميز وشكر علة كجهودك العالي تحيتي الك

العليــــاء
29-06-2010, 09:55 PM
قصيدة المسيح بعد الصلب / لبدر شاكر السياب / في ذكرى رحيل الشاعر وعيد الميلاد/بقلم:عدنان الظاهر.
قصيدة ( المسيح بعد الصلب )/ ديوان بدر شاكر السياب/ دار العودة، بيروت 1970 .
بعدما أنزلوني، سَمِعتُ الرياحْ
في نواحٍ طويلٍ تسفُّ النخيلْ
والخطى وهي تنأى. إذن فالجراحْ
والصليبُ الذي سمّروني عليهِ طوالَ الأصيلْ
لم تَمُتني. وأنصَّتُ : كان العويلْ
يعبرُ السهلَ بيني وبينَ المدينةْ
مثلَ حبلٍ يشدُّ السفينةْ
وهي تهوي إلى القاعِ.كان النواحْ
مثلَ خيطٍ من النورِ بين الصباحْ
والدجى، في سماءِ الشتاءِ الحزينةْ.
يمثل هذا المقطع، الذي إستغرق الصفحة الأولى من صفحات القصيدة التي تنوف على الخمس، الدائرة الأولى من بضع دوائر تتوالى متداخلةً حيناً، متباينة المساحة والمحيط لكنها تشترك في بؤرة واحدة أو مركز واحد. أو متماسةً أو متباعدةً أحياناً أُخَرَ… من حيث الموضوعات والصور والرؤى والأغراض. يبدو هذا المقطع للوهلة الأولى مقطعاً مَهيباً مفعماً بالجلال وحرارة الإحساس بمأساة السيد المسيح ودقة التعبير عن هذا الإحساس وصدقه. الأمر الذي ربما يدل على قدرة السياب على تقمّص أو إستنساخ المسيح شخصاً وفكراً وموقفاً ثم مصيراً. أي أنه نجح في الدخول في جسد المسيح والإستقرار في روحه حتى إنه لم يعدْ يميّز بين ما له وما للمسيح. آية ذلك، أو إحدى تلك الآيات، أن الشاعر يتكلم بلسان المسيح ( بعدما أنزلوني )… ( والصليب الذي سمّروني عليه ).
هل مرَّ السياب بمحنة تعادل محنة المسيح مع كُهّان الهيكل وكَتَبَته في أُورشليم في فلسطين و جند القائد الروماني بيلاطس وهيرودُس؟ بالتأكيد كلاّ. هل سُجن أو عُذّب ؟ كلاّ. لقد طورد إبّان العهد الملكي في العراق فغادره للعمل في الكويت. ثم حورب وفّصل من وظيفته بعد ثورة تموز 1958 في العراق فبالغ في جنوحه نحو اليمين ونشر ما نشر في بعض صحف بغداد الصادرة يومذاك متبرئاً من ماضيه وعقيدته وإلتزامه السياسي السابق. لا شيء إذن يجمعه ومحنة المسيح، فلماذا أنطق نفسه بضمير المتكلّم نيابةً عن المسيح ؟ لم تحمل القصيدة تأريخ كتابتها. سأركّزُ على هذا المقطع لأنه البداية والواجهة ولأنه يحمل ثقل القصيدة الأكبر من بين بقية المقاطع. تحليل وتفكيك هذا المقطع يكشف عيوباً جديّةً في نسيجه وبنائه وتسلسل أفكاره بل وحتى في لغته :
1 - لامنطقية بعض الصور الشعرية وإهتزازها :
الصور الشعرية في الأسطر الثمانية الأولى في هذا المقطع صورٌ محكمة السبك وناجحة. غير أنَّ الصورة الأخيرة تخيّب ظن القاريء. الصورة التي تقول (( كان النواحْ… مثلَ خيطٍ من النورِ بين الصباحْ… والدجى في سماء الشتاءِ الحزينةْ )). حسناً، من حقنا أن نسأل الشاعر : كيف جمع النواح والنور ؟ كيف يكون النواح وهو حزن وصراخٌ وألم… كيف يكون نوراً والنورهو الأمل والضياء والتفاؤل والحياة؟
لقد ورّطت مجموعةُ صور مركّبةٍ سابقةٍ الشاعرَ فجرّته من يديه جرّاً وأسقطته في فخ الصورة الأخيرة. أعني لوحة الصور الثلاث المركّبة التي صاغها في الأسطر التي سبقت الصورة الأخيرة في الصفحة الأولى. ((كان العويلْ… يعبرُ السهلَ بيني وبين المدينةْ (1)… مثلَ حبلٍ يشدُّ السفينةْ (2)… وهي تهوي إلى القاعِ (3) )). وللمقارنة السريعة سأُعيدُ كتابة بعض ما جاء في التشكيلتين من الصور:
كان العويلُ… مثلَ حبلٍ يشدُّ السفينةْ
كان النواحُ… مثلَ خيطٍ من النور…في سماءِ الشتاءِ الحزينةْ.
لست بحاجةٍ للتذكير أنَّ الحبل هو مجموعة خيوطٍ وأنَّ الخيط هو بدوره حبل أو جزء من حبل.لم يتورط الشاعر بشكلية التعبير عن الصور حسبُ :
كان العويلُ مثلَ حبلٍ …
كان النواحُ مثلَ خيط…
بل وأسلس قياده لضغط تأثير وإغراء التصويت السجعي بالقوافي ( المدينة… السفينة… الحزينة…).
إذا كان قصد السياب في هذه الصورة الأخيرة، التي تضع أمامنا أكثر من علامة إستفهام، أن يقولَ إنَّ النواح قد إستمر طوال الليل حتى الصباح. عندئذٍ سنسأله : وعلام كل هذا النواح ما دام المسيح قد أُنزلَ من صليبه وقام حيّاً يسمع كباقي البشر ويُنصت كبقية العباد؟ ثم إنه يُقرر بشكل لا لَبسَ فيه إنه لم تمته الجراح ولا الصليب الذي سمّروه عليه:
******
بعدما أنزلوني، سَمِعتُ الرياحْ


إذنْ فالجراحْ
والصليبُ الذي سمّروني عليهِ طوال الأصيلْ
لم تُمتني …
متناقضات سببها على ما يبدو الوهن وضعف قدرة الشاعر على التركيز والسيطرة على عاصفة توهج موهبته الشعرية التي تفرض عليه إتجاهاتها العشوائية ومساراتها المنفلتة وتتركه عاجزاً مشلولاً لا حولَ له ولا قوّة. أم، تُرى، هنالك قوة سحرية غامضة تمارسها سرّاً هذه الإتجاهات والمسارات على فكر وإحساس وشاعرية بدر شاكر السياب فتدمغه بطابعها وتحركه أنّى شاءت وكيف شاءت هي لا كيفما يشاء هو.
ثم لماذا إختار فصل الشتاء في البيت الأخير (( في سماء الشتاء الحزينة )) وهل له علاقة بتأريخ أو زمن الصلب ؟ سألت بعض الأصدقاء المسيحين عن اليوم والشهر الذي صُلب فيه المسيح فقالوا إنه الرابع عشر من شهر نيسان أو ربما يكون قد وقع في شهر آذار. أما إذا لم يكن الشاعر قد قصد زمناً أوفصلاً معيناً بعينه كتأريخ لصلب عيسى فسيكون حشر " الشتاء " في هذا السطر مجرد حشو فراغٍ لا أكثر. وتلك طامّة كبيرة لا يتمناها أحدٌ للشاعر.
2- الركوع أمام سلطان السجع والتقفية :
هذه ظاهرة عامة ومشتركة يتقاسم عيوبها جميع شعراء الشعرالحر، شعر التفعيلة. علماً أنَّ السياب هو الشاعرالوحيد بينهم الذي أعطى نفسه حرية التنقل في القصيدة الواحدة من بحر إلى آخر ( في القصيدة موضوعة البحث، ينتقل من فاعلن فاعلن فاعلن إلى فعْلن فعْلن فعْلن، أي من بحر المتدارك إلى بحر الخبب ).
نرصد على هذه الصفحة ( 457 ) ترادف القوافي : الرياح، الجراح، النواح، الصباح.ثم
النخيل، الأصيل، العويل. ثم المدينة، الحزينة. ثم التسجيع بالألف المقصورة : الخُطى وتنأى. ثم التسجيع بالألف الممدودة والهمزة : سماء الشتاء. جاء كل هذا الحشد الزاخر من المحسّنات البديعية في عشرة أسطر لا غير!!
مع ذلك، ورغم الإستطراد غير الموفّق الذي رأينا آنفاً، فإنَّ في المقطع تكثيفاً بالصور لافتاً للنظر. وفيه آلية حركية أضفت عليه سمة متميزة من سمات الجمالية والتفرد. في تحليل وتفكيك المقطع نرى أن الشاعر قد وظّفَ عشرة أفعالٍ جاء نصفها في الزمن الماضي
( أنزلوني، سمعتُ، سمّروني، لم تمتني، وأنصتُّ ) وجاء النصف الآخر بصيغة الزمن الحاضر
( تسفُّ، تنأى، يعبرُ، يشدُّ، تهوي ). لقد نجح الشاعر، ربما بدون وعي كامل منه، في أن يقيم معادلة التوازن ما بين عالمي الماضي والحاضر من خلال مقابلة و مزج صيغتي زمني الفعلين الماضي والمضارع. الزمن واحد من أخطر أركان بناء القصيدة. ففيه ومنه تأتي الحركة داخل دروب ومنعطفات القصيدة. ثم إنه المقياس الفيزيائي للحركة. وإنه هو الهواء الذي تتنفس والضوء الذي ينير ظلمات الشاعر فكراً وروحاً. والصور في الشعر لا تكون على أبلغ ما تكون إلاّ بالأفعال. ففي الفعل حركة وإتجاه في الفضاء ( المكان ). وفي الحركة أو نتيجة لها تتولد صورة أو مجموعة صور تتفاوت في درجة وضوحها وأصالة ألوانها وشدة تأثيرها في النفوس. ثم إنَّ الزمن الحاضر ما هو إلاّ الإمتداد الكوني الطبيعي لحركة الزمن الماضي، أي أنه إبنه ووليده. إذنْ جمع السياب الإبن والأب معاً. وذلك أمر ينسجم مع العقيدة المسيحية ( الأب والإبن وروح القدس ) ومع السياق العام للقصيدة، عنواناً ومحتوى.
هل جاء ذكر " النخيل " في هذا المقطع سهواً وعفوَ خاطرٍ ؟ كلا. الشاعر إبن البصرة، حاضنة وأم النخيل. لقد جاء ذكر النخلة ثانيةً في مقطع آخر من القصيدة. ثم لنتذكر النخلة التي وُلِد المسيح عيسى تحتها (( فآجاءها المخاضُ إلى جذعِ النخلةِ قالت يا ليتني مِتُ قبلَ هذا وكنتُ نسياً منسيا / سورة مريم، الآية 23 … وهُزّي إليكِ بجذعِ النخلةِ تُساقطْ عليكِ رُطَباً جنيا / سورة مريم، الآية 25 )). لذلك أطلق أبو العلاء المعري على النخيل صفة " أشرف الشجر" كما جاء في بيته الشعري :
******
شرِبنا ماءَ دجلةَ خيرَ ماءٍ
وزُرنا أشرفَ الشجرِ النخيلا.
******
نقطة ضعف أخرى في هذا المقطع : جاء خلواً من أي بشر خلا المسيح نفسه بعد نزوله حيّاً من الصليب. ألغى الشاعرُ المسيحَ إذ أعطى نفسَه حقَ الكلام نيابةً عنه. لقد طغى صوتُ الشاعر وغطّى كلَّ صوتٍ عداه. ورغم الكثافة الظاهرة وسبك وبهرجة الصور التي يفتقر بعضها للمنطق وقوانين المعقول، يبدو المقطع بعد القراءة المحايدة، المتأنية والتفكير الطويل، شاحباً كأنه أرض خلاء. الإصحاح الرابع والعشرون من إنجيل لوقا يخبرنا بما قام به المسيح بعد مغادرته قبره من حوارات مع بعض الناس وحركة هنا وهناك وطلبِ طعامٍ ونصحٍ بقراءة الكتب وتتبع أخباره في الصحف الأخرى. فالمسيح الحقيقي بعد صلبه غير مسيح السياب.
في الصفحة التالية يدور الشاعر على عقبيه دورة كاملة فينأى عن كافة موضوعات وأطروحات المقطع الأول. يضعنا السياب في هذا المقطع في أجواء مدينته جيكور الريفية الغارقة بنور الشمس والماء وخضرة الحقول والتوت والبرتقال والزهور والسنابل. إنتقل نقلة فجائية من عالم الظلام والتشاؤم والألم إلى عالم البهجة والتفاؤل. فما تفسير ذلك، وما الذي أراد أن يقول ؟ إذا كان المقطع الأول يعني موت المسيح فهل يعني المقطع الثاني عودة أو قيامة المسيح ؟ جائز. مقابلة الموت ( العدم ) بالقيامة ( الإنبعاث ). نقرأ من هذا المقطع :
******
حينما يُزهرُ التوتُ والبرتقالْ
وتمتدُ " جَيكور "ُ حتى حدود الخيالْ

يلمسُ الدفءُ قلبي، فيجري دمي في ثَراها
قلبيَ الشمسُ إذْ تنبضُ الشمسُ نورا
قلبيَ الأرضُ تنبضُ قمحاً وزهراً وماءً نميرا
قلبيَ الماءُ، قلبي هو السنبلُ
موتُهُ البعثُ : يحيا بمن يأكلُ
في العجينِ الذي يستديرُ
ويُدحى كنهدٍ صغيرٍ، كثديِّ الحياهْ
متُّ بالنارِ: أحرقتُ ظلماءَ طيني، فظلَّ الإلهْ
كنتُ بدءاً وفي البدءِ كان الفقيرْ.
*****
أكدَّ السيابُ في هذا المقطع ثلاثة من شروط الحياة على الأرض الأربعة : الأرض( التراب )، الماء، الحرارة ( الشمس والنور أو النار ) ثم الهواء الذي أهملَ السيابُ ذكره. هل أراد الشاعر أن يقول إنَّ هذه هي شروط قيامة الموتى من قبورهم وإعادة إنبعاثهم إلى الحياة التي نعرف جسداً وروحاً ؟ وبدون هذه الشروط لا سنبلة في الحقل ولا قمح ولا عجينة خبز في تنور ؟ بعد أكله يُصبح الخبز جزءاً من خلايا جسد الإنسان (( أنا هو الخبزُ الحي الذي نزل من السماء. إنْ أكلَ أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد / الإصحاح السادس، إنجيل يوحنا )).
وضع الشاعر شروطاً ثقيلة لكيما يلامس الدفءُ قلبه.كرر " حين " أربع مرات كشرط ينتظر جواباً له : ( يلمس الدفءُ قلبي ).كما إنه كرر " قلبي " خمسَ مراتٍ فما دلالة ذلك ؟ مرةً أخرى يضعنا الشاعر هنا أمام التناقض بين الموت والحياة. فموت السنابل يعني حياة آكلها. يذبح الإنسانُ الحيوانَ، يقتله، ينفيه لكي يحيا، يواصل الحياة . إنها المعادلة الأبدية : موت – حياة / و حياة – موت. السنبل لا يحيا إلاّ بالماء. قلب الشاعر هو خزّان الماء هذا. السنابل تصبح قمحاً أو شعيراً. القمح يُطحن ويُجبلُ بالماء فيغدو عجيناً ثم رغيف خبز مستدير. عجينة القمح المستديرة تُشوى بنار التنور، تموت بالنار. حسناً ولكن، ما علاقة الموت بالنار بإحراق ( ظلماء طيني ) و ( ظلّ الإلهْ ) ثم يختتم الشاعر هذا المقطع بقفزة أولمبية أُفقية وأخرى رأسية فيقرر أنْ ( كنتُ بدءاً وفي البدءِ كان الفقيرْ ). هل قصد بذلك التقرير أنَّ الخبز البسيط هو كل غذاء الفقراء ؟ جائز.
قال الأسنتاذ ناجي علوش في دراسته القيّمة التي قدّم بها الديوان، إنَّ السياب " مُهتز " وإنفعالي غير تأملي وينساح إنسياحاً بدل الجنوح إلى التركيز. أُضيف إلى ذلك أنَّ السياب لا يستطيع في أحيان كثيرة السيطرة على " سيلان " وتدفق موهبته الشعرية فيتركها تتحكم فيه على هواها لا حسب ما يقتضيه منطق وضرورات الموضوع الذي يعالجه. لا أجد في ذلك غرابةً، فقد كان الرجل عليلاً جسداً ونفساً وكان ضعيف الجهاز العصبي المركزي، فكيف يستطيع السيطرة على عالمه الخارجي من لا يستطيع السيطرة على نفسه وجسده ؟ تلكم هي المعضلة.
بعد عالم السنابل والقمح والطحين والخبز يأخذنا السياب مباشرة إلى المسيح رمزاً كما جاء في الإنجيل. لكنه يظل يتكلم بإسمه وعلى لسانه متماهياً معه بشكل يُذكّرني بشِعر الحلاّج الذي قال (( إننا روحان حلاّ بدَنا )) :
******
متُّ، كي يؤكَلَ الخبزُ باسمي، لكي يزرعوني مع الموسمِ
كم حياةٍ سأحيا : ففي كل حفرةْ
صرتُ مستقبلاً صرتُ بذرةْ
صرتُ جيلاً من الناسِ : في كلِّ قلبٍ دمي
قطرةٌ منه أو بعضُ قطرةْ.
******
نقرأ في إنجيل يوحنا من العهد الجديد (( أنا هو الخبزُ الحيُّ الذي نزل من السماء. إنْ أكلَ أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبزٌ الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أبذلهُ من أجلِ حياة العالم / 51 )). ونقرأ في مكان آخر (( من يأكلُ جسدي ويشربُ دمي فله حياةٌ أبديةٌ وأنا أُقيّمهُ في اليومِ الأخير. لأنَّ جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مَشرّبٌ حقٌّ. من يأكلُ جسدي ويشربُ دمي يَثبُتُ فيَّ وأنا فيهِ / 45، 55، 56 )).
السياب ويهوذا
رتّبَ السيابُ مقابلةً بين المسيح بعد قيامته ويهوذا الذي خانه. ومعلوم أنه بخيانة يهوذا تم صلب المسيح. فهو الذي قاد الأعداء إلى المكان الذي كان فيه المسيح مجتمعاً مع أنصاره وحواريه ودلّهم عليه وشخّصه لهم بتقبيله وحده دون الآخرين (( وبينما هو يتكلمُ إذا جمعٌ والذي يُدعى يهوذا أحدُ الإثني عشرَ يتقدمهم فدنا من يسوع ليُقبّلَه. فقالَ له يسوعُ يا يهوذا أَبقُبلةٍ تُسلِّمُ إبنَ الإنسان / الإصحاح الثاني والعشرون من إنجيل لوقا، 47 و 48 )).
في المقابلة والحوار الذي دار بين الضحية والخائن الغادر، حقق الشاعر نجاحاتٍ تخللتها بعض الإخفاقات. تكلم السيد المسيح، الضحية، أولاً فقال :
******
هكذا عُدتُ، فاصفرَّ لما رآني يهوذا
فقد كنتُ سِرَهْ
كان ظلاً، قد اسودَّ، مني، وتمثالَ فكرهَْ
جُمدِتْ فيهِ واُستُلّتْ الروحُ منها
خافَ أنْ تفضحَ الموتَ في ماء عينيهِ…
( عيناهُ صخرهَْ
راحَ فيها يُواري عن الناسِ قبرَهْ )
خافَ من دفنها، من مُحالٍ عليهِ، فخبّرَ عنها.
******
لا أدري لِمَ حصر الشاعر سطرين بين أقواس ؟ هل إستعارهما من شاعر أو كاتب آخر ؟
درج السياب على وضع هوامش واضحة يُثبّت فيها مصادر معلوماته وما يأخذ من معلومات أو أشعار من غيره. فلماذا ترك هذا الأمر غامضاً ؟ ثم أوقع نفسه في مطب التقريرية والوضوح المباشر في قوله عن فكرة ضرورة أن يظلَ شخص المسيح سرياً وغير معروف لغير أتباعه ومريديه (( خاف من دفنها، من محالٍ عليهِ، فخبّرَ عنها )). ضعيف الشخصية لا يستطيع إخفاء سر… هذا هو كل ما في الأمر. هل تكلم السياب عن نفسه في هذه الجملة المفرطة بعري المباشرة التي يأباها الشعر الحقيقي وينفرُ منها ؟ عريُ الكلمات المباشرة في تحديد موقف من حدث خطيرٍ ما إنما يكشف عُريَ وعراء ومِعرّة موقف قائلها من هذا الحدث. لقد إرتدَّ الرجل فإنقلبَ على عقيدته السياسية وسبَّ في الصحف علناً وشتمَ وأفشى أسماء بعض رفاقه القدامى. نعم، يكاد أن يقولَ المتهمُ خذوني!
كذلك وضع الشاعرُ كلامَ يهوذا بين أقواس، لكنها جاءت هذه المرة صغيرةً مزدوجة. وليس واضحاً سبب ذلك. ماذا قال الخائن يهوذا وهو في حضرة المسيح وجهاً لوجه ؟
لنستمع :
******
- " أنتَ ! أم ذاك ظلي قد ابيضَّ وارفضَّ نورا ؟
أنتَ من عالمِ الموتِ تسعى ! هو الموتُ مرّةْ.
هكذا قال آباؤنا، هكذا علّمونا فهل كان زورا ؟ "
******
لم يحقق السطر الأخير ما أصاب السطران الآخران من نجاح فني مرموق. إنه غاية في التسطح والبساطة إلى أقصى حدود السذاجة. قال لنا آباؤنا إنَّ الإنسانَ يموت مرة واحدة فقط !! هل في هذا الكلام شعر أو شيء من الشعر ؟ أشكُّ كثيراً في ذلك. ثم ما قيمة أن يُنكر يهوذا قيامة المسيح وبعثه بعد موته (( أنتَ من عالم الموتِ تسعى )) … إذا كان هو نفسه من خان سيده وقائده الروحي ؟
في المواجهة الكلامية بين المسيح ويهوذا نضع اليد على مفارقة طريفة أحكم الشاعر قبضته عليها فأبدع في تصويرها. الروح الخالد والذي بجسده يخلد البشر هو النقيض المباشر للخيانة ولمن يخون الأمانة. الروح الخالد يمثّلُ البياض، رمز النقاء. بينما يجد الخائن
نفسه غارقاً في السواد، في الظلمة. يقول المسيح قاصداً يهوذا :
(( كان ظلاًّ، قد اسودَّ، مني، وتمثالَ فكرَهْ ))
يهوذا هو الطبعة السوداء للمسيح. وبلغة التصوير الفوتوغرافي هو ال Negative . هو
الظل الأسود والنقيض المضاد للبياض، وفكرة ميتة لا حياةَ فيها، تمثال.
يرد يهوذا إذ فوجيء بشخوص المسيح أمامه :
(( أنتَ ! أم ذاك ظلي قد ابيضَّ وارفضَّ نورا ؟ ))
يهوذا لا يعترف بالمسيح. يصرخ مستنكراً ومُستكثراً على من يرى أن يكون هو المسيح.
فالمسيح مات والموتى لا يعودون من سفرتهم الأبدية. يهوذا هو ظل المسيح الأسود. والمسيح هو ظل يهوذا الأبيض. (( إبيضَّ وارفضَّ نورا )). لماذا تعمّدَ الشاعر هذا السجع
في (( إبيضَّ وارفضَّ )) ؟ زيادة في شدة بياض النقيض ونقائه. يتحول الظل الأسود إلى البياض أولاً ثم ينفجر النور منه. وهذا بالضبط ما يحصل في تعاقب الليل والنهار. ظُلمة الليل يعقبها السَحَرُ ثم الفجر فالصبح المُشرق ثم الضُحى فتمام الهار. تماماً كما يحدث في عالم المعادن إذ تحمى بالحرارة فتسخن أولاً ثم تحمرُّ ثم تبيضُّ قبل أنْ تتحول إلى غاز بالتبخّر.
أبدع السياب في إجرائه لهذه المقابلة بين الأضداد. وتستحضر في ذهني شخصية المسيح الدجّال في التراث المسيحي، والأعور الدجّال ( ضديد المهدي، القائم المُنتظر ) ومسيلمة الكذّاب ( نقيض النبي محمد ) في تراثنا الإسلامي. كما قد يكون إبليس الذي عصى ربّه وإستكبر ورفض السجود لآدم هو نقيض أبينا آدم. ظله أو نسخة اللوح الفوتوغرافي السوداء. (( قال ما منعكَ ألاّ تسجُدَ إذْ أمرتُكَ قالَ أنا خيرٌ منهُ خَلَقتني من نارٍ وخلقتهُ من طينٍ. سورة الأعراف، الآية 12 )). في النار حرارةٌ وضوء يستحيل الإمساك بهما بينما في الطين برودة وقوام معتم يمكن الإمساك به وتطويعه وتشكيله بأي شكل تقتضيه الضرورة.
كلمة أخيرة : معروف عن السياب إعجابه بالشاعر المصري علي محمود طه، صاحب قصيدة الجندول التي غنّاها محمد عبد الوهاب. وقد وجدت آثار هذا الإعجاب في بحر وتقفية هذا المقطع التي تّذكّرني بقصيدة الجندول إياها حيث قال شاعرها في بعض مقاطعها :
******
بين كاسٍ يتشهى الكَرمُ خمرَهْ
وحبيبٍ يتمنى الكأسُ ثغرهَْ
إلتقتْ عيني بهِ… أولَ مرّةِْ
فعَرفتُ الحبَّ من أولِ نظرَهْ .
******
أنتقلُ إلى المقطع الأخير في هذه القصيدة متجاوزاً بقية المقاطع، لأنه ختام ممتاز رائع الصياغة ومسربلٌ بالمعاناة الحقيقية التي نجح في تجسيّدها السيابُ بمقدرة واضحة وحرارة يحسها قاريء القصيدة :
******
بعدَ أنْ سمّروني وألقيتُ عينيَّ نحوَ المدينةْ
كدتُ لا أعرفُ السهلَ والسورَ والمقبرةْ
كان شيءٌ، مدى ما ترى العينُ،
كالغابة المزهرةْ،
كانَ، في كلِّ مرمىً، صليبٌ وأمٌّ جزينةْ
قُدِّسَ الربُّ !
هذا مخاضُ المدينةْ.
******
هل شاهد السيابُ فيلم ( سبارتاكوس ) قائد ثورة العبيد في روما ؟ لقد شاهدتُ في هذا الفيلم صوراً لمشاهدَ كتلك التي رسمها الشاعر في هذا المقطع. بعد فشل الثورة تم رفع سبارتاكوس مُشبّحاً على صليب في صفين لعدد لا يُحصى من الصلبان مثبّتٍ عليها الرجال الذين ثاروا معه. لقد خفض سبارتاكوس رأسه وهو معلّق على الصليب وتكلّمَ مع المرأة التي أنجبت طفلاً منه. الطفل رمز لإستمرارية الثورة. إنه يمثل جيلاً جديداً سينهض بالمسؤولية. وهذا ما قاله الشاعر بدر شاكر السياب في ختام قصيدته " المسيحُ بعد الصلب "…(( كان في كلِّ مرمىً صليبٌ وأمٌّ حزينةْ )). إنتشرت المسيحية بعد مقتل المسيح وأصبحت ديناً عالمياً… (( كان شيءٌ مدى ما ترى العينُ كالغابة المُزهرةْ )).
******
على الرغم مما إعتورها من خلل هنا أو هناك، نتيجةً لإخفاق الشاعر في السيطرة المطلقة على هندسة المنطق الفكري أو في صياغة القوالب الشعرية، فإني لأعتبر هذه القصيدة قمة هرم موهبة بدر شاكر السياب. لا أحسب أنَّ أحداً ممن نعرف من شعرائنا قادرٌ على إصابة كل هذا القدر من النجاح فيما لو حاول معالجة هذا الموضوع المتشعب والمُعقّد.
(( غادر الشاعرُ الحياة في 24 .12. 1964 )) وهو في الثامنة والثلاثين من عمره .
******
دمتَ بخير.

الباشا
01-07-2010, 03:21 PM
بارك الله بك حبيبي

جزيل الشكر

hussain1
01-07-2010, 11:47 PM
http://img18.imageshack.us/img18/4020/186886feka1abxx2.gif (http://almoallem.net)
http://img18.imageshack.us/img18/5784/1hgyu74.gif (http://almoallem.net)

ابراهيم الجبوري
02-07-2010, 10:27 AM
شكرا للاخ الكاتب والسياب يستحق ان يذكر لانه سيظل شاعر الشعر الحر واحد واضعي اسسه وقوافيه ي العصر الحديث وعلينا ان لاننسى مبدعينا في شتى المجالات فبارك الله بيكم

hussain1
02-07-2010, 01:36 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
http://store1.up-00.com/Mar10/45m06155.gif (http://almoallem.net)
__________________

hussain1
02-07-2010, 06:18 PM
التكمله وصلت من اختنا الكريمه العلياء وفقها ربى للمتابعه
قصيدة مرحى غيلان
/ بدر شاكر السياب /
في ذكرى رحيل الشاعر،
بقلم/عدنان الظاهر.


شعراء وأبناء
للسياب في إبنه غيلان قصيدتان، كتب الأولى في العراق وعنوانها " مرحىً غيلان ". أما الثانية " أسمعه يبكي " فقد كتبها في سرير مرضه حين كان يُعالج في إحدى مستشفيات مدينة دُرَمْ البريطانية Durham . هذه القصيدة تحمل تأريخ 9-1-1963. سأتعرض للأولى وأترك القصيدة الثانية.

( قصيدة " مرحىً غيلان ". من ديوان أُنشودة المطر/ بدر شاكر السياب، المجلّد الأول، دار العودة، بيروت 1971 ).
تمهيد :
تأريخ كتابة هذه القصيدة مجهول، لكنْ يمكن تقديره في أو قبيل عام 1960 بمقارنة النهج العام وأسلوب ولغة وصور هذه القصيدة مع قصائد هذه الفترة. صدر ديوان أُنشودة المطر عام 1960. إلتقيت الشاعر صيف عام 1959 صدفةً في شارع أبي نؤاس المطل على نهر دجلة في بغداد وسلّمتُ عليه وكانت قرينته برفقته حاملاً بشهورحملها الأخيرة. إذا كان غيلان من كان في بطن أمه يومذاك فيكون مولده في الربع الأخير من عام 1959. غيلان في هذه القصيدة ينادي أباه (( بابا بابا )) أي أنه كان في أو قبل أنْ يتجاوز عامه الأول بقليل... شأن بقية الأطفال الأسوياء. غيلان الآن في أستراليا، ليته يقرأ هذا الكلام ويدقق ما جاء فيه ويصحح معلوماتي.
يُرجِّحُ تخميناتي أمران : مولد إبنة الشاعر البكر غيداء في 24/12/1956 ( إنتقل السياب إلى العالم الآخر يوم 24/12/1964 … يا لغرابة الصُدف ويا لِحكم الأقدار! ). ثم مولد إبنته الأخرى آلاء في السابع من تموز سنة 1961. فيكون مولد غيلان ما بين هذين التأريخين.
مرحى غيلان
قسّمتُ القصيدة إلى ستة أجزاء أو مقاطع، كل جزء يبدأ بكلمتي (( بابا…بابا )) كما جاءت في القصيدة. ذاك لأنَّ كل مقطع يتميز بالكثير من الأمور عن بقية المقاطع حتى لكأنَّ كل مقطع يمثل فصلاً مستقلا قائماً بذاته. رغم التمايز والتفاوت فإن أُطروحة جدلية أو ثنائية الحياة – الموت هي التي تجمع هذه المقاطع وتوحدها وإنْ بخيط يدِقُّ حيناً ويقوى أحيانا، يبدو ظاهراً للعيان تارةً ويتخفى تاراتٍ أُخَر. لا ينسى السياب الموت وهو في غمرة التعبير عن فرحه وسعادته إذ يسمع طفله الصغير يناغيه بأول صوت يستطيع النطق به (( بابا )) جسراً جسدياً – روحياً يربطه بأبيه الذي أسهم في عملية مجيئه إلى دنيانا، وأول تماس مباشر لمخلوق جديد مع العالم الخارجي تعبيراً عن حاجة يُحسها الطفل للإتصال بالعالم المحيط وحتمية خروجه من الداخل البشري إلى العالم الآخر، فهو جزء منه ووجوده فيه. عملية إكتشاف مبكّرة أولى. وقد تكون المناسبة هي الإحتفال بمرور عام واحد على مولد هذا الطفل.

ثنائية الحياة – الموت في قصيدة " مرحىً غيلان "

الحياة هي الطريق المُفضي إلى الموت. هي الوجه الثاني للفناء. ولولاها، الحياة، لما كان موت وإندثار وفناء. قال إبن شبل البغدادي :

صحّة المرءِ للفناءِ طريقُ
وطريقُ الفناءِ هذا البقاءُ
وبعد ذلك بقرون وقرون قال سارتر (( عن طريق الوجود يتسرب العدم إلى الأشياء )).
ثم هناك شعر أبي العلاء المعرّي الذي ما زال يصرخ عبر القرون قائلاً :

خفّفِ الوطءَ ما أظنُّ أديمَ ال
أرضِ إلاّ من هذه الأجسادِ

سِرْ، إنْ إسطَعتَ في الهواءِ رويداً
لا إختيالاً على رُفاتِ العِبادِ

رُبَّ لَحدٍ قد صارَ لَحداً مِراراً
ضاحكٍ من تزاحمِ الأضدادِ

فقشرة الأرض الميتة هي أجسادنا التي كانت يوماً حيةً تزخر بالنشاط والحركة والحيوية.
الجسد الحي يمدُّ الطبيعة بعناصر الموت : بالتراب الذي نُدفن تحته وبالتراب الذي نتخذ منه غطاءً. مفارقة عجيبة مضحكة مبكية ! ثم إننا البشر الفانون عاجلاً أم آجلاً لا نمشي أحياءً إلاّ على رفات الآخرين التي كوّنت أديم الأرض. نطأُ هذا الأديم مرّاتٍ ليطأنا مرةً واحدة بعد موتنا وإلى الأبد.
فقصيدة السياب تتأرجح ما بين هذين الوجهين صعوداً ونزولاً. ولكي يقوّي مواقفه الشعرية ويضخ فيها الكثير من عوامل التركيز والتأثير إلتجأ الشاعر كدأبه إلى الأساطير والرموز التأريخية مندفعاً إندفاعات غير منضبطة في سيل جارف من التدفق الروحي والشعوري العصي على الضوابط والروابط والحدود حتى ليقف الفكر عاجزاً أمام هذا الإندفاع الجارف ويستسلم المنطق إستسلاماً كاملاً. لا يكتفي السياب باللجوء إلى الرموز والأساطير، بل ويركن، كعادته، إلى أقسى وأعنف ما في الطبيعة والكون من ظواهر فيزجها في نسيج شعره زجاً تختلط فيه الأنا بالآخر وبالكون وبتقلبات الطبيعة. لقد ورد
( الدم أو الدماء ) تسع مراتٍ في هذه القصيدة، وإستعان بتموز وعشتار السومريين أو البابليين والبعل إله الكنعانيين الفلسطينيين وعشتروث وبإيزيس الفرعوني وسيزيف ثم المسيح. تموز الراعي وعشتار آلهة الخصب والتناسل والبعل زوج عشتروث فلسطين والمسيح الذي يُشفي الأكمهَ والأبرصَ ويُحيي الموتى ويمشي على سطح الماء وسيزيف حامل صخرته. كل هذا الرهط حضر إحتفالية مولد غيلان الأولى أو قدرته على النطق الأول. النطق والمشي معجزتان كبيرتان بالنسبة للكائن البشري. الكون والتأريخ كلها تساهم في ولادة جديدة وتكون شاهد عيان وتحضر المراسم والطقوس.كذلك بعض أنهار العراق، بويب الذي يمر في مدينة الشاعر ( جيكور ) في ضواحي البصرة ونهر الفرات الذي يشق العراق من شماله إلى جنوبه.كل هذه مظاهر فذة وشواهد على الخصوبة والإنبعاث فمولد غيلان وقدرته على النطق الأول يمثلان ولادة أخرى كونية جديدة، خاصةً إذا كان غيلان هو الطفل الذكرالأول وربما الذَكَر الوحيد لوالديه. ألا فليحتفل الكون إحتفالاً مناسباً مَهيباً بمولد إبن الشاعر. الكون في هذه اللحظة ولادة جديدة والمولود الجديد كون آخر جديد. أُوركسترا كونية تعزف لحن خلود الكون الأبدي. شيء جيد رغم ما فيه من مبالغات وقفزات وإقحامات متعَمَّدة كما سنرى. شيء جيد ولكن ماذا عن وجه الحياة الآخر: الموت والفناء ؟ وضع الشاعر بين أيدينا الكثير من مظاهر الذبول واليأس والتهيؤ للفناء بالموت الأكيد الذي فرضته الآلهة منذ أنكيدو وجلجامش على البشر. هناك إنتهاء الشاعر بعد ولادة مولوده الجديد وهناك نزول هذا الولد إلى الحضيض وهناك شوارع جيكور الحزينة، والأرض لاشيء سوى قفص عظام وما المسيح إلاّ ظلٌّ لا يحيا ولا يموت وكف بلا عصب وهيكل ميت. والموت يركض في الشوارع ويهتف بالنيام أن يهبوا فلقد (( وُلِدَ الظلامُ … وأنا المسيح أنا السلامُ )). هنا نتساءل : ممَ قد وُلِدَ الظلامُ ؟ وكيف يكون الظلام معادلا للمسيح وللسلام ويتكلم بإسميهما ؟ تقول الأسطورة الفرعونية إنَّ العذراء وضعت مولودها… إنها وَلَدت الشمس. العذراء ولدت الشمس ولم تلد الظلام كما جاء في قصيدة السياب.
أخيراً ينكفيء الشاعر على نفسه ويغرق في سوداوية قاتلة رافقته طوال سني حياته القصيرة
فينقلب الربيع والنار والورود والربيع والفرات … تنقلب جميعاً إلى صورة سوداء كالحة من التشاؤم المر واليأس من الحياة. فالبعل يرقد ميتاً في ضريح والشمس تصرخ في الدروب شاكية من البرد :

وأنا الفراتُ، ويا شموعُ
رشّي ضريحَ البعلِ بالدمِ والهُبابِ وبالشحوبِ
والشمسُ تُعوِلُ في الدروبِ :
بردانةٌ أنا والسماءُ تنوءُ بالسُحُبِ الجليدِ.

أحسب أن الصحيح أن يكون القول (( تنوءُ بسحب الجليد )). المُضاف إليه لا يُعرّف إذا كان المُضاف مُعرَّفاً. إلا إذا كانت (( السحب الجليد )) هي بالضبط كحالة ( السكك الحديد ).
بدأ الشاعر بالخصب والبعث والولادة لينتهي بالموت والزوال. الموت الموت ثم الموت كان هاجس السياب القاتل والمميت كأن الرجل كان يحس أجله مقترباً منه مع كل لحظة يحياها في دنياه. مع كل شهيق هواء يسحبه إلى رئتيه. ثم فارق الحياة في الثامنة والثلاثين من عمره عليلاً قعيداً محطّماً وحيداً لا من مال في جيبه ولا من عقار في وطنه العراق ولا في مسقط رأسه قرية ( جيكور ).
صور ولغة القصيدة
المقطع الأول :

" بابا…بابا "
ينسابُ صوتُك في الظلام، إليَّ، كالمطرِ الغضيرِ
بنسابُ من خَللِ النُعاسِ وأنتَ ترقدُ في السريرِ
من أيِّ رؤيا جاء ؟ أيِّ سماوةٍ ؟ أيِّ انطلاقِ ؟
… وأظلُّ أسبحُ في رَشاشٍ منه، أسبحُ في عبيرِ
فكأنَّ أوديةَ العراقِ
فتحتْ نوافذَ من رؤاكَ على سُهادي : كلُّ وادِ
وَهَبتهُ عشتارُ الأزاهرَ والثمارَ.كأنَّ روحي
في تُربةِ الظلماءِ حبّةُ حِنطةٍ وصداكَ ماءُ.
أعلنتِ بعثي يا سماءُ.
هذا خلودي في الحياةِ تكنُّ معناه الدماءُ.

ماذا نقرأ في هذا المقطع، المُفتتح ؟ عُرس للطبيعة وبهجة غامرة تشارك فيها فرحة الشاعر بأول مقطع ينطقه طفله الصغير لأبسط الكلمات ( بابا ). نجد هنا السماء والماء والأودية والمطر وربّة الخصب والتناسل عشتار تحمل الأزهار والأثمار لأودية العراق. أشرك الشاعر في هذا المقطع أغلب عناصر الطبيعة وجنّدها للمساهمة بهذه المناسبة. الشاعر الفقير والضعيف لا يتحمل وحده عبء ومسؤولية النهوض بمستلزمات هذا العرس وهذا الفرح. إذن فلتتقدم الطبيعة، وهي أم الجميع، وتقف أمام وحوالي الشاعر الأب وتعرب عن بهجتها بطرقها الخاصة والمتشعبة حسب وضع عناصرها في الكون. صوت غيلان وهو ينطق كلمة ( بابا ) كالمطر وكالرؤيا وهو عبير وزهور ثم في غيلان إنبعاث الشاعر وخلوده في الحياة.
لقد تكررت الألف الممدودة في لغة هذا المقطع : الفعل جاء ثم الماء والسماء والدماء. كما ترك الماء ومشتقاته وما يتبعه بصماتٍ قويةً : المطر الغضير والسباحة في عبير وأودية العراق والماء صدى لغيلان. لوحة متغيرة الصور والظلال والألوان والإيحاءات تتحرك أمام قارئها كفيلم سينمائي ملون. والشاعر يعرف كيف يحرّك الصور بمهارة وبأية أفعال يحركها ويعرف وقع وتأثير مكان هذه الأفعال في جمله الفعلية. ثم إنَّ الفعل زمان ماضٍ وزمان حاضر وآخر لم يأتِ بعد ( المستقبل ). لا يُحسن توظيف دلالات الزمن إلاّ شاعر فنان موهوب ومتمرس في إستنطاق الأفعال ودلالاتها. إنه مصور بارع ومخرج سينمائي مقتدر ومتحكم في أدوات صنعته. لكن صورة واحدة في هذا المقطع تبقى صورة فكرية محضة لا يتحسس القاريء مجساتها ولا نهايات أعصابها، أي لا تستطيع الدخول إلى دهاليز عالمه الداخلي، عالم الإستجابة والتاثر والإنفعال. تجريد ليس إلاّ. أعني الصورة المركّبة (( فكأنَّ أوديةَ العراقِ، فتحتْ نوافذَ من رؤاك على سهادي )). صورة شبه جامدة لا نبض فيها لعصب ولا لشريان أو وريد. لا تستطيع إختراق أديم القاريء ومن ثم الولوج إلى دخيلة نفسه والوقوع على خلاياه الأدبية المُستَقبِلة ومراكز إلتقاط الإبداع. صورة باردة غير متحركة، صورة فوتوغرافية وليست صورة سينمائية متحركة أو صورة جهاز الفيديو. الفرق جدَّ كبير بين ما هو ساكن وما هو متحرك. الدفء والحرارة في الحركة وليس في السكون. ما معنى (( فتحتْ نوافذَ من رؤاك على سهادي )) ؟ إذا ما تجاوزنا المعنى فأي أثر يتركه مثل هذا التعبير في نفس القاريء ؟ لا شيء، لا شيء البتة.

المقطع الثاني:

ينقلنا السياب في هذا المقطع الصغير من عشتار إلى المسيح وتموز:
" بابا…" كأنَّ يدَ المسيحِ
فيها، كأنَّ جماجمَ الموتى تُبرعِمُ في الضريحِ
تموزُ عادَ بكلِّ سُنبلةٍ تُعابثُ كلَّ ريحِ.

صوت المقطع الصغير ( بابا ) يُشفي المرضى ويُحيي الموتى ويجعل الحياة تدب ثانيةً حتى في جماجم الموتى وهم في قبورهم يرقدون تحت الثرى، تحت أديم أرض أبي العلاء المعرّي.
(( كأنَّ جماجمَ الموتى تُبرعِمُ في الضريحِ )). صورة مُفرِطة في غرابتها ! تنتأ براعم الربيع في رؤوس الموتى ! وما عسى أن ينتج من هذه البراعم غير جماجم جديدة ؟ برعم الشجرة جزء منها يماثلها ويعيد فيها وإليها دورة الحياة لا دورة الموت. شبح الموت يخيم على الشاعر شاء أم أبى. وقع الشاعرتحت تأثير سحر ما تعنيه براعم الربيع حيث تعيد الأرض حيويتها مع عودة الدفء وإنحسار موجة برد الشتاء، لكنه أخطأ القصد النهائي فسقط أو أسقط نفسه واعياً في تيار التشاؤم الطاغي عليه ليغدو الربيع والدفء وبراعم الشجر عوامل مساعدة على مضاعفة الموت وتكثيره كما تتكاثر الأشجار بالبراعم.
ذكر الشاعر في المقطع الأول آلهة الخصب والتناسل عشتار ليذكر صاحبها تموز الراعي في هذا المقطع الثاني. السطر الأخير يُناقض ما قبله. نجد هنا السنابل (( تموز عاد بكل سنبلةٍ تُعابثُ كلَّ ريحِ )). السنابل تمزح مع الريح وتُشاكسها وتعبث بها. لقد قلب الشاعر هنا سياق ومنطق الأشياء فجعل السنابل تعبث بالريح بدل العكس. الأضعف يسخر ويستقوي على الأقوى. هذه إحدى أماني السياب العليل الضعيف المتشائم المُطارد والمفصول من وظيفته لأكثر من مرة. الإستقواء بالخارج على الداخل. مد ضعف الداخل ( النفس البشرية ) بقوى الخارج ( الطبيعة ). وكان هذا ديدن وميل الشاعر الجارف في كل شعره غير السياسي دون إستثناء تقريباً. لذلك أراه قد تحول بالإكراه إلى شاعر مسكون بعالم الفضاء المطلق. شاعر الخروج من الذات الضيقة المهزوزة إلى العالم الأقوى والأوسع. إنه نهج ودأب الخروج من اللايقين (Uncertainty ) إلى الفعل ( Action ) أو الخروج من القوة إلى الفعل كما يقول الفلاسفة.

المقطع الثالث :
لا أتجاوز الحقيقة إذا أطلقتُ على هذا المقطع عنوان ( مقطع الماء ). فيه كان الشاعر مغموراً حتى أُذنيه بالماء، عنصر الحياة. ومن الطبيعي أن يذكر الشاعر نهر بويب الذي يمر في قريته ومسقط رأسه جيكور. في هذا المقطع يستعين السياب برمز آخر جديد هو
( البعل )، إله الكنعانيين في فلسطين، لكنه يُعيد تشكيله فيجعله يتجلى في شخصية المسيح معجزةً ومكاناً. جعله يخطر في الجليل في أعالي فلسطين ماشياً كما فعل المسيح على سطح ماء بحيرة طبرية (( أنا بعلُ أخطرُ في الجليلِ على المياهِ )). إذا ما تجلى البعلُ فظهر كالمسيح فلماذا تكلم الشاعر بلسانه (( أنا بعلُ )) ؟ ما الذي جعل الشاعر أن يتخيلَ أنه هو البعل أو أنه هو المسيح صاحب معجزة المشي على الماء كما ورد في إنجيل متّى/ الإصحاح الرابع عشر ؟ مرة أخرى : الإستعانة بعناصر الخارج القوية، المعجزات في هذه المرّة، لقهر ضعف الداخل القاتل ! يتمنى الشاعر لو يمشي على سطوح الماء خفيفاً …هو الذي سقط في مرضه الأخير عاجزاً مُقعداً لا يقوى حتى على الوقوف على قدميه.
إنه بحق شاعر الفضاء المطلق، الشاعر المستعين على هزال نفسه بغيره.
هل هذا الفضاء الخارجي المطلق إمتداد لداخل الشاعر ؟ الجواب كلاّ، إنه بديل الشاعر ليس إلاّ. البديل الذي يتجسده الشاعر ويتمناه. والتمنّي كما نعرف هو ( رأسُ مالِ المفلسِ ).
نقرأ هذا المقطع معاً :

" بابا… بابا…"
أنا في قرار بويبَ أرقدُ في فراشٍ من رمالهْ
من طينه المعطورِ، والدمُ من عروقي في زلالهْ
ينثالُ كي يَهبَ الحياةَ لكلِّ أعراقِ النخيلِ
أنا بَعْلُ : أخطرُ في الجليلِ…
على المياهِ، أنثُّ في الورقاتِ روحي والثمارِ
والماءُ يهمسُ بالخريرِ، يصلُّ حولي بالمحارِ
وأنا بويبُ أذوبُ في فَرَحي وأرقدُ في قراري.

أية صور فتّانة في طرافتها وجدّتها تتفتق عنها مخيلة هذا الشاعر البصري ؟ وفي أية عوالم من الخيال الخصب العجيب يسبح هذا الشاعر؟ نراه يسيح ولا يستقر، يقوم ولا يقعد، يسرح بعيداً ولا يأوب إلاّ ليجد نفسه راقداً في قعر نهر قريته بويب. يتمرغ في طينه ويمزج بمائه الرقراق دمه ثم يسقي نخيل العراق بهذا المزيج. دم الشاعر إذن كامن في كل ما يأكل العراقيون من تمور نخيلهم. أفلم يقل السيد المسيح (( من يأكلُ جسدي ويشربُ دمي فله حياةٌ أبديةٌ وأنا أُقيّمهُ في اليوم الأخير. لأنَّ جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مشربٌ حقٌّ / إنجيل يوحنا / الإصحاح السادس )). سيُخلِّد العراقيون بدم الشاعر حيواتهم وسيحيون إلى الأبد. الشاعر قربانٌ لشعب العراق. لكنَّ الأُضحية التي جاد بها الشاعر لا تُرضيه. أنْ يمتزج دمه بأعراق النخيل ويتسرب إلى ما يأكل الناس من ثَمره لا يكفي. لذا مال إلى عالم آخر من النباتات ليهبه لا دمه الذي سفحه في جذور النخيل ( أشرف الشجر )، ولكنْ ليرش روحه نثاً على أوراق الشجر وعلى ما يحمل الورق من أثمار. إستخدم الشاعر هنا جمع القلّة ( ورقات ) بدل أوراق، لا لسبب إلاّ لكي يستقيم مقام التفعيلة وإيقاعها المُصوِّت. خلل آخر بلاغي وليس لغوياً. لقد جمع السياب المتناقضات جمع تنافر لا جمع إنسجام. فالخرير والصليل ( صليل السيوف ) فعلان يدلاّن على الجلبة والحركة العنيفة وهما أمران لا ينسجمان مع الهمس. قال الشاعر (( والماء يهمسُ بالخريرِ، يصلُّ حولي بالمحارِ )). هل في نهر بويب الصغير محار ؟ أشكُّ في ذلك. ليس في أنهار العراق محار، حسب علمي، وقد أكون مخطئاً. لا أعرف نهر بويب لكني أعرف دجلة والفرات.
في بداية هذا المقطع رقد الشاعر الجَزِعُ في قرار نهر بويب هرباً من الحياة ومن أوجاعه فيها. لكنه يُفاجئنا في نهاية المقطع بأن يتحول هونفسه الإنسان الشاعر إلى نهر إسمه بويب!
(( وأنا بويبُ أذوب في فَرَحي وأرقدُ في قراري )). أحسبُ أنَّ هذا السطر قد أساء إلى مبنى ومعنى المقطع الثالث ولم يُقدّم له جديداً…كالزائدة الدودية، ضرُّها أكثر من نفعها.
إستطراد قصير : سبق وأن ذكر السياب الصليل والمحار في قصيدة ( الأسلحة والأطفال )
التي كتبها قبل ( مرحى غيلان ) بسنوات. قال السياب (( وأقدامها العاريةْ… مَحْارٌ يُصلصِلُ في ساقيةْ )). أظنُّ أن أول شاعر إستخدم الفعل ( يصلُّ ) لا صليل سيوف، بل صليل حِليةٍ وصليل حصى في الماء، هو أبو الطيب المتنبي في قصيدة ( أبوكم آدمٌ سنَّ المعاصي ) التي مدح فيها عَضُد الدولة البويهي عام 354 للهجرة :

وأمواهٌ تصِلٌّ بها حَصاها
صليلَ الحَليِّ في أيدي الغوانِي

المقطع الرابع :

" بابا… بابا…"
يا سُلّمَ الأنغامِ، أيّةُ رغبةٍ هي في قراركْ ؟
" سيزيفُ " يرفعها فتسقطُ للحضيضِ مع انهياركْ.
يا سُلّمَ الدمِ والزمانِ : من المياهِ إلى السماءِ
غيلانُ يصعدُ فيه نحوي، من تراب أبي وجَدّي
ويداهُ تلتمسانِ، ثَمَّ، يدي وتحتضنانِ خدّي
فأرى ابتدائي في انتهائي.

" بابا … بابا " ليست مجرد حروف ينطقها طفل ما زال في المهد أو فارقه للتو، إنها أوركسترا وتخت موسيقي كامل السلالم تام القرار. إنها واحدة من سيمفونيات بتهوفن وموتزارت وتشايكوفسكي. هذا كله شيء جميل، ولكن ما بال الشاعر يجعل طفله وهو في غمرة هذه الموسيقى السماوية أن يهوي بأكثر أنغام سيمفونيته إستقراراً ( القرار ) إلى الحضيض وأن يجعله ينهار فجأة من عالي سلالمه إلى درك أسفل ؟ لماذا ساوى بين قرار النغم وقاعدة إرتكازه المكينة وبين الحضيض ؟ لماذا حطَّ ما كان شاهقاً في القمة وجعله سُفُلاً ؟ ما تفسير هذه النكسة أو الإنتكاسة ؟ ما علاقة الفرح بأول نطق الطفل بعذاب
( سيزيف ) مع صخرته ؟ الجواب بسيط : إنها الحياة تأخذ بيد ما أعطت بالأخرى. صعود سيزيف بصخرته إلى أعلى الجبل ثم تدحرجها إلى السفح ثم إعادته الكرّة ثم إنفلاتها منه رمز لدورات الحياة كالسلّم الموسيقي صعوداً ونزولاً. الحياة صعود ونزول، والموسيقى درجات ونغمات وأقفال، ومحنة سيزيف كذلك في صعوده الجبل ثم هبوطه منه. تصوير رمزي بارع لتراجيديا الحياة وبعض ظواهرها التي تتكرر ولكن بأشكال شتى. الجبل مرقاة
( سُلّم ) والموسيقى لا تستقيم إلاّ بسلّمها الخاص. والحياة، مثل جبل سيزيف، نشوء وإرتقاء بالولادة ( الخروج من الظلام إلى النور ) ثم إنحطاط وإنحدار بالموت ( النزول إلى عالم الظلام تحت الثرى ).
من الظلام إلى النور --- ومن النور إلى الظلام
صعود بالتنفّس إلى الهواء العالي --- نزول إلى باطن الأرض بتوقف التنفس وحيث ينعدم الهواء.
جمع السياب في سطرين بذكاء بارع وشاعرية متمكّنة رؤوس مثلث يُشكّل الكون مركزه 1- دورة الحياة خَلقاً بالولادة ثم نزولاً بالموت 2- صعود ونزول نغمات السُلّم الموسيقي 3- صعود سيزيف الجبل ونزوله مُجبَراً منه. كل شيء في الوجود لا بدَّ أنْ ينتهي إلى قرار أو مُستقر. الماء في الطبيعة يميل تحت فعل قوة الجذب الأرضي ( التجاذب والتنافر قوىً كونية قاهرة لا مردَّ لها ) إلى التجمع في منخفضات الأرض بل وفي باطنها (المياه الجوفية).
إذا تكلم بعض الشعراء عن كيمياء الشعر فإنَّ السياب هو بحق رائد فيزياء الشعر.
غيلان هو نطفةُ دم أبيه وتابعهُ في مسلسل الزمن. خُلِق غيلان كبقية البشر من ماء مَهين يتبخر بعد الموت لتصعد إلى السماء أرواحُ البشر (( ثم جعلَ نسلَه من سلالةٍ من ماءٍ مَهين / سورة السجدة، الآية الثامنة )).
(( يا سُلّمَ الدمِ والزمانِ من المياهِ إلى السماءِ. غيلانُ يصعدُ فيه نحوي، من تراب أبي وجدي )). وغيلان يكمل دورة حياة العائلة فيرتبط من خلال أبيه بجده. غيلان يتخذ من أبيه سُلّماً للصعود إلى سمتٍ أعلى يمثله جده لأبيه.
جاءت " ثَمَّ " في هذا المقطع زائدة ولا لزوم لها أبداً. فالسطر يستوي رشيقاً بدونها ليكون
(( ويداهُ تلتمسانِ يدي وتحتضنانِ خدّي )). إلاّ إذا كانت هنالك ثَمّةَ من حاجة نفسية خاصة بالشاعر لتوظيف هذه أل " ثَمَّ ".
ولادة غيلان هي نهاية حياة أبيه. كأسماك السَلَمون التي تتكبد المشقات سابحةً إلى مواطنها الأصل في أعالي بعض الأنهار لتضع بيوضها هناك ثم لتموت فتصبح طعاماً لصغارها بعد التفقيس.

المقطع الخامس :
أتعبني وحيّرني هذا المقطع المعقّد والمتشعب والعَصيُّ على التحليل والتشريح. أُعيد قراءاته وأتساءل إلى كم كان المرحوم السياب مُعقّداً ؟ الحياة عقّدته والعلّة المستعصية عقّدته وهاجس الموت الذي لم يفارقه أبداً فمن ذا يلوم !
يكشف الشاعر في هذا المقطع – المسرح المتعدد الزوايا والدرجات والعروض… يكشف عن نَفَس ملحمي وموسوعة من المعارف والثقافات تراكمت لديه لكثرة ما قرأ وتابع وإستوعب ثم عالجَ وهظمَ وتمثّل. يتنقل خلال مفاصله ما بين عالم وآخر تنقّل الحاذق والمتمرّس أو كلاعب سيرك يتقافز في الفضاء على حبال شبكة معقدة من الأراجيح. يقوم بكل ذلك دون أن يفلتَ منه خيط موضوع أُطروحته الرئيس : ثنائية الصراع بين الموت والحياة، العدم والوجود.
إذا كنتُ قد أسميتُ المقطع الثالث بمقطع الماء فإنَّ المقطع الخامس يستحق أن أُسميه ( مقطع الدماء ). أجل، مقطع الدماء، لكثرة ورود لفظة الدم فيه ( خمس مرّات ). ثم تكرار ورود مفردتي الظل والظلام أو الظلماء. للسياب شغف خاص بكلمة الظلماء. لماذا هذا الإلحاح
في توظيف لفظة الدم ؟ هل لفقر الدم الحاد الذي كان السياب يعاني منه علاقة بالموضوع؟
جائز. هل له علاقة بخوف الشاعر وجزعه من منظر الدم وما يُسفح منه خلال الحروب والقتال والنزاعات الدينية والقومية والسياسية و..و..و…؟ جائز.كان السياب ضد الحروب وأعلن موقفه صريحاً في قصيدة " الأسلحة والأطفال/ 1954 " وفي قصيدة " فجر السلام/ 1951 ". أفردَ السياب الجزء الأول من هذا المقطع للفرح الطاغي بشروع غيلان بنطق أول حروف الهجاء، الألف والباء ( ألف باء جيم … أبجد هوّز…)، وترك سجيته تأخذ طابعها وتكوينها الغالب كشأنه في أغلب شعره : الخروج من فضاء داخله الخاص والضيق أو إخراج نفسه منه تاركاً العالم الخارجي المحيط بالأشياء ليقوم بالمهمة الصعبة وليعبّر عن هذا الفرح غير المألوف. بدأ بمسقط رأسه قرية جيكور إذ تولد من شفتي طفله وإذ تدب الحياة والحيوية حتى في أعمدة الحجر والخشب الميت فتحمل توتاً وحيث تتفجر الأنهار ويصبح لبراعم الشجر وهي تنمو أو تمتص أندية الصباح صوتاً يسمعه الشاعر. إندماج تام مع الطبيعة وتفاهم مشترك. لوحة فيها بعض الحزن ( شوارع جيكور الحزينة ) لكنَّ طابعها العام والمؤثر هو الفرح بثمار الربيع ( التوت ) وتدفق الأنهار ونمو البراعم والسنابل التي تمدُّ الرحى بالحبوب قمحاً أو شعيراً .
ينقلنا الشاعر فجأةً من هذه الأجواء الإحتفالية المتفائلة إلى أجواء متشائمة سود، غارقة في السوداوية. فلماذا هذا الإنقلاب المفاجيء وما أسبابه ودلالاته ؟ لماذ الإعتكاف على بؤر الحزن والإستسلام لأشباح وأصوات الموت ؟ لماذا الإرتداد وتحويل الفرح إلى بكائيات ومناحات وحشد كل ما يُثير اللوعة والأسى في نفس القاريء ؟ لماذا… لماذا…لماذا ؟
في المقطع الثاني رأينا المسيح الذي يُشفي الموتى ويُعافي المرضى، لكنّا نجده في هذا المقطع مجرد ظل (( ليس يموتُ أو يحيا )) ونجده يداً دونما عصب بل وكهيكل ميّت. الموت… الموت… الموت !!! وعشتار التي تهب الوديان (( الأزاهر والثمار )) في المقطع الأول تغدو في المقطع الخامس أرملة، أي أنها فقدت القدرة على الإخصاب والتكاثر بالتناسل
(( عشتار فيها دون بعلِ )). إذا ذكر الشاعر لفظة الدم خمس مراتٍ في هذا المقطع فإنه ذكر الموت أربعَ مراتٍ ! دم… موت… عُقْم.
عالمان متعارضان، جدَّ متعارضين،جمعهما مقطع واحد في قصيدة واحدة. ظاهرة تدل على شيزوفرينيا مُزمنة… إنفصام مَرَضي خطير في الرأس والنفس والعصب. لذا لا أجد غرابةً إذ أرى الشاعر يتخبط في أُخريات هذا المقطع فيفقد السيطرة على نفسه وعلى عناصر شاعريته ويضيع منه التوازن الفكري والحسي ويدع يده تكتب ما تشاء لا ما يشاء هو : الأب – الشاعر – الإنسان. فالموت يعدو في الشوارع ويهتف بالنيام أن يهبّوا. والموت يبشرهؤلاء النيام بولادة الظلام. ثم يختلط عليه وعلينا الأمر بحيث لا ندري من هو المتكلّم:
الموتُ أم الظلام أم الشاعر ؟ (( والموتُ يركضُ في شوارعها ويهتفُ يا نيامُ / هبّوا فقد وُلِدَ الظلامُ / وأنا المسيحُ، أنا السلامُ )). كيف يكون الموت أو الظلام معادلين للمسيح وللسلام ؟! إقتبس الشاعر في حاشية الصفحة كلاماً عن أساطير فراعنة مصر أنقله كما هو لأنه يُناقض رؤيا الشاعر (( كان كَهنةُ إيزيس ينطلقون في منتصف ليلة 25/12/ من كل عام هاتفين في شوارع الإسكندرية : لقد وَضَعت العذراءُ حملها وقد وَلَدَت الشمسَ )). وَلَدَت العذراءُ الشمسَ ولم تلد الظلام كما هو الحال في قصيدة الشاعر. ثم، النار تصرخ بالورود أن تتفتح، ثم تنقلب النارُ إلى ماء ( أنا الفراتُ ). هنا خَلطٌ آخر يتوه المرء فيه : هل ضمير المتكلم في (( أنا الفرات )) يعود إلى النار أو إلى من تكلّم قبل قليل بإسم المسيح والسلام ؟ أم إنه صوت الشاعر نفسه يتكلم هنا بإسم نهر الفرات كما تكلّم في المقطع الثالث بإسم نهر بويب (( أنا بَعلُ أخطرُ في الجليلِ على المياهِ، أنثُّ في الوَرَقاتِ روحي والثمارِ/… وأنا بويبُ أذوبُ في فَرَحي وأرقدُ في قراري ))؟ ثم مَن مِن هؤلاء يأمر الشموع أن ترشَّ (( ضريح البعلِ بالدمِ والهُبابِ وبالشحوبِ )) ؟ بعل ماء الجليل الحي في المقطع الثالث يقبع في المقطع الخامس تحت ضريح يغطيه الدم والسَخام والصُفرة. غيلان في تصوّري هو بعل الجليل : تجدد الحياة بمولود جديد. وبدر شاكر الأب هو بعل الضريح : الموت !! لا بُدَّ بعد كل ولادة من موت. الموت هو ثمن الحياة، وجهها الآخر، إمتدادها ومتممها.
أخيراً يجعل الشمس تخرج في الدروب مولولة صارخة لأنها تعاني من برد ولأنَّ السماء مُثقلةٌ بسحب لكن من جليد.
كما لاحظ الأستاذ ناجي عَلْوَش في مقدمته لمجموعة السياب الشعرية الكاملة، أكثر الشاعر في هذه القصيدة من إستخدام كاف التشبيه. إستخدمه تسع مراتٍ، فما دلالة ذلك ؟ كاف التشبيه يحمل في باطنه أحياناً معنى التمنّي، نعم، التمني.كانت أماني السياب كثيرة وعلى رأسها أن يرى نفسه معافى وأن يرى أطفاله كباراً وأن يواصل إبداعاته الشعرية وأن يكتب ملاحم طويلة كما فعل بايرون وشيللي وربما دانتي وميلتون.
نقرأ المقطع الخامس معاً :
" بابا… بابا …"
جيكورُ من شفتيكَ تولّدُ، من دمائك، في دمائي
فتُحيلُ أعمدةَ المدينهْ
أشجارَ توتٍ في الربيعِ. ومن شوارعها الحزينهْ
تتفجّرُ الأنهارُ، أسمع من شوارعها الحزينهْ
وَرَقَ البراعمِ وهو يكبرُ أو يمصُّ ندى الصباحِ
والنُسغُ في الشَجَراتِ يهمسُ، والسنابلُ في الرياحِ
تَعِدُ الرحى بطعامهنَّ.
كأنَّ أوردةَ السماءْ
تتنفّسُ الدمَ في عروقي والكواكبَ في دمائي.
يا ظِلّيَّ الممتدَّ حين أموتُ، يا ميلادَ عمري من جديدِ
الأرضُ ( يا قفصاً من الدم والأظافرِ والحديدِ
حيثُ المسيحُ يظلُّ ليس يموتُ أو يحيا… كظلِّ،
كيدٍ بلا عَصَبٍ، كهيكلِ ميِّتٍ، كضُحى الجليدِ،
النورُ والظلماءُ فيهِ متاهتانِ بلا حدودِ )
عِشتارُ فيها دون بَعلِ
والموتُ يركضُ في شوارعها ويهتفُ : يا نيامُ
هبّوا، فقد وُلِدَ الظلامُ
وأنا المسيحُ، أنا السلامُ.
والنارُ تَصرخُ : يا ورودُ تفتّحي، وُلِدَ الربيعُ
وأنا الفراتُ، ويا شموعُ
رُشّي ضريحَ البَعلِ بالدمِ والهُبابِ وبالشحوبِ
والشمسُ تُعوِلُ في الدروبِ :
بردانةٌ أنا والسماءُ تنوءُ بالسُحُبِ الجليدِ.

لقد فصل الأرض عن عشتار بأربعة أسطر كاملة تضميناً، الأمر الذي يٌتعب القاريء ويُفقد النص حرارة التدفق والإنسياب. ثم، ما معنى " ضُحى الجليد " ؟ هل للجليد فجر وضحى وظهيرة ومساء وليل ؟ تشبيه ضعيف حتى لو كان قصد الشاعر الإشارة إلى بداية عصر ذوبان جليد العصر الجليدي وبداية عهد الطوفان.
(( والسماءُ تنوءُ بالسُحب الجليدْ )). لماذا السحب الجليد بدل (( سُحب الجليد )) ؟
لماذا عرّفَ المُضاف إليه ما دام المُضاف مُعرَّفاً بالألف واللام ؟

ثم : ما المقصود بالصورة الباردة غير المتحركة التي تختلف عن سواها من صور الشاعر الدافئة والمتحركة : (( كأنَّ أوردةَ السماءِ/ تتنفس الدمَ في عروقي والكواكبَ في
دمائي )). أما كان الأفضل أن يقول (( كأنَّ أوردةَ السماءِ/ تتنفس الدمَ والكواكبَ في عروقي )). مجرد سؤال أتطفّل به على الشاعر الغائب. أخيراً، لاحظت أن في الشاعر ميلا جارفاً للفعل ( يمصُّ )، فهو يُسرف في توظيفه في شعره. وإني لأجده فعلا مُقززاً للنفس ليس فيه طاقة شعرية ولا شيئ من قدرة على الإيحاء.

المقطع الأخير ( السادس ) :
يعود التفاؤل الحَذِر للشاعر في نهاية القصيدة فيذكر الشمس والدفء ويتساءل : تُرى، أي نجم يتسلل أو يهبط من السماء إلى الأرض، قفص الحديد، فيخضّر الزمن الآتي في عروقه، في دمه ؟ هل هذا هو النجم الذي دلَّ المجوس على مكان ولادة عيسى المسيح في بيت لحم من فلسطين ؟
كانت الشمس في نهاية المقطع الخامس بردانة والسماء مُثقلة بالجليد لكننا نراهما، الشمس والسماء، في نهاية القصيدة على النقيض : دفء وتفاؤل أخضر يسري في دماء الشاعر ونجوم تنهلُّ على الأرض. شيء جميل أن يعود الشاعر لعالم التفاؤل والبهجة والثقة بالمستقبل، ولكن سطرين في آخر القصيدة لا يُعادلان عالم الشؤم الذي طغى على الكثير مما سبق من مقاطع. لا يصححان الميزان الذي تركه الشاعر مُختلاًّ.

" بابا… بابا… "
من أيِّ شمسٍ جاء دِفؤكَ أيِّ نجمٍ في السماءِ
ينسلُّ للقفصِ الحديدِ، فيورقُ الغدُ في دمائي ؟

ملاحظة : أخذتُ تواريخ ميلاد كريمتي الشاعر غيداء وآلاء من مقدمة الأستاذ ناجي علوش للمجلد الثاني من ديوان بدر شاكر السياب ( دار العودة، بيروت 1974 ). لا أدري لِمَ لمْ يذكر الأستاذ ناجي طفل الشاعر الأوسط غيلان ولا تأريخ مولده ؟
عمّو غيلان : هل تسمعني ؟ إذن أرسل لي تأريخ ميلادك من مُقامك في أستراليا البعيدة.
أين أمك وشقيقاتك ؟ ومتى تُكرّمكم حكومة العراق الجديد ؟ هل سأل أحد المسؤولين عنكم ؟
يا حكّامُ العراق الجُدد : كرّموا عوائل وأبناء وبنات شعراء العراق، الجواهري وبلند الحيدري والسياب والبياتي. إسألوا عنهم وعن أحوالهم. خصصوا لهم رواتب تقاعدية مُجزية. خلِّدوا الموتى بتكريم الأحياء، وكرّموا الأحياء من أجل تخليد الموتى.
*****
مع أطيب الأمنيات.

hussain1
02-07-2010, 06:23 PM
قصيدة ليلة وداع للسياب.
مما يلفت الانتباه في هذه القصيدة، ليس عنوانها فحسب، بل إلى من كانت موجهة إليه ،إذ وجهها إلى زوجته.
فقد برزت في شعر السياب المشاعر الصادقة،والعاطفة الجياشة،والصراحة الواضحة،وهذه القصيدة تذكرنا بقصائد رثاء الزوجات في الشعر العربي،وشعراء رثوا زوجاتهم،نذكر منهم:
جرير الذي بدأها بقوله (لولا الحياء)،لأن العرب كانت تستحيي من ذكر الزوجة في الشعر، يقول:
لولا الحياء لهاجني استعبار**ولَزُرْتُ قبرك والحبيب يزار
وقد عرف شعر رثاء الزوجات في الأدب الأندلسي أوسع منه في المشرق؛نظرا لما تتمتع به المرأة في الأندلس من مكانة،وحرية،أكثر مما تتمتع به المرأة في المشرق آنذاك.فنجد كثيرا من شعراء الأندلس رثوا زوجاتهم،أمثال:أبي إسحاق الألبيري،والأعمى التطيلي،وابن حمديس،وابن جبير،وابن حيان،وغيرهم .
وقد عاش بدر شاكر السياب حياة مليئة بالأسى والحزن والفراق ،ولا سيما عندما فارق زوجته الوفية ،كما وصفها في هذه القصيدة.
الواضح في القصيدة أنها رومانسية وذلك من الشكل الخارجي لها،
وأول ذلك هو عنوان القصيدة فقد تميزت القصائد الرومانسية عن الكلاسيكية بوجود عنوان للقصيدة ،وأيضا شكل القصيدة مختلف عن الشكل التقليدي القديم ،المكون من شطرين ، وأيضا خلو القصيدة الرومانسية من الوزن والقافية , استخدم بدر السياب بعض الكلمات التي توحي بعمق الحزن والفراق الذي يعيشه في ذلك الوقت ،ومن ذلك بداية قصيدته التي بدأها بقوله :
أوصدي الباب فدنيا لست فيها
ليس تستأهل من عيني نظرة
وكأنه يقول إن الدنيا لا تساوي شيئا بدونك، وأيضا اختياره لبعض الألفاظ الحزينة ،مثل (أوصدي الباب – آه - سرير من دم - محموم الجبين) وغيرها من الكلمات ،و أيضا ابتدأ بكلمة أوصدي ،ولم يقل أغلقي؛ لأن الفرق بينهما أن أوصد بمعنى أحكم إغلاقه بقفل ،ونحوه أما أغلق فهي بمعنى الإغلاق الطبيعي المعروف.
وكذلك حتى في نهاية القصيدة اختتمها بأن الحب سوف
يبقى في الدم حتى الموت .
****

ليلة وداع
أوصدي الباب فدنيا لست فيها
ليس تستأهل من عيني نظرة
سوف تمضين و أبقى... أي حسرة؟
أتمنى لك ألا تعرفيها ؟
آه لو تدرين ما معنى ثواني في سرير من دم
ميت الساقين محموم الجبين
تأكل الظلماء عيناي و يحسوها فمي
تائها في واحة خلف جدار من سنين
و أنين
مستطار اللب بين الأنجم
في غد تمضين صفراء اليد
لا هوى أو مغنم نحو العراق
و تحسين بأسلاك الفراق
شائكات حول سهل أجرد
مدها ذاك المدى ذاك الخليج
و الصحارى و الروابي و الحدود
أي ريش من دموع أو نشيج
سوف يعطينا جناحين نرود
بهما أفق الدجى أو قبة الصبح البهيج
للتلاقي؟
كل ما يربط فيما بيننا محض حنين و اشتياق
ربما خالطه بعض النفاق!
آه لو كنت كما كنت صريحة
لنفضنا من قرار القلب ما يحشو جروحة
ربما أبصرت بعض الحقد بعض السأم
خصلة من شعر أخرى أو بقايا نغم
زرعتها في حياتي شاعره
لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقي دمي
إنها ذكرى و لكنك غيرى ثائرة
من حياة عشتها قبل لقانا
وهوى قبل هوانا
أوصدي الباب غدا تطويك عني طائرة
غير حب سوف يبقى في دمانا .
*****

للشاعر السياب عدة دواوين منها :


أزهار ذابلة (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%A7%D8%B1_%D8%B0%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%A9&action=edit&redlink=1) 1947م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1947).
أعاصير (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D8%B1) 1948
أزهار وأساطير (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%A7%D8%B1_%D9%88%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%B1&action=edit&redlink=1) 1950م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1950).
فجر السلام (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%81%D8%AC%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85&action=edit&redlink=1) 1951
حفار القبور (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%AD%D9%81%D8%A7%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D9%88%D8%B1&action=edit&redlink=1) 1952م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1952). قصيدة مطولة
المومس العمياء (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%85%D8%B3_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%A1&action=edit&redlink=1) 1954م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1954). قصيدة مطولة
الأسلحة والأطفال (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A 7%D9%84&action=edit&redlink=1) 1955م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1955). قصيدة مطولة
أسمعه يبكي (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A3%D8%B3%D9%85%D8%B9%D9%87_%D9%8A%D8%A8%D9%83%D9%8A&action=edit&redlink=1)
أنشودة المطر (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%86%D8%B4%D9%88%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D8%B1) 1960 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1960).
المعبد الغريق (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D9%82&action=edit&redlink=1) 1962م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1962).
منزل الأقنان (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%85%D9%86%D8%B2%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D9%86%D8%A7%D9%86&action=edit&redlink=1) 1963م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1963).
شناشيل ابنة الجلبي (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%B4%D9%86%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D9%84_%D8%A7%D8%A8%D9%86%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9% 84%D8%A8%D9%8A&action=edit&redlink=1) 1964م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1964).
سفر أيوب (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%81%D8%B1_%D8%A3%D9%8A%D9%88%D8%A8).
في المستشفى (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%81%D9%89&action=edit&redlink=1).

hussain1
06-07-2010, 06:21 PM
<>ليس سوى العراق


محمود درويش


أتذكّر السيّاب، يصرخ في الخليج سُدى:
عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق..
ولا يردُّ سوى الصدى.

أتذكّر السيّاب، في هذا الفضاء السُّومريّ
تغلبت أنثى على عُقم السديم،
وأورثَتْنا السيّاب.. ان الشعر يولد في العراق،
فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي!

أتذكّر السيّاب... لم يجدِ الحياة كما تخيّل
بين دجلةَ والفراتِ، فلم يفكر مثل
جلجامش بأعشاب الخلود. ولم يفكر بالقيامة
بعدها...

أتذكر السيّاب... يأخذ عن حمورابي الشرائعَ
كي يغطّي سَوْءةً ويسير نحو ضريحه

أتذكّر السيّاب، حين أُصابُ بالحمّى وأهذى:
إخوتي كانوا يعدّون العشاء لجيش هولاكو،
ولا خَدَمٌ سواهم... إخوتي!

أتذكر السيّاب... لم نحلم بما لا يستحق
النَّحل من قُوت، ولم نحلم بأكثر من
يدين صغيرتين تصافحان غيابنا..

أتذكر السيّاب... حدّادون موتَى ينهضون
من القبور ويصنعون قيودنا!

أتذكر السيّاب... إنّ الشعر تجربة ومنفى،
توأمان ونحن لم نحلم بأكثر من حياة
كالحياة، وان نموت على طريقتنا:
عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق

http://www.bintjbeil.com/A/literature/images/devider.gif (http://almoallem.net)
</>

راية الصدر
06-07-2010, 06:36 PM
بــارك ألله بجهودك الكريمة

hussain1
06-07-2010, 06:41 PM
http://img18.imageshack.us/img18/4020/186886feka1abxx2.gif (http://almoallem.net)
http://img18.imageshack.us/img18/5784/1hgyu74.gif (http://almoallem.net)

noura
07-07-2010, 10:26 AM
الســــياب نقله نوعيه في تاريخ الشعر
هو ليس كل الشعراء
هو رائد الشعر الحر
ومازالت اشعاره يؤخذ بها شهادات الماجستير والدكتوراه في دول العالم اجمع
عاشت ايديك اخويه عالموضوع المميز
تحياتي