غير مسجل مرحباً بك في منتديات مدارس آل الصدر الكرام .. مدارس الإخلاص و الوفاء لآل الصدر النجباء

 
آخر عشرة مواضيع في منتديات مدارس آل الصدر الكرام

«~~||© روابـــــط قـــــد تهمـــــــك  ©||~~»
 آخر بيانات سماحة السيد مقتدى الصدر  أخبار و نشاطات الممهدون المقاومة العراقية تدك قلاع الاحتلال جميع إصدارات لواء اليوم الموعود
ضع إستفتاءك ليجيبك طلبة السيد الشهيد مقالات وردت الى بريد الادارة نتائج الامتحانات و القبول المركزي والتعيينات هنا ضع مقترحك أو شكواك السرية
قوانين و شروط التسجيل و المشاركة آخر الأخبار العاجلة و الحصرية  آخر 100 مشاركة خلال الساعات الماضية    كيف تُدار منتديات مدارس آل الصدر ؟؟




استطلاع مدارس آل الصدر .. من هو أفضل محافظ عراقي للفترة الحالية ؟

 


الإهداءات



حصة الكتب و البحوث و التقارير الدراسية لنشر الكتب والبحوث العلمية و التقارير الدراسية التي تنفع الاساتذة و الطلبة

إضافة رد

قديم 09-09-2010, 06:19 PM   #1
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها hussain1


الصورة الرمزية hussain1
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم: معدل تقييم المستوى: 141
hussain1 will become famous soon enoughhussain1 will become famous soon enough

الأوسمة التي حصل عليها

افتراضي الادب نظره عامه وتعريفه وانواعه

الاخوة والاخوات
الموضوع منقول من الموسوعه العربيه وتم تلخيصه
ولم يسبق ان نشر فى المنتديات او المواقع سابقا

الأدب

«ما الأدب؟» سؤال أطلقه جان بول سارتر عام 1947، وأجاب عنه في مؤلف حمل العنوان نفسه، وتبوأ مكانة بارزة ضمن روائع النقد الحديث، وبياناته المهمة. ومع ذلك فإن أحداً لم يزعم أن سارتر، أو سواه، قد نجح في تقديم إجابة شافية لسؤال يغدو يوماً بعد يوم أكثر إلحاحاً، ليس على المعنيين بالأدب ودراسته من الأدباء والنقاد والباحثين وحسب، وإنما على دارسي الأدب الشعبي [ر] والأنتربولوجية [ر] وعلم النفس وعلم الجمال أيضاً.
ويبدو أن أفضل ما يعتمده المرء لتعريف «الأدب» هو مقاربة مفهومه من جوانب مختلفة، تتكامل فيما بينها لتصل إلى فهم يرجى له أن يكون أكثر تماسكاً وعمقاً وتوضيحاً لجوانب هذه الظاهرة الإنسانية البالغة التعقيد.
منظور تاريخي لدلالة الكلمة
1ـ لدى العرب: لا يكاد الباحث يجد أي نص في العصر الجاهلي يستخدم كلمة «أدب»، وكل ما يجده هو لفظة «آدِِب» بمعنى الداعي إلى الطعام، قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى
لا تــــرى الآدب فينــــا يَنْتَقِـــرْ


وفي العصر الإسلامي يرد فعل «أدّب» بمعنى «هذَّب»، في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم «أَدّبني ربي فأحسن تأديبي»، ويرى بعضهم أن معنىً تهذيبياً خلقياً كهذا ربما كان شائعاً في العصر الجاهلي، ولكن ليس ثمة نصوص تؤيد هذا الرأي. ويبدو أن المجاز قد ساعد في انتقال دلالة الكلمة من المعنى الحسي وهو الدعوة إلى الطعام إلى المعنى الذهني وهو الدعوة إلى المكارم. ويُداخل الكلمة في العصر الأموي، معنى جديد، إلى جانب معناها التهذيبي الخلقي هو المعنى التعليمي، فتستخدم في الإشارة إلى «المؤدِّبين» وهم نفر من المعلمين كانوا يلقنون أولاد الخلفاء الشعر والخُطب واللغة وأخبار العرب وأنسابهم وأيامهم في الجاهلية والإسلام. وقد استمر الجمع بين معنيي التهذيب والتعليم في العصر العباسي كما يلاحظ في كتاب «الأدب الكبير والأدب الصغير» لابن المقفع [ر]. و«باب الأدب» من «ديوان الحماسة» لأبي تمام [ر]، و«كتاب الأدب» لابن المعتز [ر]. وبوجه عام يمكن القول إن الكلمة كانت تطلق في القرنين الثاني والثالث الهجريين وما تلاهما من قرون على معرفة أشعار العرب وأخبارهم، وكان المؤلفون العرب يصنفون كتباً ينعتونها بأنها كتب أدب مثل «البيان والتبيين» للجاحظ [ر] (ت255هـ)، و«عيون الأخبار» لابن قتيبة [ر] (ت276هـ)، و«الكامل في اللغة والأدب» للمبرِّد [ر] (ت285هـ)، و«العقد الفريد» لابن عبد ربه [ر] (ت328هـ)، و«زهر الآداب» للحصري [ر] (ت453هـ).
والواقع أنه «لم تقف الكلمة عند هذا المعنى التعليمي الخاص بصناعتي النظم والنثر وما يتصل بهما من الملح والنوادر، فقد اتسعت أحياناً لتشمل كل المعارف غير الدينية التي ترقى بالإنسان من جانبيه الاجتماعي والثقافي».
وبهذا المعنى الواسع يجدها الباحث لدى إخوان الصفا [ر] في القرن الرابع الهجري عندما استخدموها في رسائلهم للدلالة على علوم السحر والكيمياء والحساب والمعاملات والتجارة فضلاً عن علوم القرآن والبيان والتاريخ والأخبار.
ويبدو أن هذا المعنى الواسع كان الأساس الذي استند إليه ابن خلدون [ر] (ت808هـ) في إطلاق لفظة الأدب على جميع المعارف سواء أكانت دينية أم دنيوية، فالأدب فيما يراه «لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود به عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم. ثم إنهم إذا أراد أحد هذا الفن قالوا الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف».
ومما يجدر ذكره أن الكلمة استخدمت منذ القرن الثالث الهجري، إلى جانب دلالتها على المعاني التي تقدمت الإشارة إليها، للدلالة على السنن التي يجب أن تراعى عند فئة اجتماعية معينة كالكتّاب أو الندماء أو الوزراء أو القضاة وغير ذلك، ويمكن للمرء أن يشير في هذا الموضع إلى كتاب «أدب الكاتب» لابن قتيبة و«أدب النديم» لكشاجم [ر] (نحو عام 350هـ)، وسواهما من الكتب التي تناولت أدب القاضي وأدب الوزير وأدب الحديث وأدب الطعام وآداب السفر وغيرها.
ومنذ بداية المواجهة العربيةـ الأوربية الشاملة بُعيد الحملة الفرنسية على مصر، أصبحت الكلمة تُستخدم في العربية الحديثة للدلالة على ما يقابل كلمة «literature « الإنكليزية، و«Littérature» الفرنسية،وذلك نتيجة التفاعل الثقافي الذي عاشه الوطن العربي في القرنين الأخيرين. وهي تشير اليوم إلى «الأدب» بوصفه واحداً من الفنون الجميلة الستة أو السبعة، على اختلاف التعريفات ووجهات النظر والتوكيدات التي يلاحظها المرء لدى النقاد العرب ومؤرخي الأدب ودارسيه من العرب المحدثين.
2ـ لدى الأمم الأخرى: استخدمت كلمة «Litteratura» «ليتراتورا» اللاتينية المشتقة من كلمة «Littera» «الحرف» أول ما استخدمت ترجمة لكلمة «grammatiké» «غرامّتيكي» اليونانية، وهي معرفة القراءة والكتابة. وما لبثت أن استخدمت بعدها للدلالة على التبحر والثقافة الأدبية. فشيشرون [ر] ينعت قيصر بهما عندما يذكر أن لديه أدباً وحساً جيداً وذاكرة وتأملاً ودأباً. وفي القرن الثاني للميلاد استخدمت الكلمة للدلالة على «مجموع من الكتابة»، إذ يجد المرء كلاً من تيرتوليان Tertullian وكاسيان Cassian يقابل بين الكتابة الزمنية الوثنية litteratura والكتاب المقدس Scriptura. ويبدو أن الكلمة في العصور القديمة كانت تستخدم عامة للدلالة على مجموع الأدب اليوناني [ر] وتاريخ الأدب ودراسته وما يتصل بذلك من معارف.
وتختفي الكلمة بهذا المعنى في العصور الوسطى ليقتصر استخدام كلمة «ليتراتوس» «litteratus» على من يعرف القراءة والكتابة.
ويلحق الشعر بالنحو والبلاغة بوصفهما يؤلفان - مع المنطق - ما يعرف بالفنون الحرة الثلاثة. ولكن الكلمة لا تلبث أن تعود مع عصر النهضة [ر] إلى الظهور. يلاحظ استخدام كلمة «لتراي - litterae» «آداب» مقترنة غالباً بالصفة «humanae» تمييزاً لها من الكتابات المقدسة، أو بالصفة «bonac» نعت مديح لها. وترد بهذا المعنى في جميع كتابات إراسموس [ر] Erasmus، ورابليه [ر] Rabelais، ودي بيليه [ر] Du Bellay، ومونتيني [ر] Montaigne، وآخرين في حين يستخدم درايدن [ر] Dryden الكلمة للحديث عن «الآداب الجيدة» good letters.
وفي القرن السابع عشر ينبثق مصطلح «Belles Lettres» «الأدب بوصفه فناً جميلاً»، فيقترح شارل بيرو Charles Perrault على كولبير Colbert إنشاء أكاديمية تضم قسماً خاصاً لـ «Belles Lettres» يشمل النحو والفصاحة والشعر. ويبدو أن هذا المصطلح كان مطابقاً في دلالته لمصطلح «الآداب الإنسانية» letters humanies كما يرد في معجم تريفو Dictionnaire de Trevoux الذي يعود إلى عام 1704م، ولا ينطوي على أي من الدلالات غير المستحبة التي تتضمنها صفة «belletistic» التي تستخدم اليوم للدلالة على المغالاة في تذوق الأدب لذاته استناداً إلى ذاتية المتلقي من دون أخذ المعايير النقدية أو الأغراض الأخلاقية أو القيم الجمالية والفنية بالحسبان. وسرعان ما انتشر المصطلح الفرنسي خارج فرنسة، إذ استخدمه توماس رايمر Thomas Rymer في إنكلترة عام 1692، ويغدو هيو بلير Hugh Blair عام 1762 أول أستاذ للبلاغة والأدب بوصفه فناً جميلاً Belles Lettres في جامعة أدنبره.
ويطالع المرء في الحقيقة مصطلح «الأدب» بمعنى الثقافة الأدبية أو التبحر أو ببساطة معرفة اللغات الكلاسيكية منذ العقود الأولى للقرن الثامن عشر. فعلى سبيل المثال يعرف الأدب في طبعة عام 1721 لمعجم تريفو بأنه «مذهب، معرفة معمقة للآداب»، وثمة في «الموسوعة العظيمة» مقالة بتوقيع J.D أي Jaucourt Le chevalier تعرف الأدب بأنه مصطلح «يعني التبحر ومعرفة الBelles Lettres» أو الأدب بوصفه فناً جميلاً.
وقد استخدمت الإنكليزية المصطلح بالطريقة نفسها فجون سيلدن John Selden عالم الآثار يوصف بأنه «شخص ذو أدب لا حدود له»، وبوزويل [ر]Boswell يصف الإيطالي جوسيبي باريتي Giuseppe Baretti بأنه «إيطالي ذو أدب مرموق». وظل هذا الاستعمال سائداً حتى القرن التاسع عشر. فجون بثرام John Pethram يؤلف عام1840م كتاباً بعنوان «تخطيط لتقدم الأدب الأنكلوـ سكسوني في وضعه الحاضر في إنكلترة» يستخدم فيه كلمة الأدب بمعنى دراسة الأدب أو معرفته.
وهكذا يتبين للمرء أن مصطلح «الأدب» قد استخدم منذ مطلع القرن الثامن عشر في أوربة للدلالة على «مجموع من الكتابة» body of writing على الرغم من أنه يصعب أحياناً إيجاد تفريق واضح في الاستخدام المتزامن بين كل من «الثقافة الأدبية» و«التبحر». وقد شاع هذا الاستخدام في كل من اللغات الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنكليزية، وثمة أمثلة عديدة في كل منها لمؤلفات تستخدم المصطلح بهذا المعنى، وجميعها يشير إلى «أنواع الكتابة كلها بما فيها تلك الأنواع المتسمة بطبيعة التبحر كالتاريخ، واللاهوت، والفلسفة، وحتى العلوم الطبيعية». ولم تُضَيّقْ دلالة المصطلح لتشير إلى ما ندعوه اليوم بالأدب الخيالي imaginative literature (القصيدة، الحكاية، المسرحية) بوجه خاص، إلا ببطء شديد.
وباختصار يمكن القول إن مصطلح «الأدب» «literature» أو «الآداب» « letters» قد فهم في العصور القديمة وفي عصر النهضة على أنه يشمل جميع الكتابات النوعية التي يمكن أن تدعي الخلود. ولم ينبثق، إلا ببطء شديد أيضاً في القرن الثامن عشر، الرأي القائل بأن هناك فناً للأدب يضم الشعر والنثر بمقدار كونه «تلفيقاً خيالياً» imaginative fiction، ويستبعد المعلومات أو حتى الإقناع البلاغي، والمحاجة التعليمية، أو السرد التاريخي.
وقد عززت هذا المفهوم المناقشات المتصلة بفكرة الذوق ودور المتذوق، واختراع بومغارتن Baumgarten لمصطلح علم الجمال aesthetics وجهوده مع «كنت» [ر] ولا سيما في كتابه الأخير «نقد الحكم»، في التمييز ما بين الجميل، والجيد، والحقيقي، والمفيد فضلاً عن النهوض البطيء لمكانة الرواية في المجتمع الأوربي، وقاد كل ذلك في نهاية المطاف إلى ظهور مفهوم للأدب مواز لمفهومي الفنون التشكيلية والموسيقى وغيرهما من الفنون الجميلة المعروفة، وغدا الأدب واحداً منها يتبوأ بين أقرانه الستة مكانة بارزة.
نحو تحديد للمصطلح
1 ـ الأدب كل شيء مطبوع: يعرف بعضهم الأدب بأنه «كل شيء مطبوع» everything in print وتعريف كهذا، الذي يدعو إليه إدوين غرينلو Edwin Greenlaw، يقود إلى تماهي الدراسة الأدبية مع تاريخ الحضارة، وفي هذا إنكار للحقل النوعي والمناهج النوعية الخاصة بالدراسة الأدبية.
2 ـ الأدب هو الكتب العظيمة: ويعرف بعضهم الآخر الأدب بأنه «الكتب العظيمة» great books أي الكتب الجديرة بالملاحظة بسبب من شكلها الأدبي أو التعبيري، فضلاً عن امتيازها الفكري العام أحياناً، والحقيقة أن معظم تواريخ الأدب تشمل بعنايتها كتابات الفلاسفة والمؤرخين وعلماء اللاهوت وأصحاب المذاهب الأخلاقية والسياسيين، بل بعض العلماء أيضاً. ولكن المرء يلاحظ أن عنايتها هذه لا تتعدى العروض الخاطفة وربما غير الخبيرة والبعيدة عن السياق المناسب الخاص بكل حقل معرفي تنتمي إليه كتابات هؤلاء. ولا شك في أن قراءة الكتب العظيمة ودراستها أمران مرغوب فيهما. ولكن ذلك لا يغني في موضوعات تراكمية كالعلوم والتاريخ. وفضلاً عن ذلك فإن الاقتصار على الكتب العظيمة في تاريخ الأدب الخيالي يحول بين المرء وبين فهم استمرار التقليد الأدبي، وتطور الأجناس الأدبية، وطبيعة العملية الأدبية نفسها، وينزع ظاهرة محكومة بمختلف الشروط والظروف الخارجية - كالأدب - من سياقها الذي لا غنى عنه في فهم طبيعتها، ووظيفتها، وحدودها.
3 ـ الأدب إنشاء تخييلي تسود فيه الوظيفة الجمالية: الأدب أساساً فن جميل يتخذ من اللغة أداة له، ويتبدى لذلك في هيئة إنشاء discourse. ومما يميز أداة الأدب هذه أنها أداة إنسانية، ابتدعها الإنسان لتكون أداة لتفكيره وتعبيره وتواصله مع أفراد مجتمعه. وأهم من هذا كله أنها أداة الثقافة الموروثة في تجليها لمستخدم هذه اللغة، وأنها، لذلك، أداة التواصل المثلى مع هذه الثقافة. فالفرد إذ يكتسب لغته الأم ويستوعب نظامها بعوامل مختلفة، يستوعب جوانب كثيرة من ثقافته المدونة بهذه اللغة، ومن الثقافات المترجمة إليها، لأنه من الناحية العملية يكتسبها ممارسة، ويواجهها نصوصاً أدبية وغير أدبية من مختلف العصور، يطلع عليها في مختلف مراحل تكوينه اللغوي والفكري والثقافي. وهي لذلك أداة «حافلة بالتراث الثقافي» للمجموعة اللغوية التي تنتمي إليها، وما دوّن فيها أو ترجم إليها من المواريث الثقافية الأخرى، هو حصيلة التراث الثقافي الذي تنطوي عليه.
فالأديب العربي الحديث، مستخدم العربية في إنشائه لنصه، يتواصل مع موروثه الثقافي المشتمل على نصوص القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر العربي من العصر الجاهلي حتى العصر الراهن، ونصوص التاريخ العربي، والقصص، والفكر في مختلف تجلياته، وذلك بالإفادة من اللغة العربية التي تسرب إليه هذا الموروث من حيث يدري ولا يدري.
وعندما ينتج نصه الأدبي فإنه ينشئه بهذه اللغة وقد تشبعت بكل هذا الموروث فضلاً عن المواريث الثقافية الأخرى المترجمة إلى العربية في مختلف العصور.
واللغة في النص الأدبي تؤدي عدة وظائف متفاوتة في أهميتها، والوظيفة الأكثر أهمية والتي تسود عادة غيرها من الوظائف الأخرى وتحكمها في النظام الهرمي الذي تقيمه بينها هي الوظيفة الجمالية aesthetic function وهذه الوظيفة اجتماعية في جوهرها يسندها المجتمع إلى اللغة الأدبية من خلال مؤسساته المختلفة ذات الصلة (المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية).
وربما كان من المهم في هذا السياق ذكر التفريق، بين الأساليب في استخدام اللغة في الأدب، والعلم، والحياة اليومية، الذي بات اليوم موضع تساؤل من جانب منظري الأدب المعاصرين. ومما يلاحظه المرء هنا أن اللغة العلمية المثالية لغة «دلالية» denotative محضة، تهدف إلى التطابق التام والمحكم بين العلامة sign أو الدال، والمشار إليه أو المدلول signified، وأن العلامة في هذه اللغة شفافة أيضاً توجه قارئها من دون التباس إلى ما تشير إليه، كما هو الشأن في الرياضيات أو المنطق الرمزي.
وبمقارنة اللغة العلمية مع اللغة الأدبية تبدو هذه الأخيرة قاصرة لأنها «مفعمة بالالتباسات، وهي،مثلها في ذلك مثل أية لغة تاريخية أخرى، ملأى بالجناس، والزمر الاعتباطية أو اللاعقلانية ومشبعة بالأحداث التاريخية والذكريات والتداعيات. وباختصار إنها شديدة الإيحاء connotative» وهي لذلك في منأى عن أن تكون «إشارية» referential فقط. إن لها جانبها التعبيري expressive فهي تنقل لهجة المتحدث أو الكاتب وموقفه، وتسعى كذلك إلى التأثير في القارئ. وثمة تفريق مهم آخر بين اللغة العلمية واللغة الأدبية يتمثل في تشديد الأخيرة منهما على العلامة نفسها، على رمزية الصوت في الكلمة. وجميع أنواع التقنيات الفنية كالوزن والجناس الاستهلالي وأنساق الصوت إنما اخترعت أساساً لتلفت الانتباه إلى الجانب الصوتي في هذه العلامة.
وأخيراً فإن اللغة الأدبية أكثر حميمية من اللغة العلمية في صلتها بالبنية التاريخية للغة.
وإذا ما مضى المرء من اللغة العلمية إلى لغة الحياة اليومية فإنه يجد صعوبة أكبر في تمييزها من اللغة الأدبية لأن كل ما قيل عن هذه الأخيرة يمكن قوله عن اللغة اليومية وإن كان ذلك بدرجة أقل. ومع ذلك فلا بد من الإشارة إلى ما للغة الأدبية من تسام في وعي العلامة، وقصد وتنظيم محكمين في استغلالها لمصادر اللغة، قد يبلغان درجة يستحيل معها تغيير كلمة أو إضافة كلمة من دون إفساد واضح لتأثير الإنشاء الأدبي ولاسيما في الشعر بأنواعه المختلفة.
ويبدو أن من الأفضل للمرء أن يعد أدباً فقط الإنشاء الذي تكون فيه الوظيفة الجمالية في وضع السائد أو المهيمن والناظم لجميع الوظائف الأخرى التي يمكن للغة أن تؤديها في هذا الإنشاء. فضلاً عن الاستخدام القصدي الواعي المنظم المحكم للغة في الإنشاء الأدبي - هذا الاستخدام الذي يسمح للوظيفة الجمالية بالسيادة والهيمنة في ذاك الإنشاء - فإن هناك سمة أخرى للأدب لا يمكن إغفالها وهي أنه «تخييل» fiction. إن كل شيء في الأدب متخيل ومصنوع بما في ذلك «أنا» الشاعر والشخصيات التاريخية التي تعمر حياة رواية ما، والتي تحيل قارئها على عالم متخيل لا يمكن النظر إليه على أنه واقع تاريخي فعلي.
والإقرار بـ «التخييل» صفة أساسية من الصفات المميزة للأدب يُحيل المرء على آثار من مثل - آثار هوميروس [ر] وامرئ القيس [ر] ودانتي [ر] وشكسبير [ر] أكثر مما يحيله على آثار شيشرون ومونتني وإمرسون [ر] . وتبقى بعض الآثار بين بين. ولكن المفهوم الذي تم تقديمه للأدب في الصفحات السابقة ليس مفهوماً «تقويمياً» بمقدار ما هو مفهوم «وصفي». إنه تصنيف للإنشاءات الفردية التي تسود فيها الوظيفة الجمالية للغة باقي الوظائف الأخرى وتحكمها وتنظم مواقعها في الهرم الذي تشكله في أي من هذه الإنشاءات.
وكل ما قيل وما يمكن قوله عن «الأدب» يؤكد شيئاً أساسياً وهو «أن العمل الأدبي الفني ليس شيئاً بسيطاً، لكنه بالأحرى تنظيم على درجة عالية من التعقيد، وذو سمة طبقية من معان وصلات متعددة». وأن تحليلاً حديثاً للعمل الفني ينبغي أن يبدأ بأسئلة أكثر تعقيداً من مثل نمط وجوده، ونظام طبقاته.وذلك أنه نتاج الإنسان، سر الأسرار الذي ما زال ينتظر من يحل لغزه.
تمييزات
غالباً ما يستخدم مصطلح «الأدب» مقترناً بوصف محدد له كالأدب القومي والأدب العام، والأدب العالمي، والأدب المقارن، ومن الأهمية بمكان إقامة التمييزات الواضحة بين هذه المصطلحات حتى يتم استخدامها استخداماً متسقاً ودقيقاً ومجدياً في آن معاً في أي بحث عن الأدب.
ـ الأدب القومي أو national literature وهو الأدب الخاص بقوم أو شعب من الشعوب.
ويستند الباحثون في تحديده إلى الأسس المستخدمة في إقامة الحدود القومية وهي أسس متنوعة وعديدة غالباً ما تتبوأ فيها اللغة القومية مكانة بارزة.
ـ الأدب العام أو general literature ويقصد به «فن الشعر» poetics أو «الشعرية» أو «نظرية الأدب الداخلية» أو بعبارة أخرى الأعراف conventions والنظم systems، والقوانين canons، والقواعد rules، والمعايير criteria، والقيم values والمقاييسstandards، المستمدة من داخل الأدب، وتكوّن في مجموعها نظاماً متكاملاً يحكم إنتاج الأدب واستهلاكه في جنس أدبي معين، أو مجموعة من الأجناس الأدبية في عدد من التقاليد الأدبية القومية.
ـ الأدب العالمي world literature أو weltliterature وهو مصطلح تعود حقوقه إلى غوته الذي استخدمه أول مرة عام 1827 ليشير به إلى زمن تغدو فيه الآداب كلها أدباً واحداً.
إنه مثال توحيد الآداب جميعها في تركيب واحد عظيم، تؤدي فيه كل أمة دورها في اتساق عظيم.
ـ الأدب المقارن comparative literature وهو مصطلح يعني فيما يعنيه «دراسة الأدب الشفوي» أو «دراسة الصلة بين أدبين قوميين أو أكثر»، أو ما يعرف عادة بالمفهوم الفرنسي للأدب المقارن، أو «دراسة الأدب خلف حدود بلد معين، ودراسة العلاقات بين الأدب من جهة ومناطق أخرى من المعرفة والاعتقاد من جهة أخرى» أو ما يعرف اليوم بالمفهوم الأمريكي الذي كان ردة فعل على انشغال الفرنسيين وأتباعهم بمسائل التأثر والتأثير واستبعادهم للنقد الأدبي والقضايا الجمالية واستغراقهم في إيمانهم العميق بالمركزية الأوربية.
ويبدو للمرء أن المجاز وحده يستطيع أن يوضح الفروق بين مصطلحات مثل «الأدب القومي»، و «الأدب العالمي»، و«الأدب العام» بسبب التداخل النظري والعملي في استخدامها من جانب الباحثين. وهكذا فإنه يمكن القول إن الأدب القومي دراسة للأدب - بوصفه فناً جميلاًـ ضمن الحدود القومية لذلك الأدب؛ والأدب المقارن دراسة للمناطق الحدودية أو لتخوم الأدب القومي - تخومه النوعية بوصفه أدباً، أو صلاته مع مناطق أخرى من التعبير الإنساني، وتخومه اللغوية بوصفه خاصاً بأمة معينة، أو صلاته بالآداب الأخرى والأدب العالمي هو دراسة للقمم الشامخة التي تستوقف عين الناقد إذ يحلق في السماء الرحبة للأدب، والأدب العام هو دراسة للتضاريس الطبيعية التي يكوّنها مجموع الآداب القومية بصرف النظر عن حدودها اللغوية أو السياسية أو العرقية. وينبغي للدارس، على أي حال، ألا ينسى أن الأدب في النهاية واحد، «كما أن الفن واحد، والإنسانية واحدة، وفي هذا التصور يكمن مستقبل الدراسات الأدبية التاريخية»، ومستقبل دراسة الأدب بوجه عام.
الأجناس الأدبية
الأدب فيض مستمر تنتجه الأمم الحية ما عاشت، ولأنه كذلك فإنه يستعان على دراسته بتقسيمه إلى وحدات تبعاً لمعايير خارجة عنه كالزمان، والمكان، أو وفقاً لمعايير داخلية تمليها الأعمال الأدبية نفسها.
وتصنيف الأدب تبعاً لمعايير من التنظيم أو البنية الداخليين قديم قدم أفلاطون، ومستمر استمرار هذه الظاهرة الإنسانية في مختلف التقاليد الأدبية القومية، وأرسطو، وهوراس، وكوينتيليان، ورجال عصر النهضة من أمثال دانتي وسواه ومن تلاه من مفسري النظرية الكلاسيكية في الأجناس الأدبية، وأعلام الكلاسيكية الجديدة والثائرين بها من نقاد الإبداعية (الرومنتية)، ونقاد القرن العشرين من الشكليين الروس والأرسطيين الجدد من نقاد شيكاغو، ونورثروب فراي وسواه يؤلفون صوى بارزة في محاولة النظر في هذا التصنيف عبر العصور.
والواقع أن كل جنس أدبي رئيسي أو فرعي، عريق أو حديث، مستمر أو منسي، غدا في واقع الأمر مؤسسة تعني الكثير للمهتمين بالأدب أدباء ونقاداً وقراء. وهم يتعاملون مع هذه المؤسسة مثلما يتعاملون مع أية مؤسسة أقامها المجتمع الإنساني،يعبرون عن أنفسهم ويعملون من خلالها أحياناً أخرى، ويثورون بها ويسعون إلى خلق مؤسسات بديلة عنها في أحيان ثالثة، يستجيبون في ذلك كله لحاجاتهم الفنية من جانب، وللحوافز التي يقدمها النقاد والقراء من جانب ثان، وللشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة في مجتمعهم من جانب ثالث. وفي تتبع المرء لمسيرة مؤسسة الأجناس الأدبية يمكنه أن يميز الأجناس التالية:
الشعر الغنائي lyrical poetry: وهو جنس أدبي رئيسي قوامه القصيدة والمقطعة. ويعتقد أنه أقدم الأجناس الأدبية، اتصلت نشأته بالغناء في معظم التقاليد الأدبية. وعلى الرغم من أنه كان في بداية نشأته يتوجه، في جزء غير يسير منه، إلى الجمهور ويسعى إلى الاستجابة لذوقه واهتماماته، فقد بات يغلب عليه انصراف الشاعر للتعبير عن ذاته، وهو لهذا جنس أدبي ذاتي، وجل الشعر العربي شعر غنائي يعبر فيه الشاعر عن ذاته، ويفصح فيه عن كوامنها.
ولكنه بسبب نشأته الغنائية وغلبة طابع الإنشاد عليه،ظل يأخذ اهتمامات جمهوره وذوقه بالحسبان وذلك بعد تبنيها والإفصاح عنها من خلال «أنا» الشاعر التي قد تتسع لتشمل الجماعة كما في الشعر الجاهلي أو شعر المناسبات.
الملحمة epic: وهي جنس أدبي شعري موضوعي قديم يقوم على القصيدة القصصية الطويلة التي تسجل حقبة مهمة من تاريخ الأمة التي ينتمي إليها الشاعر أو الأمم التي اتصلت بها ويمثل أبطالها قيم الأمة ومثلها العليا، أو تدور حول البطولة والمغامرات لشخصية أسطورية من شخصيات الأمة تستهوي الأفئدة، أو تتناول المصير الإنساني ولاسيما في بعده الروحي. ويغلب على الملحمة الأسلوب القوي والسامي عادة ولكن بعضها، كما في الملاحم الشعبية العربية، يمكن أن تكتب نثراً مرصعاً بالشعر وربما بلغة أقل سمواً نتيجة غلبة الطابع الجمعي التراكمي على تأليفها.
المسرحية drama: وهي جنس أدبي موضوعي أكثر حداثة نسبياً من الجنسين المتقدمين كانت أداته الغالبة هي الشعر حتى القرن التاسع عشر، وله أنواعه المختلفة التي ربما كان أهمها المأساة tragedy، والملهاة comedy، والمسرحية الهزلية farce، والمسلاة entertainment play (وهي مسرحية قصيرة يغلب عليها الرقص والغناء لشغل الجمهور في أثناء العروض الرئيسية أو قبلها)، ومسرحية المعجزات miracle play (التي تمثل مشاهد من حياة الأولياء والقديسين ومآثرهم)، ومسرحية آلام المسيح passion play التي تصور الأيام الأخيرة من حياة المسيح)، ومسرحية الأسرار المقدسة mystery play، (التي يصدر مؤلفوها فيها عن قصص الكتاب المقدس)، وغيرها.
وثمة فضلاً عن هذه الأنواع المتصلة أساساً بالشكل اليوناني والتي تعدّ تطويراً له، أنواع أخرى كمسرح النو، والكابوكي اليابانيين، ومسرح خيال الظل التركي والعربي، وشعر التعزية الفارسي وغيرها. وعلى الرغم من وجود ظواهر مسرحية عديدة في الأدب العربي القديم فإن المسرحية في الأدب العربي الحديث مستلهمة أساساً من التجربة الأوربية بعيد المواجهة العربية - الأوربية في منعطف القرن التاسع عشر أكثر مما هي تطوير لهذه الظواهر القديمة.
القصة fiction: وهي جنس أدبي نثري موضوعي له أنواع متفاوتة في طولها وأسلوبها، ومن بينها:
1 ـ الرواية the novel وهي سرد تخييلي طويل عادة يجتمع فيه الحديث والتحليل النفسي للشخصيات وتصوير المجتمعات والعالم الخارجي، والأفكار، والمسحة الشاعرية، على تفاوت في أهمية هذه العناصر تبعاً لنوع الرواية، وللرواية أنواع عديدة منها الرواية البوليسية detective novel والرواية التاريخية historical novel ورواية تكون الشخصية bildungsroman ورواية راعي البقر western، والرواية العاطفية sentimental novel، والرواية النفسية psychological novel والرواية المثيرة thriller، وغيرها.
2 ـ القصة القصيرة short story وهي سرد قصصي حديث نسبياً ظهر في أواخر القرن التاسع عشر تكاد تكون لقطة تصويرية موضوعها في الغالب تلك اللحظات العابرة القصيرة في الحياة الإنسانية. وهي جنس صعب جداً بسبب دقة مقوماته وحساسية لغته وتركيزها الشديد.
3 ـ الرواية القصيرة (النوفيلا) novella وهي جنس أدبي فرعي طوره أساساً الكاتب الإيطالي بوكاتشو، في مجموعته الموسومة بـ«الأيام العشرة» Decamerone، التي استلهم فيها «ألف ليلة و ليلة»، واستهوى نمطها بعضاً من أبرز كتاب النثر الأمريكيين مثل هرمن ملفل H.Melville، وهنري جيمس H.James، والعرب مثل غسان كنفاني، وعبد السلام العجيلي، ويحيى حقي وغيرهم.
4 ـ الرومانس romance وهي سرد طويل يغلب عليه التغني بالحب والبطولة. وثمة الحكاية tale وهي سرد خيالي بسيط، والحكاية الرمزية fable والخرافة وغيرها.
السيرة biography : والسيرة الذاتية autobiography، والأولى منهما ترجمة لحياة شخص ما أدى دوراً مهماً في مجتمعه، والثانية ترجمة لحياة مؤلفها.
المقالة essay : وهي جنس أدبي نثري حديث نسبياً أدت الصحافة دوراً كبيراً في تطويره بأنماطه المختلفة، ويطلق المصطلح في الأدب الإنكليزي على المعالجات الجادة لموضوع ما بأسلوب رفيع محكم وتصل المقالة حجم الكتاب المستقل أحياناً.
وفضلاً عن الأجناس الأدبية المتقدم ذكرها والتي تكاد تكون قاسماً مشتركاً بين الآداب القومية المختلفة بما فيها الأدب العربي، هناك أجناس أدبية تكاد تكون مقتصرة عليه منها المقامة وهي قصة قصيرة مسجوعة تتضمن عظة أو ملحة أو نادرة تتخذ معرضاً للبراعة اللغوية والأدبية، وأصل معناها «المجلس» و «الجماعة من الناس» وأشهر كتابها بديع الزمان الهمذاني (ت 393هـ)، والحريري (ت510هـ)، والموشح وسمي كذلك تشبيهاً له بالوشاح أو القلادة التي تنظم حباتها من الأحجار الكريمة، وهو جنس أدبي شعري نشأ في الأندلس نتيجة عوامل عديدة يختلف دارسوه في تقدير أهميتها من بينها انتشار الغناء والموسيقى في الأندلس، والبيئة الأندلسية، والاحتكاك بالآخر وسواها من العوامل. وما لبث أن انتقل إلى المشرق ليغدو واحداً من الفنون السبعة في الأدب العربي التي تضم إلى جانبه المواليا، وكان ما كان، والقوما، والدوبيت، والسلسلة، والزجل وهي أجناس شعرية مختلفة ظهرت في عصور مختلفة نتيجة لمؤثرات داخلية وخارجية متنوعة، ويظهر بعضها تحللاً ملحوظاً من اللغة والعروض السائدين، وهي على وجه الإجمال أجناس فرعية عاشت، خلا الموشح والزجل، على هامش الأجناس الأدبية العربية الرئيسية.
نظرية الأدب
يستند الكاتب في ممارسته للأدب إلى أعراف ومعايير ومقاييس ونظم وقواعد وقوانين تؤلف في مجموعها الفكر الأدبي السائد في عصرها. وعلى الرغم من أنه نادراً ما يفصح عنها فإن طبيعة ممارسته ذاتها تعكس إيمانه الضمني بها على نحو أو آخر. والناقد الناظر في حصيلة ممارسة الكاتب، أو في النص الأدبي - يختاره ويشرحه ويحلله ويوازن بينه وبين غيره ويحكم عليه - يستند كذلك إلى مجموعة مماثلة (أو مغايرة في وجه من الوجوه أو كلياً) من هذه الأعراف والمعايير والمقاييس والنظم والقواعد والقوانين، تيسرله التمييز ما بين المخالف، والمرفوض، والمقبول والمتميز، والمتألق في ممارسة الكاتب، ومع أن الناقد يكون عادة أكثر ميلاً من الكاتب، إلى الإفصاح عن الفكر الأدبي الذي يشكله مجموعها فإن منظّر الأدب أو الباحث في نظرية الأدب وحده الذي يعنى بالكشف عن هذا الفكر على نحو صريح وبيّن ومنظم بسعيه إلى إقامة الإطار المرجعي frame of reference النظري الذي يحكم الممارستين الأدبية والنقدية ويفسرهما في آن معاً. وتتناول نظرية الأدب أو ما يعرف بالإنكليزية «theory of literature»، وبالفرنسية بـ«théorie de le litterature» جانبين اثنين مهمين في فن الأدب هما طبيعته ووظيفته.
وواقع الحال أن جميع نظريات الأدب،بما فيها النظريات العربية والإسلامية، التي تفتق عنها الذهن البشري عبر العصور شغلت بهذين الجانبين على تفاوت في توزيع اهتمامها فيما بينهما. ففي حين ركزت النظرية الشكلية اهتمامها على طبيعة الأدب، انصرفت النظريات الأخلاقية إلى الحفاوة بوظيفته، مع إقرارها جميعاً بالصلة المتبادلة بين طبيعة الأدب ووظيفته. وهذا الإقرار الضمني والصريح أمر متوقع. فطبيعة أي شيء مرتبطة على نحو عضوي بالوظيفة التي يراد له أن يؤديها.
لقد تبين مما تقدم أن الأدب إنشاء تخييلي تتسنم فيه الوظيفة الجمالية موقع السيادة، والناظر في وظيفة هذا الإنشاء في مختلف العصور والتقاليد النقدية يتبين له أنها راحت بين قطبي مقولة هوراس في أن الشعر «متعة وفائدة». ففي حين استبعد أفلاطون الشعراء ومهمتهم لأنهم لم يستطيعوا أن يدللوا على أن الشعر مفيد بمقدار ما هو ممتع، أعاد أرسطو إلى الشعراء مكانتهم عندما بين أن الشعر المسرحي، خاصة، يحقق، بإثارته عاطفتي الخوف والشفقة، تطهيراً للنفس البشرية يماثل المناعة التي يوفرها اللقاح الطبي للشخص السليم، وجاء هوراس من بعدهما ليؤكد أن أفضل الشعر ما جمع بين المتعة والفائدة.
أما في العصور الوسطى عندما هيمنت الكنيسة هيمنة شاملة في أوربة كان من الطبيعي أن تؤكد المؤسسة الدينية أن الأدب فائدة أكثر منه متعة، وأن يثور عصر النهضة، بالمقابل بهذا التصرف الأخلاقي. وما لبث نقاد الاتباعية الجديدة، بعد قرون من العودة إلى المصادر الاتباعية، أن عادوا للاحتفاء بالجانب الشكلي، ليضيق الإبداعيون بهذه الحفاوة ويؤكدوا الدور الاجتماعي للأدب، إذ الشاعر نبي ومصلح في نظرهم. ولكن تغليب الجانب الفردي والعاطفي في الإبداعية تعرض لهجوم نقاد الواقعية الذين حفزتهم الماركسية وغيرها من الفلسفات الاجتماعية على ربط الأدب بالبنية الكلية للمجتمع الإنساني، وعلى تثمين الأدب بمقدار ما يقدمه من إسهام في عملية التحول الاجتماعي الصاعد. وهكذا يجد المرء في القرن العشرين هذا الإلحاح الكبير للنقد الماركسي على ضرورة قيام الأدب بتصوير عملية الصراع في المجتمع الرأسمالي والوقوف مع القوى السائدة التي استنفذت أغراض وجودها بهدف قيام مجتمع اللاطبقات، مثلما يجد الانتشار الواسع بعيد الحرب العالمية الثانية لمفهوم الالتزام الوجودي بوصفه خياراً حراً للكاتب لممارسة دوره المنشود في المجتمع الحديث. ومع التحولات الجديدة التي يشهدها العالم اليوم تغدو وظيفة الأدب أكثر تعقيداً، ولكنها تبقى جزءاً من وظيفة الفن عامة وهي القيام الأمين على المثل الرفيعة والقيم الإنسانية السامية التي لا تكون المجتمعات البشرية إنسانية بحق من دونها.
أما العرب فقد مالوا إلى تأكيد وظيفة الشاعر في العصر الجاهلي في الدفاع عن قبيلته وإعلاء شأنها بين القبائل، ولكن الإسلام قلل كثيراً من أهمية هذا الدور ونزّه القرآن عن الشعر، مثلما نفى صفة الشاعر عن محمد r. ولم يدم هذا الارتباط الوثيق بين الأدب والأخلاق طويلاً إذ سرعان ما أعيد تأكيد أن «الشعر نكد بابه الشر إذا دخل في باب الخير لان»، كما يقول الأصمعي، وأنه لذلك لا يؤخذ بميزان الأخلاق.
واقترن هذا الفصل بين الأدب والأخلاق بموقف دفاعي عن الشعر (الصولي [ر] والقاضي الجرجاني [ر] وغيرهما) من دون الشعر الذي ربما حوكم بمقاييس أخلاقية (الباقلاني [ر] وابن بسام [ر]، أو هوجم، بوحي من أفلاطون وسوء فهم لأرسطو، من جانب النقاد الذين استلهموا الثقافة اليونانية (مسكويه [ر] وابن رشد [ر]) وغيرها (ابن حزم [ر])، لأسباب تربوية. واستمر هذا الإلحاح على الجوانب الشكلية سائداً في الفكر الأدبي العربي حتى العصر الحديث، ولكن المواجهة الشاملة مع أوربة في القرنين الأخيرين وحرص الأدباء العرب المحدثين على أن يؤدوا دورهم كاملاً في بناء الحياة العربية الجديدة أسندوا إلى الأدب العربي الحديث وظيفة الإسهام في عملية التحديث والتحرر الوطني والاجتماعي من جانب، وبناء الإنسان العربي الحديث بالقيم العربية الأصيلة والمفاهيم المعاصرة من جانب آخر.
حدود الأدب
الأدب إنشاء أداته اللغة، ينتجه إنسان من أحد الجنسين، له عمر محدد، وتكوين ثقافي محدد، وحياة نفسية خاصة به. وهو كائن اجتماعي يعيش في محيط اجتماعي يكون وسطاً لنشاطاته المختلفة، ولهذا المنتج ميوله وأهواؤه ووجهاته السياسية والفكرية كما أن له ظروفه الاقتصادية ومكانته الاجتماعية، والأدب الذي ينتجه ليس إلا جزءاً من كل في نشاطاته المختلفة، وهو لذلك يتبادل التأثير وهذه النشاطات، ولاسيما تلك التي تنتهي بإنتاج معرفي أو فني كالفكر والفلسفة والتاريخ والأسطورة والفنون الجميلة و العلوم غيرها.
وأي معنيّ بالأدب ودرسه مضطر إلى النظر في صلات الأدب بهذه الفعاليات وحصيلتها بغرض الوصول إلى فهم أفضل لهذه الظاهرة المعقدة.
الأدب والفكر: يشترك الأدب والفكر (الفلسفة ضمناً) في أنهما نتاجان إنسانيان، (فمنتجهما إنسان)، وأن أداتهما أداة إنسانية هي اللغة الطبيعية (مع اختلاف وظيفتها في كل منهما) وأن كلاً منهما يحمل وجهة نظر منتجة في الإنسان والحياة والكون على نحو مباشر أو غير مباشر وأنهما يتبادلان التأثير فيما بينهما على نحو شامل وعميق.
فأما عن كون منتجهما إنساناً فأمر بين. وكثيراً ما يجمع بين الأدب والفكر في إنتاجه، والأدباء - المفكرون، والمفكرون - الأدباء ظاهرة شائعة في مختلف الأزمنة شيوعها في مختلف التقاليد الثقافية (التوحيدي [ر] والمعرفي [ر] وابن حزم [ر] وأفلاطون [ر] ودانتي [ر] وكولريدج [ر] وروسو [ر] وماركس [ر] وإليوت [ر] وسارتر [ر] وماوتسي تونغ [ر] وغيرهم كثير).
والحقيقة أن المتتبع لتاريخ الآداب المختلفة، والأوربية منها على نحو خاص، يرى أن الارتباط بين الأدب والفكر والفلسفة «آخذ بالازدياد والتعمق، بل إنه يأخذ اليوم طابعاً منظماً يعرفه التاريخ الأدبي من قبل، والصراع الأدبي في العالم اليوم تابع - ولو جزئياً - للصراع الفكري، وأن أي تاريخ أدبي لأوربة (على سبيل المثال )، لا بد أن يكون شديد الالتصاق بتاريخ الأفكار».
وأما أداتهما واحدة، فإن كليهما يستخدمان اللغة الطبيعية، وإن كان توظيفهما لها متبايناً. ففي حين تسود الوظيفة الجمالية الوظائف الأخرى في لغة الأدب، تسود لغة الفكر أي وظيفة أخرى. ذلك أن اللغة الطبيعية في الفكر أداة للتفكير وللتعبير عن هذا التفكير في آن معاً. فهي أداة يفكر بها مثلما هي أداة يوصف بها هذا التفكير، إنها من جانب ما لغة، ومن جانب آخر اصطلاح لغة عن اللغة أو meta- language.
وأما أن كلاً منهما يحمل وجهة نظر منتجة فذلك أمر في غاية الوضوح. فالأدب وجهة نظر في الحياة والإنسان والكون تتخذ لنفسها لبوس الفن، والفكر وجهة نظر في الحياة والإنسان والكون تقدم نفسها مباشرة على الرغم من تألقها فنياً في بعض الأحيان. وعلى هذا فإن الأدب، وإن انطوى على فكر عميق، يغلب عليه التضمين والإيحاء وعدم المباشرة، في حين تطغى على الفكر الصراحة والمباشرة اللتان قد تقتلان الفن، وعلى الرغم من أن الفكر قد يعزز بعض القيم الفنية كالتعقيد والتماسك، فإنه يمكن أن يكون عبئاً غير مرغوب فيه في العمل الأدبي، وخاصة إذا لم يكن متمثلاً. وعلى نحو مماثل فإن الأدب يمكن أن يسهل سبل انتشار الفكر في كثير من الأحيان (كما هو الشأن في كثير من المؤلفات التي كانت تبشر بالوجودية مثلاً)، إلا أنه يمكن أن يدفع الثمن غالياً فيعرض عنه القراء بوصفه أدباً وفكراً معاً، عندما يعرضون عنه بصفته فكراً تجاوزته الشروط التاريخية.
الأدب والمجتمع: كل ما في الأدب يكاد يكون اجتماعياً. فالأدب بداية ظاهرة اجتماعية لا تنهض إلا في مجتمع. وهو ممارسة اجتماعية يتخذ من اللغة أداة له، واللغة مؤسسة اجتماعية. وهذه الممارسة تستند إلى أعراف وقيم ومقاييس ومعايير وقوانين فنية وجمالية لا تنبثق إلا في مجتمع، أي إنها اجتماعية في جوهرها، وهي كذلك لا تتم إلا ضمن مؤسسات اجتماعية. والأديب فضلاً عن ذلك «عضو في مجتمع، وذو وضع اجتماعي معين، إنه يتلقى مقداراً ما من الاعتراف والمكافأة الاجتماعيين وهو يخاطب جمهوراً مهما كان هذا الجمهور افتراضياً» وكذلك «فإن للأدب وظيفة اجتماعية، أو فائدة لا يمكن أن تكون فردية صرفة. ولذا فإن الكثرة الكاثرة من المسائل التي تثيرها الدراسة الأدبية مسائل اجتماعية على الأقل في النهاية أو ضمناً: مسائل التراث والعرف، والمعايير والأجناس، الرموز والأساطير».
لذا فإن من الطبيعي أن يتبادل الأدب التأثير مع المجتمع الذي ينتج فيه، وأقل مسوغ لهذا التأثير المتبادل كون الأدب جزءاً لا يتجزأ من الممارسات الاجتماعية للفرد التي تكون مجموع صلاته بالمجتمع الذي يعيش فيه، ولعل هذا كان وراء نشوء حقل معرفي خاص بهذه الصلة الوثيقة هو علم اجتماع الأدب sociology of literature الذي يدرس مسائل مختلفة مثل الأصول الاجتماعية للكاتب، وعلاقات الإنتاج والاستهلاك في الأدب، والمضامين الاجتماعية للأدب، وتأثير الأدب في المجتمع وغيرها. وعلى الرغم من إقرار المرء بهذه الصلة بين الأدب والمجتمع فإن عليه أن يذكر دوماً «أنّ للأدب مسوغه وغرضه الخاصين به»، ولا يمكن أن يكون بديلاً من علم الاجتماع، كما يظن من يحاول أن يستخدمه بوصفه وثيقة اجتماعية، أو علم السياسة، فإن له منطقه الخاص حتى في أكثر وجوهه اجتماعية.
الأدب وعلم النفس: من الطبيعي أن تكون علاقة الأدب بعلم النفس وثيقة جداً، وأن يكون التأثير المتبادل بينهما واسعاً وجوهرياً في آن معاً. وعندما احتُفل فرويد [ر]، بمناسبة عيد ميلاده السبعين، بأنه مكتشف اللاوعي، أنكر هذا اللقب وصحح الكلام بقوله: «إن الشعراء والفلاسفة قبلي اكتشفوا اللاوعي، وما اكتشفته هو المنهج العلمي لدراسة اللاوعي».
والحقيقة أنه بمقدار إفادة علم النفس (الفرويدي بوجه خاص) من الآثار الأدبية المختلفة في تصوراته عن النفس الإنسانية ومناطقها وآليات عملياتها المختلفة بما فيها عملية الخلق الفني، وعن عقدها وغير ذلك، فإن استبصارات علم النفس قد عززت الكثير من جوانب الممارسة الأدبية، ولاسيما في الشعر، والرواية، والسيرة، والمسرحية، والكتاب اليوم يمارسون عملهم مستندين إلى أرضية أكثر رسوخاً في دراستهم النفس الإنسانية التي هي المحور الذي يدور حوله الأدب. وأكثر من هذا فإن كون منتج الأدب ومتلقيه إنساناً عزز الصلة الوثيقة بين الأدب وعلم النفس الذي انصرف في جانبه الأدبي أو ما يسمى بعلم نفس الأدب psychology of literature، إلى العناية بعملية الخلق الفني لدى الكاتب من جهة، وآليات الاستقبال لدى المتلقي من جهة ثانية، ولعل ذلك يتضح أكثر ما يتضح في الاتجاه النقدي والموسوم بالنقد الاستقبالي receptionist criticism، أو نقد استجابات القارئ reader- response criticism الذي غدا واحداً من أبرز اتجاهات النقد المعاصر على جانبي الأطلسي. وفضلاً عما تقدم فإن عالم الأدب ولاسيما في جانبه النفسي أصبح، مع استخدامات معطيات علم النفس في مقاربته، أكثر إثارة وغنى ومتعة وفائدة، وهذا ما عزز تفهم الإنسان لنفسه ولغيره وساعده في تواصله معه.
الأدب والتاريخ: «الشعر ديوان العرب» الذين اتخذوا من شعرهم سجلاً لهم: لأنسابهم من جهة، ووقائعهم وأيامهم من جهة ثانية، ومواجهاتهم مع ما يحيط بهم من أمم من جهة ثالثة. والحقيقة أن الصلة بين الأدب والتاريخ قديمة قدم الأدب نفسه، وكثير من نصوص الأدب القديم: المصري، والآشوري، والبابلي، والسومري، والآرامي، واليوناني هي مصادر في التاريخ السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي مثلما هي مصادر في التاريخ الأدبي، والملاحم القديمة (غلغامش، الإلياذة، والأوذيسة، والإنيادة وغيرها) أمثلة بينة على ذلك.
والشأن نفسه في الملاحم الشعبية وفي الكثير من نصوص الأدب الشعبي وشعر الفتوح الإسلامية بصفة خاصة. ففضلاً عن القيمة الأدبية لهذه النصوص ثمة قيمة فوق - أدبية extra- literary تتمثل أساساً في تلك الإشارات الكثيرة إلى حوادث وتواريخ ووقائع في حياة الأمة في مختلف العصور.
وإذا تجاوز المرء غنى المصادر الأدبية بالإشارات التاريخية، وهو أمر ملحوظ في مختلف التقاليد الأدبية من جهة، وعلى امتداد العصور من جهة أخرى، فإنه يجد أن هذه الصلة تطرح نفسها على نحو صارخ في جنسين أدبيين مهمين في العصور المتأخرة لمختلف الآداب وهما الرواية والسيرة، كما طرحت نفسها من قبل على نقاد الاتباعية الجديدة في قضية المسرحية التاريخية.
فطبيعة كل من هذين الجنسين المهمين تثير مسألة صلة الأدب بالتاريخ ولاسيما في الرواية التاريخية والسيرة الذاتية. ودارس الرواية التاريخية على سبيل المثال لا يسعه إلا أن يقارن بين الوقائع التاريخية المستلهمة كما تعرضها كتب التاريخ، والوقائع التاريخية نفسها كما تقدمها الرواية. وهذا التوازي المفترض أو المزعوم أو الواقع فعلاً ليس كل شيء فثمة مسائل أخرى جديرة بالتوقف عندها مثل مشروعية استخدام التاريخ في الرواية، ومقدار حرية الروائي في تطويع هذا التاريخ على النحو الذي يخدم رؤيته للعالم، ودرجة معقولية التفسيرات التي ينطوي عليها استلهامه للوقائع التاريخية ومقدار اتساقها الداخلي، وغير ذلك.
أما السيرة فإن وقائع حياة موضوعها تؤلف المادة الأساسية لمحتواها، وكاتبها لا يسعه تجاهل البعد التاريخي لما يقوم به، مثلما لا يستطيع تجاهل التداخل الذي يواجهه في عمله بين ممارسة الأديب وممارسة المؤرخ. فالسيرة «جنس أدبي قديم. فهي أولاً - من ناحية التسلسل الزمني ومن الناحية المنطقية - جزء من علم التاريخ».
و«مشكلات كاتب السيرة هي ببساطة مشكلات المؤرخ. إن عليه أن يفسر وثائقه، ووسائله، وتقارير شهود العيان، والذكريات، وبيانات السير الذاتية، وأن يقرر في مسائل تتصل بما هو أصلي أو غير ذلك، وبوثوقية شهود العيان وما شابهها. وفي الكتابة الفعلية للسيرة، يواجه مشكلات العرض الزمني، والانتقاء، والتكتم أو التصريح. والعمل الواسع بالأحرى الذي تم في السيرة بوصفها جنساً يتناول مسائل كهذه، ليست بأي حال أدبية من الناحية النوعية» على حد تعبير مؤلفي نظرية الأدب.
وإشكاليات هذا التداخل المعقد والمثير بين ممارسة الكتابة الأدبية وممارسة الكتابة التاريخية، ربما تغدو أكثر تعقيداً وصعوبة في كتابة السيرة الذاتية التي يكون موضوعها ومؤلفها واحداً، نتيجة صعوبة انسلاخ المؤلف عن موضوعه، واستحالة ترك فسحة بينهما تتيح مقداراً كافياً من التأمل الموضوعي في العمل المؤدى، وهي مسائل تظفر باهتمام متزايد من قبل الباحثين المعاصرين في نظرية الأدب والنقد من مختلف الاتجاهات.
الأدب والأسطورة: عندما يذكر الأدب اليوناني تذكر الأساطير اليونانية على أنها العنصر الذي يكاد يتحدى الفناء والنسيان. إذ لا تزال الأساطير اليونانية تعيش في ذاكرة الأمم الأوربية وغيرها تستلهم ويعاد صوغها وتحور وتطور وتسقط على الواقع في مختلف العصور ولاسيما العصر الحديث. وحال الأساطير اليونانية ليس فريداً، وإن كان مميزاً. ذلك أن الأسطورة في جوهرها أدب إنساني تنتجه الأمم في مراحل نموها الأولى، وهي بالمعنى الواسع للكلمة قصة مجهولة المؤلف «تتحدث عن المصائر والأصول». والواقع أن الأسطورة أدب الإنسان القديم، وعنصر مكون في نسيج أدبه عبر العصور، ولا سبيل إلى فهم أدبه الفهم الحق من دون العودة إلى ينابيعه الأولى من جهة، وتتبع مكوناته الأساسية من جهة أخرى. إن الصلة بين الأدب والأسطورة صلة عضوية وجوهرية، عززتها الاهتمامات المتزايدة بعلم الأساطير [ر] والأنتروبولوجية والفولكور [ر]، وبالأنماط المختلفة لاستلهامات الأسطورة من جانب مختلف الفنون الجميلة وبعض المعارف الإنسانية كعلم النفس، بل إن هذه كانت وراء ظهور ما يسمى بالنقد الأسطوري أو نقد النماذج الأولى archetypal criticism، الذي أقام دعائمه نورثروب فراي Northrop Frye في كتابه «تشريح النقد» Anatomy of Criticism (1957).
الأدب والفنون الجميلة: قد يختلف الناس في تعريفهم للأدب أو فهمهم لطبيعته أو في تحديدهم لوظيفته أو بيان حدوده، ولكنهم سيجمعون على أنه واحد من الفنون الجميلة الستة أو السبعة إن أضيفت إليها السينما. وربما كان هذا الإجماع أقدم مما يبدو للوهلة الأولى، فهو يعود لأفلاطون وتلميذه أرسطو، اللذين نظرا إلى الفنون عامة على أنها محاكاة، بل إن أرسطو رأى أن الاختلاف بين الفنون إنما يرجع إلى اختلافها في أداة المحاكاة أو في موضوعها أو في نمطها. ولذا فإن توثيق الصلة بين الأدب والفنون الجميلة أمر مفروغ منه، إذ الأدب مجرد عضو في أسرة. وإن ما يجمع بين أفرادها أكثر مما يفرق.
فالفنون الجميلة، وبينها الأدب، تتبادل الاستلهام فيما بينها، وكثيراً ما تستنزل الموسيقى وحيها من الشعر، وتستلهم الفنون التشكيلية الأدب، ويستوحي الأدب من العمارة والتصوير والموسيقى وغيرها. وكثيراً ما يؤدي فنان واحد عدداً من هذه الفنون معاً.فشاعر العصور القديمة كان العازف على الآلة الموسيقية، والمؤلف الموسيقي، والمنشد في آن معاً، والشعر في مختلف التقاليد الأدبية نشأ نشأة غنائية، وصلته بالفنون الجميلة الأخرى كالموسيقى والغناء والرقص كانت باستمرار قوية، وحسب المرء أن يشير في هذا السياق إلى المسرحيات الغنائية والأوبرا وسواها في التقاليد الغربية، وإلى الموشحات ورقص السماح في الثقافة العربية الاتباعية، والمسرحية الغنائية في الثقافة العربية الحديثة. وأكثر من هذا فإن الشعر العربي على مر العصور حافظ على كونه فناً سمعياً بمعنى أنه كان باستمرار ينظم ليلقى وينشد أكثر مما كان ينظم ليقرأ، كما هو شأن الشعر العربي الحديث. والشعر، حتى الحر منه free verse والمرسل لا يكاد يستغني عن عنصر الموسيقى فيه. فوزنه يقوم على العروض الذي يحكم جانب الإيقاع فيه، وجمله وبناه الصرفية وحروفه وأصواته توفر له عنصر اللحن مما يدرس عادة تحت عنوان الموسيقى الداخلية. بل إن ثمة من يحاول اليوم أن يدرس عنصر الإيقاع في أجناس أدبية غير الشعر الغنائي من مثل الرواية والمسرحية وغيرهما، ويحاول أن يقنع ليس بوجوده وحسب بل بوضوحه أيضاً. ولا ينسى المرء بالطبع أن الشعر قد سعى في بعض أطواره إلى أن يقترب من الموسيقى كما هو شأن الشعر الرمزي، وأن الكثير منه كان يؤلف في مختلف العصور والثقافات ليلحن ويغنى، وهو أمر شائع شيوعاً أكبر من أن يحتمل أي تمثيل. ومع «أن تضافر الشعر والموسيقى موجود على نحو أكيد» فإن «أسمى الشعر لا يميل إلى الموسيقى وأعظم الموسيقى تقف من دون حاجة إلى كلمات».
وكما سعى الشعر إلى أن يكون له تأثير الموسيقى، فإنه سعى إلى أن يكون رسماً بالكلمات، بل إن الكثير من الصور التي يحفل بها أحياناً تتسامى لتبلغ في تأثيرها الرسم وربما تفوقه، ولعل هذا ما حفز الكثير من الرسامين والفنانين التشكيليين على استلهام الشعر، وخاصة صوره. وتسعى الرواية باستمرار إلى أن ترسم بالكلمات صورة حية وغنية بالتفاصيل الدقيقة عن الواقع الاجتماعي والطبيعي الذي تصوره في فصولها، مثلما تسعى إلى رسم صور دقيقة لشخصياتها حتى ليكاد بعضها يصبح أنموذجاً وجزءاً من حياة الناس (دون كيشوت، وآنا كارنينا، والسيد أحمد عبد الجواد وغيرها).
وإذا ما تجاوز المرء الموسيقى والرقص والتصوير فإنه يلاحظ بسهولة أن الفن المسرحي يقوم أساساً على نص أدبي، وكذا الشأن في الفن السابع والفنون المستحدثة الأخرى كالمسرحية الإذاعية والتلفزيونية، والمسلسلات التمثيلية في كل من الإذاعة والتلفزيون فإنها جميعاً تقوم في كثير من الأحيان على تطوير نصوص من أجناس أدبية مختلفة كالقصة القصيرة والرواية وتطويعها وإعدادها للتقديم في وسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة، بل إن هذه الفنون قد حفزت الكثير من الكتاب على الكتابة لهذه الوسائل مما أدخل تغيرات نوعية مهمة في كتابة الأجناس الأدبية التقليدية ذاتها.
وفضلاً عما تقدم فإن تطور الاهتمام بعلم نفس الفن psychology of art، وبعلم اجتماع الفن sociology of art عزز من وحدة الفنون الجميلة بما فيها الأدب. وكذا الشأن في الاتجاهات الفنية والفكرية والثقافية التي لم تكتف بتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، فتجاوزت حدود الفنون الجميلة فيما بينها، كما هو الحال في الاتباعية الجديدة والإبداعية [ر] والباروك [ر] والسريالية [ر] ونزعة الحداثة [ر]، ونزعة ما بعد الحداثة post - modernism وغيرها. وربما كان هذا وراء اهتمام الدارسين بمقارنة الفنون الجميلة على أساس من تأثيرها في المتلقي، أو خلفيتها الاجتماعية والثقافية، والقيام بالدراسات البنيوية والمقارنة التي تتخطى الحدود بين هذه الفنون.
ومع ذلك فإن على المرء أن يؤكد أن لكل فن جميل أداته الخاصة به «فالفنان لا يتصور على نحو عقلي عام، وإنما من خلال المادة الملموسة، وللأداة الملموسة تاريخها الخاص بها، والذي يختلف غالباً عن تاريخ أية أداة أخرى».
وكذلك فإن «كل فن من الفنون الجميلة - الفنون التشكيلية والأدب والموسيقى تطوره الفردي، مع سرعة مختلفة، وبنية داخلية مختلفة العناصر، ولا شك أن الفنون الجميلة على صلة مستمرة فيما بينها، ولكن هذه الصلات ليست تأثيرات تبدأ من نقطة معينة وتحدد تطور الفنون الأخرى. إنها ينبغي أن تتصور بالأحرى على أنها مخطط معقد من الصلات الجدلية التي تعمل في كلا الاتجاهين، من فن إلى آخر وبالعكس، وربما تتحول تماماً ضمن الفن الذي دخلت فيه».
الأدب والعلوم: ليست المقابلة بين الأدب والعلم، وبين لغة الأدب ولغة العلم، هي كل ما بين الأدب والعلوم من صلة، وليس العلم مجرد نقيض للأدب. فالعلوم جزء لا يتجزأ من التكوين الثقافي للكاتب الذي يصدر عنه في إنتاجه للأدب وبالتالي فهي مكون من مكونات نسيج إنشائه الأدبي وهي كذلك جزء من المجال المهيمن في مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني (بالمعنى الذي يذهب إليه توماس كون في كتابه بنية الثورات العلمية The Structure of Scientific Revolutions، أو ما يعرف أحياناً بروح العصر geistegeschichte أو المناخ العام السائد في حقبة إنسانية معينة، وهي اليوم موضوع أساسي ومهم من موضوعات الأدب (قصص الخيال العلمي (science fiction.
أما عن كون العلوم جزءاً لا يتجزأ من التكوين الثقافي للكاتب فذلك أمر بين تشهد عليه الأمثلة الكثيرة من الكتاب الذين تعكس آثارهم حجم المكوِّن العلمي في ثقافتهم مثلما تدلل عليه آثار الكتاب الذين جمعوا بين العلم والأدب ولاسيما في العصر الحديث (سومرست موم [ر] وعبد السلام العجيلي وشكيب الجابري ويوسف إدريس ونوال السعداوي وعبد الرحمن منيف وغيرهم).
أما عن كونها جزءاً مهماً من المناخ العام السائد فأمر يلاحظه المرء من هيمنة أفكار معينة، علمية في غالبها، على الشخصيات الروائية وعلى أنماط تفكيرها وسلوكها تعكس روح عصر إنتاج الآثار الأدبية (أعمال الطبيعيين الفرنسيين مثلاً) التي تتضمنها من مثل نظرية النشوء والارتقاء، والعوامل الوراثية، وغيرها.
وأما عن كون العلوم قد أصبحت موضوعاً أساسياً من موضوعات الأدب فأمر يتضح من الانتشار الواسع لقصص الخيال العلمي [ر] الذي يتخذ من عالم الفضاء والمحيطات والطبيعة والخلية والمورثات والهندسة الوراثية وغيرها موضوعاً له، ويطلق العنان فيها للخيال لتصور أشياء جلها يقع في دائرة الطموح الإنساني، والفضول الإنساني، أكثر مما يقع في دائرة الواقع الإنساني، ولذلك غدا حافزاً مهماً من حوافز التقدم العلمي والتقني الذي يشهده العالم اليوم.
نقد الأدب
نقد الأدب أو النقد الأدبي تفكير منظم واضح ومحدد عن الأدب يتخذ لنفسه صيغة الإنشاء اللغوي discourse، وهو لذلك إنشاء لغوي عن إنشاء لغوي آخر هو الأدب. وأهم ما يميز النقد الأدبي من غيره من أنواع النقد الأخرى أنه يستخدم الأداة نفسها التي يستخدمها موضوعها في حين يشارك النقد الأدبي موضوعه وهي اللغة الطبيعية natural language (تمييزاً لها من اللغات الاصطناعية الأخرى كلغة إشارات المرور، ولغة الثياب،ولغة الرتب العسكرية، وغيرها). ذلك أن أنواع النقد التشكيلي، لا تستخدم العلامات الموسيقية، أو الألوان، أو المواد الأخرى التي يستخدمها موضوعها في حين يشارك النقد الأدبي موضوعه - الأدب - في الأداة التي يستخدمها وبالتالي في مكوناته الأساسية مما يعزز الصلة العضوية بين النقد الأدبي والأدب على الدوام.
ولكن اشتراك الإنشائين النقدي والأدبي في الأداة والمكونات الأساسية لا يعني محو كل تفريق بينهما، وتبقى لكل منهما هويته الخاصة به التي يعرف بها. والحقيقة أن الإنشاء النقدي critical discourse يستخدم اللغة الطبيعية استخداماً مختلفاً عن استخدام الإنشاء الأدبي literary discourse لها. فإذا كان لكل إنشاء لغوي عدة وظائف يؤديها في آن معاً فإن مما لا شك فيه أن الوظيفة السائدة والناظمة لغيرها من الوظائف في الإنشاء الأدبي هي الوظيفة الجمالية aesthetic function في حين تستخدم اللغة في الإنشاء النقدي لتسهيل عملية التفكير في الإنشاء الأدبي موضوع النقد، ولذلك فإنها تكاد تكون في مجملها مصطلحات terms ومفاهيم concepts توظف بوعي وقصد لدلالاتها المحددة تحديداً دقيقاً ضمن إطار الإشارة الناظم للعملية النقدية.
ومع هذا الفارق الأساسي في توظيف كل من النقد الأدبي والأدب للغة الطبيعية، فإن الصلة بينهما وثيقة. فالنقد الأدبي تتحدد هويته وطبيعته بموضوعه. ويتأتى هذا التحديد من حضور الأدب في النص النقدي الذي يراوح بين الحضور الصريح (كما في النقد التطبيقي) والحضور الضمني (كما في النقد النظري) والحضور بالفعل (كما هو الشأن في مختلف ضروب النقد الأدبي النظري والتطبيقي) أو الحضور بالقوة (في النقد النظري الطليعي الذي يحاول توجيه عملية الإنتاج الأدبي في مجتمعه وجهة جديدة).
وهناك على أية حال نوعان رئيسان من النقد الأدبي هما:
النقد التطبيقي أو العملي: أو ما يسمى عادة في النظرية النقدية المعاصرة بالتفسير interpretation وليس بالمعنى الذي ذهب إليه رتشاردز Richards وهو مواجهة للنصوص الأدبية من جانب الناقد الذي يحاول بجملة من العمليات العقلية أن يضع يده على الآلية الداخلية للإنتاج الأدبي، متوخياً من ذلك توجيه الأديب إلى تطوير عمله، وتيسير استيعاب النص المنقود وتذوقه والحكم عليه من جانب القارئ.
وربما كان من أبرز هذه العمليات:
الشرح الذي يسعى إلى إيضاح كل ما غمض في النص من علامات لغوية وإشارات ثقافية أو غيرها بغرض تأسيس العمليات التالية على أرضية من الفهم السليم لهذا النص:
ـ التحليل الذي يفكك بنية النص المعقدة إلى وحداتها المكونة على مختلف المستويات بهدف الكشف عن آليات الإنتاج الأدبي، وبيان مختلف جوانب الجهد الفني الذي بذله الكاتب في إنتاجه لنصه.
ـ التفسير الذي يحاول أن يبين دلالة النص الكلية من خلال إعادة بناء، قد تكون جذرية، لمكوناته المختلفة وتوجيهها الوجهة التي تتسق مع هذه البنية الدالة signifying structure التي ندعوها بالنص.
ـ الموازنة التي تهدف إلى توضيح جوانب من أداء الكاتب في مستوياته المختلفة بمقارنة هذا الأداء مع صور أخرى من أداء الكتاب الآخرين في المستويات ذاتها، وبالطبع فإن المشابهات والاختلافات التي يخرج بها الناقد الأدبي من موازناته تيسر عليه، وعلى القارئ فيما بعد، معرفة منزلة الكاتب بالقياس إلى الكتّاب الآخرين وتكشف عما يميزه منهم.
الحكم وهو العملية الأخيرة التي تؤدي إليها كل العمليات المتقدمة، وتكاد تكون النتيجة النهائية التي تقود إليها المقدمات السابقة. وعلى الرغم من أن بعضاً من أبرز النقاد المعاصرين يفضلون أن يدعوا الحكم على الآثار الأدبية للزمن، فإن كثيرين غيرهم يلحون على ضرورة هذه العملية، لأن النقد يقوم أساساً على التميّز ومجرد اختيار نص ما لمواجهته ثم شرحه وتحليله وتفسيره وموازنته ينطوي على حكم ضمني بجدارته بهذه العملية جميعها، وبالتالي فإنه ليس ثمة ضرورة للنفور من الحكم على الأثر الأدبي ما دام يستند إلى معرفة خبيرة وعميقة ومتدرجة تسوِّغ للناقد الذي يقدمها بين يدي حكمه - هذا الحكم الذي يعني الكثيرين من القراء ممن لا يتيسر لهم الوقت أو الخبرة النوعية فيستندون إلى هذا الحكم في قراءتهم للنصوص المتاحة لهم.
النقد النظري: theoretical criticism: أو الشعرية poetics كما يفضل بعض نقاد العرب المعاصرين نعته، أو نظرية الأدب الداخلية. وهو حقل معرفي قديم - جديد، ظفر منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين باهتمام متزايد، وغدا اليوم تخصصاً محترماً تؤلف فيه الكتب، وتعقد له المؤتمرات وتنظم من أجله الأقسام، وتحدث له الكراسي في الجامعات، وتصدر في جوانبه المتشعبة الدوريات في مختلف اللغات. الهدف الأساسي من هذا الحقل المضي إلى ما وراء النقد التطبيقي أو العملي practical criticism الذي تقدم الحديث عنه، لأنه، أي التفسير، لا يعدو أن يكون مواجهة لأمثلة مختلفة من الإنشاءات الأدبية الفردية، ونظرية الأدب المعاصرة تريد للنقد أن يخرج من مواجهته لهذه الإنشاءات بالكشف عن النظام الداخلي الذي يحكمها إنتاجاً واستهلاكاً في مستوياتها المختلفة، إنها تريد أن تستنبط النظام الأدبي الذي جعل الأدب أمراً ممكناً متأسية في ذلك بصنيع علماء اللغة المعاصرين الذين يعنون بالنظام اللغوي langue مما يجعل اللغة أمراً ممكناً.
ويستند هذا التأسي إلى حقيقة واضحة وضوحاً صارخاً هي أن الأدب إنشاء لغوي من نوع ما، فهو لذلك شكل من أشكال الممارسة اللغوية، «نشاط لغوي يتم ضمن بنية اجتماعية مثل أشكال الإنشاء الأخرى. وهو قابل للدراسة قابلية الإنشاءات الأخرى» ولذا فإن من الطبيعي أن يتطلع المرء إلى النظام اللغوي، ويرى فيه للوهلة الأولى حاكماً لإنتاج هذا الإنشاء اللغوي الفردي الموسوم بالأدب. ولكن لو كان الأمر على هذا النحو لاستوى الناس جميعاً في كتابة الأدب وفي تذوقه عند قراءته. ولكنهم لا يستوون حتى في الأداء اللغوي linguistic performance. بمختلف أشكاله وضروبه على الرغم من اشتراكهم فيما يسمى بالقدرة اللغوية linguistic competence. ومعنى هذا أن الدارس مضطر للبحث عن شيء آخر، غير هذا النظام اللغوي، يحكم إنتاج الإنشاء الأدبي literary discourse المتميز أساساً بسيادة الوظيفة الجمالية فيه.
ولذا فقد رأت فئة واسعة من نقاد الأدب، بعد أن تبينت أن النظام اللغوي لا يمكن أن يفسر أدبية الأدب، أن تستلهم الأنموذج اللغوي linguistic model في سعيها لاستخلاص نظام يحكم إنتاج الإنشاء الأدبي يمكن أن يدعى بالنظام الأدبي literary system. وما دام البحث عن النظام اللغوي الخاص بلغة ما la langue يبدأ من تفحص الإنشاءات اللغوية الفردية parole بجميع أشكالها آنياً (تزامنياً) synchronically وتاريخياً diachronically ودراستها دراسة متمعنة بغرض وضع اليد على ما يجعل اللغة أمراً ممكناً، أي بغرض تحديد الأعراف، والقوانين، والأنظمة، والقواعد التي تيسر الأداء اللغوي وتجعله ممكناً، فإنه يمكن لناقد الأدب في بحثه عن النظام الأدبي الخاص بأدب أمة أن يبدأ من دراسة الإنشاءات الأدبية الفردية، أو النصوص التي ينتجها الأدباء في مختلف الأجناس الأدبية، وبعد أن يستغرق جملة وافية منها يستطيع أن يخرج بالنظام الذي يحكمها إنتاجاً واستهلاكاً. وبالطبع فإن مستويات استغراق النظام الأدبي يمكن أن تتدرج من إنتاج كاتب ما ، إلى إنتاج جنس أدبي ما بلغة ما، في زمن ما، في مكان ما، إلى إنتاج جنس أدبي ما بلغة ما، لأمة برمتها، إلى الإنتاج الأدبي كله في مختلف الأجناس الأدبية لأمة من الأمم في الزمان والمكان. والمهم في ذلك كله أن يمضي الباحث في نظرية الأدب الداخلية من النصوص إلى ما وراءها حتى يقوّم من ذلك كله النظام الأدبي الذي تستند إليه، والذي يجعل إنتاجها واستهلاكها أمراً ممكناً بالدرجة الأولى. وبهذا يغدو النقد الأدبي النظري معرفة فكرية صحيحة كما يقول نورثروب فراي بعد أن يكون قد عاد إلى المهمة التي تولاها أول ما تولاها أرسطو في كتابه «فن الشعر». إن على نقاد الأدب كما يذكر فراي بحق أن يفترضوا «أن هناك بنية كلية من المعرفة، قابلة للفهم، وممكنة، عن الشعر، وأنها ليست الشعر نفسه، ولا تجربته، بل فن الشعر بالمعنى الأرسطي للكلمة» أي «فن الأدب» الذي كان يتخذ من الشعر أداة له في مختلف الأجناس الأدبية التي عرفها عصر أرسطو وهي: الشعر الملحمي، والشعر المسرحي، والشعر الغنائي، أو الملحمة والمسرحية والشعر الغنائي. وهكذا يمكن القول إن هناك أيضاً بنية كلية من المعرفة، قابلة للفهم، وممكنة التصوّر عن الأدب، وأنها ليست الأدب نفسه، ولا تجربته، بل نظرية الأدب الداخلية، أو النظام الأدبي الذي يجعل الأدب ممكناً في الأساس، وهذه البنية الكلية من المعرفة هي النقد النظري أو الشعري أو نظرية الأدب الداخلية poetics، تعددت الأسماء والمسمى واحد.
مراجع للاستزادة

ـ تمام حسّان وآخرون، قراءة جديدة لتراثنا النقدي، مجلدان (النادي الأدبي الثقافي، جدة 1990).
ـ شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، 9أجزاء، ب.ت (دار المعارف بمصر، القاهرة).
ـ إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب (دار الأمانة ومؤسسة الرسالة، بيروت 1971).
- HAZARD ADAMS, Critical theory Since Plato (Harcoutt Barce Jovanovich, New York 1971)
- HAZARD ADAMS & LEORY SEARLE, Critical Theory Since 1965 (Florida State University Press, Thallahassee 1986)
- M.. C. BEARDSLY, “The Concept of Literature”, in F. Brady et al. (eds),Literary Theory and Structure ( Yale University Press, New Haven and London 1973).
- S.A. BONEBAKKER, “Adab and the Concept of Belles – Lettres “, in Julia Ashtiany et al. (eds), the Cambridge History of Arabic Literature: Abbasid Belles- Lettres (Cambridge University Press, Cambridge 1990).
- BENNISO NGRAY,The Phenomenon of Literature (Mouton, the Hague 1975).
- SALIM KEMAL, The Poetics of Alfarabi and Avicenna (Brill, Leiden 1991)
- G.J.H. VAN GELDER. Beyond the Line; Classical Arabic Literary Critics on the Coherence and Unity of the Poem (Brill, Leiden 1982).
- REN. WELLEK &AUSTIN WARREN, Theory of Literature, 3rd ed. (Harcourt, Brace and World, Inc., New York 1970).
- R.Wellek, : “What is Literature? “, in Paul Hernadi (ed), What is Literature? (Indiana University Press,Bloomington and London 1978).
توقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



من مواضيعي في المنتدى

0 التفسير التجزيئي والتفسير التوحيدي للقرآن الكريم
0 المواجهة القادمة مع حزب الله
0 آيه الله السيد الحائري (دام ظله) يطالب بدمج الائتلافين
0 بعض أوامر ملف htaccess لحماية الملفات
0 100حكمه من الحكماء
0 الزهد تعريفه ودرجاته واقسامه وعلاماته
0 الشيخ حميد الهايس يلبي دعوة السيد القائد
0 windows vista أسرار وخفايا
0 شهداء الأقصى تعلن عن مقتل 12 جنديًا صهيونيًا في عملية استشهادية بغزة
0 صور نادرة للسيد نصر الله واولاده نادرة جدآآآآ

hussain1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 06:21 PM   #2
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها hussain1


الصورة الرمزية hussain1
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم: معدل تقييم المستوى: 141
hussain1 will become famous soon enoughhussain1 will become famous soon enough

الأوسمة التي حصل عليها

افتراضي


أدب الأطفال

برز أدب الأطفال children's literature إلى الوجود، وفرض نفسه في السنوات الأخيرة. فقد زاد عدد الأولاد الذي كانوا يبحثون عن الكتاب مع انتشار التعليم، ففكر بعض الناشرين باقتباس الأساطير والحكايات الشعبية والدينية وتبسيطها اعتقاداً منهم أنها سوف تكون ملائمة للأطفال. وفي القرن التاسع عشر عرف مفهوم «أدب الأطفال». وازدهر في القرن العشرين، فبرزت مجلات الأطفال وانتشرت كتبهم، وراجت برامجهم في الإذاعة والشاشة الصغيرة.
وبذلك استقل «أدب الأطفال» وبات ميداناً خاصاً يستمد أصوله من معرفة الطفل نفسه معرفة عميقة، ومن معرفة البيئة التي يعيش فيها هذا الطفل، ومن ماضي الطفل، ومن القدرة على التنبؤ، ومن الإيمان بمستقبل الأمة التي ينتمي إليها، ومن دراسة الطبيعة والإنسان والعلوم.
والطفولة مرحلة من الحياة تمتد من الولادة إلى سن المراهقة. ولها خصائصها التي تنمو مع نموّ الطفل نفسه وهو النمو الذي يشمل النواحي الجسمية والنفسية والخلقية والانفعالية والاجتماعية والإبداعية.
وقد ظلّت المعارف عن الطفولة ضعيفة قروناً عدة. وبقي الطفل، حتى القرن الثامن عشر تقريباً، «راشداً مصغّراً» في نظر الكبار. وقد شهد القرن الثامن عشر اللحظات التي اعتُرف فيها للأولاد بحقهم في التسلية وفي التعلم معاً.
وعرفت خصائص الطفولة الفردية وأخذت قابليات الطفل واهتماماته بالحسبان. ولقي كتاب «إميل» الذي كتبه الفرنسي جان جاك روسو[ر] Rousseau عن تربية الطفل وطبيعته اهتماماً واسعاً. وجاءت بعده عدة كتب أخرى.
ثم بدأ الكتّاب يؤلفون قصصاً خاصة بالأطفال والفتيان ذات أهداف محددة مثل اكتساب المعارف وتعلم شؤون الحياة والمعيشة وتبني السلوك الحسن.
واعترف بحق الطفل بالمطالعة الترويحية. وبذلك أصبح الأدب تربوياً وتعليمياً خلقياً وتعليمياً مدنياً. واختلط الأدب بالمطالعة الموجّهة نحو اكتساب المعارف والمعلومات ونحو إعداد المواطن الصالح.
وقد انعكس ذلك كله على موقف الراشد من الطفل. فولّدت المواقف الجديدة، في العالم كله، ازدهاراً في المؤلفات الموجهة للصغار يكشف عن وجود النية التربوية والبنائية.
وخضع الكتّاب لقواعد الكتابة للصغار فتجنبوا الألفاظ الغريبة والأساليب المجازية، وجعلوا جملهم قصيرة، واختاروا العبارات التي تثير المعاني الحسية من غير مبالغة في الزركشة والتفصيل وبذلك أصبح القارئ الصغير يقوم برحلات ممتازة سعيدة في الأساطير والروايات والآراء التي لا تهدف إلى التسلية فقط بل تستجيب كذلك لحاجات الطفولة العميقة فتلبيها، وتساعدها على النموّ السعيد. ولقد استطاع أدب الأطفال أن يضع الخيالي بمقابل التعليمي، أي أن يجمّل حياة الصغار ويجعلها سعيدة.
تطور أدب الأطفال
طبع أول كتاب للصغار في عام 1484 على يد وليم كاكستون Caxton وكان ذلك الكتاب «خرافات إيسوب». ثم تلته كتيبات أخرى في الأغاني أو في وصف الألعاب التي تجري في الحفلات أو في «الألواح» التي تضمّ الأبجدية والأرقام والصلوات. ولكن ذلك كله لم يكن في نطاق أدب الأطفال: لا من حيث الغرض ولا من حيث البنية.
ثم جاء أشهر الكتب المخصصة للأطفال، في أوربة في القرن السابع عشر، وهو أورتيس بيكتوس Ortis Pictus أو «العالم المصور» الذي وضعه جان آموس كومنيوس Jean Amos Comenius المربي التشيكوسلوفاكي الإنساني، في عام 1657. ولكن الكتاب كان تعليمياً. وظهرت في القرن السابع عشر نفسه بعض الكتب الموجّهة للصغار، إلا أنها كانت تلحّ على التربية الخلقية والدينية. أما بدء العصر الذهبي لأدب الأطفال فكان في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر حين دخل الميدان كبار المؤلفين في فرنسة وإنكلترة وألمانية وإيطالية والولايات المتحدة الأمريكية. وما إن حلّ القرن العشرون حتى كان في وسع الصغار أن يطوفوا العالم، ويجوبوا البحار، ويحلّقوا في الفضاء، بفضل وسائل الإعلام الحديثة وما تخصهم به.
شواهد من العناية بأدب الأطفال
المجتمعات التي اهتمت بأدب الأطفال كثيرة، وفيما يلي بعض الشواهد من مجتمعات اتسع فيها هذا الاهتمام.
أدب الأطفال في إنكلترة: تكثر في أدب الأطفال الإنكليزي القصص التي تتصل بأولاد يضيعون في الغابة، أو أولاد منبوذين، أو الحسناوات التعيسات، أو القصص التي تتصل بالأهازيج والألعاب والشعر المبسّط الذي يظهر الكثير من الأقوال والأمثلة المتداولة. ويتصف أدب الطفولة الإنكليزي بأنه أدب مغلق يقتصر على عالم الطفولة وحده، ويختصر كل شيء ضمن أبعاد هذا العالم وأنه أدب ساكن في علاقته مع المكان والفراغ، وقد أدار ظهره للتقاليد الواسعة عن الحركة والانتقال، وظلّ في مكانه جامداّ قد يترك فيه أولاد القصص غرفهم ليبحثوا ويكشفوا، لكنهم يكتفون بالتنقيب في أماكن ترضيهم وحدهم، وفي نهاية المغامرة يعودون إلى غرفهم. ثم إنه أدب يجمع بين الواقع والوهم ويجري التفاعل فيه بين الطفل وشخصية خفية، ويجعل غير الموجود أكثر حقيقة من الموجود، مع شيء من البساطة تنساب من خلال سحر الرواية: المساكن الإنكليزية القديمة المأهولة بالأشباح، وكشف الماضي، والحوار مع مرافق خفي لا يُرى.
تميل كتب الأطفال، في إنكلترا، إلى النزعة المثالية عند رديارد كبلنغ [ر] Rudyard Kipling أو النزعة الإصلاحية العاطفية عند فريدريك فارار Frederick William Farrar، أو أنها تؤيد الانفجار التحرري الذي يعدّ ردّ فعل على حياة القسوة التي كان يعاني منها الأطفال الصغار في إنكلترة.
إن المؤلفين الذين يمكن أن يسمّوا «الكتاب الحقيقيين للأطفال» هم أولئك الدين يتقنون معرفة الأطفال، ويعرفون كيف يفاجئونهم في لعبهم، ويصغون إليهم، ويراقبونهم عن كثب، من غير تدخّل أو طرح أسئلة. ويأتي الكتّاب الإنكليز في المقدمة بين «الكتاب الحقيقيين».
وقد زاد إقبال الصغار الإنكليز على المطالعة فاتسعت حركة الترجمة وحركة التأليف. فقد ترجمت من الفرنسية «ساندريلاّ، والجميلة النائمة» Sleeping Beauty و«ذو اللحية الزرقاء» Blue Beard، ومن العربية «ألف ليلة وليلة». ثم صدرت رواية «روبنسون كروزو» للكاتب دانييل ديفو [ر] (1719)، وتبعتها «رحلات غوليفر» Travels Gulliver,s للكاتب جوناثان سويفت [ر] (1726) كما ظهرت محاولات عدة لنشر مختارات من الحكايات الشعبية.
ومنذ عام 1865 انفصل أدب الأطفال الإنكليزي عن الناحية التعليمية. وانتصر الخيال والإبداع والاهتمام بالموروث الشعبي وبالخرافة وبالحكايات الشرقية.
أدب الأطفال في فرنسة: كان السادة وحدهم، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، في فرنسة يتغذون بقراءة النصوص التي تدور حول الإحسان والفروسية والتربية في قصورهم. أما الأوساط الفلاحية والشعبية فقد كانت تكتفي بالاستماع إلى الرواة الأصيلين في أكواخها، وتستمتع في سهراتها بحكاياتهم وقصصهم.
وكان لها تقاليدها في الأغاني والأهازيج والحكايات التي كانت تدور حول الترويح والتسلية. ثم ما لبثت هده الحكايات والأغاني والأهازيج أن جمعت، فألف ما يُعرف باسم «الأدب الجوال» [ر. الأدب الفرنسي] الذي كان ينقله الباعة الجوالون من مكان إلى آخر، وهو الذي ألّف، فيما بعد، نواة المكتبة الزرقاء للأطفال. ومن أهم الأسماء التي كان لها دورٌ بارزُ في نشر أدب الأطفال في فرنسة: لافونتين [ر] La Fontaine وفينيلون [ر] Fénelon وشارل بيرو [ر] Charles Perrault والكونتيسة صوفي دي سيغور Comtesse de Ségur وجول فيرن [ر] Jules Verne وسواهم.
أدب الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية:
المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية كشفت في أواخر القرن الخامس عشر، لذا يمكن الزعم بأنها خالية من التقاليد الأدبية وليس لها تاريخ أدبي حافل كما هي الحال في الوطن العربي أو في أوربا أو حتى في إفريقية. بل إنها كانت تستمد دائماً من الدول الأخرى التي سبقتها في هذا المضمار. وقد انتعش أدب الأطفال فيها، في السنوات الأخيرة، لأنه حصيلة آداب الأمم الأخرى، تضاف إليها الاستعانة بأحدث وسائل الاتصال. وقد برعت الولايات المتحدة الأمريكية في استغلال رؤوس الأموال وتطوير الوسائل السمعية البصرية، والاستعانة بأحدث منجزات التربية وعلم النفس والفن الصناعي، لذا يجد المرء فيها تقدماً جلياً في إنتاج الأشرطة المسموعة والمرئية التي تبث في داخل البلاد نفسها، وفي خارجها، وإخراجاً متقناً للمجموعات المصورة (الآلبومات) وللمسلسلات المرئية،واهتماماً كبيراً بالصورة (على حساب النص أحياناً) إلى درجة جعلت الصورة والحركية تسموان على النص وتسيطران عليه، مما يثير الفرح والدهشة عند الصغار، ويبرز لذة الكشف، ويروي الخيال. وبسبب وفرة رؤوس الأموال قامت حركة اقتباس واسعة من اللغات الأخرى وتوظيف الرسامين والفنانين والكتاب والفنيين.
أراد الأمريكيون التركيز على المكتوب والشفهي على نطاق واسع في مجال أدب الأطفال وحاولوا الجمع بين نشاطهم في هذا المجال والحوافز التربوية، فأوجدوا ما يعرف باسم «ساعة القصة» أو «درس القصة»، بتحريض من الكاتبة القصصية المعروفة سارا كون بريانت Sara Cone Bryant. وقد أصبحت «ساعة القصة» هذه جزءاً من العلم الرسمي في المدارس والمكتبات الخاصة بالأطفال، يتحلق الصغار فيها حول المعلمة ليستمعوا منها إلى حكاية ويناقشوها فيها. وقد تبيّن من ذلك أن متعة الاستماع لا تقل عن متعة القراءة. وظهرت عندهم فكرة «المكتبة الملونة» التي تضم تخصصات عدة في رسوم كتب الأطفال وخبراء في الإخراج والتنفيذ وصناعة الأغلفة.
وعلى هذا لا يمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتمتع بتقاليد عريقة في أدب الطفولة وفي إنتاج الكتب المخصصة للطفولة، وإن إنتاج هذا الأدب مال حديثاً إلى ما تم الحصول عليه من الحضارات الأخرى وأن ثمة تطوراً واسعاً نال عمليات الإخراج ثم عملية الإبداع ولحق بذلك تصدير الكثير من أدب الأطفال الذي تم إنتاجه وإخراجه ليكون في متناول دول أخرى.
ومن الكتاب الأمريكيين المعروفين الذين اهتموا بأدب الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية لويزا ميّ ألكوت [ر] Louisa May Alcott وفرنك توم Frank L. Tom وايلنور بورتر Eleanor Porter ومارغريت وايز براون Margaret Wise Brown وراندال جاريل Randall Jarrell وسواهم.
أدب الأطفال في السويد والنروج والدنمارك:
اعتمدت البلدان الاسكندنافية على الترجمة والاقتباس من ألمانية على نحو أساسي. وبعد الحرب العالمية الثانية ظهر وعي لدى الناس بأن جمهوراً واسعاً من صغار القراء كان ينتظر أدباً وطنياً موجهاً له. يضاف إلى ذلك أن قاعات المطالعة استمرت في التطور وأصبحت هذه البلدان الشمالية تمتلك شبكة جيدة من مكتبات الأطفال.
ظل أدب الأطفال مغموراً في هذه البلدان حتى ظهر هانس كريستيان أندرسن [ر] Hans Christian Andersen في الدنمارك (1805- 1875). كان هذا الكاتب ابن إسكافي فقير، عاش طفولة سعيدة حتى وفاة والده وزواج أمه مرة ثانية. سحره المسرح فذهب إلى كوبنهاغن. وتمكن من الحصول على منحة دراسية ساعدته على الالتحاق بالمدرسة. وكان عمره آنذاك ستة عشر عاماً. وسرعان ما أصبح هذا الفتى معروفاً في الوسط الفني والاجتماعي في كوبنهاغن. وشرع يكتب قصائد وأشعاراً منثورة تحت عنوان «نزوات وخطوط».
رحل أندرسن إلى فرنسة وإسبانية وإيطالية وكان له علاقات صداقة عدة مع فتيات صغيرات، من أهمها علاقته مع المغنية السويدية جيني ليند وقد تجلّت عبقريته في فن الحكايات، وظهر أول كتاب له «حكايات للأطفال» في عام 1835. ثم تبعه في كل عام تقريباً كتاب آخر كان يصدر في عيد الميلاد تماماً. وقد ألف بعض الروايات أيضاً وبعض الحكايات والرحلات والسيرة الذاتية (وهي حكاية حياتي 1850)، ومات في قمة مجده. نشرت قصصه كاملة تحت عنوان «حكايات» وترجمت إلى معظم لغات العالم. وفي حكاياته خصوبة الخيال وفيها كذلك نزعة حزن عميق.
ويلاحظ أن معظم كتاب البلدان الاسكندينافية ينهلون من تراثهم الشعبي. حتى إن هانس كريستيان أندرسن نفسه كان مديناً للتراث الشعبي في الكثير مما كتب. كما كان يتقن فن سرد الحكايات. ويبدو لدى هؤلاء الكتاب أنهم يستمرون على ارتباطهم بماضيهم حتى وإن اتجهوا في قصصهم الخاصة بعيداً عن التراث الشعبي.
أدب الأطفال في روسية: كان للكاتب المعروف مكسيم غوركي [ر] دور بارز في الحركة الأدبية في روسية، وفي توجيه الأدب، بصورة عامة، وأدب الأطفال، على وجه الخصوص. لقد كتب غوركي للأطفال، وعمل على تأسيس أكبر دار للنشر، تهتم بنشر أدب الأطفال وتوزيعه. وأجرى مسابقات أدبية وشعرية للأطفال وكان الفائزون فيها يكرّمون في بيت هذا الأديب الكبير يستمع إليهم وينصحهم ويوجّههم. يرى غوركي أن مسألة محتوى كتب الأطفال ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالخط الذي يجب أن يتبع في تربية الجيل الجديد تربية اجتماعية. والتربية الاجتماعية تعني عنده القيام بالعمل الثوري وتحرير دماغ الطفل من أساليب المحاكمة القديمة وتخليصه من الأوهام السابقة وإنقاذه من الأعراف والتقاليد التي كان يحددها الصراع بين الطبقات. وبكلمة أخرى فإن التربية الاجتماعية يجب أن تعمل على تحرير الطفل من النزعة الفردية ومن التركيز على الذات ومن ترسيخ الأنانية والتعصب.
ويلح غوركي على تربية الأطفال تربية منظمة تساعد على جعلهم ينظرون إلى المستقبل لا إلى الماضي، وإن كان لا يحاول اقتلاعهم اقتلاعاً جذرياً من ماضي أمتهم، بل إنه يؤكد ضرورة شرح أحداث الماضي لهم شرحاً واضحاً صادقاً، ويبين أنه، لكي يبلغ الإنسان هذا الغرض، لايكفي أن يعرض على الأطفال الوقائع والآراء والنظريات الغابرة عرضاً جافاً بل لا بد من وصف تطور العمل وأثره في تحديد الوقائع والمفاهيم والآراء والنظريات. ويجب على الإنسان أن يفسر لهم، بلغة معقولة، أن حرية الفكر لا يمكن أن تنتعش إلا على أساس الحرية العامة للعمل الإنساني. ويذكِّر غوركي بأهمية الاعتماد على العلم والعمل في المجتمع الحديث وبأن المهمة تنحصر «في وضع العلم في خدمة خيال الطفل وفي تعويد الصغار التفكير في المستقبل» ويقول: «في وسعنا التحدث إلى الصغار عن الأمور الجدية بلغة جذابة ومقبولة وبعيدة عن الأسلوب التقريري التعليمي». ولا ينسى غوركي ضرورة استخدام الخبرة العملية الغنية التي يقدمها الناس العاديون الذين يجابهون الحياة عملياً في مختلف الميادين كالصيادين والبحارة والمهندسين والطيارين والفلكيين وعمال محطات الآليات والجرارات وغيرهم. ويركز غوركي على أهمية الحكايات الشعبية القديمة في نموّ الفكر والمخيلة وفي إدراك أهمية الإبداع في الفن وفي إغناء اللغة.
ولم يكتف غوركي بذلك بل إنه التفت إلى الأطفال أنفسهم يسألهم رأيهم فيما يجب أن يُكتب. وكان أهم موضوع اقترح قد حدّد بكلمتين اثنتين: «كل شيء». لهذا نصح غوركي المسؤولين عن دار النشر الخاصة بأدب الأطفال أن يرضوا رغائب الصغار وأن يطبعوا سلسلة من الكتب الأدبية والعلمية والجغرافية والشعرية التي تساعدهم على التعلم في أوقات الفراغ وعلى نشر الفرح والسعادة حولهم.
أدب الأطفال عند العرب: عرف العرب حكاية الحيوان في الجاهلية وفي العصور الإسلامية المتعاقبة، إذ كانت لهم حكايات كثيرة على لسان البهائم (بل النبات والجماد والأفلاك أيضاً). وكانت موجهة للراشدين الكبار بالدرجة الأولى. وفي الأمثال العربية مادة ثرّة لهذه الحكايات مأخوذة من الأمم الأخرى، وربما كان بعضها عربياً صميمياً. ومنها ما قيل نثراً، ومنها ما نظم شعراً، وكلها مما يسهل حفظه.
وبين غايات العرب الأقدمين من تأليف تلك الحكايات وتداولها: معرفة العالم المحيط بهم، ومعرفة تراث السلف، والوقوف على ما كان عند الأجداد من حكم وأمثال، والتسلية والتمكن من اللغة، والموعظة والتعليم، والتربية الخلقية وأخذ العبرة.
ومن الممكن أن يزعم المرء أن قصة الأطفال لم تكن من جوهر الأدب العربي، كالشعر أو الخطابة أو الرسائل، بل كانت ميدان الوعَّاظ وكتّاب السير والسُمَّار يوردونها شواهد قصيرة على وصاياهم وحكمهم ونصائحهم، أي إنها كانت موجهة للكبار في الأصل.
وإذا انتقل المرء إلى بداية القرن العشرين وجد نهضة شاملة عمت الوطن العربي كله، ووجد الأدب ينمو نمواً ملحوظاً وتتعدّد فنونه ومدارسه. ولقد كان من حسن حظ الأطفال أن برز أدباء عرب اهتموا بالكتابة لهم كان من أبرزهم في مصر كامل الكيلاني (1897- 1959). ثم ظهر في المرحلة نفسها، عبد الفتاح شلبي، ومحمد قدري لطفي، وأحمد العجان، ويوسف الحمادي، ومحمد أحمد برانق، ومحمد شفيق عطا، ومحمد سعيد العريان، وأمين دويدار، ومحمود زهران، وعطية الأبراشي، أمّا في سورية فقد ظهر رضا صافي ونصرت سعيد، وعبد الكريم الحيدري. وبرز في الأقطار العربية الأخرى كتّاب آخرون كان معظمهم من المعلمين ورجال التربية، وقد استفاد هؤلاء الكتاب والشعراء من التراث العربي القديم ومن التراث الإنساني ومن الدراسات التربوية والنفسية التي كانت في بداياتها.
تميزت بداية القرن العشرين بما وضع فيها من كتب مبسطة للأطفال ومن أقاصيص متنوعة استخدمت بهدف تربية الصغار وتسليتهم وحثّهم على المطالعة واكتساب اللغة. وقد سخّرت الحيوانات فيها، معظم الأحيان، لأن الحيوان مصدر للتفكّه عند الصغار.
ولعل خير مثال يساق في هذا المضمار الشاعر أحمد شوقي [ر]. فقد كان شوقي من أبرز من تبنى هذا الاتجاه. فأساطيره مفعمة بالنقد والسخرية اللطيفة كان يوردها على لسان الحيوانات. وربما أشرك فيها الإنسان. كانت حكايات كتّاب الأطفال العرب تزيّن الاتحاد والتعاون وتقبّح الكسل والطيش والخيانة والخداع، وتدعو إلى حسن التربية، وتظهر مغبة تعجل الأمور وضعف النظر في العواقب والإهمال والغفلة، لكنها كانت تمجّد الفردية في بعض الأحيان ولا تنظر إلى المستقبل نظرتها إلى الماضي، وتكتفي بالنصح والإرشاد.
اختيار كتب الأطفال
ومهما يكن من أمر أدب الأطفال فإن الطفل أخذ يقرأ، في السنوات الأخيرة، قصصاً مترجمة وأخرى موضوعة، وإن كتب الأطفال بدأت تنتشر انتشاراً واسعاً في العالم. وهذه ظاهرة تلفت النظر، ولاسيما إذا أضيفت إلى كتب أدب الأطفال: المجلات الجميلة الخاصة بالصغار، والزوايا التي تخصصها لهم صحافة الكبار، وركن الأطفال في الإذاعة والشاشة الصغيرة والأفلام السينمائية الكثيرة التي توجّه إليهم، ومسرح الأطفال، ومسرح العرائس والدمى المتحركة، والألعاب الكثيرة التي تصنع لهم، والأغاني والأناشيد التي تنظم وتلحن لهم. وتبقى المشكلة محصورة في اختيار الأفضل.
ويمكن اغتنام هذه الفرصة لذكر بعض المعايير التي تصلح في انتقاء كتب الصغار، وفي مقدمة هذه المعايير ما يلي:
ـ الكتاب السهل: وهذا يعني تقديم الكتب السهلة بشرط عدم احتقار الطفل، وإدراك أن كلمة «سهل» لا تعني التكليف المصطنع في التسهيل والتبسيط.
ـ الكتاب المناسب: وهذا يتعلق باستجابة الطفل العفوية والمباشرة لدى لقائه الأول بالكتاب وإعجابه به أو عدم إعجابه، والالتفات إلى الخصائص الكامنة في السخرية والفكاهة والضحك والتلاعب بالكلمات.
ـ الكتب المستجيبة لمراكز الاهتمام وفق شرائح الأعمار: فالطفل يمرّ في :عمر التخيل الذي يتصوّر فيه الحيوانات أناساً تتحدث والأشياء ذوات أرواح تتحرك، وعمر التذوق الصريح للحكاية المعبّر عنه بالكلمات، وعمر تذوق المغامرة وهو العمر الذي يهتم فيه القارئ الصغير بالعالم الإنساني المعاصر ويطرح فيه على نفسه أسئلة أكثر حدّة تتصل بالراشدين والمجتمع ومعنى الحياة الإنسانية. ولكن يجب أن يكون الكتاب الجيد الذي يتحدث إلى الصغار هو في الوقت ذاته، كتاباً ليس له عمر وليست له حدود.
ـ الكتاب الذي يواجه الموضوع مواجهة تميل إلى الشمول: إذ قد يفتن الطفل بكتاب يناقش عدة موضوعات وفيها معضلاته ومراكز اهتمامه الشخصي ككرة القدم، والدراجة النارية، وغير ذلك. وقد يميل إلى قراءة الكتب التي تتجاوز قدراته وتكون بعيدة عن الراشدين.
ـ الكتاب الذي ينطوي على العقدة والشخصيات الساحرة، والبطل المرموق والتغيرات اللاهثة.
ـ والكتابة نفسها في الكتاب هي معيار أساسي: والمقصود هنا الكتابة التي تخلق عند الطفل القارئ الرغبة بقلب الصفحة والاستمرار بالقراءة والجري لاهثاً حتى النهاية بدلاً من التثاؤب والنعاس. والكتابة يجب أن تكون كتابة هذا الزمن وبلغته، مع احترام لغة الطفل.
ثم إن الكتاب الجيد هو الذي يستطيع الراشد أن يأخذ منه المتعة كالطفل تماماً. وللراشد أن يختار الكتب للأطفال على أن يستعين بآراء نقاد أدب الأطفال وأن ينتقي الكتب التي تسمو بالإنسان وترفع من خلقه، وتزيد معلوماته، وتجعله يفكر بالآخرين قبل أن يفكر بنفسه.
القصة والشعر والمسرحية في أدب الأطفال
القصة: تبدو القصة، في نظر الطفل، لوناً من ألوان اللّهو لا يملّ تكرارها. إنها تبعث في نفسه الهدوء والسكينة، وتصبح متنفساً لطاقاته المتفتحة أو تدريباً لخياله وذهنه وعواطفه وانفعالاته. وهي تدربه على تكوين بعض الصلات الاجتماعية، فتكون جسراً بينه وبين الآخرين. يضاف إلى ذلك أن القصة تلقّن الطفل كثيراً من الكلمات والعبارات تلقيناً سهلاً غير مباشر، مما قد لا يتاح له في حياته العملية.
وينبغي تذكّر أن الكبار يُدخلون للصغار، فيما يسردونه عليهم من قصص وأساطير وخرافات، بعض العظات والنصائح الأخلاقية بأسلوب مباشر وغير مباشر،لكي يُغروهم بالسلوك الذي يريدون أن يتبناه الأطفال.
والمعروف أن للقصة فكرة ومغزى وأسلوباً وخيالاً ولغة. وأن لكل هذه العوامل أثراً في تكوين الطفل. ومن هنا نشأت ضرورة الاستفادة من القصة في البيت وفي المدرسة، وضرورة انتقاء الصالح منها ومعرفة كيفية عرضه على الطفل.
ولما كان الطفل، في السنوات الأولى من عمره وفي روضة الأطفال، غير قادر بعد على القراءة، فإن من واجب الأم والمربية - المعلمة سردها عليه. ففي سرد القصة جمال آخر هو جمال التعبير الذي يسمو بها ويزيد من قيمتها الفنية، ويبعث فيها حياة جديدة، ويشد إليها الطفل. كذلك يمكن طبع بعض الصور على ورق من المقوى الثخين، تمثل الحيوانات والمشاهد المألوفة المسلسلة التي يعبث بها الطفل ويقلّبها، وعن طريق اللعب والسؤال يتعلم منها المفردات والجمل المفيدة.
ويرى علماء النفس والتربية أن لكل عمر قصصاً تلائمه، وأن لكل نوع من هذه القصص سماته الميزة. وقد جعل هؤلاء حياة الطفل والمراهق في أطوار ومراحل ولاحظوا أن كل طور يهتم بنوع من القصص: فهناك الطور الواقعي المحدود بالبيئة وفيه أشكال من النماذج المألوفة من الحيوان والنبات والأشخاص، وهو بين الثالثة والخامسة. وهناك طور الخيال الحرّ ما بين الخامسة والثامنة (أو التاسعة) حتى الثانية عشرة، وطور العاطفة والغرام، من الثانية عشرة حتى الثامنة عشرة، وطور المثل العليا يأتي بعد الثامنة عشرة أو السادسة عشرة. والأطوار هذه متداخلة والأعمار المذكورة ليست إٍلا أعماراً تقريبية ولكنها تعبر عن التمايز.
لهذا كله كان من الضروري جداً أن تتصف قصص الأطفال ببعض السمات النوعية.
فيجب أن تروق للأذن وللعين (وللحواس الأخرى إن أمكن)، ويجب أن تؤثر في العاطفة، فتسحر نفوس الصغار، لكي تكون فائدتها أكيدة ويكفي أن تلاحظ الصغار وهم يلاحقون لاهثين قصة ناجحة حتى ندرك تأثيرها القوي.
إنهم يتابعون مشاهد القصة بعيونهم وبآذانهم وبأنفاسهم، ويشاركون أشخاصها وجدانياً، بل إنهم كثيراً ما يشاركون الأبطال في تمثيل الحوادث. ولا شك في أن قارئ القصة أو سامعها لا يملك أن يقف موقفاً سلبياً من شخوصها وأحداثها. بل إنه يغرق نفسه في مسرح الأحداث ويتفحص ما يجري ويتخيل إنه كان في هذا الموقف أو ذاك، ويوازن بين نفسه وبين أبطال القصة فيوافق أو يستنكر أو يعجب.
ويُستحسن أن تكون شخصيات القصة قابلة للتصديق مألوفة لدى الصغار. وهذه السمة تشمل كل أنواع القصة: التاريخية والواقعية والتمثيلية وكل قصة أخرى تعرض نموذجاً لحال بشرية يمكن أن تقع في الحياة المحيطة. لكن هذا لا يمنع من سرد قصص الجن والعفاريت التي تحتوي قيماً ومثلاً رفيعة لأنها تسهم في تنمية الخيال ومعرفة القيم النبيلة ومحاربة الشر والفساد.
ويجب أن تراعي القصة الدقة، ومعنى ذلك أن يتقيد كاتب الصغار بالصدق، وألا يناقض نفسه أو يخالف قوانين العلم واللغة. كما يجب أن تنطوي على الصلة بما هو إنساني وأن تتصف بالأصالة ويعني ذلك أن تستمد القصص من التراث القومي والإنساني وأن تتقيد بالقيم الإنسانية والقومية وأن تحترم التقاليد والأعراف السائدة النافعة، وأن تنهل من الماضي لكي تبني المستقبل. وهذا لا يمنع أن تهتم هذه القصص بالبساطة واللغة الحية الواضحة التي تختلف عن لغة الكتب المدرسية ولغة الشارع.
الشعر: يبعث الشعر المتعة في نفوس الأطفال، لكن كبار الشعراء العرب لم يهتموا بالنظم للصغار. وفي الأدب الغربي قصائد كثيرة في «الترقيص» والهدهدة والتنويم ورثاء الأبناء. لكن المرء نادراً ما يرى قصائد موجّهة للأطفال. وكان عليه أن ينتظر بداية القرن العشرين حتى يرى بعض القصائد توضع في الكتب المدرسية. وكان هدف تلك القصائد تعليمياً وتربوياً وخلقياً. وعندما ظهر أحمد شوقي نظم عدداً كبيراً من القصائد القصيرة الجميلة الموجهة للأطفال. وكان في ذلك متأثراً بالشعراء الفرنسيين ولاسيما لافونتين. ومنذ ذلك الحين زاد عدد الشعراء الذين ينظمون للصغار، ولكن ليس بينهم واحد اختص بشعر الأطفال وحده.
وفي صفوف الحضانة ورياض الأطفال والصفوف الأولى من المدرسة الابتدائية يحتاج الصغار إلى المعلمة تقرأ لهم وتختار النصوص، وتعرضها، وتكررها، وتنوعها حتى تساعدهم على تنمية الذوق والإبداع. ويمكن أن تستعين ببعض التسجيلات لقصائد بسيطة وقصيرة وجميلة يلقيها ممثلون محترفون. وتستطيع استخدام تسجيلات ترافقها الموسيقى أو أن تغنى هذه القصائد من قبل مغنين أو مغنيات لأن الطفل يحب الغناء كثيراً.
وثمة أساليب عديدة تستطيع المعلمة اللجوء إليها لتجعل الشعر محبباً للأطفال ولإظهار موهبتهم الشعرية.
وعندما يعرف الأطفال القراءة تصبح المعضلة أكثر تعقيداً وتبرز القيمة الحقيقية للشعر، إذ يكون على المعلمين أن يجعلوا الأطفال يُصغون إلى النصوص مع حثّهم على التعبير عما يجول في نفوسهم إزاء الموضوع المطروح. ويشترط أن تكون النصوص بسيطة خفيفة ذات جرس موسيقي راقص. ومن المستحسن ربط الشعر بفعاليات فنية أخرى كالرسم والرقص والخط والتمثيل.
المسرحية: للمسرح في العصر الحاضر، دور تتعاظم أهميته في تربية الصغار وتثقيفهم. فقد تساعد بعض المسرحيات الجيدة للطفل على تبني أحسن العادات في المدرسة والبيت والشارع. وإن المسرحيات العلمية نافعة في توجيه الطفل نحو اختيار المهنة في المستقبل.
وللمسرح المناسب المثمر في حياة الطفل شروطه: فيشترط فيه البساطة والدقة والمرح وإمتاع العين والأذن والعاطفة، وهي الشروط اللازمة في الفنون الأدبية الأخرى، وبين هذه الشروط كذلك أن يتناسب مع عمر الطفل ونمو ذكائه. ولكن المسرحية تتطلب انتباهاً عميقاً ومستمراً، مما يجعل العلاقات مع المسرح أكثر تعقيداً من العلاقات مع السينما أو الشاشة الصغيرة. ويجب لذلك أن تراعي مسرحيات الأطفال هذا الجانب مراعاة خاصة.
ثم إن ارتياد المسرح يتطلب أمسية كاملة، لذا يجب أن يكون هذا الارتياد حدثاً مهماً في حياة الطفل، وعلى الآباء أن يجعلوا هذا الحدث مفيداً وأن يوظف التوظيف المجدي في تربية الطفل. ومن المناسب في هذا التوظيف أن تلي المسرحية مناقشات وتبادل في الآراء في داخل الأسرة بين الكبار والصغار.
وثمة ملاحظات لا بد من ذكرها في نهاية هذا الحديث عن أدب الأطفال. فقد كان يتجه في الماضي إلى الذكور أكثر من اتجاهه إلى الإناث، وكان يتجه إلى أبناء الطبقات الثرية أكثر من اتجاهه إلى أبناء الطبقات الفقيرة. ومع انتشار التعليم، وتطور الدراسات في علم النفس والتربية، وانتشار الديمقراطية، اتجهت الفروق بين الذكور والإناث نحو الزوال، وتقلصت الفروق الاجتماعية، وأصبح أدب الصغار يخاطب الجنسين على حد سواء من أبناء الشعب كافة، وإن كانت بعض الرواسب القديمة لا تزال تؤثر في الكتّاب وفي الآباء. ولكن هذه الحقيقة أمر يجب الانتباه إليه لدى دراسة أدب الأطفال أو التأليف فيه. ومما يجب الانتباه إليه في التأليف، على وجه الخصوص،عدد من الأمور إضافة إلى رسالة أدب الأطفال، وفي مقدمة هذه الأمور: درجة وعي المجتمع بهوية الطفل، والتقدم في ميدان الكتابة للصغار، والاستفادة من كتابات القدماء مع مراعاة ظروف العصر، وإبداع أشكال وأنواع وأساليب جديدة لكي يتقبلها الجيل الناشئ،والاعتماد على الترجمة عن الآداب العالمية الأخرى لأن أدب الأطفال إنساني.
توقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



من مواضيعي في المنتدى

0 الطريق الوحيد لتحصيل سعادة الدنيا والآخرة
0 رؤى حسينية دامية من وحي كربلاء
0 الأزمنة في اللغة العربية
0 الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
0 إزدهار الحضارات في القرآن الكريم
0 غير مسجل تعرف على دور المرأة فى حياة الانبياء
0 من هو السيد حسن نصر الله
0 فعل مبني للمجهول للشاعرإبراهيم طيار
0 المزاح؛ بين المحبوبية والمذمومية
0 حب المال والحياة = قصه وعبره

hussain1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 06:22 PM   #3
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها hussain1


الصورة الرمزية hussain1
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم: معدل تقييم المستوى: 141
hussain1 will become famous soon enoughhussain1 will become famous soon enough

الأوسمة التي حصل عليها

افتراضي


أدب الخيال العلمي

الخيال العلمي: هو الانتقال في آفاق الزمن، على أجنحة الحلم المطعم بالمكتسبات العلمية، وغالباً ما يطرق مؤلفو قصص الخيال العلمي science fiction أبواب المستقبل بتنبؤاتهم من دون زمن محدد. وفي قصص الخيال العلمي نظرة واسعة إلى العالم يدخل فيها العلم فيمتزج بحقائقه مع خيال الكاتب، وتُرسم أحداث تنقل القارئ إلى المستقبل، أو الماضي السحيق، فتثيره وتذهله.
والرابطة بين العلم والخيال رابطة مؤطّرة متماسكة، ومن يكتب في هذا النوع من الأدب لا ينجح إلا بثقافة علمية ممتازة يستخدمها في أحداث قصصه ورواياته.
رواد الأدب العلمي
بعد الكاتب الفرنسي جول فيرن Jules Verne [ر] الأب المؤسس لقصة الخيال العلمي، وقد كتب أول أعماله «خمسة أسابيع في منطاد» في فرنسة (1863)، ثم أتبعها بروايته «رحلة إلى جوف الأرض» Journey to the Center of the Earth (1864) وبعدها كتب رائعته «من الأرض إلى القمر» (1865) التي تخيل فيها رحلة إلى القمر. ولكن هذا الخيال من الرواية تحقق بعد قرن وبالتحديد في 20 تموز 1969 إذ هبط أول إنسان على القمر.
كتب فيرن كثيراً من الأعمال في الخيال العلمي إضافة إلى ما ذكر، ومن بين ما كتب «عشرون ألف فرسخ تحت الماء» Twenty Thousand Leagues Under the Sea (1870) حكى فيها عن غواصة تنتقل تحت الماء. وفي عام 1877 كتب روايته «هكتور سيرفاداك» التي تتحدث عن مذنب يقتطع قطعة من كوكب الأرض، وترافق هذه القطعة المذنب في رحلته حول الشمس. وكتب فيرن أيضاً قبل عام واحد من وفاته روايته «سيد العالم» (1904)، وفي روايات فيرن خيال مجنح غلب عليه المنطق العلمي، وهذا ما جعله أشبه بنبوءة علمية. فقد تخيل في روايته «من الأرض إلى القمر» انطلاق محطة فضاء من الأرض إلى القمر بوساطة مدفع هائل الطول هبطت على القمر. ووصف الرواد سطحه والمناظر من فوقه وعادوا إلى الأرض حيث هبطوا بمظلة في البحر، بطريقة شبيهة بما فعله رواد المركبة الفضائية أبولو - 11. كما كتب جول فيرن عن الغواصة ووضع وصفاً لها، وكتب عن الطائرات النفاثة والصواريخ بعيدة المدى والغوص في أعماق المحيطات، وكلها تنبؤات تحولت إلى حقيقة في العصر الحالي. إلى جانب فيرن الفرنسي يعد الكاتب الإنكليزي هربرت جورج ويلز [ر] H.G.Wells شكسبير الخيال العلمي، كما وصفه النقاد. وقد ولد ويلز في بروملي وهي ضاحية من ضواحي لندن عام 1866 وكتب أول رواياته العلمية الخيالية «آلة الزمن» The Time Machine عام 1895 وتعد أعظم روايات الخيال العلمي على الإطلاق، وفيها يتخيل أن بطله صنع آلة حين يدير عجلتها يستطيع أن يقفز فوق الزمن، يعود إلى الماضي أو يخترق المستقبل لسنين بعيدة، بحسب الجهة التي يدير بها العجلة. تخيل ولز في آلة الزمن أن مصير الإنسانية التي انغمست في الدعة والسلام وقنعت بالعافية من الهموم، سيكون قاسياً، فحين ينتقل بطل الرواية إلى المستقبل بعد أن يدير عجلة آلته، فإنه يرى البشر وقد تحولوا إلى قبائل بدائية ضعيفة حركتهم خابية، وجمالهم كاذب،جندوا لخدمة قبائل «المرلوك» المتوحشة، التي تستوطن الكهوف والسراديب وشقوق الأرض، بعيداً عن الضوء. ويبلغ به الحزن حد الفجيعة وهو يرى فناء الذكاء البشري، وكيف آل أمره إلى الانتحار على يد الإنسان الذي خلد إلى حياة المذلة والنعيم.
وفي عام 1901 كتب روايته «رجال القمر الأوائل» The First Men in the Moon وكان قد كتب قبلها روايته المشهورة أيضاً «حرب العوالم» (The War of the Worlds (1898، و«طعام الآلهة» The Food of the Gods (1904) وبعدها بعام «اليوتوبية الجديدة» Modern Utopia تلتها أعماله الكثيرة المنوعة في قصص الخيال العلمي.
واتسع انتشار أدب الخيال العلمي في العالم، وأصبح يفرض نفسه على النماذج الأدبية الجديدة، وكثر النتاج الغث لبعض الكتّاب الذين أخذوا يكتبون من دون ثقافة علمية كتباً غلبت عليها الخرافة وشطحات المبالغة البعيدة عن المنطق العلمي، وأصبح أدب الخيال العلمي أحياناً صرعة لدى بعض الكتاب الذين رأوا فيه منفذاً إلى عوالم الجنس والحبكات البوليسية والخرافية.
ولكن تلك الكتب التجارية اصطدمت بنقاد كانوا أقسى من نقاد الفنون الأدبية الأخرى، لأنهم وجدوا فيها خطورة على الأجيال الناشئة. ومع ذلك فإن الأدب الحقيقي يظل فاعلاً وله استمراريته. ففي عشرينات القرن العشرين كتب تولستوي [ر] Tolstoy عن رحلة إلى المريخ في «آيليتا» كما كتب عن آلة جبارة تثقب الأرض وتستخرج الذهب من باطنها «هيروبوليد المهندس غارين» وكتب عن الطبقات الداخلية للأرض والنفوذ إليها وعن المفاعل النووي بوجه قريب للحقيقة.
ويحتل إسحق عظيموف [ر] Isaac Asimov مكانة وثيقة بين كتاب الخيال العلمي لخياله الواسع ومعرفته العلمية الممتازة. وقد ولد في روسية عام 1920 وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث حصل على الجنسية الأمريكية مع أهله عام 1928 وهو أحد علماء الكيمياء الحيوية اليوم إذ حصل على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في العلوم من جامعة كولومبية بمدينة نيويورك، وعمل كيمياوياً في البحرية الأمريكية في الحرب العالمية الثانية، وغدا عام 1949 عضواً في هيئة التدريس بكلية الطب بجامعة بوسطن. ومن المشهور عنه أنه كتب قصصاً كغيره عن كائنات العوالم الأخرى،وفي إحدى محاضراته، وكان يتحدث عن الحياة في العوالم الأخرى، سألته إحدى الطالبات عن رأيه بالأطباق الطائرة وهل يعتقد أنها موجودة فأجاب: «لا يا آنسة، وأعتقد أن كل من يؤمن بوجودها هو إنسان خيالي» ويردف قائلاً: «صحيح أنني أكتب عنها ولا أنفي بكتاباتي وجودها ولكن كتاباتي مجرد خيال، خيال محض».
الخيال العلمي في السينما والتلفزة والصحافة
لعل أول أفلام الخيال العلمي التي ظهرت في السينما الفيلم الذي أخرجه جورج ميليس عام 1902، وهو فيلم صامت بطول ست عشرة دقيقة، وقد استوحى قصته من رواية فيرن «من الأرض إلى القمر» وقصة ويلز «رجال القمر الأوائل». وقد أظهر الفيلم المعارك بين القادمين من الأرض وسكان القمر وكانت أجواء القمر التي ظهرت شبيهة بالصور المنقولة حالياً عن مركبات الفضاء الدائرة حول هذا الجرم القريب من الأرض.
وتتابعت سلسلة أفلام الفضاء والخيال العلمي فظهر فيلم «الشيء» عام 1936 وفيلم «20 مليون ميل عن الأرض» عام 1957 ثم فيلم «آلة الزمن» اعتماداً على رواية ويلز الشهيرة وقد أخرجه جورج بال عام 1961. وفي عام 1968 أخرج ستانلي كوبريك فيلمه الشهير «2001 أودية الفضاء» الذي تميز بوصفه أفضل فيلم علمي خيالي أُنتج في الستينات.
وتتابعت الأفلام فظهر «حرب النجوم» Stars War لجورج لوكاس الذي تحدث عن احتمال حدوث حرب فضائية، بين الكائنات التي تسكن الكواكب، نتيجة للتطور السريع للعلوم والتكنولوجية، كما ظهر فيلم «لقاء من النوع الثالث» الذي يتحدث عن طبق طائر هبط في منطقة من الأرض وأجرى لقاء مباشراً مع سكانها، كما تحدث فيلم «سولاريس» لأندريه تاركوفسكي عن المشاكل البيولوجية والنفسية التي يمكن أن تحدث لرواد الفضاء. أما فيلم «أصداء من الفضاء» لريتشارد فيكتوريف، وهو من جزأين، فيتحدث عن رحلة فضائية كبرى يقوم بها رواد فضاء شبان صغار مدربون، يتعرضون لمشاكل في اختراقهم الفضاء، وهم يتجهون نحو كوكب في مجموعة «ذات الكرسي» ليساعدوا سكانه في حل المشاكل الخطرة التي يعانون منها. ويتحدث فيلم «E.T» لسبيلبرغ عن مخلوق هبط من الفضاء إلى الأرض يعلم الناس الحب والتسامح والسلام، على الرغم من منظره البشع. وتتابعت أفلام الخيال العلمي حتى أصبحت توجهاً جديداً في الإنتاج، بعد أن كانت محدودة، قبل أن يغزو الإنسان الفضاء ويهبط على القمر عام 1969.
انتقلت العدوى إلى التلفزيون، إذ تنافست شركات الإنتاج في إنتاج مسلسلات تتحدث عن رحلات فضائية إلى عوالم بعيدة، مثل «الغزاة» و«الفضاء عام 1999» و«رحلة النجوم» Star Trek وأغلبها من إنتاج أمريكي بسبب تنافس شركات الإنتاج الأمريكية ضمن هذا التوجه الجديد في رحلات خيالية تشد الناس إلى المستقبل، فينتقلون بأحلامهم إلى عوالم غامضة مجهولة في حكايات قد تبدو خرافية.
وقد نشطت فعاليات الخيال العلمي حتى في الصحافة إذ تنافس الكتاب في نشر القصص والروايات المسلسلة في مجلات متخصصة حتى أن بعض المجلات العلمية اختصت بالخيال العلمي مثل المجلة الأمريكية «مجلة الخيال والخيال العلمي» Magazine of Fantasy and Science Fiction .
أدب الخيال العلمي عند العرب
هل عرف العرب الخيال العلمي من قبل؟ قد لا يخطر هذا السؤال على بال الكثيرين من الناس، ربما للمسافة الزمنية التي تفصلنا عن الحضارة العربية التي بلغت أوجها في القرن العاشر الميلادي.
والجواب عن السؤال يبدو صعباً لأن الخيال العلمي لم يكن معروفاً عند الناس بهذه التسمية المحدودة. ولو تمت العودة للتاريخ في محاولة سبر الإبداعات في الأدب على اختلاف توجهاته لتبين أن أسطورة «حي بن يقظان» لابن طفيل قريبة من الأدب الذي عُرف منذ أواخر القرن التاسع عشر باسم أدب الخيال العلمي. لأن هذه القصة الأسطورة تحوي مقومات الخيال العلمي بصورة واضحة وتتحدث عن عملية التكوين الإنساني والخلق والمؤثرات الطبيعية، وترسم شكلاً واضحاً لحياة نشأت مع الطبيعة من دون مؤثرات بشرية بصورة غنية بالخيال العلمي.
لم يعرف العرب حديثاً أدب الخيال العلمي إلا في الستينات حينما نشر مصطفى محمود روايته «العنكبوت» ثم روايته «رجل تحت الصفر» وقد غلب على الأولى الأسلوب الغيبي إذ مزج الكاتب فيها بين القضايا العلمية وقضية تقمص الأرواح. أما الثانية «رجل تحت الصفر» فتمثل عالم القرن الحادي والعشرين عندما تصبح وسيلة النقل فيه صاروخاً يضيِّق الفوارق بين البلدان والمدن والأقاليم، وتسهم كل أمة بقسطها في إغناء الحضارة الإنسانية ويكون الحب هوائياً يكافح القوى المجهولة من حقد وحسد وبغضاء.
وظهرت في السبعينات محاولات أخرى لنهاد شريف في «قاهر الزمن» وهي رواية تتحدث عن فكرة السُّبات عند الإنسان بتجميد جسده لسنوات ثم إحيائه، وقد تحولت إلى فيلم سينمائي من إخراج كمال الشيخ، ثم مجموعة قصص بعنوان «رقم 4 يأمركم» وهي تلفت النظر بسعة خيال كاتبها ومدى فهمه الدقيق لتطور العلوم، مع أنه يحمل إجازة في التاريخ.
يتحدث نهاد شريف في قصصه عن الإنسان الآلي وإمكانية سيطرته في المستقبل إلى أن يطرد البشر ليستقل بنفسه في إدارة المصانع والآلات، ويتخيل الكاتب أن بوادر الانقراض بدأت تهدد الإنسان الآلي إذ بدأت العاطفة بالتحكم فيه. ويتحدث عن كائنات المريخ العاقلة التي تحذر البشر من خطر تكديس السلاح النووي ومن تمكن العلماء العرب من الوصول إلى كوكب المشتري حيث يقع الرواد في أسر كائنات هلامية، كما يرصد في تلك المجموعة عالم المستقبل الحافل بالمفاجآت العلمية.
وقد ظهرت لنهاد شريف رواية «مردة المجال الثاني» وظهرت محاولات في قصة الخيال العلمي للكاتب رؤوف وصفي. ولطالب عمران عدة قصص من الخيال العلمي، بينها ما هو للأطفال مثل «كوكب الأحلام» (1978) و«محطة الفضاء»، وبينها ما هو للكبار مثل «العابرون خلف الشمس» (1979) و«ليس في القمر فقراء» (1983) و «خلف حاجز الزمن» (1985).
وكما في العالم، نشط المتطفلون على هذا النوع من الأدب في الوطن العربي أيضاً، وقد رأوا فيه مرتعاً لخيالاتهم التي لا تستند إلى أسس علمية، وأخذ بعضهم يدعي انفراده بكتابة مثل هذا النوع من الأدب (مع افتقاره إلى الثقافة العلمية). وكتب بعضهم عن رحلة لمحطة تنجح في الهبوط على كوكب المشتري، وهو كوكب سائل غازي، كما تهبط فوق حلقات كوكب زحل وهي حلقات شفافة تتكون من جسيمات متباعدة وأتربة وحبات برد. وأطلق بعضهم مصعداً خرج من الطابق العاشر في بناية بعشرة طوابق وهبط فوق القمر، كما حلقت فقاعة صابون في داخلها طفلة فوق الأرض لمسافات كبيرة.
مستقبل أدب الخيال العلمي
لقد اتسع انتشار الخيال العلمي في العالم، وأصبح يفرض نفسه على النماذج الأدبية الجديدة، وهو يعتمد العلم محوراً فاعلاً في أحداثه وأبطاله، ويلجأ بعض الكتاب المتميزين في فن القصة والرواية إلى الاستعانة بالعلماء لكتابة رواية أو قصة من الأدب العلمي، حتى لا يساء إلى هذا الأدب وحتى يتميز العمل الأدبي بمنطقيته العلمية الضرورية.
كما توجه الخيال العلمي مؤخراً إلى الأطفال إذ تخصص بعض الكتاب بكتابة أدب الخيال العلمي الموجه للطفل. وقصة الخيال العلمي قد تكون البديل الحقيقي لكل هذا الركام المطروح على الطفل بطريقة فجة لإدخال العلم بقوالب جامدة إلى رأسه الذي لا يتقبل حشر المعلومات العلمية مما قد يؤدي إلى انصرافه عن العلم أو عدم الاهتمام به. والعلم، كما هو معروف، هو لغة العصر، والدور الحضاري لأية أمة من الأمم لا يكون إلا بالعلم وإبداعاته في مختلف جوانب الحياة.
توقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



من مواضيعي في المنتدى

0 مواضع كسر الهمزة وفتحها
0 ملف مجزرة سوق الشيوخ
0 اختباء الحيوانات وحسب الطبيعه التى تعيش فيها
0 الرياء والغرور
0 رحمة ترفع عذاباً
0 ختومات مجربة وردت عن العترة الطاهرة عليها السلام
0 دوافع الثورة الحسينيه
0 عمليات شهر شباط للمقاومه الاسلاميه
0 فضل المسلمون فى العلوم للعالم
0 تعال معنا فى رحله للصحراء

hussain1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 06:27 PM   #4
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها hussain1


الصورة الرمزية hussain1
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم: معدل تقييم المستوى: 141
hussain1 will become famous soon enoughhussain1 will become famous soon enough

الأوسمة التي حصل عليها

افتراضي


الأدب العربي في العصر الحديث

تقديم
حتى مستهل القرن التاسع عشر كانت الحياة العربية بمجملها تخضع لركود شامل في ظل سيطرة الدولة العثمانية على أقطار الوطن العربي، سواء أكانت تلك السيطرة قوية مباشرة كما في بلاد الشام والعراق ومصر، أم ضعيفة أو إسمية كما في أقطار المغرب العربي وبلدان شبه الجزيرة العربية.
وكان الأدب العربي، بصفته أحد أنماط تعبيرات تلك الحياة الراكدة عن ذاتها، خامد الجذوة ويكاد يقتصر على ترديد ما تخلف عما اصطلح على تسميته في تاريخ الأدب العربي باسم: أدب عصر الانحطاط، أو أدب الدول المتتابعة.
وقبيل ابتداء القرن التاسع عشر أخذ الاصطدام العنيف بالغرب يهز ذلك الركود المتوارث هزاً شديداً. فقد جاء ذلك الاصطدام غزوات عسكرية تواصلت حتى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وأسفرت عن استعمار مباشر لسائر أجزاء الوطن العربي باستثناء شمالي اليمن وأواسط شبه الجزيرة العربية. واستمر هذا الاحتلال حتى نهاية الحرب العالمية الثانية على وجه التقريب، كما تواصل في بعض الأقطار - كالجزائر - حتى منتصف عقد الستينات من القرن العشرين. أما في فلسطين فقد أقيمت دولة استيطانية ليهود العالم (دولة إسرائيل) الأمر الذي ترك نتائج مأساوية كبيرة ومباشرة على عرب فلسطين، ونتائج شبه مباشرة على بقية العرب في مختلف أقطارهم كانت شدتها متفاوتة بهذا القدر أو ذاك، بحسب قرب كل قطر أو بعده عن حدود تلك الدولة الاستيطانية.
ومع انتهاء الاحتلالات، وحصول الاستقلالات، كان نمط جديد من الاستعمار الاقتصادي العالمي يتولد من طبيعة عمل الرأسمالية العالمية وتطوراتها، ويترك آثاراً سلبية عميقة في نمو سائر المستعمرات السابقة، وخاصة في نمو أقطار الوطن العربي الغنية بمصادر الطاقة والفريدة في موقعها الاستراتيجي في قلب العالم الذي أخذت تتكاثر فيه القوى الكبرى المتصارعة اقتصادياً وأيديولوجياً.. وكل ذلك قد ترك - ولا يزال يترك - آثاره في سيرورات الحياة في المجتمعات العربية، فتنعكس في الأدب شكلاً ومضموناً.
إن ابتداء اصطدام العرب بالغرب، وما أحدثه من ارتجاج قوي على سطح الحياة العربية الراكدة في أعماقها، لم يسفر عن شعور عربي عام بالعجز وعن استثارة لمقاومة النتائج العسكرية للغزو المتوالي وحسب، بل هو أيضاً قد طرح على العرب مشكلة خمود طاقات الإبداع وتجلياته لديهم، كما طرح عليهم إشكالية اللحاق بركب التقدم العالمي تأسيساً على موروثهم الحضاري من جهة، وفي ظل الاستعمار ذاته من جهة أخرى. فالغزو لم يكن وقع آلة عسكرية وحسب بل كان يحمل معه أيضاً مفهومات النظام الحضاري الذي أنجز الآلة، والقيم البرغماتية لذلك النظام والمتضاربة جذرياً مع القيم العربية الإسلامية السائدة آنذاك، مثلما كان يحمل معه أدوات عمل، وأساليب تصرف، ونهج سلوك، ووسائل ترفيه فني، وكلها غير مألوفة...
واختصاراً كان وراء آلة الحرب الغازية ومعها كل ما تمخض عنه التكوين البنيوي الحضاري الغربي من معطيات غير مألوفة ولا معروفة، وحتى غير مقبولة، لدى العرب في حينها.
وإذا كانت غزوة نابليون لمصر في نهاية القرن الثامن عشر تعد افتتاحاً ومدخلاً لعدم اصطدام العرب بالغرب اصطداماً قوياً فعالاً فإنه من المفيد ذكر أنه كانت هناك احتكاكات غير صدامية تمثلت في قدوم إرساليات دينية (كاثوليكية - بروتستنتية - أرثوذكسية) إلى لبنان بوجه خاص، قبل غزو نابليون لمصر بأوقات متفاوتة، ولكنها لن تبرز على أنها قوى مؤثرة في تطورات الوضع العربي: الأدبي منه والفكري على وجه الخصوص، إلا في القرن التاسع عشر.
ولا بد هنا من عرض صورة إجمالية للوضع العربي في ظل الحكم التركي للإحاطة بأجزاء صورته المتكاملة وتبين حقيقة الفواعل التي ستؤثر في التاريخ الأدبي المعاصر في القرنين التاسع عشر والعشرين كما ستؤثر في تطورات أشكاله الفنية ومضموناته.
لقد أشير قبلاً إلى التفاوت في علاقة الأقطار العربية بالسلطنة العثمانية تبعاً لقربها أو بعدها عن اصطنبول (عاصمة السلطنة) ففي حين كانت أقطار المغرب العربي وكثير من أقطار شبه الجزيرة العربية لا تخضع إلا لسلطة إسمية للعثمانيين، إذ كان لكل من هذه الأقطار حاكم شبه مستقل ينتقل الحكم في ذريته بالوراثة، فإن مصر والسودان (وادي النيل) عرفتا تقسيماً للسلطة بين الولاة الأتراك (الباشاوات) وبين المماليك (البكوات) وغالباً ما كانت كفة ميزان النفوذ تميل لصالح هؤلاء إزاء كفة أولئك.
أما في بلاد الشام والعراق حيث كانت قبضة السلطة محكمة ومرهقة، فقد اعتمد نظام التقسيم إلى ولايات، ونظراً إلى ما كانت تعانيه السلطة من انحطاط عام، وإداري خاصة، فقد عمدت دائماً إلى تعيين ولاة همهم جباية المال إضافة إلى كونهم متنافسين متنابذين، وهو الأمر الذي جر الكوارث على الرعية، إذ عمت الفوضى، وانتشر الفساد، واختل الأمن اختلالاً مفزعاً، وكثرت المجاعات والأوبئة، وأثيرت الفتن الطائفية والحروب الأهلية.. فتدهورت الأوضاع الاجتماعية بعد أن تحولت خطوط التجارة بين أوربة والشرق عن المنطقة لتسلك طريق رأس الرجاء الصالح.
وبسبب من هذه الأوضاع المختلة إجمالاً تمكنت الدول الأوربية العظمى آنذاك (إنكلترة - فرنسة - روسية) من إيفاد إرسالياتها الدينية التي عمدت إلى إنشاء مدارسها الخاصة أول بأول.
وفي لبنان تمكن الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير (أواخر القرن السادس عشر) من أن يشيع، لوقت قصير، جواً من التحرر. وقد أسهم ذلك في تقبل نشاط الإرساليات الذي هيأ للتفاعل لاحقاً مع ما سوف يفد من فكر غربي مع الغزوات الاستعمارية المقبلة.
وفي فلسطين أثر ظهور الوالي الشيخ ضاهر العمر في ازدهار الحياة الاقتصادية ازدهاراً نسبياً، وكان أحد الزعماء المحليين في اليمن (مستهل القرن السابع عشر) قد تمكن من طرد الوالي التركي وإقامة حكم وطني دام وقتاً غير قصير. وإذا كان العثمانيون قد تمكنوا من استعادة شيء من نفوذهم على اليمن بعد ذلك فقد كان نفوذاً قلقاً ومكلفاً غير مستقر.
وفي أواسط القرن الثامن عشر ظهرت في قلب الجزيرة العربية (نجد خصوصاً) حركة إصلاح ديني قادها محمد بن عبد الوهاب (1703-1792م)، ورمت إلى تظهير العقيدة مما لحق بها من بدع وعرفت باسم الحركة الوهابية. وبتحالف أتباعها من أمراء نجد من آل سعود تمكنت هذه الحركة من توسيع نفوذها بعيداً.
وكان الإنكليز والبرتغاليون - والهولنديون إلى حد ما - يتنازعون السيادة على الشواطئ الجنوبية والشرقية لشبه الجزيرة، فتمكن الإنكليز من الفوز أخيراً بهذه السيادة.
تلك هي السمات الإجمالية لصورة الوضع العربي في ظل السلطنة العثمانية حتى مستهل القرن التاسع عشر. ولا ينتظر، في مثل هذه الأوضاع، أن تزدهر حركة فكرية أو نشاط أدبي، وعليه فقد كان النتاج الثقافي مقتصراً على التحشية والتلخيص والتفسير والجمع، وطغت الشكلية واللفظية طغياناً صارماً على الأدب خاصة.
غير أنه، تحت سطح هذه الصورة التي تبدو في غاية الخمود، كان هناك تململ واضح ورغبة في الإصلاح تذكيها مقارنة الواقع بالماضي، وتحرضها - إلى هذه الدرجة أو تلك - مجموعة التفاعلات المتقطعة مع طوالع الفكر الغربي التي حملتها مؤسساته التجارية والدينية، وقواها كون الوطن العربي معبراً لخطوط المواصلات والتبادل التجاري بين الشرق والغرب، قبل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح.
وقد كان لمجموع ما ترافق مع غزوة نابليون لمصر - أو حملته عليها - آثار لا تنكر في إذكاء نزعة الاستقلال وروح النهضة. غير أنه لا يمكن للمرء أن يقر بالمبالغات التي نسبت إلى تلك الحملة والتي يجعلها كثير من المؤرخين سبباً وحيداً أساسياً لجملة التحولات التي ستحدث في الواقع العربي لاحقاً، بل لابد من رؤية ما ترتب على تلك الحملة في حدوده الموضوعية، بصفتها «رجة» كبرى في سياق تاريخي محلي وعالمي معقد ومتشابك ومركب.
لقد حمل نابليون معه مطبعة عربية كان قد استولى عليها من الفاتيكان، ولكنه خصصها في المدة القصيرة التي استغرقتها الغزوة (سنتين وبضعة أشهر) لطبع ما كان يهمه من منشورات دعائية. وقد أنشأ ما أسماه مجمعاً علمياً، ومكتبة للمطالعة، ومسرحاً للترفيه عن جنوده، كما شق بعض الطرق.. وهو ما يظهر مفصلاً في تاريخ الجبرتي، إلا أن الحملة واجهت عداء داخلياً وخارجياً قوياً، وشبت في وجهها ثلاث ثورات، وذلك ما منع استقرارها فانتهى بها الأمر إلى الجلاء عن مصر بعد هزيمة جيش نابليون أمام أسوار عكا، وتحطم أسطوله في أبي قير.
إن عرب مصر قد اطلعوا - بوساطة تلك الحملة - على المسرح والمطبعة والصحافة، وتعرفوا شيئاً من أهميتها وضرورتها، فتحرض الاهتمام بها، وهو ما ساعد لاحقاً على سرعة نشوئها في مصر، غير أنه ما كان لتلك «البذور النهضوية» أن تنمو إلا بوجود التربة الصالحة، فالحملة إذاً أسهمت في بزوغ النهضة، لكنها لم تكن إلا واحداً من أسبابها الرئيسة ليس أكثر.
وفي تلك الغزوة أو الحملة تم اكتشاف حجر رشيد، ثم استطاع مكتشفه العالم جان فرانسوا شامبليون Champollion حل رموز الخط الهيروغليفي فانكشفت حقائق تاريخية حضارية عريقة كانت مجهولة، الأمر الذي أوجد دافعاً إضافياً للعرب المصريين كي يتعجلوا ابتداء النهضة والخروج من حال الخمود السابق. كما أن العلماء المرافقين للحملة - وعددهم يزيد على أربعين - قاموا بتأليف كتاب من عشرة مجلدات، بالفرنسية، سموه، «وصف مصر» Description de l'Egypte صار فيما بعد عوناً للباحثين في تحري أوضاع ذلك القطر العربي من جوانبها المختلفة زمن الحملة.
ولعل أهم ما انجلت عنه الحملة هو أنها كانت سبباً في ظهور محمد علي، ذلك الضابط الألباني الطموح الذي قدم ليشارك في إخراج الفرنسيين من مصر، فلمع نجمه وانتهى به الأمر إلى أن ولاه الباب العالي (السلطان العثماني) عليها. ومع أنه لم يكن متعلماً فقد ظهر أنه كان يدرك جيداً فضل العلم في نهضات الأمم. فشجع العلماء وأرسل البعوث إلى فرنسة فكان من رجالها أوائل بناة النهضة الفكرية والثقافية في مصر. واستعان كذلك بضباط من فرنسة وغيرها لتدريب الجيش الحديث الذي أنشأه ولتنظيم مؤسساته. وفي الوقت ذاته أنشأ المدارس التي تعلم العلوم الحديثة وتعنى بترجمة كتبها، وأسس أول جريدة في الوطن العربي صدر بعضها باللغة العربية.
ولعل أهم خلفائه هو الخديوي إسماعيل (1863-1879) الذي أنشأ مدارس للبنات، وأسس المكتبة الخديوية (دار الكتب المصرية اليوم)، وقامت في عهده بعض الكليات الأمريكية في القاهرة والصعيد مثلما انتهى حفر قناة السويس (1859-1869) وتم افتتاحها، فاستعاد الوطن العربي مركزه ممراً لطرق التجارة العالمية بين آسيا وأوربة، بما لذلك من منعكسات مهمة على سيرورات التفاعل الثقافي العربي مع ثقافات القارتين المذكورتين.
أما الحملتان المصريتان على بلاد الشام (1831-1833 و1839-1840) فقد أشاعتا فيها جواً شجع علم الإرساليات فزاد بذلك من تفاعل أبنائها مع الفكر والثقافة الغربيين، إذ أسست تلك الإرساليات عدداً من المدارس واستجلبت مطابع لايزال بعضها يعمل حتى الآن.
وقد سبقت هاتين الحملتين حملة أخرى على شبه الجزيرة العربية (1812-1819) منيت بالإخفاق لكنها تركت شعوراً - ولو غائماً - بأهمية وحدة العرب وكما نبهت الأذهان إلى ما كانت تظهر بوادره من نهضة ثقافية في مصر.
وقد ضم محمد علي السودان إلى مصر محققاً وحدة وادي النيل، وذلك بين عامي 1821-1823. لكن الإنكليز قاموا باحتلال السودان بعد ذلك فواجهتهم ثورات أهمها ثورة المهدي (1881-1885)، وانتهى أمر السودان إلى ما سمي «السودان المصري الإنكليزي» في 1898 وكانت السلطة الفعلية فيه للإنكليز، ثم أصبحت مصر نفسها تحت الحماية البريطانية، وعلى أي حال فإن محاولات محمد علي لضم الأقطار العربية في دولة واحدة قد أيقظت حساً قومياً عربياً شعبياً. وهو ما سيظهر أثره بقوة.
ومع أن ليبية ضمت إلى السلطة العثمانية عام 1556، فقد ظلت تتمتع باستقلال ذاتي، وخاصة في عهد الأسرة القرمنلية (1724-1853)، أما أقطار المغرب العربي الأخرى فلم تتبع السلطنة إلا إسمياً، واستقلت تونس عنها عام 1790 استقلالاً تاماً، وظلت الجزائر على تبعيتها الإسمية لاصطنبول منذ أن احتلتها عام 1518، أما سلطنة مراكش (المملكة المغربية اليوم) فلم تخضع للسيادة العثمانية مطلقاً. وفي عام 1830 احتلت فرنسة الجزائر، ثم تونس عام 1881، واحتلت إسبانية أجزاء من مراكش (سبتة ومليلة ومنطقة الريف) ثم احتلت فرنسة مراكش بأكملها بين العامين 1901-1904 وتخلت عن بعض أجزائها لإسبانية عام 1912.
وإذا كان الخمود الثقافي في أقطار الشمال الإفريقي موازياً لنظيره في بقية أرجاء الوطن العربي فإن الاحتلال الفرنسي لأقطار المغرب قد خلق وضعاً ثقافياً متناقضاً ولاسيما في الجزائر التي ضمتها فرنسة إليها وأعلنت أنها جزء منها وفرضت عليها لغتها حتى الاستقلال عام 1962، فذلك الاحتلال قد ولد اعتصاماًَ أشد بالثقافة الإسلامية التقليدية السائدة من جهة، ومن جهة أخرى فتح الأذهان هناك على ثقافة الغرب وفكره. لكن آثار ذلك سوف تتأخر في الظهور، وهذا ماجعل بواكير النهضة وتطوراتها خلال القرن التاسع عشر وقسم غير قليل من القرن العشرين تكاد تنحصر في مصر وبلاد الشام ثم العراق إلى حد ما.
وما يمكن أن يخلص إليه في هذا التقديم هو أن تلك النهضة يجب أن ينظر إليها في سياق فعالية النمط الحضاري الغربي وحركته الاستعمارية، وعد هذه النهضة محاولة للرد على تحديات حركة هذا النظام لوجود الأمة العربية من موقع الصراع معه من أجل البقاء والتقدم. إن ثمة منظومتين ثقافيتين تتفاعلان في إطار تناقضاتهما المفهومية والقيمية: الثقافة العربية الإسلامية، والثقافة الغربية الرأسمالية الاستعمارية. وفي الظروف السائدة حتى اليوم فإن الثانية هي المهيمنة، أما الأولى فمتعثرة الخطا وتابعة من منظور علاقات أصحابها بالغرب.
وهناك أخيراً أمراً لابد من الإشارة إليه لأنه يتضمن في النهاية إشكالية ذات صلة بالمصطلح الذي تندرج تحته مادة هذا البحث. فمصطلح «العصر الحديث» هنا يوحي بإشارة ضمنية إلى فكرة «الحداثة» Modernisme من حيث كونها تملأ هذا العصر بمعطياتها على سائر الصعد. وتعد «الحداثة» في منظور الفكر الأوربي - وهو مصدر هذا المصطلح - حالاً من القطيعة المعرفية الشاملة: فلسفياً وعلمياً واعتقادياً.. وحالاً من القطيعة الشاملة في التقنية والاقتصاد والبنى والعلاقات الاجتماعية.. بين ما أنجزته أوربة منذ ابتداء نهضتها حتى اليوم وما سبق ذلك في العصر الأوسط وفق تقسيمات التاريخ الغربي حسبما صنفها الفيلسوف الألماني هيغل Hegel.
ولما كان «العصر العربي الحديث» - أي القرنان التاسع عشر والعشرون - لا يتضمن شيئاً من تلك القطيعة الأوربية المركبة، ولما كانت التبعية هي سمته الكلية، ولما كان الأدب العربي فيه متأثراً بالضرورة بهذا الوضع التاريخي الحضاري الإجمالي التابع: سواء من حيث تاريخية إنتاجه أو من حيث أنماطه الفنية، ولدلالاته الفكرية والنفسية، وأساليب إنشائه «خطاب» محملاً بروح هذا العصر... فإن معنى «الحداثة» هنا لا يشير إلى تعبيرات فنية مؤصلة على تغيرات نهضوية جذرية متواصلة في الواقع المعاش، بل هي تشير إلى «تزامنات فنية عارضة» - إذا صح التعبير - لواقع يضطرب ويتماوج فيه خليط من مورثات مراحل الحضارة العربية إبان ازدهارها، لكنه خليط مأخوذ بصورة انتقائية، وخليط آخر من تناثرات ما يصل من علوم الغرب وفلسفاته وفكره وأدبه.. فيصطدم الخليطان ويتقاطعان عند حدين من رغبات العرب المتناقضة: رغبات تمسكهم بموروثهم، ورغبات لحاقهم بالغرب المهيمن عموماً.
إن هذه الإشكالية قد تركت ولا تزال تترك آثارها بقوة في الأدب العربي المعاصر. وهي إشكالية يجب أخذها دائماً بالحسبان عندما يوصف هذا الأدب وزمنه «بالحداثة». إذ بها - بوصفها تعبيراً عن انعدام القطيعة وعن التبعية السابقتي الذكر - ترتبط مختلف المصطلحات ذات الصلة بما هو معالج في هذه المادة.
وبمراعاة هذه الإشكالية يمكن القول: إن ثمة يقظة عربية عامة قد ابتدأت، نشطة، في مصر في زمن حكم محمد علي باشا، فلقيت تجاوباً سريعاً نسبياً في بلاد الشام. وأخذت القوى الكامنة في الأمة تتيقظ بفعل مختلف البواعث التي سبق ذكرها. فتسارع إنشاء المدارس الوطنية، وتوالى صدور المجلات والصحف وتأسيس المطابع، وتزايدت ترجمات الكتب العلمية والأدبية الأجنبية إلى اللغة العربية، ونشر كثير من كتب التراث، وتألفت الجمعيات والنوادي الأدبية، وأنشئت المكتبات العامة والمسارح ومجامع اللغة العربية.. كما تزايد إنشاء الجامعات ومعاهد البحث ومؤسساته المختلفة إضافة إلى المراكز الثقافية وسائر مؤسسات «وسائل الاتصال الجماهيري» من إذاعات ومحطات بث تلفزيوني. ولا يكاد قطر عربي يخلو اليوم من وزارة للثقافة.. وكل ذلك يساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ارتقاء الإنتاج الأدبي العربي المعاصر وتعميم إيصاله إلى جماهير المثقفين والمتعلمين بمختلف السبل والوسائل المعتمدة في بقية أنحاء العالم.
بواعث النهضة الأدبية في العصر الحديث
يمكن إجمال بواعث هذه النهضة في ما يلي:
البعثات العلمية: يأتي هذا الباعث في المقدمة. وقد بدأت فاعليته بعد انتشار الثقافتين الفرنسية والإنكليزية في المدارس والمعاهد التي أنشئت في الشام ومصر وتخرج فيها المعلمون الذين بعث بعضهم إلى فرنسة لإتمام تحصيلهم في مختلف العلوم. وكانت أولى البعثات عام 1826 في عهد محمد علي باشا، إذ اختير أربعة وأربعون طالباً من طلبة الأزهر، رأسهم رجل النهضة الكبير رفاعة الطهطاوي (1801-1873م). وقد عمل هؤلاء المبعوثون بعد عودتهم، وكل في نطاق اختصاصه، في ميداني الترجمة والتعليم.
ثم توالت البعثات فيما بعد، فشملت عدداً من البلدان الأمريكية والأوربية.
الترجمة: كان لترجمة الكتب الفرنسية والإنكليزية إلى العربية أثر كبير في النهضة الأدبية. وقد بدأت حركة الترجمة في بلاد الشام على يد بعض رجال البعثات الدينية، إذ ترجم هؤلاء بعض الكتب التي احتاجوا إليها في التدريس. لكن حركة الترجمة لم تقو وتتنوع إلا بعد عودة رجال البعثة المصرية الأولى الذين بدؤوا بترجمة بعض الكتب العلمية. ويعود الفضل الأكبر في تنشيط هذه الحركة إلى الطهطاوي الذي أنشأ «مدرسة الألسن» عام 1835. وقد عنيت هذه المدرسة بتعليم اللغات الأجنبية المختلفة، وترجم خريجوها مئات الكتب والقصص والمسرحيات. وشارك السوريون واللبنانيون بقوة في تلك الحركة، ولاسيما بعد أن هاجر بعضهم إلى مصر، مثل: نجيب الحداد، وبشارة شديد، وطانيوس عبده...حتى بلغ عدد الكتب المترجمة نحواً من ألفي رسالة وكتاب. ثم اتسع نطاق الترجمة بازدياد مطرد وما زال يتسع حتى اليوم إذ تشمل المترجمات أهم روائع الأدب العالمي في سائر اللغات الأجنبية الحية.
الطباعة: أنشئت أول مطبعة بحروف عربية في إيطالية عام 1514م، وطبع فيها بعض الكتب الدينية كسفر الزبور، ثم طبع القرآن في البندقية.
أما في البلاد العربية فأول مطبعة أنشئت فيها كانت في حلب سنة 1706م، ثم تلتها مطبعة الشوير بلبنان سنة 1734م ثم أنشئت مطبعة في بيروت سنة 1751م.
ولما قام نابليون بحملته على مصر سنة 1798م أحضر معه مطبعة مزودة بحروف عربية ولاتينية، وقد استخدمها لطبع المنشورات والصحف الخاصة بالحملة. وبعد انتهاء الغزو جعل محمد علي تلك المطبعة نواة للمطبعة الأهلية التي أسسها عام 1821م والتي عرفت فيما بعد باسم «مطبعة بولاق»، وطبعت فيها الكتب الدراسية والكتب المؤلفة والمترجمة. وبعد أربعين سنة بدئ بإنشاء مطابع أهلية كان أقدمها مطبعة «وادي النيل» ومطبعة «جمعية المعارف».
كذلك تأسست في بيروت «المطبعة الأمريكية» عام 1834، ثم تلتها «مطبعة الآباء اليسوعيين» عام 1848، ثم مطبعة «الجوائب» التي أنشأها أحمد فارس شدياق [ر] في الآستانة عام 1861. وقد نشرت كتب كثيرة في هذه المطابع، وبينها عدد من المعاجم العربية القديمة وطائفة من كتب الأدب ودواوين الشعر القديم إلى جانب أمهات كتب التاريخ.
وقد تزايد عدد المطابع منذ مطلع القرن العشرين وتطور نوعها وأصبح أكثرها آلياً حتى لم يخل بلد عربي من مطبعة رافقت تكاثر عدد الصحف والمجلات.
حركة إحياء التراث: كان من أثر الاتصال بالغرب، وابتداء الاستقاء من ثقافته، وما رافق ذلك من استشراق أو استغراب، أن تنبهت العقول إلى ضرورة إحياء التراث العربي ونشره. وقد أنشا علي مبارك [ر] جمعية لنشر المخطوطات العربية القديمة برئاسة الطهطاوي. وفي عام 1898 تألفت جمعية أخرى للعناية بنشر كتب التراث، وكان من أعضائها أحمد تيمور [ر] وحسن عاصم وعلي بهجت. وقد أفادت حركة إحياء التراث مما سبقها إليه المستشرقون في ما نشروه من كتب التراث العربي، إذ عرف عن هؤلاء منهجهم العلمي في تحقيق المخطوطات، ومراجعة أصولها، وموازنة بعضها ببعضها الآخر، كما إنهم أخرجوا ما نشروه في طبعات أنيقة مزودة بالتعليقات المفيدة والفهارس الدقيقة.
ولايزال نشاط حركة إحياء التراث في تصاعد مستمر بفضل ازدياد الوعي بضرورة معرفة التراث معرفة صحيحة وشاملة، وتمثل خير ما فيه تمثلاً موضوعياً مفيداً.
الصحافة: كان لإنشاء المطابع، وانتشار الطباعة أثر واضح في ظهور الصحافة. ومن المتفق عليه أن الصحافة العربية ظهرت في مصر قبل غيرها من البلاد العربية، وكان ذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فقد أنشأ نابليون عام 1800م جريدة «التنبيه» وأصدرت البعثة العلمية الفرنسية سلسلة تاريخية قام بتحريرها إسماعيل الخشاب. فلما جاء محمد علي أصدر أول صحيفة عربية سنة 1822م هي «جرنال الخديوي» بالعربية والتركية ثم أصدر جريدة «الوقائع المصرية» سنة 1828م، باللغتين العربية والتركية ثم اقتصرت على اللغة العربية. وقد تداول رئاسة تحريرها بعض كبار الأدباء منهم الطهطاوي وحسن العطار والشدياق ومحمد عبده [ر] وعبد الكريم سلمان. وتلتها «المبشر» التي أصدرها الفرنسيون في الجزائر عام 1847م وكانت تصدر مرتين في الشهر، وكان حجمها كبيراً وعباراتها ضعيفة. ثم توقفت الصحافة في مصر وظهرت في سورية، أولاً على يد الإرساليين الأمريكيين إذ أصدروا نشرة دينية عام 1851م كانت تخرج مرة في السنة، ثم مرة كل أربعة أشهر، ثم احتجبت عام 1855م، وفي هذه السنة أنشأ رزق الله حسون في اصطنبول «مرآة الأحوال» وهي أول جريدة عربية سياسية خاصة، لكنها لم تستمر بعد السنة إلا قليلاً، وأنشئت بعدها جريدة «السلطنة» في الآستانة لجورج شلهوب عام 1857م، ثم «حديقة الأخبار» في بيروت عام 1858م لخليل خوري، وظلت تصدر بعد وفاته حتى عام 1909م. وقد ازدهرت الصحافة العربية بظهور «الجوائب» للشدياق في اصطنبول عام 1860م واستمرت حتى عام 1884م. وفي عام 1861 صدرت في تونس صحيفة «الرائد التونسي» وهي جريدة رسمية،ثم أنشأ المعلم بطرس البستاني [ر] «نفير سورية»، وابنه سليم «الجنة» ثم «الجنينة» عام 1871م. وفي عام 1866م أنشأ عبد الله أبو السعود في القاهرة الصحيفة السياسية «وادي النيل». وفي بغداد أنشئت «الزّوراء» عام 1868م، ثم ظهرت عام 1870م في بيروت صحيفة «البشير» على أيدي الآباء اليسوعيين.
وقد ساعدت هجرة بعض السوريين إلى مصر على ازدهار الصحافة فظهرت بعض الجرائد منها «الكوكب الشرقي» لسليم حموي عام 1873م، و«الأهرام» للأخوين سليم وبشارة تقلا [ر] عام 1876م في الاسكندرية، ثم نقلت إلى القاهرة ولاتزال تصدر حتى اليوم، ثم «الوطن» لميخائيل عبد المسيح عام 1877م، وفي السنة نفسها صدرت «لسان الحال» في سورية لخليل السكاكيني، وفي عام 1880م صدرت «المصباح» لنقولا نقاش ثم عُطلت عام 1908م، و«المحروسة» لأديب إسحق [ر] وسليم النقاش [ر]، وفي عام 1885 صدرت جريدة «الموصل» في العراق، وفي هذه السنة نفسها أصدرت جمعية الفنون الإسلامية في بيروت «ثمرات الفنون» برئاسةالحاج سعد الدين حمادة، وإدارة صاحب امتيازها عبد القادر القباني، وظلت تصدر حتى 1908م، ثم «المقطم» عام 1888م لفارس نمر [ر] ويعقوب صرّوف [ر] وفي هذه السنة صدرت كذلك «المؤيد» لعلي يوسف وأحمد ماضي، ثم «اللواء» عام 1900 لمصطفى كامل [ر]، ثم توالت الجرائد بعد ذلك في شتى البلاد العربية.
أما في المهاجر الأمريكية فأول جريدتين عربيتين ظهرتا هناك هما «كوكب أمريكا» لنجيب عربيلي وأخيه عام 1888م في نيويورك، ثم «الفيحاء» لسليم ودعيبس بالش عام 1894م في سان باولو - البرازيل - وتوالت بعدهما جرائد كثيرة منها في أمريكة الشمالية «مرآة الغرب - المهاجر - الدليل السائح» ومنها في أمريكة الجنوبية «الميزان - الأصمعي - الزمان - الشرق - الإصلاح» وغيرها.
أما المجلات فأقدمها «اليعسوب» التي أصدرها محمد علي الحكيم وإبراهيم الدسوقي، في القاهرة عام 1865م، وهي أو مجلة طبية، ثم «الجنان» لبطرس البستاني في بيروت 1870م، وهي علمية أدبية سياسية كانت تصدر في الشهر مرتين وفي السنة نفسها صدرت «النحلة» للويس الصابونجي في بيروت، وهي أدبية علمية انتقادية، ثم «روضة المدارس» في القاهرة أنشأها نخبة من العلماء والأدباء منهم عبد الله فكري [ر] وإسماعيل الفلكي وبدر الحكيم بإيحاء من علي مبارك وبإشراف الطهطاوي، وهي مجلة علمية تاريخية طبية، ثم أصدر يعقوب صروف وفارس نمر «المقتطف» في بيروت 1876م ثم نقلت إلى القاهرة عام 1886م. وهناك مجلات أخرى كثيرة أشهرها في مصر «الهلال» لجرجي زيدان [ر] وقد أنشئت عام 1892م، وطبع في مؤسستها كتب كثيرة تاريخية وأدبية أشهرها روايات مؤسسها عن تاريخ الإسلام، وتلتها «التنكيت والتبكيت» و«الأستاذ» عام 1892م وكلتاهما لعبد الله نديم [ر] وتوالى بعد ذاك ظهور مجلات كثيرة كمجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1921م، ثم «الأديب والكاتب والثقافة والآداب» وغيرها، وبعضها خاص بالمرأة مثل «العروس» لماري عجمي [ر] وقد ظهرت عام 1910م، و«المرأة» لنديمة المنقاري في سورية عام 1934م وغيرها كثير.
وفي المهجرين الشمالي والجنوبي صدرت مجلات كثيرة أشهرها في نيويورك «الفنون» لنسيب عريضة عام 1913م و«السمير» لإيليا أبو ماضي عام 1929م. وفي سان باولو - البرازيل - صدرت عام 1930م «الأندلس الجديدة» لشكر الله الجر، ثم «العصبة» لجمعية العصبة الأندلسية عام 1935م.
ومن الملاحظ أن الصحف العربية كانت في أوائلها ركيكة العبارة، يطغى على أسلوبها المحسنات البديعية من سجع وجناس وطباق، ثم لان أسلوبها، وابتعد كتّابها عن الزخرف والحشو، وتوخوا تأدية المعاني بدقة وبساطة ووضوح فأضحت لغتهم وسطاً بين الفصحى والعامية.
المدارس والجامعات: سبق تأسيس المدارس والجامعات في مصر وبلاد الشام نظيره في الأقطار العربية الأخرى، وكان التعليم في مصر قبل محمد علي باشا مقصوراً على الكتاتيب وعلى الجامع الأزهر الذي أصبح في عام 1936 جامعة تضم كليتي «الشريعة وأصول الدين» و«اللغة العربية». وبعد عام 1961 أضيفت إليه كليات العلوم الحديثة المتنوعة. ومن الأزهر اختيرت أولى البعثات إلى فرنسة أيام محمد علي، وفي عهده أنشئت المدرسة الحربية ومدرسة الطب. وفي عهد الخديوي إسماعيل أنشئت مدارس الحقوق والمعلمين والعلوم والفنون والصناعات ودار العلوم العالية. وهكذا تدرج التعليم من الابتدائي إلى الثانوي، ولاسيما بعد عودة رجال البعثة الأولى من فرنسة، ثم عني المسؤولون بالتعليم العالي فأنشئت «الجامعة المصرية» في القاهرة عام 1908، وتوالى بعد ذلك إنشاء الجامعات الأخرى في القاهرة والإسكندرية وأسيوط وغيرها.
أما في بلاد الشام فكانت مدارس البعثات الدينية أسبق من غيرها، ثم كثرت المدارس وتنوعت بين أهلية وأجنبية، فكان منها في لبنان مدرسة «عينطورة» التي أسسها الآباء العازاريون سنة 1834، ومدرسة «عبيّة» العالية التي أسست عام 1847، وأدارها المستعرب الأمريكي كرنيليوس فان دايك Cornelius Van Dyk ومدرسة «غزير» التي أنشأها اليسوعيون في العام ذاته. وفي عام 1860 أنشئت «المدرسة الإنكليزية» وهي أول مدرسة للبنات، ثم «الكلية الإنجيلية الأمريكية» للبنات عام 1861. وتوالت بعد ذلك مدارس البنات للراهبات العازاريات وراهبات المحبة و«زهرة الإحسان» للروم الأرثوذوكس... وسواها.
أما أولى المدارس الوطنية الخاصة فقد أنشأها المعلم بطرس البستاني عام 1863 تحت اسم «المدرسة الوطنية» كما أنشأ المطران يوسف الدبس «مدرسة الحكمة» عام 1865.
وفي عام 1866 أنشأت الإرسالية الأمريكية في بيروت كلية تخرج فيها طائفة من العلماء والمتعلمين ثم أصبحت هي ذاتها «الجامعة الأمريكية» الحالية. وكانت تدرس أولاً باللغة العربية ثم عدلت عنها إلى الإنكليزية.
وفي عام 1874 نقل اليسوعيون مدرستهم من غزير إلى بيروت وأصبحت «الكلية اليسوعية» وكانت هي أيضاً تدرس بالعربية ثم عدلت عنها إلى الفرنسية.
وفي سورية كان التعليم أول الأمر دينياً يتم في الزوايا والمساجد، وكان الجامع الأموي أكبر المدارس الإسلامية وأقدمها. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر أخذت المدارس الابتدائية تنتشر في دمشق وحمص وحماه وحلب وسواها. ثم أنشئت في عام 1901 مدرسة للحقوق أضحت فيما بعد «كلية الحقوق»، وأنشئ «المعهد الطبي العربي» فكان منهما نواة الجامعة السورية بعد الحرب العالمية الأولى (جامعة دمشق اليوم).
الجمعيات الأدبية: أسست في العصر الحديث جمعيات كثيرة كان لها دور بارز في إذكاء روح النهضة. ومن هذه الجمعيات ما هو أدبي، وما هو علمي، وما هو سياسي. والمعول عليه هنا الأدبية، وإن أسهمت الجمعيات الأخرى إسهاماً غير مباشر في النهضة الأدبية.
وسبقت بلاد الشام مصر وغيرها في هذا المضمار، إذ تأسست «الجمعية السورية» في بيروت عام 1847 على يد الإرساليين الأمريكيين، وكان هدفها نشر العلوم وترقية الآداب والفنون.وقد أربى أعضاؤها على الخمسين منهم بطرس البستاني وناصيف اليازجي، وقد زودت هذه الجمعية بمكتبة. ثم تأسست «الجمعية العلمية السورية» في بيروت وبلغ عدد أعضائها مئة وخمسين من مختلف مدن الشام إضافة إلى بعض المصريين، وظلت هذه الجمعية تعمل حتى عام 1868. ثم أنشئت في بيروت «جمعية زهرة الآداب» عام 1873 وكان من أعضائها نفر من الأعلام بينهم: سليمان البستاني، وأديب إسحاق، ويعقوب صروف، وفارس نمر، وإبراهيم اليازجي. وكان هدفها التمرس بالخطابة والبحث وكتابة الروايات والمسرحيات التي كان يمثلها الأعضاء أنفسهم. وقد توقفت في عهد السلطان عبد الحميد. ويضاف إلى هذه الجمعيات أندية وجميعات أخرى تأسست في أشهر حواضر بلاد الشام. أما في الآستانة - عاصمة السلطنة - فقد تأسس «المنتدى الأدبي» الذي اتخذ أعضاؤه من النشاط الأدبي واجهة للعمل السياسي القومي العربي.
وأشهر الجمعيات في مصر «جمعية المعارف» أنشأها محمد عارف عام 1868 لنشر الثقافة وإحياء التراث. وقد نشرت كثيراً من كتب التاريخ والفقه والأدب وبلغ عدد أعضائها ستين وستمئة منهم: إبراهيم المويلحي والشدياق ومحمد شافعي ومصطفى رياض باشا وسواهم. وتلتها جمعيات ومنتديات كثيرة، منها «جمعية مصر الفتاة». وكان من أعضائها جمال الدين الأفغاني [ر] وأديب إسحاق وعبد الله النديم، وكان لتعلم المرأة أثر في ظهور بعض الجمعيات والنوادي النسائية التي عنيت بقضايا المرأة إضافة إلى اشتغالها بالنشاط الأدبي المرتبط بتلك القضايا.
وفي المهجرين الأمريكيين: الشمالي والجنوبي أنشأ المهاجرون العرب أعداداً من الجمعيات والنوادي الأدبية، أشهرها في المهجر الشمالي «الرابطة القلمية» التي تأسست في نيويورك عام 1920، ورأسها جبران خليل جبران [ر] وكان ميخائيل نعيمة [ر] أميناً للسر فيها.
أما في المهجر الجنوبي فقد تأسست «العصبة الأندلسية» في البرازيل عام 1933 ورأسها ميشال المعلوف أولاً ثم رشيد سليم الخوري الشاعر القروي ثم شفيق معلوف. ثم تأسست «الرابطة الأدبية» في الأرجنتين عام 1949 برئاسة جورج صيدح، ولكنها لم تعمر إلا عامين إذ حلت بعودة رئيسها إلى وطنه سورية.
المجامع اللغوية: ساعدت هذه المجامع على خدمة اللغة والأدب والتراث العربي مساعدة طيبة. وأقدمها هو «المجمع العلمي العربي» تأسس في دمشق عام 1919، بجهود محمد كرد علي ورئاسته. وقد عني هذا المجمع بوضع المصطلحات العلمية الحديثة، وتصحيح الأخطاء اللغوية الشائعة، ونشر كتب التراث، وضم أعضاء دائمين من سورية وأعضاء مراسلين من البلاد العربية الأخرى ومن المستعربين ومنذ عام 1958 غدا اسمه «مجمع اللغة العربية».
وفي القاهرة تأسس «مجمع فؤاد الأول للغة العربية» عام 1932، وصار اسمه فيما بعد «مجمع اللغة العربية» وبعد ذلك تأسست مجامع أخرى مشابهة في عدد من الأقطار العربية كالعراق والأردن والسودان والمغرب وسواها.
المكتبات: من المكتبات المهمة ما هو عام وما هو خاص. وأشهر هذه المكتبات وأقدمها «دار الكتب الخديوية» التي أنشأها علي مبارك في القاهرة عام 1870، ثم «المكتبة الظاهرية» التي تأسست في دمشق عام 1878 أيام حكم الوالي مدحت باشا وأشرف على جمع كتبها ومخطوطاتها النفيسة الشيخ طاهر الجزائري [ر]، ثم «المكتبة الأزهرية» التابعة للجامع الأزهر في القاهرة، وقد تأسست عام 1879 بعد أن ازدادت ثروة الجامع الأزهر من الكتب.
ومن أشهر المكتبات الخاصة «الخزانة التيمورية» لأحمد تيمور، و«الخزانة الزكية» لأحمد زكي. وتمتاز هذه الأخيرة من سواها باحتوائها الكتب الأجنبية التي ألفها المستشرقون بالفرنسية والإنكليزية والألمانية وغيرها من اللغات. وأخيراً هناك «المكتبة الآصفية» لمحمد آصف ابن أخت أحمد تيمور.
وفي بيروت تأسست «المكتبة الشرقية» للآباء اليسوعيين، ومكتبة «الجامعة الأمريكية». وفي العراق مكتبات «الكاظمية» و«كربلاء» و«النجف» و«الحلة» و«الساوة» و«بغداد». وفي المدينة المنورة مكتبة «عارف حكمت». وفي تونس «المكتبة الصادقية» وفي الجزائر «مكتبة الجزائر الأهلية» وفي الرباط «الخزانة العامة». وفي عام 1978 أنشئت مكتبة الأسد الوطنية في دمشق لتصبح أحدث وأهم مكتبة في الوطن العربي بما تحويه من نفائس الكتب، وما تستخدمه من تقنيات حديثة في الأرشفة والحفظ والإعارة، كما تهتم بجمع كل مايصدر من النتاج الأدبي والفكري العربي وما يتعلق بالثقافة العربية على وجه الإجمال.
المسرح والتمثيل: تعد المسارح والتمثيل من العوامل المهمة المساعدة في تنشيط الأدب ونهضته. وقد عرف العرب منذ قرون كثيرة فن «خيال الظل». لكن الباحثين يجمعون على أن المسرح العربي بمعناه الفني قد ولد في لبنان في منتصف القرن التاسع عشر حين نقل مارون النقاش [ر] مسرحية «البخيل» لموليير إلى العربية ومثلها في بيته عام 1848 بعد أن كان قد اطلع على المسرح والتمثيل في أوربة. ثم أخذ بعدها بتأليف المسرحيات وتمثيلها، وقد جمعت مسرحياته في كتاب «أرزة لبنان»، وكانت لغته فيها أقرب إلى العامية.
وقد نظم خليل اليازجي [ر] مسرحية «المروءة والوفاء» ومثلت عام 1878.
أما في سورية فقد تأثر أحمد أبو خليل القباني [ر] بمارون النقاش فألف ومثل أكثر من ستين مسرحية استوحاها من التاريخ العربي الإسلامي وقصص ألف ليلة وليلة، وأدخل فيها الشعر والموسيقى ولاسيما الموشح ورقص السماح. ومن تلك المسرحيات «هارون الرشيد» و«أنيس الجليس» و«ناكر الجميل» و«مجنون ليلى» و«الأمير علي». وانتقل إلى مصر ومعه جَوقة من الممثلين والمنشدين، فلقي ترحيباً هناك وعلت شهرته وكثر الآخذون عنه. واقتبس قصصاً عن الأدب الغربي.. وكان أسلوبه في أعماله مسجعاً وأقرب إلى الفصحى.
وألف سليمان النقاش - ابن أخي مارون - فرقة تمثيلية هو الآخر وانتقل بها إلى الاسكندرية عام 1876 وترجم «أوبرا عايدة» واقتبس من بعض مسرحيات كورني وراسين، واشترك مع أديب إسحاق في تأليف المسرحيات التي شاركهما يوسف الخياط في تمثيل بعضها. ثم انتقل الخياط إلى القاهرة فمثل على مسرح دار الأوبرا مسرحية «الظلوم» التي حضرها الخديوي إسماعيل فأغضبته ظناً منه أن صاحبها يعرض به، فأمر بإخراجه من مصر.
وكان المسرح قد بدأ في مصر عام 1869 على يدي يعقوب صنوع المعروف بأبي نظارة. وقد مثل اثنتين وثلاثين مسرحية من اقتباسه أو تأليفه عالج فيها بعض المشكلات الاجتماعية بأسلوب انتقادي تقرب لغته من العامية، منها تمثيلية «الوطن والحرية» التي أثارت غضب الخديوي إسماعيل فأمر بإغلاق مسرحه عام 1871، وألفت فرقة سليمان قرداحي ومعه سلامة حجازي [ر] عام 1882. وقد عمل حجازي مع أبي خليل القباني عند انتقاله إلى القاهرة عام 1884 كما عمل مع اسكندر فرح. وعلى أيدي هؤلاء ازدهر التمثيل الذي يجمع بين الجد والهزل والشعر والغناء وظل مسرحهم يعمل حتى عام 1900.
ثم ألف جورج أبيض فرقته بعد أن عاد متخصصاً بهذا الفن من باريس عام 1910 فمثل مسرحية فرح أنطون «مصر الجديدة ومصر القديمة» التي كانت نقلة واسعة للمسرح باتجاه «المسرح الاجتماعي». وقد اتسم مسرح جورج أبيض بالجدية المأسوية واستمر حتى الحرب العالمية الأولى. وتابع المسرح في مصر تقدمه على يد يوسف وهبي [ر] الذي افتتح عام 1923 «مسرح رمسيس» ومثلت فرقته ما يقارب مئتي مسرحية كان بعضها مترجماً وبعضها الآخر من تأليفه أو تأليف غيره.
ومن الملاحظ أن التمثيليات العربية آنذاك - معربة أو مؤلفة - كانت إما مأساة Tragédie وإما ملهاة Comédie، أما التمثيليات الهزلية الضاحكة Farce فقد عرفت تقدماً واضحاً مع نجيب الريحاني [ر] الذي تقمص شخصية «كشكش بك عمدة كفر البلاص» الذي يهرب من زوجه ويركض وراء النساء. وقد تعاون الريحاني مع بديع خيري في تأليف مسرحيات هزلية شعبية، أو ترجمتها، كما تعاون معه في تمثيلها وإخراجها. وقد أربت تلك المسريحات على أربعين وكانت ذات طابع تهكمي ساخر.
وأنشأ علي الكسار المعروف باسم «بربري مصر» مسرحاً هزلياً إلى جانب مسرح الريحاني، وانضم إلى فرقته الممثل إسماعيل ياسين الذي استمر بعد أن أخفق الكسار وأغلق مسرحه. وجاء بعده ممثلون هزليون آخرون، لكن عددهم ظل - ولايزال - أقل بكثير من أعداد الممثلين الجادِّين.
أما المسرح الغنائي فقد بدأه الشيخ سلامة حجازي، وجاء بعده سيد درويش [ر] فطور هذا المسرح ولحن له وشارك في تمثيليات عدة منها «فيروز شاه» و«العشرة الطيبة» و«شهرزاد» و«الباروكة». ثم توقف المسرح الغنائي مدة طويلة حتى ظهرت في بيروت «الفرقة الشعبية اللبنانية» التي أسسها وألف لها عاصي ومنصور الرحباني مشتركين مع عدد من كبار الفنانين ومؤلفي الزجل وعلى رأسهم فيلمون وهبي. وقد قدمت الفرقة مغنيات مسرحيات غنائية كثيرة أشهرها ما أخذت أدوار البطولة فيه المطربة الكبيرة فيروز (نهاد حداد) مثل: مسرحية «الشخص» و«فخر الدين» و«المحطة» و«بياع الخواتم». وهذه المسرحيات الغنائية - مع أنها تستخدم العامية لغة لها - ترقى إلى مصاف أرقى ما أنتجه المسرح العربي من حيث المشكلات المطروحة فيها وأساليب المعالجة وجمال الأداء وتفوق الموسيقى. ويمكن عدّ مسرح الرحابنة امتداداً متطوراً لمسرح سيد درويش.

وفي المغرب برز اسم أحمد الطيب العلج. ومن أعماله «الوزير والفنان» و«بين نارين» وغيرهما. وهناك أسماء أخرى معروفة مثل عبد القادر البدوي، مصطفى القومي، وعبد الهادي بوزوبع، والطيب الصديقي، وعبد الكريم برشيد وغيرهم.
وفي شبه الجزيرة العربية تأصلت الحركة المسرحية في الكويت بفضل إنشاء معهد الفنون المسرحية الذي كان أول عميد له أحد رواد المسرح العربي وهو زكي طليمات. وقد وجد المسرح في الكويت كاتباً موهوباً هو صقر الرشود 1944-1978 الذي استطاع على الرغم من رحيله المبكر، أن يترك للمسرح العربي تراثاً من الأعمال الجيدة مثل مسرحية «الطين» وسواها. وقد ترجمت المسرحية المذكورة إلى الإنكليزية ضمن مجموعة مختارة من أدب شبه الجزيرة العربية، صدرت عن مؤسسة بروتا برعاية جامعة الملك سعود. ومن الشارقة في الإمارات العربية المتحدة برز اسم عبد الرحمن المناعي الذي كتب مسرحية «هالشكل يا زعفران» و«مقامات ابن بحر» و«يا ليل يا ليل».
وفي كتابة المسرحية - كما في القصة والرواية تبرز - مشكلة ذات أهمية بالغة تتعلق بلغة الحوار: أتكون فصحى أم عامية؟ أم يجمع فيها بين الاثنتين؟!
لقد ربط بعض الكتاب والنقاد الحوار بالواقع وقالوا بوجوب أن يكون مشاكلاً له، مناسباً للشخصية التي تنطق به. لذلك حاول توفيق الحكيم - كما سبقت الإشارة - أن يزاوج بين الفصحى والعامية في مسرحية الصفقة مجرباً أن يصل إلى «لغة موحدة» تقرأ بالفصحى وبالعامية في آن واحد، لكن التجربة أخفقت إذ استحالت لغة تلك المسرحية عامية خالصة في أثناء التمثيل. وتردد محمود تيمور في مسرحياته بين استعمال الفصحى والعامية فكتب بعضاً بهذه وبعضاً بتلك، ثم عاد فنقل مسرحيته «أبو علي عامل أرتيست» من العامية إلى الفصحى وسماها «أبو علي الفنان». وجرب ميخائيل نعيمة أن ينطق شخصيات مسرحية «الآباء والبنون»: المتعلمين بالفصحى، والأميين بالعامية فوقع في ازدواجية أنكرها هو ذاته إذ عاد فطبع مسرحيته كلها بالفصحى.
والواقع أن المشكلة ما تزال قائمة. فالمسرح التجاري في سورية يستعمل العامية المبتذلة، ومسرح ما بعد الحرب في لبنان يستعمل العامية على الرغم من أهمية الموضوعات المطروحة في كثير من الأعمال الجديدة. والمسرح الفكاهي في مصر يستخدم العامية المصرية كما في المسرحيتين المعروفتين «مدرسة المشاغبين» و«شاهد ما شافش حاجة». ولعل الحل يكمن في استخدام فصحى مبسطة يفهمها أبناء العروبة في مختلف أقطارهم لأن في ذلك حفاظاً على الروابط القومية وعلى اللغة العربية ذاتها.
السيرة: ظهرت السيرة la biographie بمفهومها الفني في الأدب العربي الحديث، سواء منها: الموضوعي سير الآخرين biographie أم السيرة الذاتية autobiographie. وتم ذلك بعد الاتصال بالأدب الغربي وإن كانت في الأدب العربي القديم مذكرات وسيراً غلب عليها الجانب التقريري مثل» «التعريف بابن خلدون» و«كتاب الاعتبار» لأسامة بن منقذ، و«المنقذ من الضلال» للغزالي، و«سيرة صلاح الدين» لابن شداد وغيرها.والسير هي غير تراجم الشخصيات التي كثرت وتعددت بعد الحرب العالمية الأولى في الأدب العربي الحديث مثل «تراجم شخصيات شرقية وغربية» لمحمد حسين هيكل، و«في المرآة» لعبد العزيز البشري [ر]، و«سلسلة العبقريات» لعباس محمود العقاد، و«الجاحظ» لشفيق جبري، و«صقر الجزيرة» لعبد الغفور العطار وسواها الكثير، فهذه وسط بين السيرة وما عرف قديماً في كتب التراجم مثل معجم الأدباء لياقوت الحموي وغيره من الكتب المشابهة. وهي في أسلوبها دراسة للشخصيات وعرض لوقائع حياتها، لا تصوير فني للنزعات والخلجات التي تعتمل في نفوسها، وتمثل لها وإعادة لعرضها مع تتبع نموها وتطورها وتكاملها.
وأول سيرة فنية موضوعية في الأدب العربي الحديث هي سيرة «جبران خليل جبران» وقد نشرت عام 1934 وقص فيها ميخائيل نعيمة سيرة حياة صديقه في مراحل ثلاث: «الشفق - الغسق - الفجر» واستوفى تلك الحياة محللاً ناقداً ومراعياً تقنيات السيرة الفنية. وقد مضى على هذه السيرة زمن طويل من دون أن تكتب سيرة أخرى مماثلة لها. ولعل أقرب ما يكون إليها: «حياة الرافعي» لسعيد العريان، ثم «منصور الأندلس» لعلي أدهم.
وقد جرب العقاد أن يكتب سيرة ابن الرومي مستخدماً معطيات علم النفس والتحليل النفسي في ذلك.
أما ما يتصل بالسيرة الذاتية فمنها ما يقارب السيرة الفنية، وتجلى في تناول جوانب من حياة بعض الكتاب الذين تحدثوا عن تجاربهم في الحياة كما فعل أحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على الساق» وتوفيق الحكيم في «عصفور من الشرق» و«زهرة العمر»، وعباس العقاد في «سارة»، وإبراهيم عبد القادر المازني في «إبراهيم الكاتب». وامتازت هذه كلها بأسلوب القص. لكن بعض السير الأخرى كتبت بأسلوب تقريري فكانت أقرب إلى التراجم كما في «حياتي» لأحمد أمين و«أنا» للعقاد.
وكتب أيضاً ما يشبه السيرة الذاتية بقالب مذكرات أو يوميات، كما في مذكرات كل من محمد كرد علي، ومحمد حسين هيكل، وخليل السكاكيني، و«مذكرات سجين مكافح» لإبراهيم الكتاني المغربي.
ولعل «الأيام» لطه حسين التي صدرت في القاهرة منذ عام 1927 هي أول سيرة ذاتية فنية، مع أنها يمكن أن تدرج في إطار الرواية. وقد قص الكاتب فيها - مستخدماً ضمير الغائب - نشأته في صعيد مصر وتدرجه في تحصيل العلم: من كتاب الريف إلى الأزهر فالجامعة في القاهرة. ثم تابع طه حسين قص المراحل التي تلت ذلك في باريس وبعد عودته منها في جملة مقالات نشرت من بعد في كتاب حمل اسم «مذكرات طه حسين».
ومن السير الذاتية التي قاربت أن تكون فنية «سبعون» لميخائيل نعيمة، وتقع في ثلاثة أجزاء قص فيها سيرته الذاتية في ثلاث مراحلة ضمت: مرحلة الطفولة والصبا حتى نهاية دراسته في روسية - مرحلة الشباب والهجرة إلى أمريكة حتى عودته إلى لبنان - مرحلة الكهولة والشيخوخة بعد العودة حتى بلغ السبعين. ونعيمة، وإن أغفل كثير من وقائع حياته قبل السبعين، امتاز هنا بأسلوبه التصويري، وصدقه في التعبير. ومع هذا فقد جاءت سيرته فصولاً متتابعة تفتقر إلى الترابط في كثير من أجزائها، كما ينقصها بعض تقنيات السيرة الفنية المتوافرة في ما كتبه عن جبران.
النقد الأدبي: حاول بعض رجال الأدب منذ أواخر القرن التاسع عشر تجديد النقد الأدبي وتطبيق القواعد التي كانت سائدة في العصر العباسي على الشعر خاصة. وأول هؤلاء هو حسين المرصفي الذي ألف كتاب «الوسيلة الأدبية» - طبع الجزء الأول منه عام 1289هـ والثاني عام 1292هـ - وشرح فيه بعض النصوص الشعرية القديمة لطلابه شرحاً لغوياً واتخذ من النحو والبلاغة وسيلة لإيضاح الصور والإرشاد إلى أسرار بلاغة النص موازناً بينه وبين بعض قصائد البارودي التي عارض فيها الشعراء القدامى، معتمداً في ذلك كله على ذوقه الفني المرهف. وهكذا مهد السبيل لمن جاء بعده لتجديد النقد.
وتلا كتاب المرصفي هذا كتابان نقديان الأول هو «علم الأدب عند الإفرنج والعرب» طبع عام 1904 لمحمد روحي الخالدي، والثاني هو «منهل الورّاد في علم الانتقاد» لقسطاكي الحمصي وطبع عام 1907. وكان لهذين الكتابين أثر مهم في التمهيد للحركة النقدية، وإن اقتصرا على إطلاع الأدباء العرب على بعض المذاهب والقضايا الأدبية الغربية.
ثم ظهرت كتب نقدية كان أسبقها كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين اعتمد فيه نظرية ديكارت Descartes «الشك حتى يتضح اليقين» فلقي معارضة شديدة اضطرته إلى حذف بعض فقراته وتعديله، وقد نشر تحت عنوان «في الأدب الجاهلي» عام 1926. وقد شك طه حسين في ما روي عن الجاهليين وشعرهم. وبعد البحث والمناقشة توصل إلى نتيجة مفادها أن معظم الشعر الجاهلي منتحل وموضوع بعد الإسلام.
وقد رد عليه كثير من النقاد وخاصة مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تحت راية القرآن، أو المعركة بين القديم والجديد، ونشره عام 1926. ومن كتب طه حسين النقدية «حديث الأربعاء» و«من حديث الشعر والنثر» و«فصول الأدب والنقد» وغيرها.
وقد نشرت إلى جانب ذلك كتب ومقالات مترجمة عن النقد الغربي وقواعده وأصوله ومذاهبه، ومن أبرزها ما كتبه نجيب الحداد وغيره في الموازنة بين الشعر الغربي والشعر العربي في اللفظ والقافية والمعنى، وكان هذا كله دافعاً لبعض الشعراء للخروج على تقاليد الشعر القديم. وكذلك نشرت مقالات وكتب كثيرة بعد أن قرأ النقاد العرب ما قرؤوه بالفرنسية والإنكليزية وتأثروا به. وقد نشأ عن ذلك تيار النقد الاتباعي، أي الكلاسيكي الجديد، وخاصة في مفهومه للشعر الذي يجمع بين آراء الغربيين، ويتفق - في الوقت ذاته - مع رسالة الشعر وجوهره وحسبما هو معروف عند العرب.
وظهر كتاب «الديوان» لعباس العقاد والمازني،وكتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة، وصدرا في سنة واحدة 1921 واتفقت وجهات النظر فيهما على ضرورة تجديد الأدب بالهدم ثم البناء، كما اتفقت على معظم القيم النقدية الجديدة، ولاسيما صدق التعبير عن حقيقة النفس، والدعوة إلى وحدة القصيدة، وإن اختلف نعيمة مع صاحبي «الديوان» في اللغة - وسيلة الأداء - لكن كلا الطرفين ينتميان في النهاية إلى المنهج التأثري الذاتي.
وفي الأربعينات نشطت الحركة النقدية فصدرت كتب كثيرة كان أبرزها كتاب «في الميزان الجديد» لمحمد مندور، استهدف فيه تصحيح مناهج النقد، واتبع ذلك بتفسير نصوص تطبيقية تناول فيها نقد بعض الكتب وهي «بغماليون» و«زهرة العمر» لتوفيق الحكيم، و«دعاء الكروان» لطه حسين، و«نداء المجهول» لمحمود تيمور، و«سوء تفاهم» لبشر فارس وديوان «أرواح وأشباح» لعلي محمود طه. وكذلك قام محمد مندور بنقد أدب المهجر وسماه «الأدب المهموس» وعرض لبعض مناهج النقد العربي القديم، ولدراسة أوزان الشعر الأوربي والشعر العربي وقد سمي منهجه في هذا الكتاب «المنهج الأيديولوجي» وهو يعنى فيه بقيمة الأدب الجمالية إلى جانب اهتمامه بالمضمون، ويوضح منهجه في تطبيقه على أبي العلاء المعري، المعرفة والنقد، وهو منهج ذوقي تأثري يقوم على نوعين من المعرفة: معرفة أثناء النقد وهي المعرفة الأدبية اللغوية، ومعرفة تسبق النقد وهي نوعان: معرفة بأصول النشر - فيما يتعلق بالمخطوطات، ومعرفة بأوزان الشعر.
والواقع أن الكتب الثلاثة السابقة، أي «الديوان» و«الغربال» و«في الميزان الجديد» تعد أبرز معالم النقد العربي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، ويتفق أصحابها في المنهج التأثري المعتمد على الذوق الشخصي، وترجع في أصولها إلى منابع الثقافة الغربية الإبداعية الرومانسية التي نهل منها هؤلاء وإن كان العقاد والمازني ونعيمة قد تأثروا بالثقافة الإنكليزية في حين تأثر مندور بالثقافة الفرنسية.
إلى جانب الكتب السابقة التي تناولت الشعر والنثر والمقاييس النقدية ظهر في مصر عام 1948 كتاب خاص بنقد الشعر هو «الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث» لمصطفى السحرتي عرض فيه لمذاهب النقد الفني والواقعي والفقهي، ولمقاييس النقد الفني للتجربة الشعرية، فتناول الصياغة، والأخيلة، والموسيقى، والأسلوب، والألفاظ، والوحدة الشعرية، والانفعالات، والفكر في الشعر... ثم تطرق إلى الشعر الرمزي، وتحدث عن بعض الكتب النقدية مثل «الديوان» للعقاد والمازني، و«على السفود» للرافعي و«حديث الأربعاء» لطه حسين و«في الميزان الجديد» لمندور، كما تعرض لبعض الشعراء المعاصرين في ضوء المذاهب الأدبية والنقدية والاتباعية والإبداعية والواقعية مستهدفاً نهوض الأدب المعاصر وإنصاف الموهوبين لا انتقاصهم، وشمولية النظرة إلى العمل الأدبي والعناية بالتيارات الجديدة مثل الرمزية symbolisme والسريالية surréalisme والواقعية réalisme.
أما سائر الكتب النقدية التي يصعب إحصاؤها فيمكن ردها إلى التأثر ببعض المناهج والاتجاهات السابقة وإن تنوعت ميادينها وآفاقها.
وقد دفعت حركة الشعر الجديد شعر التفعيلة إلى إنشاء نقد يسوغها ويتابع جديدها ويبين ما في صورها ولغتها من حداثة يعاد تأصيلها في ماضي الشعر العربي ومن أبرز الكتب التي ظهرت في مصر حول هذه الحركة كتاب محمد النويهي «قضية الشعر الجديد». وقد لقيت هذه الحركة متابعات واسعة في مختلف أقطار الوطن العربي.
ومن جهة أخرى فإن ازدهار الرواية أنشأ هو الآخر حركة نقدية حولها أخذت تتسع منذ الستينات. وكان للترجمة وللاطلاع الواسعين على المناهج النقدية الجديدة في الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين آثار كبيرة في استخدام تلك المناهج واقعية اشتراكية - بنيوية - تفكيكية.. إلى آخره في نقد النتاج العربي الجديد فكثرت الكتب الموضوعة حول ذلك إذ طبقت المناهج المذكورة على هذا النتاج الجديد بنجاح أو إخفاق، كما وضعت الكتب التي تعرف بهذه المناهج مستنسخة إياها من مصادرها الأوربية بتعديل أو من دون تعديل.
وبالمقابل ظهرت حركة تحتفي بإحياء نظريات النقد العربي القديم ومناهجه وخصوصاً منهج الجرجاني، وكتبت في ذلك كتب تؤرخ لتلك المناهج وتقارن بينها وبين المناهج الغربية.
ومن أهم أسماء النقاد الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين: لويس عوض وغالي شكري ومحمود أمين العالم ومحمد أحمد عطية من مصر،ومحمد برادة ومحمد بنيس من المغرب، وإحسان عباس من فلسطين، وناصر الدين الأسد من الأردن، ومحمد كامل الخطيب ومحي الدين صبحي وجمال باروت وغيرهم من سورية، وحسين مروة وغيره من لبنان.
ولا يخلو قطر عربي من نقاد متابعين - في الصحف والمجلات أو الكتب - لأغلب مايصدر من أعمال متنوعة على كثرتها، وتشكل نتاجات أساتذة الجامعات وأطروحات الماجستير والدكتوراه كتباً نقدية لا يمكن إغفالها كما لا يمكن حصرها وحصر أسماء أصحابها لكثرتهم وكثرة نتاجهم على أهميته.
على أن الحركة النقدية العربية إجمالاً لا تزال بعيدة عن استنباط مناهج جديدة تلائم ما للغة العربية وأساليبها التعبيرية من خصوصية، وما للثقافة العربية الموروثة من سمات تتجلى - ضرورة - في النتاج الجديد معبرة عن استمرار روحية هذه الثقافة وفعلها الحي في الأدب العربي المعاصر.
تطور النثر العربي الحديث وأساليبه: يتضح مما تقدم أن أنواعاً نثرية جديدة ظهرت في الأدب العربي الحديث لم تكن معروفة على هذا النحو من قبل، وهي: المقالة - القصة - الرواية - المسرحية - السيرة، وأن الكتاب تناولوا في هذه الفنون موضوعات جديدة اقتضاها العصر الحديث منها: الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية خاصة. وأن أساليب الكتاب في كل منها ظل متسماً بالطابع الأدبي الصرف على الرغم من التأثر بأسلوب الصحافة من حيث المرونة والبعد عن التكلف والمحسنات البديعية كما كان شائعاً قبل القرن التاسع عشر.
وفي إطار الحديث عن النثر تذكر الأبحاث الفكرية التي تتناول قضايا التراث وإعادة قراءته وقضايا العصر العالمية والقومية والمحلية، إضافة إلى قضايا العلوم المعاصرة.. وما إلى ذلك.
وقد كان للاستعمار ثم للتبعية الاقتصادية في الوطن العربي آثار مهمة في دفع الكتاب جميعاً للإسهام بأعمالهم الأدبية والفكرية - في الدعوة إلى التحرر والوحدة القومية ومحاربة الظلم ودفع الاستبداد في المراحل المختلفة من القرنين التاسع عشر والعشرين.
لقد عالج الكتاب مشكلات مجتمعاتهم العربية وأمتهم على اختلافها وتنوعها ونبهوا إلى المفاسد العامة الناجمة عنها ودعوا إلى الإصلاح أوالثورة، كل بحسب اتجاهه ورأيه. وفي مقدمة المشكلات التي تطرق إليها الكتاب هنا: الفقر والجهل وتحرر المرأة الذي لقي عناية خاصة هدفت إلى إطلاق طاقات «نصف المجتمع» وزجها في المعركة القومية التحررية الحضارية.
وطبيعي أن تكون أساليبهم طيعة لينة يستطيع جميع المعلمين أن يتلقوا ما فيها بيسر ووضوح. وكانت الصحافة هي الميدان الأكثر رحابة لعرض المشكلات وإبداء الرأي فيها، وكان لذلك أهم الأثر في الليونة والتطويع المذكورين.
أما الأبحاث الفكرية على اختلافها فهي - ضرورة - موجهة لذوي الثقافة العالمية وللمهتمين أو المتخصصين. ولذلك فهي تلتزم حدوداً من أساليب التعبير لا يمكنها النزول دونها.
وفي الموضوعات الأدبية الصرف اتسعت تجارب الكتاب الإنسانية فتنوعت المضامين تبعاً لها. فإلى جانب الأغراض القديمة كثرت العناية بالوصف، وبوصف الطبيعة خاصة، والإعراب عن المشاعر النفسية المختلفة تجاهها من حزن وفرح وتشاؤم وتفاؤل مع مزج ذلك كله بوصف الطبيعة أحياناً كما يفعل الإبداعيون. وقد عني كثير من الأدباء بالتعبير عن موضوعات إنسانية وفلسفية عامة متأثرين بما اطلعوا عليه من ثقافات وآداب غربية، وبرز ذلك عند أدباء المهجر أكثر من سواهم.
ولئن كانت الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية تقتضي العناية بالمعنى أكثر من الأسلوب فإن تلك الموضوعات الأدبية تمتاز بعنايتها بالأسلوب إلى جانب المعنى. فالألفاظ فيها أنيقة مختارة، والعبارات موشحة بالأخيلة والصور ومحلاة بالتوازن أحياناً أو ببعض السجعات العرضية، مع شيء من الاقتباس والتضمين أحياناً أخرى.
وإلى جانب ذلك برز عنصر اللغة العصرية الغنية بمفرداتها، وبمرونة استجابتها للصياغة والقوالب الفنية الجديدة التي اقتضاها تطور العصر ومستحدثات الحضارة. ودارت حول اللغة مناقشات نقدية كثيرة اختلفت فيها وجهات النظر بين الجديد والقديم، وتبعاً لهذا الاختلاف تنوعت طرائق تعبير الكتاب تنوعاً واسعاً حتى كاد يكون لكل كاتب «لغته» ومفرداته، ومن ثم أسلوبه الخاص المتميز به من غيره. وهكذا ارتقى النثر الأدبي العربي الجديد وأضحى عالمياً وترجم كثير منه إلى لغات العالم الحية المختلفة.
الشعر
فنونه وتطوره:
ظل الشعر في أوائل القرن التاسع عشر مثلما كان عليه عند أكثر شعراء عصور الدول المتتابعة من صنعة وتكلف، وظلت أغراضه هي جملة الأغراض التقليدية من مديح وهجاء وغزل ورثاء ووصف إضافة إلى الإخوانيات. وظلت الشكلية اللفظية هي السائدة إضافة إلى ما عرف في «عصر الانحطاط» من كثرة الاقتباس والتضمين، أو التخميس والتشطير لقصائد معروفة.
وتبدأ بوادر نهضة الشعر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ثم تتسع في أوائل القرن العشرين.
وعرفت هذه المرحلة باسم «مرحلة الإحياء» حين أعيد للشعر العمودي إشراقه ورونقه، وللصياغة قوتها وإحكامها، وبعثت فيه الروح من جديد على أيدي بعض الشعراء كان في مقدمتهم محمود سامي البارودي الذي كان تجديده مرتبطاً بالأسس الشعرية القديمة.
وتلا البارودي نفر من الشعراء البناة، في مصر والشام والعراق خاصة، كان منهم: إسماعيل صبري وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وخليل مطران، ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، وتابع خطا هؤلاء نفر آخر من الشعراء البارزين أمثال: محمد البزم، وخليل مردم، وشفيق جبري، ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل)، وخير الدين الزركلي، وسواهم. وقد أعقبت مرحلة البناء هذه مرحلتان من التجديد تمتد الأولى مابين نهاية الحرب العالمية الأولى وأوائل الخمسينات، وتمتد الثانية منذ الخمسينات حتى اليوم. وسيرد التفصيل فيهما لاحقاً.
وظهرت في الشعر العربي في العصر الحديث بعض الفنون الشعرية التي لم تكن معروفة قديماً وهي:
الشعر المسرحي: نظم الشعراء الشعر المسرحي poésie dramatique بعد اطلاعهم على مسرحيات فرنسية وإنكليزية مثل مسرحيات شكسبير وموليير وكورني وراسين. ويكاد الباحثون يجمعون على أن أقدم مسرحية شعرية عربية هي «المروءة والوفاء» لخليل اليازجي، ظهرت عام 1876. وأشهر شعراء المسرحية وأولهم أحمد شوقي. وقد نظم مسرحية «علي بك الكبير» عام 1893 حين كان في باريس لكنه لم يرض عنها فلم ينشرها. ثم نظم مسرحية «دل ويتمان» عام 1899، وبعدها «ورقة الآس» التي نشرها في جريدة الأهرام عام 1904. ثم انقطع بعدها عن نظم المسرحيات حتى عام 1927 - عام منحه لقب أمير الشعراء - فنظم فصلاً من «مصرع كليوباترا» وأتمها عام 1929 وتابع بعدها نشر عدة مسرحيات حتى وفاته سنة 1932 هي:
«قمبيز» و«مجنون ليلى» و«علي بك الكبير» و«عنترة» و«الست هدى» وكلها مآس مستوحاة من التاريخ عموماً ما عدا الأخيرة، فهي ملهاة اجتماعية.
ويلي شوقي عزيز أباظة [ر] الذي نظم على غراره مسرحيات كثيرة منها «العباسة أخت الرشيد و»عبد الرحمن الناصر» و«شهريار» و«شجرة الدر» و«غروب الأندلس». وجرب علي أحمد باكثير أن ينظم بعض المسرحيات بالشعر المرسل - كما فعل شكسبير - مثل «أخناتون» و«نفرتيتي» ولكنها لم تلق نجاحاً فعدل عنها ونظم مسرحية «قصر الهودج» على طريقة شوقي وأباظة. وتابع هؤلاء عدنان مردم في سورية فنظم بين عامي 1967 و1986 بضع عشرة مسرحية كلها مأساوية، عدا «المغفل» و«القزم» فهما ملهاتان. وقد استوحى بعض مسرحياته أو بعض شخصياتها من التاريخ العربي القديم ومنها «الملكة زنوبيا» و«الحلاج» و«رابعة العدوية» و«مصرع غرناطة»، وبعضها الآخر من الأحداث القومية المعاصرة مثل «فلسطين الثائرة» و«دير ياسين». وربما كانت مسرحية «مأساة الحلاج» للشاعر صلاح عبد الصبور واحدة من أجمل المسرحيات المكتوبة شعراً وأرقاها وقد كتبها صاحبها بالشعر الحر.
ومما لا ريب فيه أن المسرحية الشعرية لم يعد لها مكان في العصر الحاضر لأن التمثيل عامة يحاول التعبير عن مشكلات الحياة العادية، أي محاكاة الواقع، والأمر الذي يقتضي أن تكون لغته وطريقة كتابته وأدائه مشاكلتين لتلك المشكلات الواقعية.
الشعر القصصي: كثر إقبال الشعراء على نظم الشعر القصصي poésie narrative في العصر الحديث، وتنوعت موضوعاته، فكان منها التاريخي والديني والأدبي، من ذلك ما نظمه خالد الجرنوسي لبعض قصص القرآن في ديوانه «اليواقيت»، وعبد الرحمن شكري في قصة «النعمان ويوم بؤسه»، وأحمد عبد المعطي حجازي في «مذبحة القلعة»، وعمر أبو ريشة في «كأس» عن ديك الجن الحمصي. ونظم بعض الشعراء القصص الوعظية التعليمية على لسان الحيوان، أو الحيوان والإنسان، وتستهدف هذه مغزى سياسياً أو خلقياً أو إنسانياً كما فعل شوقي في الجزء الرابع من ديوانه «الشوقيات». ونظم بعضهم قصصاً تناولت بعض القضايا الاجتماعية مثل «الريال المزيف» لكل من طانيوس عبده وبشارة الخوري (الأخطل الصغير). واتجه بعضهم إلى نظم موضوعات وطنية في قصص شعرية مثل خليل مطران في «فتاة الجبل الأسود» و«مقتل بزرجمهر». ومن هؤلاء خير الدين الزركلي في «العذراء» عن قصة دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية واستشهاد يوسف العظمة. ومنهم صلاح عبد الصبور في «شنق زهران» عن حادثة دنشواي. إلى غير هذا من غزارة شعرية قصصية. وكانت لغة هؤلاء الشعراء مرنة طيعة في القصص إذ استطاعوا أن يوفقوا بين فني القصة والشعر. على أن ما نظم من القصص بالشعر الحر أكثر طواعية لتصوير المواقف والأحداث ورسم الشخصيات، لمايتمتع به من حرية في توزيع التفعيلات مما يمكن من تحقيق الوحدة العضوية المناسبة للقصة.
الشعر الملحمي: لم ينظم الشعراء العرب الشعر الملحمي poesie epique بالمعنى الدقيق المعروف عند الغربيين، ولاسيما عند اليونانيين مثل «الإلياذة» و«الأوديسة» لهوميروس أو «الإنيادة» لفرجيليوس بل نظموا ما هو أشبه بالملاحم. وهي مطولات توافرت فيها بعض شروط الملحمة كعنصر القص والتاريخ والأسطورة أحياناً من دون سائر الشروط الملحمية من تصوير الوقائع البطولية الخارقة في سيرة شخص أو تاريخ أمة. ومن هذه المطولات التي سميت ملاحم: ملحمة «عيد الغدير» للشاعر اللبناني بولس سلامة، و«الملحمة الإسلامية» لأحمد محرم. وقد سميت مطولة الشاعر المهجري الجنوبي فوزي معلوف [ر] «على بساط الريح» ملحمة، وما هي سوى رحلة خيالية إلى العالم العلوي، وكذا مطولة «عبقر» لأخيه شفيق معلوف التي هي رحلة خيالية إلى وادي عبقر بصحبة شيطانه دليلاً يطوف به في ذلك الوادي الذي هو رمز لمصدرية الإلهام الشعري في الذهن العربي القديم. وهذه المطولة يرمز فيها صاحبها إلى الحياة الدنيوية المملوءة بالشرور والآثام جاعلاً من الحب - في النهاية - علاجاً لها كلها.
لقد طور شعراء التفعيلة الشعر الحر مفهوماً جديداً لما سمي الشعر الملحمي. وهذا المفهوم يعني بدوره مطولات تصور أوضاعاً عامة يعيشها الشعب أو الأمة منظوراً إليها من الأفق الخاص للشاعر إذ تمتزج تجاربه الذاتية بالبيئة وأحداثها وبالأساطير وحكايات البطولات الفردية والعامة والأسطورية، مستخدمة كلها في إلماحات خاصة يستند فيها الشاعر على ذاكرته الثقافية والحكائية مع نقل ذك كله دليلاً من الخاص إلى العام فيتم الإفصاح عن حقائق مجتمعية وإنسانية وكونية في وقت واحد، وفي برهة من برهات علاقات الشاعر بأوضاع مجتمعه وعصره.
ولعل أول من كتب مثل هذا النوع من الشعر الملحمي وأكثر شعرائه شهرة هو بدر شاكر السياب من العراق في قصائد عدة منها «أنشودة المطر» و«المومس العمياء». أما خليل حاوي من لبنان فقد أبدع عدداً من قصائده الشهيرة المنتمية إلى هذا النمط مثل «قيامة إليعازر» و«رحلة السندباد الثامنة». ويعد أدونيس من أكثر شعراء الشعر الملحمي شهرة وهو الذي قدم الرؤية النظرية لهذا النمط في كتابه «زمن الشعر»، ومن قصائده «تحولات الصقر» و«إسماعيل» و«أحوال ثمود» وسواها الكثير. ولا يقل محمود درويش شهرة عن أدونيس في كتابة هذا النمط من القصيدة إذ تمتزج الغنائية لديه بما سبق ذكره من سمات سابقة. ومعظم مجموعاته التالية لمجموعة «أحبك أو لا أحبك» حافلة بهذا النوع من القصائد. ويعد الشاعر محمد عمران واحداً من أبرز من كتبوا هذا الشعر الملحمي في سورية، ومن أهم أعماله «مراثي بني هلال» وديوانه «كتاب الملاجة» وقصيدته «شاهين» التي تحكي قصة أحد الفلاحين المتمردين على الإقطاع وعلى الاستعمار الفرنسي معاً.
الشعر الغنائي أو الوجداني: يدخل ضمن الشعر الغنائي poésie lyrique معظم ما أثر عن الشعراء العرب القدامى والمعاصرين، لأن بواعثه تتصل بوجدان الشاعر، وهو المحرض الرئيس لعملية الإبداع الشعري. وإذا كانت حركة الإحياء وأعلامها في مختلف الأقطار العربية تنتمي إلى الاتباعية (الكلاسيكية)، فإن كثيرين من رواد الإحياء حاولوا التجديد بعد الاطلاع على الشعر الغربي فكانت هناك اتباعية جديدة تختلط بنفحات إبداعية (رومانسية)، حتى إن هذه النفحات لتتغلب على الجوانب الاتباعية.
وقد بدأ الشعراء تطوير الشعر الغنائي العربي وتجديده منذ محمود سامي البارودي - كما تقدم - لكن جهودهم في ذلك اتجهت إلى النواحي الفنية فكانوا يولون اهتماماً كبيراً للصياغة القديمة في معالجة الموضوعات الجديدة مثل القضايا القومية، والاجتماعية، والتأملية. ومن أبرز شعراء الإحياء وأكثرهم شهرة أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم الذي اشتهر بأشعاره الرثائية وبأنه «شاعرالشعب» لمنافسته أحمد شوقي على شهرته، ولارتباط شوقي بالقصر الملكي مقابل ارتباط حافظ بالشعب وقضاياه، وكلاهما من القطر المصري.
وفي ليبية اشتهر من شعراء الإحياء سليمان الباروني وإبراهيم الأسطة عمر. وفي تونس برز اسم محمود بيرم التونسي، كما برز في الجزائر اسم ابن باديس ومحمد العيد خليفة ومفدي زكريا وغيرهم. أما في المغرب فتبرز أسماء مصطفى المعداوي ومحمد الحبيب الفرقاني وغيرهما. وفي السودان برز اسم الشاعر التيجاني بشير. وقد تميزت قصائد هؤلاء الشعراء على اختلاف أقطارهم، بالتزامها الشكل القديم للقصيدة، وبكونها صرخات احتجاج على الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنكليزي، وصرخات احتجاج على واقع الحياة المعيشية للشعب وما يعانيه من ظلم وقسوة ومرارة في ظل سيطرة المستعمرين وأعوانهم في الداخل.
وفي العراق يبرز اسم الشاعر عبد الغفار الأخرس بصفته أهم الشعراء الإحيائيين هناك. أما في السعودية فيبرز اسم محمد بن عبد الله العثيمين، وفي الكويت اسم الشاعر فهد العسكر، وفي شمال اليمن أسماء: محمد محمود الزبيري، وإبراهيم الحضراني، وأحمد الشامي، ويناظرهم في الجنوب اليمني محمد سعيد جرادة.
ومن أهم شعراء البحرين الشاعر إبراهيم العريض الذي امتزج عنده الإحياء بتجديد يحتفي كثيراً بالنفحات الرومانسية.
ولعل أكثر المجددين شهرة في إطار القصيدة الكلاسيكية على امتداد الوطن العربي، خليل مطران، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) من لبنان وعمر أبو ريشة ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل) ونديم محمد من سورية، وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل، وأسماء أخرى سترد لاحقاً، من مصر، وأبو القاسم الشابي من تونس، إضافة إلى كثير من الشعراء المهجريين, ويقع هذا التجديد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى ابتداء الخمسينات.
وكان التجديد عموماً يتم بمبادرة ذاتية، لكن بعض الشعراء أخذوا يتكاتفون ويؤلفون التجمعات الأدبية للإسهام في دفع حركة الشعر العربي وتطويره. ومن هذه التجمعات أربعة:
1- مدرسة الديوان التي قامت في مصر عام 1921 على أيدي عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري. وهؤلاء تأثروا بالشعر الإنكليزي وخاصة بمجموعة «الكنز الذهبي» التي تضم بعض قصائد الشعر الغنائي منذ عصر شكسبير حتى نهاية القرن التاسع عشر. وقد انفصل شكري عن زميليه لخلاف نشب بينهم. وبقي الأولان اللذان أعربا في كتاب «الديوان» عن ضرورة تطوير الشعر العربي وتجديده. وامتاز مذهبهما - كما قالا - بأنه إنساني مصري عربي، وإنه ثمرة لقاح القرائح الإنسانية عامة. وقد فصل العقاد أسس هذا التجديد فأراد للشاعر أن يعبر بصدق عن مزاجه وشخصيته ونظرته إلى الحياة وتفسيره لها، وأن تكون القصيدة مترابطة عضوياً «كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث لو اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها». وقال أيضاً: «القصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته» وعلى الشاعر أن «يكتنه حقائق الحياة ويلتزمها في غير شطط ولا إحالة وأن يغوص على جوهرها» وأن «تؤلف الصورة البيانية لنقل الأثر النفسي للمشبه به من وجدان الشاعر إلى وجدان القارئ، لا أن تقف عند حدود الحواس الخارجية». وقد طبق العقاد هذه المبادئ علىشعر شوقي ونقده نقداً لاذعاً، واتهمه بالإحالة - وهي المبالغة لدرجة إفساد المعنى - ومخالفة الحقائق والولوع بالعرض دون الجوهر. واضطلع المازني بنقد حافظ إبراهيم ووسم شعره بأنه «سياسي أو صحفي» إذ هو شعر مناسبات يومية طارئة، وأنه بعيد عن الصدق.
وانطلاقاً من هذه الأسس حاول العقاد أن يجدد في ديوانيه «هدية الكروان» المطبوع عام 1933 و«لا عابر سبيل» المطبوع عام 1937. لكن تجديده عموماً كان في محاولته مراعاة الوحدة العضوية في القصيدة إلى جانب وحدة الموضوع، وإلى حد ما: التجديد في شكل القصيدة لا في اكتناه حقائق الحياة والغوص على جوهرها - كما أراد هو لشوقي - وإن كان مفهومه للوحدة العضوية يختلف عما سيكون لاحقاً عند أصحاب الشعر الحر.
والواقع أن هذه الحركة التجديدية لم تبلغ مدى واسعاً يصح معه أن تسمى مدرسة بالمعنى الصحيح المعروف للكلمة في المدارس الغربية، كما لم يكن لها أتباع يسيرون على هديها فهي لا تعدو أن تكون تجمعاً أدبياً محدوداً انفرط عقده بعد مدة وجيزة.
2- أما التجمع الثاني فهو «الرابطة القلمية»، ففي الوقت الذي ظهر فيه «الديوان» كانت فئة من المهجريين الشماليين تنادي بتجديد الشعر. وكان هذا في كتاب «الغربال» الذي ضمنه ميخائيل نعيمة مبادئ جمعية «الرابطة القلمية» المتأسسة في نيويورك عام 1920، ومقاييسها الأدبية، وغايتها التي هي الصدق في التعبير و«بث روح نشيطة في جسم الأدب العربي، والخروج بآدابنا من دور الجمود والتقليد إلى دور الابتكار في جميل الأساليب والمعاني».
وقد تأثر أعضاء هذه الرابطة كذلك بالأدب الإنكليزي والأمريكي وخاصة بما جاء به الشاعر والت ويتمان W.Whitman وخطا هؤلاء خطوة واسعة في تجديد موضوعات الشعر وشكله في آن واحد، واستعاروا بعض الأطر من الشعر الغربي، واستعملوا الموشحات والمخمسات والشعر المرسل vers blancs والشعر المنثور. ويبدو التجديد عند نعيمة في ديوانه «همس الجفون» وعند إيليا أبو ماضي في «الأعمال الكاملة» وعند نسيب عريضة في ديوانه «الأرواح الحائرة» وعند رشيد أيوب في ديوانيه «أغاني الدرويش» و«هي الدنيا» وعند جبران في «المواكب» وغيرهم. ومع ذلك فقد ظل تجديدهم في الأوزان - إلا ما ندر - ضمن حدود العروض والبحور الخليلية المعروفة، وإن كان من الجائز أن يعد نسيب عريضة واضع أول بذرة من بذور الشعر الحر في قصيدته «النهاية». أما تجديدهم في المضمون، فإنه قد كان لهم الفضل في نظم الشعر التأملي والشعر الإنساني، وأكثروا من نظم شعر الحنين إلى الوطن لشعورهم بالغربتين: الوطنية والنفسية. وفضلاً عن ذلك تساهلوا في اللغة الشعرية، واستعملوا بعض الألفاظ العامية أحياناً، وجددوا - وخاصة أبو ماضي - في الكلمة الشعرية، وجعلوها تتسع لمضامين الحياة الاجتماعية والفكرية، وللمشاكل النفسية، من دون أن تخرج من إطار البساطة والوضوح. ونادوا كذلك بوحدة القصيدة لكنهم عنوا بها تجنب الخلخلة في أبياتها، والتعدد في أغراضها. وكتب بعضهم الشعر المنثور وهو المتحرر من قيود الأبحر العروضية كما في بعض ما ورد عند جبران في كتابه «رمل وزبد»، وإن سبقه إلى ذلك أمين الريحاني الذي يعد من شعراء المهجر الشمالي - لكنه لم ينتم إلى الرابطة القلمية - وقد بدا تجديده في أطر استعارها من الشعر الغربي وبث شعره المنثور في كتابه «الريحانيات» ثم جمعه أخوه ألبرت مستقلاً في كتاب «هتاف الأودية».
3- وأما التجمع الثالث فهو «جمعية أبولو» التي أسست عام 1932 بجهود أمين سرها أحمد زكي أبي شادي، ورُئِّس عليها أستاذه خليل مطران،وكان من أبرز أعضائها أحمد محرم وحسن كامل الصيرفي وعلي محمود طه [ر] وإبراهيم ناجي [ر] وأبو القاسم الشابي وغيرهم.
وتتلخص أهدافها في السمو بالشعر العربي، ومناصرة نهضاته الفنية، ولكن من دون الالتزام باتجاه معين، فلكل عضو الحرية في التعبير عن الموضوع الذي يريد بالأسلوب الذي يرتضيه. وقد تأثر أعضاؤها - كمن سبقهم - بالشعر الغربي: الفرنسي والإنكليزي، ولاسيما الإبداعي منه، لكنهم كانوا كذلك همزة وصل بين الشعر العربي والمذاهب الغربية من واقعية وإبداعية ورمزية، إذ يرجع الفضل إليهم في اطلاع العرب عليها في مجلتهم «أبولو». وقد تجلى تجديدهم في الشكل والمضمون كما عند أبي شادي في دواوينه «أنداء الفجر» و«أطياف الربيع» و«الشفق الباكي» التي اشتمل بعضها على الشعر المرسل. وعند إبراهيم ناجي في ديوانيه «ليالي القاهرة» و«وراء الغمام»، وعند علي محمود طه في دواوينه «الملاح التائه» و«زهر وخمر» و«ليالي الملاح التائه» و«أرواح شاردة»، وكما عند أبي القاسم الشابي في ديوانه «أغاني الحياة»، وحسن كامل الصيرفي في ديوانه «صدى ونور ودموع».
وقد توخى معظم شعراء «أبولو» جعل الصلة محكمة بين أجزاء القصيدة لتحقيق وحدة الموضوع ووحدة الفكر ووحدة المشاعرفي آن واحد، ولعل رئيسهم مطران هو أول من نبه على هذه الوحدة في مقدمة ديوانه الذي طبع عام 1890.
4- وأما التجمع الرابع فهو «العصبة الأندلسية». والواقع هو أن هذا التجمع كان واحداً من عدة تجمعات أدبية في المهجر الجنوبي، وكان أشهرها وأهمها. ففي البرازيل أسس قيصر المعلوف «رواق المعري» وفي الأرجنتين تأسست «الرابطة الأدبية» عام 1949 وتولى أعمالها جورج صيدح. أما «العصبة الأندلسية» فقد أسسها أدباء عدة عام 1933 ورأسها ميشيل المعلوف.
وأهداف هذه الجمعيات كلها متفقة على ضرورة تجديد الشعر، ولكن أدومها وأنشطها «العصبة الأندلسية» وكان من أعضائها حبيب مسعود، ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وأخوه قيصر، وشفيق المعلوف وإلياس فرحات ونصر وسمعان ورياض المعلوف. وكانت مجلتهم «العصبة» مسرحاً لنشاطهم الأدبي وأوجدوا الصلات القلمية بينهم وبين سائر أندية الأدب العربي، ولكنهم أجمعوا على ترسم أساليب الفصحى فلم يضحوا بها في سبيل التجديد - كما فعل أكثر أعضاء الرابطة القلمية - وقد وقفوا معظم شعرهم على القضايا القومية وخاصة قضية فلسطين كما في شعر القروي وفرحات وأبدعوا في الحنين إلى الوطن، إلى جانب الشعر الإنساني والتأملي، ودعا بعضهم دعوة شبه عقائدية إلى التمسك بحقوق الإنسان واحترامه بصرف النظر عن جنسه ولونه ووطنه، وكان تجديدهم في الأوزان والقوافي محدوداً. إن هذه التجمعات تعكس صورة لمستويات من التأثر بالشعر الغربي عموماً، والإبداعي منه خصوصاً، وفي مجريات تطور الشعر العربي بعد مرحلة الإحياء الأولى أو المرحلة الاتباعية، مثلما تبين بقاء هذا التأثر ضمن إطار الأشكال الفنية الشعرية المتوارثة إلا ما ندر. وبهذا المعنى سبق الحديث عن اتباعية جديدة، مطعمة بنفحات إبداعية بهذه الدرجة أو تلك اصطبغت بصبغتها حركة الشعر العربي منذ مستهل العشرينات حتى مستهل الخمسينات.
وإذا كان هذا التطور قد مهد للنقلة الواسعة التي حدثت في الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين أي لولادة الشعر الحر، فإن كثيرين من الشعراء العرب لا يزالون يكتبون القصيدة الاتباعية الجديدة، وبعضهم يكتب إلى جانبها قصيدة «الشعر الحر» أو «شعر التفعيلة». ومن أشهر هؤلاء الشعراء: عبد الله البردوني من اليمن، ونزار قباني وسليمان العيسى وحامد حسن من سورية، ونجيب جمال الدين وغسان مطر من لبنان، ويوسف الخطيب من فلسطين، ومصطفى جمال الدين من العراق، والشاعر المهجري اللبناني زكي قنصل، ومانع سعيد العتيبة من الإمارات العربية المتحدة وغيرهم كثيرون.
الشعر الحر أو شعر التفعيلة: من المؤكد أن أهم نقلة تطورية للقصيدة العربية في العصر الحديث قد حدثت مع ولادة قصيدة «الشعر الحر» أو «قصيدة التفعيلة» بحسب أكثر التسميات شيوعاً. وهاتان التسميتان يرتبط منطوقهما بالتجديد على مستوى الشكل، ولكن الواقع أن التجديد قد شمل المجموع البنائي للقصيدة العربية، شكلاً ومضموناً، ولغة، وأسلوب تصوير وترميز، ومحتوىً دلالياً، ووحدة بنيان فني إجمالي.
وهذا النمط من القصيدة العربية يعتمد صيغاً من الإيقاع إذ يختلف عدد التفعيلات بين بيت وآخر بحسب احتياج الدفقات الشعورية واللاشعورية، والانفعالية والوجدانية، وبحسب مقتضيات التعبير عن حال عاطفية داخلية أو بعض منها، وبالتالي لم يعد الشاعر ملتزماً قافية واحدة أو روياً واحداً يتكرر أو يتنوع بحسب نظام معين، بل عوض عن ذلك بالإيقاع الداخلي وبرنين القافية التي تراعى في بعض الأبيات. ومن جهة أخرى لم يعد الشاعر يقصر التصوير البياني على أشكاله القديمة التي تظهر فيها كل صورة مستقلة بذاتها ومعبرة عن فكرة محددة، بل تدرج في اعتماد نمط من التصوير المتداخل المتشابك التدفق الذي يقود إلى صوغ «مشهد حركي» - كما في التصوير السينمائي، على سبيل التقريب - يعبر عن «حال شعرية» تُستشف منها دلالات متنوعة لا أفكار ثابتة، وتترابط المشاهد المتوالية في بنيان شعري متكامل يشكل المجموع الكلي للقصيدة التي تعكس «تجربة» ذاتية للشاعر في تمثله الفكري والانفعالي والوجداني لبرهة من سياق الحياة في مكان وزمان معينين، ولكن في إطار من التضافر الدلالي بين الخاص والعام وبين الجزئي والكلي، وبين الذاتي والموضوعي، وبين الآني والمطلق.
وقد عرف هذا النمط من القصيدة، أول الأمر، باسم «الشعر الحر» ثم عرف باسم «شعر التفعيلة»، كما دعي باسم «الشعر الحديث» ولكن هذه التسمية تبدو فضفاضة ومطاطة.
ولقد اختلف الباحثون في تاريخ باكورة هذا الشعر وفي رواده، فأرجعه بعضهم إلى الموشحات التي حاول ابن خلدون أن يحصي أوزانها فلم يستطع لخروجها عن الحصر. وأرجعه بعضهم إلى العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديداً إلى قصيدة «النهاية» لنسيب عريضة التي نظمت في الحرب العالمية الأولى متأثراً بما نجم عنها لشعبه من كوارث وضحايا. ولكن نازك الملائكة تذكر في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» أنها هي أول من نظم بهذا الشعر قصيدتها «الكوليرا» في 27/10/1947 ونشرتها لها مجلة «العروبة» اللبنانية في بيروت يوم 1/12/1947، وقد عبرت فيها عن حزنها لضحايا مصر حين اجتاحها وباء الكوليرا، كما تذكر أن قصيدتها أسبق من قصيدة بدر شاكر السياب «هل كان حباً» الذي يعده كثير من الباحثين الرائد الأول. وقد أثبتت في كتابها المذكور أنها سبقته إلى نشر قصيدتها بنحو شهر وعشرين يوماً مع أن قصيدة السياب أرخت في ديوانه في 29/11/1946.
والواقع أنه لا يمكن التثبت من الأسبق إلى نظم هذا الشعر على وجه الدقة والتحديد، فضلاً عن أن هذا لا يقدم شيئاً ولا يؤخر. ولكن من المحقق أن هؤلاء الشعراء جميعاً، ومن جاء بعدهم، تأثروا بالشعر الغربي الحديث على نحو مباشر أو غير مباشر، وقد صرح بهذا كل من نازك والسياب، وأعادا بعض قصائدهما إلى تأثرهما بقصائد معينة لشعراء إنكليز مثل شيلي Chelley (1792-1821) وكيتس Kaets (1795-1821) وإليوت Elliot (1888-1965) وسيتويل Sitwell (1887-1964)، وتأثر آخرون بشعراء أمريكيين وخاصة إزرابوند E.Pound، وآخرون بشعراء فرنسيين مثل جاك بريفير J.Prevert.
ويجمع هؤلاء الشعراء الإنكليز والأمريكيون والفرنسيون على أن مشكلات العصر الإنسانية الحديثة تتطلب أطراً جديدة، وأوزاناً جديدة للتعبير عنها، فضلاً عن السعي إلى وحدة القصيدة لا إلى وحدة البيت، وهذا ما نادى به رواد الشعر العربي الحر. والملاحظ أن أكثر الشعراء العرب الذين نظموا هذا الشعر الجديد ونجحوا فيه هم ممن تمرسوا بنظم الشعر الخليلي، ومن أبرزهم نزار قباني، وعلي أحمد سعيد (أدونيس)، ومحمد عمران، وفايز خضور وأسماء أخرى كثيرة في سورية، وخليل حاوي وغسان مطر وإلياس لحود وغيرهم في لبنان، ومحمود درويش ومعين بسيسو وسميح القاسم وغيرهم من فلسطين، وتيسير سبول من الأردن، وعبد الوهاب البياتي وآخرون إضافة إلى السياب ونازك الملائكة في العراق، صلاح عبد الصبور وأمل دنقل، أحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم في مصر، ومحمد الفيتوري في السودان، وقاسم حداد في البحرين، وأسماء كثيرة أخرى في مختلف أقطار الوطن العربي.
وإذا كان كثير من هؤلاء الشعراء قد تأثروا بالشعر الغربي، أو تأثروا بمن تأثر به بصورة مباشرة، فإنهم جميعاً قد ألحوا على تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة بدلاً من وحدة البيت سابقاً. وقد تجددت لديهم لغة الشعر تجدداً عميقاً واعتمد كثير منهم على تضمين قصائدهم بعض الرموز الأسطورية والدينية والفولكلورية مثل: السندباد وشهريار وأيوب وأليعازر ويهوذا وعشتروت وأوديب وسيزيف وتموز وغيرها ليستعينوا بدلالاتها الموروثة على التعبير عن مشاعرهم بعمق ورحابة. وأسرف بعضهم قليلاً أو كثيراً في التأثر ببعض المذاهب الغربية كالرمزية والسريالية فوقع في الغموض حيناً وفي الإبهام أحياناً، ولكن ذلك لا يشكل ظاهرة طاغية الأثر على حركة التجديد هذه في مجملها.
قصيدة النثر: يعتمد هذا النمط من الكتابة على التعويض عن الإيقاع الموسيقي للشعر بموسيقى الكلام الداخلية وهذا ما يجعل من نصوص هذا النمط قريبة مما كان ينادي به أصحاب الدعوة إلى «الشعر الصافي». وقد سبق ذكر ما كان لكل من جبران خليل جبران وأمين الريحاني من سبق في كتابه الشعر المنثور.
على أن «قصيدة النثر» - حسبما درجت التسمية - قد تزامنت تقريباً مع قصيدة الشعر الحر أو شعر التفعيلة. وقد كتبت نصوصها، بداية، تحت تأثير ترجمات قصائد الشعراء الغربيين، وكانت بيروت منطلق هذا النمط من الكتابة منذ الخمسينات ومن أشهر كتابها: محمد الماغوط من سورية وشوقي أبو شقرا وأنسي الحاج من لبنان ولا يزال هذا النمط يزاول بوفرة من قبل الكثيرين من الأجيال التالية لجيل الستينات في مختلف أقطار الوطن العربي.
خلاصة في أطوار الشعر العربي الحديث:
سبقت الإشارة العرضية إلى هذه الأطوار في الفقرات السابقة، ويمكن العودة إلى ذلك هنا بقسط أكبر من التوضيح والتفصيل إذ تلاحظ الأطوار التالية:
1- طور الإحياء: وذلك برجوع الشعراء إلى تقليد ما كان عليه الشعر العربي في عصوره الذهبية المزدهرة، ولاسيما العصر العباسي، وتمثلهم لأساليبه وأخيلته، واقتفاؤهم آثاره في صياغة الصور البيانية والموسيقى الجزلة واللغة الفخمة.. وكان هذا يعني التخلي السريع عن المحسنات الشكلية في عصر الانحطاط. وهكذا كان شعراء الإحياء يعارضون القصائد المشهورة في الشعر القديم حيناً وينطلقون إلى التجديد في المعاني والمضامين أحياناً أخرى ولكن ضمن أطر الأوزان الشعرية القديمة. وقد سبق ذكر أبرز شعراء الإحياء الذين يوصفون عموماً بأنهم أصحاب «المدرسة التقليدية».
2- طور التأثر بشعر الحداثة الغربية: وضح مما تقدم أن الشعراء بعد الحرب العالمية الأولى أخذوا يتأثرون بالشعر الغربي - الفرنسي والإنكليزي، الرومانسي خاصة - إما مباشرة، وإما عن طريق من تأثر به أو ترجم عنه، وقد أسفر هذا التأثر، بصورة أساسية، عن اتجاه شعري جديد يمزج بين خصائص الكلاسيكية في الصياغة الشكلية وبين كثير من خصائص الإبداعية في المضمونات وأساليب التعبير ومفردات اللغة الشعرية والنبرة الانفعالية الوجدانية.. وبوجه عام يعرف هذا الاتجاه الجديد، تمييزاً له من سابقه، باسم «الاتباعية الجديدة» وأحياناً باسم «المرحلة الإبداعية»، مع الكثير من التجاوز في هذه التسمية بالطبع. وفي هذه المرحلة ظهرت بوادر تجديد تتضمن نظم الشعر المرسل والشعر المنثور كما فعل الريحاني وجبران وأحمد زكي أبو شادي.
3- طور تجاوز الشكل القديم ومرحلة الشعر الحر: فقد تحرر الشعراء من الأوزان الخليلية القديمة واعتمدوا التفعيلة الواحدة - وأحياناً الجملة الموسيقية الشعرية الواحدة التي تتضمن تفعيلتين - أساساً لمدى طول البيت الواحد، وتخلوا عن وحدة البيت لصالح وحدة «المقطع الشعري» إذ تؤلف الصور المتشابكة «مشهداً» حركياً يعكس حالاً انفعالية عاطفية أو جزءاً من حالة تتكامل في القصيدة كلها محققة وحدتها الموضوعية، فيترابط الشكل والمضمون ترابطاً صميمياً. وقد سلف تبيان معنى «الملحمية» في النماذج المميزة لقصيدة التفعيلة هذه.
4- قصيدة النثر: تمثل هذه «القصيدة» - إن صحت تسميتها كذلك - طوراً من أطوار الشعر العربي الحديث، ولكنها تمثل اتجاهاً محدوداً على هامش الطور السابق. وهذه القصيدة تتحرر من الوزن والموسيقى كلياً وتبقي على الموسيقى الداخلية للعبارات، وتكتفي بإنشاء «الحال الشعرية» في أحسن الأحوال، مما قد يوجد في كثير من أشكال التعبير النثرية، الأمر الذي يجعل كثيرين من النقاد لا يصنفون النصوص المكتوبة بهذه الطريقة مع الشعر.
نتيجة لما تقدم يمكن القول إن الشعر العربي الحديث تأثر ببعض المذاهب الشعرية الغربية في الأطوار الثلاثة الأخيرة السابق ذكرها، ولكن لا يصح القول - على القطع - بأنه ظهرت فيه مدارس أو مذاهب أدبية كتلك التي عرفتها الآداب الغربية، وما سبق إيراده من «تسميات مدارس» إنما جاء من باب التجاوز لغرض التقريب والإيضاح. فحقيقة الأمر هي أنه توجد اتجاهات في الأدب العربي الحديث، وما ينقصها كي تسمى «مدارس» هو الأساس الفلسفي الذي تفتقده، والذي يعبر عن تغير في طبيعة النمو المجتمعي العام نمواً موازناً أو مكافئاً لما عرفه الغرب وكان منطلقاً ودافعاً لولادة مدارس الأدب عنده.
وهذا الأمر يقود من جديد إلى التذكير بالإشكالية التي سبق ذكرها في الكلام على مفهوم الحداثة في بدايات هذا البحث.
توقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



من مواضيعي في المنتدى

0 مص الاصبع لدي الاطفال
0 ألف ليلة وليلة بحث بسيط
0 معلومات حلوة لكن مو اكيدة
0 الإمام علي ( عليه السلام ) والحقوق الاجتماعية
0 مقتل اثنين من الزوار الشيعة وجرح 12 آخرين
0 منهجية دراسة حياة الأئمة عليهم السلام
0 حوار بين الحزن والفرح
0 روح الثورة لدى الشباب
0 آية المباهلة ويومها ومعناها
0 المنطقة إلى أين بعد تمرير اتفاقية العار؟‍‍

hussain1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 06:29 PM   #5
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها hussain1


الصورة الرمزية hussain1
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم: معدل تقييم المستوى: 141
hussain1 will become famous soon enoughhussain1 will become famous soon enough

الأوسمة التي حصل عليها

افتراضي


النثر
فنون النثر وتطوره في القرن العشرين
بعد الذي تقدم ذكره، يمكن القول: إن القرن التاسع عشر لم يكن إلا مرحلة الإرهاص بالتطورات الحقيقية الكبيرة التي سيشهدها الأدب العربي في القرن العشرين، ولم يتجاوز ما تم إنجازه فيه حدود «تمهيد الأرض» لزروع التجديد التي ستؤتي أكلها ناضجة - أو شبه ناضجة - في القرن العشرين لسائر أنواع الأدب أو أجناسه حسبما هو معروف في الآداب العالمية.
ومن حيث الأسلوب كان النثر في القرن التاسع عشر مثقلاً بالمحسنات البديعية وبالسجع، بل إن محاولات لإحياء فن المقامة قد جرت على يد الشيخ ناصيف اليازجي. ومن جهة المضمون كان النثر يعنى بالقضايا الاجتماعية والسياسية ولكن بطرائق الوعظ الأخلاقي وبالنقد التهكمي الساخر الذي يتناول المظاهر أكثر مما يتناول الجواهر، ويرى الباحث في أدب العرب في القرن العشرين أن ذلك كله قد تم تجاوزه. فالاتصال بالغرب حرض على إدخال التطوير على الأنواع الأدبية القديمة، كما حرض على ظهور فنون نثرية جديدة بقوالب تعبيرية جديدة.
وفي ما يلي عرض موجز لأهم هذه الفنون والتطورات الحاصلة عليها:
المقالة: من المعلوم أن المقالة نشأت في أحضان الصحافة. ولعل أول من استعمل مصطلح «مقالة» هو أحمد فارس الشدياق حين كتب في مجلة الجوائب «مقالة في أصل النيل». وكانت الصحف عند نشأتها تعنى بالمقالة الافتتاحية وتنشرها في صدر صفحتها الأولى، وتعالج فيها موضوعاً رئيسياً، غالباً ما يكون سياسياً. ووسع ظهور المجلات من ميادين المقالة وأثر في تطورها وتنوع موضوعاتها التي تمس الحياة العامة، وصارت مقالات معظم الكتاب تجمع في كتب لحفظها من الضياع وتيسير سبل الاطلاع عليها من قبل الأجيال اللاحقة.
وقد درج النقاد على تقسيم المقالة بحسب مضامينها إلى عدة أنواع: سياسية واجتماعية وأدبية، ثم توسعت هذه المضامين تبعاً لاتساع فروع المعرفة فأضيفت إليها المقالات: الفكرية والفلسفية والإنسانية والنفسية والدينية والنقدية.
ومن جهة أخرى قسمت المقالات إلى نوعين: المقالة الذاتية، والمقالة الموضوعية.
فالمقالة الذاتية يعالج فيها الكاتب موضوعاً محدداً يعكس انطباعه عنه، إذ تتحكم في الكتابة هنا عواطف الكاتب وانفعالاته الذاتية ويغلب تصوير وجهة نظره الشخصية بأسلوب عفوي. ومن الطبيعي أن تتفاوت المقالات هنا بتفاوت موضوعاتها، واختلاف شخصية كل كاتب، من حيث وضوح الأداء وعمقه وجماله.
أما المقالة الموضوعية فتختلف في أن الكاتب يعالج فيها موضوعاً يرجع فيه إلى المنطق والعقل ومنهجية الأداء، فيكون للمقالة مقدمة ثم عرض فمناقشة فاستنتاجات ثم خاتمة. ويدور الموضوع حول قضية علمية أو فلسفية أو اجتماعية أو سياسية أو نقدية.
ومن أبرز من كتب المقالة الذاتية بعواطف رقيقة، وسعة خيال، وتصوير فني شفيف، وجمل موسيقية قصيرة، مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابيه «النظرات» و«العبرات»، وجبران خليل جبران في كتبه «دمعة وابتسامة» و«العواصف» و«البدائع والطرائف» وماري مي زيادة في «سوانح فتاة» و«ظلمات وأشعة». وقد بدأ هذا اللون من المقالة الذاتية يتناقص بعد الخمسينات من القرن العشرين، وإن كان هذا لا ينفي وجود كتّاب له في كثير من أقطار الوطن العربي.
وفي لون آخر من المقالة الذاتية اعتمد كثير من الكتاب أسلوباً فكاهياً يقوم على التصوير الساخر الذي يداخله القص وتميزه حيوية الأداء، وأبرز من كتب المقالة من هذا اللون في القرن التاسع عشر هو أحمد فارس الشدياق في كتابيه «الساق على الساق في ما هو الفارياق» و«كشف المخبا عن فنون أوربة». أما في القرن العشرين فأبرز هؤلاء الكتاب هو إبراهيم عبد القادر المازني في كتبه «قبض الريح» و«من النافذة» و«حصاد الهشيم»، ومع أن هذا الكتاب الأخير هو مجموع مقالات نقدية إلا أن السخرية التهكمية في نبرته واضحة كما أن ذاتية الكاتب هي إحدى سماته البارزة. وهذا مؤشر على التداخل ما بين نمطي المقالة: الذاتي والموضوعي.
وثمة لون ثالث يتميز بعمق الأفكار والتأنق في الألفاظ والتصوير البياني، والخيال الشاعري وأبرز كتابه في القرن العشرين مصطفى صادق الرافعي في «وحي القلم» وفي «حديث القمر» إذ يجد القارئ هنا بعض الغموض والتعقيد في الصور وأسلوب الأداء.
ومع ازدهار الصحافة العربية وارتقاء التعليم وتطور الأدب في القرن العشرين تزايد كثيراً عدد الأدباء الذين يكتبون المقالة الذاتية التي تلامس قضايا موضوعية ومشكلات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو معاشية.. حتى لا يكاد المرء يجد أديباً عربياً في سائر البلاد العربية لم يمارس كتابة هذا اللون من المقالات في صحيفة أو مجلة ما، وهو أمر يطول حصره واستقصاؤه.
ومن مشاهير كتاب المقالة الموضوعية - وهي لا تخلو بطبيعتها من ملامح ذاتية - أحمد أمين في كتابه «فيض الخاطر»، وطه حسين في كثير من كتبه منها «حديث الأربعاء» و«تجديد ذكرى أبي العلاء» ومحمد كرد علي، ومحمد حسين هيكل، وميخائيل نعيمة في «البيادر» و«النور والديجور» و«الغربال»، وعباس محمود العقاد، والمازني في كتاب «الديوان»... وغيرهم كثير.
ومع التطورات المعقدة في الحياة والأدب العربيين بعد الخمسينات على وجه التخصيص كثر عدد كتاب المقالة الموضوعية إذ تقوم حياة الصحف والمجلات بأنواعها عموماً على هذا اللون من المقالة التي يشارك في كتابتها الصحفيون والأدباء على حد سواء. وقد نشطت المحاضرات وبرامج الإذاعات والتلفزة المعنية بالأدب، وهذه كلها في الأصل مقالات مطورة لتلائم هذه الصيغة أو تلك من وسائل إيصال الأدب إلى الجمهور. وربما أمكن أيضاً إدخال الندوات في هذا الباب.
ولايزال الكتاب المعاصرون يجمعون مقالاتهم في كتب جرياً على ما كان قد سبقهم إليه جيل الرواد في القرنين التاسع عشر والعشرين ممن سبق ذكر أسماء مشاهيرهم. وإذا كان المقام هنا لا يتسع لذكر الأعداد الجمة من الأدباء الذين يكتبون المقالة الموضوعية اليوم في مختلف البلاد العربية إذ توجد مئات من الأسماء، فإنه مما يجدر ذكره أن المقالات قد يطول بعضها وتتسع أفكاره ولاسيما في المجلات المتخصصة فتصبح المقالة أقرب إلى البحث الأدبي القصير الذي يتضمن أجزاء كثيرة، كل جزء منها يعالج جانباً من ذلك البحث أو فكرة من أفكاره.
الخطابة: اتسع مجال الخطابة في العصر الحديث وتنوعت موضوعاتها أو أساليبها إثر قيام الحركات الوطنية وتأسيس الجمعيات والنوادي الأدبية والمنابر الأخرى. وممن برزوا في هذا المجال في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين عبد الله النديم وأديب إسحاق ومصطفى كامل وأمين الريحاني ومي زيادة. ثم ازداد انتشارها في المناسبات القومية والحزبية والسياسية، والمؤتمرات المحلية والدولية. وقد أعان على انتشارها المذياع والتلفاز.
وفضلاً عن الخطب الدينية في الجمع والأعياد، هناك من أشكال الخطبة: المحاضرة التي سبق ذكر أنها تقارب المقالة، فهي في واقع الأمر تجمع بين شكلي هذين الفنين من فنون النثر. وهناك خطب المناسبات المختلفة والأحاديث الإذاعية والمتلفزة، كما أن للندوات مدخلاً في هذا الباب.
والخطابة بمدلولها الأصلي أصبحت في هذه الأيام مقصورة على السياسة إذ يوجه السياسيون خطبهم إلى الشعب في كل قطر في مناسبات معينة ويتم نقلها للناس الذين لم يحضروا وقائع المناسبة عبر الأجهزة المسموعة والمرئية. ويكاد الجانب الأدبي يختفي من هذه الخطب إذ ينصب هم الخطيب الذي غالباً ما يكون رجل دولة على شرح الأوضاع السياسية المحلية والعربية والدولية للناس في المجتمع المحلي وفي مختلف الأقطار العربية الأخرى.
وقد برز في العصر الحديث طائفة من الخطباء المفوهين جلهم من الزعماء السياسيين والقادة منهم عبد الرحمن الشهبندر والرئيس جمال عبد الناصر والرئيس حافظ الأسد.
القصة والرواية: عرفت القصة على نحو ما في الأدب العربي القديم على غرار ما عرفته مختلف الشعوب من حكاية وخرافة وأسطورة. وفي القرآن الكريم قصص كثيرة عن الأنبياء والمرسلين والأقوام البائدة. وأولى بوادر القص النثري الفني كانت في ما نقله إلى العربية وأضافه ابن المقفع (ت142هـ) في كتاب «كليلة ودمنة» ثم جاء الجاحظ (ت255هـ) فألف كتاب «البخلاء» في شكل نوادر فكهة عن البخل وأصحابه من أهل مرو خصوصاً.
وابتكر بديع الزمان الهمذاني (ت398هـ) شكلاً من أشكال القصة القصيرة سماه المقامات، وبطل مجموعة المقامات واحد، ثم تابعه الحريري (516هـ) وآخرون لم يحظوا بشهرة الهمذاني والحريري.
وتكاد السيرة الشعبية أن تكون خليطاً من الروايات والملاحم التي تداخلها الخرافة كما يداخلها الشعر الذي يفتقر إلى الفنية الجيدة.
على أن أهم كتاب عربي قديم في هذا الباب هو «ألف ليلة وليلة» وهو مجموع من التراث ذي القص (الحكائي) للشعوب غير العربية ممن دخل منهم في الإسلام أو احتك المسلمون بهم كالهنود، وقد عرب هذا المجموع وأضيفت إليه حكايا جديدة حتى صار نسيجه العام عربياً إسلامياً خالصاً. وترك هذا الكتاب أثراً قوياً في الآداب الأوربية حتى إن رجلاً كفولتير يصرح بأنه لم يكتب القصة إلا بعد أن قرأ «ألف ليلة وليلة» أربع عشرة مرة.
على أن القصة بمفهومها الفني الحديث إنما ظهرت في الأدب العربي في القرن التاسع عشر، وبعد الاطلاع على الآداب الغربية.
وقد ابتدأ الكتاب العرب بترجمة القصص القصيرة عن تلك الآداب ونشرها في المجلات كالجنان والضياء والمقتطف والهلال، وكان المترجمون يتصرفون بالقصة لتتلاءم مع العقلية العربية. وهذا أيضاً ما فعله المنفلوطي في ترجمته لرواية «ماجدولين» للكاتب الفرنسي ألفونس كار A. Karr، وحافظ إبراهيم [ر] في «البؤساء» لفكتور هوغو V. Hugo. وقد قام نفر من الكتاب في مصر وبلاد الشام بتأليف الرواية في القرن التاسع عشر إلى مطالع القرن العشرين مثل ناصيف اليازجي وسليم البستاني وفرح أنطون وجرجي زيدان ومحمد المويلحي. وإذا أفردنا من هؤلاء جرجي زيدان الذي كتب مجموعة كبيرة من الروايات عن تاريخ الإسلام فإن محاولات الآخرين كانت غير مكتملة فنياً وتميل إلى الوعظ والتعليم الأخلاقي كما تأثرت بأساليب الحكاية والمحسنات البديعية في المقامات. ويجمع مؤرخو الأدب العربي على أن أولى الروايات المكتملة فنياً كتبها محمد حسين هيكل تحت عنوان «زينب» وكان ذلك نحو عام 1920.
وإذا كان الغربيون يقسمون فن القص عندهم إلى الأقصوصة le conte والقصة la nouvelle والرواية le roman فإن فن القص العربي الحديث يمكن تقسيمه إلى «قصة قصيرة» و«رواية». تعتمد القصة القصيرة على التقاط الكاتب للحظة من الحياة يعنى فيها بتحليل الحدث أو الشخصية أو البيئة أو مجموع هذه العناصر معاً ليصل إلى هدف دلالي أعلى، ويكون أسلوبه في ذلك على نحو مركز ودقيق. أما الرواية - وهي هنا تضم القصة الطويلة إليها - فتهتم بإقامة بنيان فني واسع تشغل حيزاً واسعاً من الزمان والمكان وتدور حول شخصية واحدة أو شخصيات كثيرة وتتشابك فيها الأحداث والعلاقات بعضها ببعض من جهة، وبعضها أو كلها مع معطيات الزمان والمكان أي البيئة الفنية من جهة أخرى. والكاتب هنا يتعمق في تحليل ما يدور في نفوس أبطال روايته وفي ربط الأحداث بتواريخ أو توقعات مستقبلية بوساطة تقنيات تختلف باختلاف كل كاتب عن الآخر وكل رواية عن الأخرى، ولهدف تقديم روايات متراكبة المستويات للبشر والحياة والعالم عبر سياق تخييلي ينطوي على جملة من الإيحاءات الدلالية.
ويمكن القول إنه منذ عشرينات القرن العشرين بدأ الازدهار في القصة والرواية العربيتين.
ففي مصر اشتهر من كتاب القصة القصيرة الأخوان محمود ومحمد تيمور، ويحيى حقي، ثم أمين يوسف غراب، ويوسف الشاروني، وكثير غيرهم، على أن أكثر كتاب القصة القصيرة شهرة في مصر - وربما في مختلف البلدان العربية - هو يوسف إدريس.
ومن سورية برز عبد السلام العجيلي وزكريا تامر وخليل الهنداوي وجورج سالم وحيدر حيدر ووليد إخلاصي وغادة السمان وغيرهم كثير ممن كتبوا في السبعينات وما بعدها من هذا القرن. وتشهد القصة اليوم في سورية ومصر ازدهاراً ملحوظاً كما تشهد مثل ذلك الازدهار في كثير من الأقطار العربية.
ومن لبنان اشتهر كتاب القصة القصيرة توفيق يوسف عواد الذي يعدّ رائداً لهذا الفن في كل بلاد الشام كما كتب القصة سهيل إدريس وزوجه عائدة مطرجي إدريس وكتبها كذلك كرم ملحم كرم ومارون عبود وسواهم.
وفي الأردن كان أول من كتب القصة القصيرة محمد صبحي أبو غنيمة في مجموعته «أغاني الليل» وهي مجموعة قصص اجتماعية ذات طابع وعظي أخلاقي تضم أيضاً خواطر متقدمة عن فن الأدب قياساً إلى ما كان قد تم إنجازه أدبياً في الإمارة الأردنية آنذاك. ويعد عيسى الناعوري أكثر كتاب القصة شهرة في الأردن. على أنه قد سبقته أسماء معروفة في كتابة هذا الفن أبرزهم سيف الدين الإيراني وأمين فارس ملحس ومحمد أديب العاصري. كما أن أسماء جديدة مهمة قد جاءت بعده ومن أهم هؤلاء فخري قعوار ومحمود الريماوي وبدر عبد الحق.
وظهرت القصة الحديثة في ليبية على يد خالد زغبية في مجموعته «السور الكبير» عام 1964 وهناك أسماء أخرى مثل كامل حسن المقهور ومصطفى المصراني وزعيمة البارودي.
وفي تونس أسماء غير قليلة في إطار حركة ثقافية ناشطة. ومن هذه الأسماء التي تكتب القصة القصيرة الميداني بن صلاح وحسن نصر ومحمد صالح الجابري وسمير العيادي وغيرهم.
أما الجزائر فقد ازدهر فيها ما سمي أدب المعركة قبل الاستقلال. وكانت مجموعة مالك حداد «البؤس في خطر» 1956 هي أولى المجموعات القصصية المعبرة عن ذلك الأدب. وهناك أسماء أخرى في تلك المرحلة كتبت القصة القصيرة مثل مفدي زكريا وجان سيناك وحسين بوزاهر وجمال عمراني. وبعد الاستقلال شهد فن القصة القصيرة ازدهاراً واسعاً وبرزت أسماء كثيرة مثل رضا حوحو وعبد المجيد شافعي وأحمد عاشور وزهرة وينسي.. وهؤلاء كتبوا بالعربية خلافاً لسابقيهم ممن كتبوا بالفرنسية قصص مرحلة «أدب المعركة» وثمة أسماء جديدة كثيرة تشير إلى الاهتمام الواسع للأجيال الجديدة من كتّاب الجزائر بفن القصة القصيرة.
وفي المغرب، كما في الجزائر وتونس، كتب الأدباء القصة القصيرة بالفرنسية أولاً ثم بالعربية.
ويرى بعض الباحثين أن هذا النوع من الأدب يتبع الأمة التي كتب بلغتها بصرف النظر عن الجنس.
وشهدت القصة في السودان ولادتها على يد عثمان النور، وقدم جمال عبد المالك مجموعته «الحصان الأسود» ويوسف العطا مجموعته «نزرع النخيل». وكتب الروائي السوداني المعروف الطيب صالح عدداً من القصص القصيرة جداً ثم توقف عن ذلك.
وفي شبه الجزيرة العربية بدأ فن القصة الناضج على يدي أحمد السباعي (1905-1983). وفي الربع الأخير من القرن العشرين شهدت كتابة القصة ازدهاراً جيداً ففي اليمن مهد محمد عبد المولى (1940-1973) للقصة الواقعية، ويصور زيد مطيع دماج (1943-...) الزمان والمكان اليمنيين قبل الثورة وبعدها. أما القاص الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل فيعتمد تكنيك القصة الحداثية ليصور وحدة الإنسان وسط عالم معاد أو لا مبال. مستخدماً تيار الوعي أساساً من لمحات وصفية سريعة أشبه بإشارات ضوئية. وبعد هؤلاء الرواد لفن القصة في شبه الجزيرة يأتي رعيل جديد يبرز من بينهم سليمان الشطي وليلى العثمان من الكويت، ومحمد عبد الملك، وأمين صالح من البحرين، ومحمد علوان وحسين علي حسين وسباعي عثمان من السعودية، وسعيد العولقي وميفع عبد الرحمن من اليمن، ومحمد المر من إمارة دبي وقد أصدر سبع مجموعات قصصية حتى اليوم بلغت أعداد قصصها زهاء المئة.
وفي العراق أسماء مهمة في هذا الفن مثل محمود السيد أحمد وعبد المجيد لطفي وأنور شاؤول وعبد الرحمن الربيعي.. إضافة إلى أسماء كثيرة من الأجيال الجديدة.
وقد تناولت القصة في الوطن العربي مجموع المشكلات المحلية والشخصية والقومية بالمعالجة، وفق أساليب مختلفة، وبما ينسجم مع المعاناة التي يحسها الكاتب تبعاً لظروف هذا القطر أو ذاك، إذ تطرح المسائل والمشكلات الاجتماعية من منظوراتها المختلفة، وتعالج مطالب الحرية والديمقراطية، وقضايا تأثير الفواعل العالمية في الوضع الوطني الخاص والقومي العام وانعكاسات ذلك كله على شخصية الإنسان العربي من جوانبها المختلفة.
هذا في ما يخص القصة القصيرة. أما الرواية التي اكتملت فنياً على يد محمد حسين هيكل من مصر حسبما ذكر قبلاً فإن أكثر كتابها شهرة هو نجيب محفوظ. وقد كتبها في مصر أيضاً كل من توفيق الحكيم «يوميات نائب في الأرياف» وطه حسين «دعاء الكروان» و«الأيام»، كما لمع من أسماء كتابها أيضاً كل من يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله وعبد الرحمن الشرقاوي... ثم جمال الغيطاني ومحمد يوسف القعيد وأحمد محمد عطية وإدوار الخراط وغيرهم.
في لبنان كتب جبران خليل جبران رواية «الأجنحة المتكسرة» كما كتب ميخائيل نعيمة عدداً من الروايات التي يغلب عليها الطابع الفلسفي، وهذان كتبا أعمالهما الروائية في المهجر الشمالي. ومن مشاهير كتاب الرواية في لبنان كرم ملحم كرم وتوفيق يوسف عواد الذي كان أبرع كتابها وخصوصاً في روايته «طواحين بيروت» وكتبها أيضاً سهيل إدريس، ومارون عبود «فارس آغا» كما كتب إلياس خوري «الجبل الصغير» وكتب إلياس الديري «عودة الذئب إلى العرتوق».
وفي سورية كان شكيب الجابري رائد كتابة الرواية المكتملة فنياً حين أصدر روايته «قوس قزح» في أربعينيات القرن العشرين ومن أبرز الروائيين في سورية حنا مينة الذي كتب عدداً كبيراً من الروايات من أهمها «الياطر» و«بقايا صور» و«المستنقع» و«الشراع والعاصفة»... وكتبت وداد سكاكيني «المانوليا في دمشق»، كما كتب فارس زرزور روايات كثيرة بعضها أقرب إلى التوثيقي مثل «حسن جبل» و«آن له أن ينصاع». ومن كتاب الرواية الذين برزت أسماؤهم في سورية: صدقي إسماعيل في «العصاة» وغيرها، وأديب نحوي في «عرس فلسطيني» و«تاج اللؤلؤ» و«آخر من شبه لهم»... ووليد إخلاصي في عدد غير قليل من الروايات مثل «باب الجمر» و«دار المتعة» و«ملحمة القتل الصغرى».. وألفة أدلبي وحيدر حيدر في «الزمن الموحش» و«وليمة لأعشاب البحر» وخيري الذهبي في «ملكوت البسطاء» و«ليال عربية» و«حسيبة» و«فياض»... وهاني الراهب في «ألف ليلة وليلتان» و«الوباء» و«بلد واحد هو العالم».. وأحمد يوسف داود في «الخيول» و«الأوباش» و«فردوس الجنون» وناديا خوست في «حب في بلاد الشام»، ونبيل سليمان في «ثلج الصيف» و«جرماتي» و«مدارات الشرق»... وعبد الكريم ناصيف في «الحلقة المفرغة» و«تشريقة آل المر».. إضافة إلى أسماء كثيرة أخرى.
وفي العراق برزت أسماء مثل محمود السيد وأحمد عبد المجيد لطفي وعبد الرحمن الربيعي. واشتهر اسم فاضل العزاوي في «القلعة الخامسة» وسواها. ومن الأسماء الجديدة عادل عبد الجبار في «عرزال حمد السالم» وناجي التكريتي في «مزمار نوار» ...إضافة إلى أعداد من الكتاب الآخرين.
وأشهر كتاب الرواية في الأردن غالب هلسا الذي كتب «الخماسين» و«الضحك» و«سلطانة» وغيرها. وهناك أسماء جديدة معروفة مثل مؤنس الرزاز وسالم النحاس وجمال ناجي وسواهم. وأهم كتاب الرواية في فلسطين غسان كنفاني ومن أعماله «رجال تحت الشمس» و«عائد إلى حيفا».. ثم جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب أعمالاً روائية عدة من أشهرها «صيادون في شارع ضيق» و«السفينة» و«البحث عن وليد مسعود»، ثم إميل حبيبي الذي كتب «الوقائع الغريبة في اختفاء أبي النحس المتشائل» و«لكع ابن لكع» وهي أهجية تجمع بين ملامح الرواية وملامح المسرحية .
ومؤخراً نضج فن الرواية في ليبية على يد أحمد إبراهيم الفقيه الذي كتب ثلاثية نالت جائزة معرض الكتاب في بيروت عام 1992.
أما في أقطار المغرب العربي فإن كتابة الرواية قد أجبرت - شأنها شأن القصة القصيرةـ على أن يكون بعضها بالفرنسية وبعضها الآخر بالعربية بحكم ما فرضه المستعمر الفرنسي من ثنائية اللغة على تلك الأقطار. وهناك رواية ما قبل الاستقلال في هذه الأقطار وهي عموماً تفتقر إلى هذا القدر أو ذاك من النضج الفني، ورواية ما بعد الاستقلال التي تزدهر وتبلغ حداً جيداً من ذلك النضج.
ففي المغرب كتب عبد المجيد بن جلون الرواية منذ الحرب العالمية الثانية، وكذلك فعل عبد الكريم غلاب. وطبيعي أن ابتداء الرواية آنذاك كان يعكس صور الصراع من أجل الحرية والاستقلال. وفي الستينات والسبعينات يكثر كتاب الرواية المكتملة فنياً، والتي تتناول هموم الناس وقضاياهم الاجتماعية والمعاشية ومشاكلهم الإنسانية المختلفة. ومن ذلك أعمال مثل «أمطار الرحمة» لعبد الرحمن المريني، و«غداً تتبدل الأرض» لفاطمة الراوي، و«دفنا الماضي» لعبد الكريم غلاب، و«الطيبون» لربيع مبارك، و«الغربة» لعبد الله العروي و«حاجز ثلج» لسعيد علوش، و«أرصفة وجدران» لمحمد زفزاف، و«زمن بين الولادة والحلم» لأحمد المديني، إلى غير ذلك من أسماء وأعمال. وفي الجزائر يبرز عدد من الكتاب الذين كتبوا الرواية بالعربية واهتموا بالقضايا المعاصرة والمشكلات والمصائب التي اعترضت المجتمع والإنسان العربي هناك بعد الاستقلال. ومن هؤلاء عبد الحميد بن هدوقة وواسيني الأعرج.. لكن أكثر هذه الأسماء شهرة وعطاء روائياً هو الطاهر وطار الذي يعد واحداً من كبار كتاب الرواية الواقعية العربية، ومن أشهر أعماله «الحب والموت في الزمن الحراشي» و«عرس بغل» و«الحوت والقصر» و«تجربة في العشق».
أما في تونس فقد تزعم البشير خريف تيار الواقعية في الرواية، وتابعه محمد العروسي كما في روايته «النضوج المر» في حين زاوج رشيد حمزاوي بين الجمالي والاجتماعي في «مات بودوا» ورسم محمد صالح الجابري لوحات تاريخية لصراع الطبقات الاجتماعية في رواية «يوم في زمرا» ورواية «البحر يلفظ فضلاته».
أما الرواية المكتوبة بالفرنسية في أقطار المغرب العربي، فقد توازت مع تلك المكتوبة بالعربية تحت تأثير الشروط الخاصة بأوضاع تلك الأقطار. ولم تبرز هذه الرواية في المملكة المغربية والجزائر بروزاً حقيقياً من الوجهة الفنية إلا في سنوات الخمسينات من القرن العشرين.
والجدير بالملاحظة أن الرواية المكتوبة بالفرنسية في أقطار المغرب العربي ليست الفرنسية فيها سوى وعاء لمحتوى عربي السمات كلياً، مع ما هو معروف من أن اللغة العربية هي «حامل ثقافي» أساسي. وربما مر وقت غير قصير قبل أن يتحرر الأدب في تلك الأقطار من الثنائية اللغوية بسبب ما سبق أن أشير إليه من شروط خاصة تتعلق بالاستعمار الطويل وآثاره في عرب تلك الأقطار.
أما في شبه الجزيرة العربية فإن الرواية لا تزال ضعيفة جداً هذا إذا استثني الكاتب عبد الرحمن منيف السعودي الذي لم يعش في السعودية بل تنقل بين الشام ومصر، وأصبح واحداً من مشاهير كتاب الرواية العربية. ومن أعماله «الأشجار واغتيال مرزوق» و«شرق المتوسط» وخماسيته الكبيرة «مدن الملح» التي يؤرخ فيها - فنياً - لشبه الجزيرة في العصر الحديث.
وهناك كاتب جديد من البحرين هو عبد الله خليفة وقد أصدر عدة أعمال منها «امرأة» في أوائل التسعينات ورواياته ناضجة فنياً وشيقة ومعبرة عن واقع بيئته ومشكلاتها.
إن ما تقدم ذكره حتى الآن من روايات عربية قد اهتم بالرواية التي تتناول القضايا الاجتماعية والنفسية، والمشكلات الاقتصادية أو السياسية والمسائل العاطفية وغيرها مما يشغل عرب هذا القرن من مشاغل مختلفة. على أن هناك نمطاً من الرواية لم يعرض له هو «الرواية التاريخية» ومن أعلامها جرجي زيدان الذي كتب سلسلة كبيرة من الروايات عن تاريخ الإسلام ومن هذه الروايات: «فتاة غسان» و«أرمانوسة» و«عذراء قريش» و«شجرة الدر» وغيرها. ومنهم معروف الأرناؤوط الذي كتب في الاتجاه السابق ذكره. ومن رواياته «سيد قريش» و«فاطمة البتول» و«طارق بن زياد».. وهناك علي الطنطاوي في «قصص من التاريخ» وعبد الحميد جودة السحار في «بلال مؤذن الرسول» و«أميرة قرطبة» و«سعد بن أبي وقاص»، كما كتب محمد فريد أبو حديد روايات عن «عنترة» وغيرها.
ولقد ركز بعض كتاب الرواية على تنسيق الأحداث وعرض جزئياتها وتنميتها وتعقيدها وإدخال عنصر التشويق فيها، كما ركز بعضهم على تصوير الشخصية المحلية أو الإنسانية ورسم أبعادها الجسمية والاجتماعية والنفسية. وتطورت كل من القصة والرواية في الأدب العربي الحديث من الإبداعية إلى الواقعية فالنفسية، ومن السرد إلى البناء الفني المتكامل. وبرزت في القصص مشكلات اللغة في السرد والحوار، أتكون عامية أم فصحى؟.. على أن معظم القصص والروايات الناجحة تطورت لغتها ولانت فأضحى حوارها فصيحاً مبسطاً، يهتم الكاتب فيه بما يجب أن يؤديه من رسم الشخصية، وكشف أبعاد الصراع،وتطوير الأحداث وتصوير البيئة في آن واحد.
المسرحية: ارتقى الأدب المسرحي العربي منذ أوائل القرن العشرين ارتقاءً نوعياً عما كان عليه في القرن التاسع عشر فقد مر بمرحلة الترجمة عن الأدب الغربي، ثم مرحلة كتابة الهواة الذين كانوا يمثلون ما يكتبونه في الوقت ذاته. وقد تم الارتقاء المذكور على أيدي كتاب كثيرين من مصر وبلاد الشام بصورة أساسية.
ويعد توفيق الحكيم أكبر المسرحيين العرب شهرة وغزارة وتنوع إنتاج. فقد فاق غيره في تقنيات هذا الفن لاسيما الحوار. وتنوعت الاتجاهات لديه فكتب المسرح الاجتماعي كما في مجموعتيه «مسرح المجتمع» و«المسرح المنوع» كما كتب في المسرح الذهني مثل «أهل الكهف» و«شهرزاد» و«بغماليون» و«الملك أوديب» وكتب مسرح اللامعقول في مسرحية «يا طالع الشجرة» واستلهم بعضاً من التراث العربي مثل «هارون الرشيد» و«سليمان الحكيم» وجرب مزاوجة العامية بالفصحى كما في مسرحية «الصفقة».
ومن كتاب المسرح الأوائل في مصر محمود تيمور الذي استوحى بعض مسرحياته من التاريخ العربي مثل «صقر قريش» و«اليوم خمر» واستوحى بعضها الآخر من المجتمع مثل «كذب في كذب» و«أبو شوشة». وامتاز علي أحمد باكثير [ر] بمسرحياته التاريخية كما في «أبو دلامة» و«سلامة القس» وكتب بعض المسرحيات عن مصر القديمة مثل «أوزوريس» كما كتب المسرحيات الفكاهية مثل «قطط وفئران».
ومن أعلام المسرح المصري في النصف الثاني من القرن العشرين سعد الدين وهبة ومن مسرحياته «بير السلم» وألفريد فرج ومن مسرحياته «علي جناح التبريزي وتابعه قفة» ومحمود دياب ويوسف إدريس وعلي سالم وآخرون.
وأشهر كتاب المسرح في سورية سعد الله ونوس [ر] ومن مسرحياته «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» و«الفيل يا ملك الزمان» «والملك هو الملك» و«سهرة مع أبي خليل القباني» وغيرها. ومن الكتاب المشهورين في المسرح السوري علي عقلة عرسان ومن أعماله «السجين رقم 95» و«رضا قيصر». ومنهم مصطفى الحلاج، ومن أعماله «القتل والندم» و«الغضب»، وممدوح عدوان ومن أعماله «ليل العبيد» و«كيف تركت السيف»، وأحمد يوسف داود ومن أعماله «الخطا التي تنحدر» و«الغراب»، ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بلبل ومن أعماله «الممثلون يتراشقون الحجارة» و«العشاق لا يفشلون»، ورياض عصمت ومن أعماله «لعبة الحب والثورة» و«الحداد يليق بأنتيغون». ومنهم الأب إلياس زحلاوي ومن أعماله «المدينة المصلوبة» و«الطريق إلى كوجو»، وعبد الفتاح قلعة جي وله «ثلاث صرخات» و«السيد» وغيرها.
وأشهر كتاب المسرح في العراق هو يوسف العاني ومن أعماله «أنا أمك يا شاكر» و»المفتاح والخزانة» ومنهم نور الدين فارس وعادل كاظم وآخرون.
ومن لبنان اشتهر ميخائيل نعيمة في كتابة المسرح بمسرحيته الوحيدة «الآباء والبنون» وقد كتبها في المهجر. ومن الأجيال الجديدة روجيه عساف وآخرون. وقد ازدهر المسرح الغنائي في لبنان على حساب الأدب المسرحي العادي وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. ومن كتاب المسرح في ليبية عبد الله القويري، ومن أعماله «الجانب الوضيء» و«الصوت والصدى»... ومنهم المهدي أبو قرين وله «ذريعة الشياطين» أما أكثرهم نشاطاً فهو عبد الكريم خليفة الدناع وله «دوائر الرفض والسقوط» و«سعدون» و«المحنة» وغيرها.
ومن كتاب المسرحية في تونس: خليفة السطنبولي وقد كتب بعض أعماله بالفصحى وبعضها الآخر بالعامية، ومنها «المعز لدين الله الصنهاجي» و«سقوط غرناطة» و«أنا الجاني». ومنهم عز الدين المدني وله «ديوان الزنج» و«رحلة الحلاج» و«الغفران» وغيرها.
وفي الجزائر اشتهر كاتب ياسين وقد ألف بالفرنسية وبالعربية ومن أعماله «محمد يأخذ حقيبتك» و«حرب الألفي سنة». وكتب هنري كريا «الزلزال» كما كتب محمد بوضيا «ولادات». ومن الأسماء التي برزت بعد الاستقلال: ولد عبد الرحمن بن كاكي وعبد القادر علولة وسليمان بن عيسى وآخرون.
وفي المغرب برز اسم أحمد الطيب العلج. ومن أعماله «الوزير والفنان» و«بين نارين» وغيرهما. وهناك أسماء أخرى معروفة مثل عبد القادر البدوي، مصطفى القومي، وعبد الهادي بوزوبع، والطيب الصديقي، وعبد الكريم برشيد وغيرهم.
وفي شبه الجزيرة العربية تأصلت الحركة المسرحية في الكويت بفضل إنشاء معهد الفنون المسرحية الذي كان أول عميد له أحد رواد المسرح العربي وهو زكي طليمات. وقد وجد المسرح في الكويت كاتباً موهوباً هو صقر الرشود 1944-1978 الذي استطاع على الرغم من رحيله المبكر، أن يترك للمسرح العربي تراثاً من الأعمال الجيدة مثل مسرحية «الطين» وسواها. وقد ترجمت المسرحية المذكورة إلى الإنكليزية ضمن مجموعة مختارة من أدب شبه الجزيرة العربية، صدرت عن مؤسسة بروتا برعاية جامعة الملك سعود. ومن الشارقة في الإمارات العربية المتحدة برز اسم عبد الرحمن المناعي الذي كتب مسرحية «هالشكل يا زعفران» و«مقامات ابن بحر» و«يا ليل يا ليل».
وفي كتابة المسرحية - كما في القصة والرواية تبرز - مشكلة ذات أهمية بالغة تتعلق بلغة الحوار: أتكون فصحى أم عامية؟ أم يجمع فيها بين الاثنتين؟!
لقد ربط بعض الكتاب والنقاد الحوار بالواقع وقالوا بوجوب أن يكون مشاكلاً له، مناسباً للشخصية التي تنطق به. لذلك حاول توفيق الحكيم - كما سبقت الإشارة - أن يزاوج بين الفصحى والعامية في مسرحية الصفقة مجرباً أن يصل إلى «لغة موحدة» تقرأ بالفصحى وبالعامية في آن واحد، لكن التجربة أخفقت إذ استحالت لغة تلك المسرحية عامية خالصة في أثناء التمثيل. وتردد محمود تيمور في مسرحياته بين استعمال الفصحى والعامية فكتب بعضاً بهذه وبعضاً بتلك، ثم عاد فنقل مسرحيته «أبو علي عامل أرتيست» من العامية إلى الفصحى وسماها «أبو علي الفنان». وجرب ميخائيل نعيمة أن ينطق شخصيات مسرحية «الآباء والبنون»: المتعلمين بالفصحى، والأميين بالعامية فوقع في ازدواجية أنكرها هو ذاته إذ عاد فطبع مسرحيته كلها بالفصحى.
والواقع أن المشكلة ما تزال قائمة. فالمسرح التجاري في سورية يستعمل العامية المبتذلة، ومسرح ما بعد الحرب في لبنان يستعمل العامية على الرغم من أهمية الموضوعات المطروحة في كثير من الأعمال الجديدة. والمسرح الفكاهي في مصر يستخدم العامية المصرية كما في المسرحيتين المعروفتين «مدرسة المشاغبين» و«شاهد ما شافش حاجة». ولعل الحل يكمن في استخدام فصحى مبسطة يفهمها أبناء العروبة في مختلف أقطارهم لأن في ذلك حفاظاً على الروابط القومية وعلى اللغة العربية ذاتها.
السيرة: ظهرت السيرة la biographie بمفهومها الفني في الأدب العربي الحديث، سواء منها: الموضوعي سير الآخرين biographie أم السيرة الذاتية autobiographie. وتم ذلك بعد الاتصال بالأدب الغربي وإن كانت في الأدب العربي القديم مذكرات وسيراً غلب عليها الجانب التقريري مثل» «التعريف بابن خلدون» و«كتاب الاعتبار» لأسامة بن منقذ، و«المنقذ من الضلال» للغزالي، و«سيرة صلاح الدين» لابن شداد وغيرها.والسير هي غير تراجم الشخصيات التي كثرت وتعددت بعد الحرب العالمية الأولى في الأدب العربي الحديث مثل «تراجم شخصيات شرقية وغربية» لمحمد حسين هيكل، و«في المرآة» لعبد العزيز البشري [ر]، و«سلسلة العبقريات» لعباس محمود العقاد، و«الجاحظ» لشفيق جبري، و«صقر الجزيرة» لعبد الغفور العطار وسواها الكثير، فهذه وسط بين السيرة وما عرف قديماً في كتب التراجم مثل معجم الأدباء لياقوت الحموي وغيره من الكتب المشابهة. وهي في أسلوبها دراسة للشخصيات وعرض لوقائع حياتها، لا تصوير فني للنزعات والخلجات التي تعتمل في نفوسها، وتمثل لها وإعادة لعرضها مع تتبع نموها وتطورها وتكاملها.
وأول سيرة فنية موضوعية في الأدب العربي الحديث هي سيرة «جبران خليل جبران» وقد نشرت عام 1934 وقص فيها ميخائيل نعيمة سيرة حياة صديقه في مراحل ثلاث: «الشفق - الغسق - الفجر» واستوفى تلك الحياة محللاً ناقداً ومراعياً تقنيات السيرة الفنية. وقد مضى على هذه السيرة زمن طويل من دون أن تكتب سيرة أخرى مماثلة لها. ولعل أقرب ما يكون إليها: «حياة الرافعي» لسعيد العريان، ثم «منصور الأندلس» لعلي أدهم.
وقد جرب العقاد أن يكتب سيرة ابن الرومي مستخدماً معطيات علم النفس والتحليل النفسي في ذلك.
أما ما يتصل بالسيرة الذاتية فمنها ما يقارب السيرة الفنية، وتجلى في تناول جوانب من حياة بعض الكتاب الذين تحدثوا عن تجاربهم في الحياة كما فعل أحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على الساق» وتوفيق الحكيم في «عصفور من الشرق» و«زهرة العمر»، وعباس العقاد في «سارة»، وإبراهيم عبد القادر المازني في «إبراهيم الكاتب». وامتازت هذه كلها بأسلوب القص. لكن بعض السير الأخرى كتبت بأسلوب تقريري فكانت أقرب إلى التراجم كما في «حياتي» لأحمد أمين و«أنا» للعقاد.
وكتب أيضاً ما يشبه السيرة الذاتية بقالب مذكرات أو يوميات، كما في مذكرات كل من محمد كرد علي، ومحمد حسين هيكل، وخليل السكاكيني، و«مذكرات سجين مكافح» لإبراهيم الكتاني المغربي.
ولعل «الأيام» لطه حسين التي صدرت في القاهرة منذ عام 1927 هي أول سيرة ذاتية فنية، مع أنها يمكن أن تدرج في إطار الرواية. وقد قص الكاتب فيها - مستخدماً ضمير الغائب - نشأته في صعيد مصر وتدرجه في تحصيل العلم: من كتاب الريف إلى الأزهر فالجامعة في القاهرة. ثم تابع طه حسين قص المراحل التي تلت ذلك في باريس وبعد عودته منها في جملة مقالات نشرت من بعد في كتاب حمل اسم «مذكرات طه حسين».
ومن السير الذاتية التي قاربت أن تكون فنية «سبعون» لميخائيل نعيمة، وتقع في ثلاثة أجزاء قص فيها سيرته الذاتية في ثلاث مراحلة ضمت: مرحلة الطفولة والصبا حتى نهاية دراسته في روسية - مرحلة الشباب والهجرة إلى أمريكة حتى عودته إلى لبنان - مرحلة الكهولة والشيخوخة بعد العودة حتى بلغ السبعين. ونعيمة، وإن أغفل كثير من وقائع حياته قبل السبعين، امتاز هنا بأسلوبه التصويري، وصدقه في التعبير. ومع هذا فقد جاءت سيرته فصولاً متتابعة تفتقر إلى الترابط في كثير من أجزائها، كما ينقصها بعض تقنيات السيرة الفنية المتوافرة في ما كتبه عن جبران.
النقد الأدبي: حاول بعض رجال الأدب منذ أواخر القرن التاسع عشر تجديد النقد الأدبي وتطبيق القواعد التي كانت سائدة في العصر العباسي على الشعر خاصة. وأول هؤلاء هو حسين المرصفي الذي ألف كتاب «الوسيلة الأدبية» - طبع الجزء الأول منه عام 1289هـ والثاني عام 1292هـ - وشرح فيه بعض النصوص الشعرية القديمة لطلابه شرحاً لغوياً واتخذ من النحو والبلاغة وسيلة لإيضاح الصور والإرشاد إلى أسرار بلاغة النص موازناً بينه وبين بعض قصائد البارودي التي عارض فيها الشعراء القدامى، معتمداً في ذلك كله على ذوقه الفني المرهف. وهكذا مهد السبيل لمن جاء بعده لتجديد النقد.
وتلا كتاب المرصفي هذا كتابان نقديان الأول هو «علم الأدب عند الإفرنج والعرب» طبع عام 1904 لمحمد روحي الخالدي، والثاني هو «منهل الورّاد في علم الانتقاد» لقسطاكي الحمصي وطبع عام 1907. وكان لهذين الكتابين أثر مهم في التمهيد للحركة النقدية، وإن اقتصرا على إطلاع الأدباء العرب على بعض المذاهب والقضايا الأدبية الغربية.
ثم ظهرت كتب نقدية كان أسبقها كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين اعتمد فيه نظرية ديكارت Descartes «الشك حتى يتضح اليقين» فلقي معارضة شديدة اضطرته إلى حذف بعض فقراته وتعديله، وقد نشر تحت عنوان «في الأدب الجاهلي» عام 1926. وقد شك طه حسين في ما روي عن الجاهليين وشعرهم. وبعد البحث والمناقشة توصل إلى نتيجة مفادها أن معظم الشعر الجاهلي منتحل وموضوع بعد الإسلام.
وقد رد عليه كثير من النقاد وخاصة مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تحت راية القرآن، أو المعركة بين القديم والجديد، ونشره عام 1926. ومن كتب طه حسين النقدية «حديث الأربعاء» و«من حديث الشعر والنثر» و«فصول الأدب والنقد» وغيرها.
وقد نشرت إلى جانب ذلك كتب ومقالات مترجمة عن النقد الغربي وقواعده وأصوله ومذاهبه، ومن أبرزها ما كتبه نجيب الحداد وغيره في الموازنة بين الشعر الغربي والشعر العربي في اللفظ والقافية والمعنى، وكان هذا كله دافعاً لبعض الشعراء للخروج على تقاليد الشعر القديم. وكذلك نشرت مقالات وكتب كثيرة بعد أن قرأ النقاد العرب ما قرؤوه بالفرنسية والإنكليزية وتأثروا به. وقد نشأ عن ذلك تيار النقد الاتباعي، أي الكلاسيكي الجديد، وخاصة في مفهومه للشعر الذي يجمع بين آراء الغربيين، ويتفق - في الوقت ذاته - مع رسالة الشعر وجوهره وحسبما هو معروف عند العرب.
وظهر كتاب «الديوان» لعباس العقاد والمازني،وكتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة، وصدرا في سنة واحدة 1921 واتفقت وجهات النظر فيهما على ضرورة تجديد الأدب بالهدم ثم البناء، كما اتفقت على معظم القيم النقدية الجديدة، ولاسيما صدق التعبير عن حقيقة النفس، والدعوة إلى وحدة القصيدة، وإن اختلف نعيمة مع صاحبي «الديوان» في اللغة - وسيلة الأداء - لكن كلا الطرفين ينتميان في النهاية إلى المنهج التأثري الذاتي.
وفي الأربعينات نشطت الحركة النقدية فصدرت كتب كثيرة كان أبرزها كتاب «في الميزان الجديد» لمحمد مندور، استهدف فيه تصحيح مناهج النقد، واتبع ذلك بتفسير نصوص تطبيقية تناول فيها نقد بعض الكتب وهي «بغماليون» و«زهرة العمر» لتوفيق الحكيم، و«دعاء الكروان» لطه حسين، و«نداء المجهول» لمحمود تيمور، و«سوء تفاهم» لبشر فارس وديوان «أرواح وأشباح» لعلي محمود طه. وكذلك قام محمد مندور بنقد أدب المهجر وسماه «الأدب المهموس» وعرض لبعض مناهج النقد العربي القديم، ولدراسة أوزان الشعر الأوربي والشعر العربي وقد سمي منهجه في هذا الكتاب «المنهج الأيديولوجي» وهو يعنى فيه بقيمة الأدب الجمالية إلى جانب اهتمامه بالمضمون، ويوضح منهجه في تطبيقه على أبي العلاء المعري، المعرفة والنقد، وهو منهج ذوقي تأثري يقوم على نوعين من المعرفة: معرفة أثناء النقد وهي المعرفة الأدبية اللغوية، ومعرفة تسبق النقد وهي نوعان: معرفة بأصول النشر - فيما يتعلق بالمخطوطات، ومعرفة بأوزان الشعر.
والواقع أن الكتب الثلاثة السابقة، أي «الديوان» و«الغربال» و«في الميزان الجديد» تعد أبرز معالم النقد العربي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، ويتفق أصحابها في المنهج التأثري المعتمد على الذوق الشخصي، وترجع في أصولها إلى منابع الثقافة الغربية الإبداعية الرومانسية التي نهل منها هؤلاء وإن كان العقاد والمازني ونعيمة قد تأثروا بالثقافة الإنكليزية في حين تأثر مندور بالثقافة الفرنسية.
إلى جانب الكتب السابقة التي تناولت الشعر والنثر والمقاييس النقدية ظهر في مصر عام 1948 كتاب خاص بنقد الشعر هو «الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث» لمصطفى السحرتي عرض فيه لمذاهب النقد الفني والواقعي والفقهي، ولمقاييس النقد الفني للتجربة الشعرية، فتناول الصياغة، والأخيلة، والموسيقى، والأسلوب، والألفاظ، والوحدة الشعرية، والانفعالات، والفكر في الشعر... ثم تطرق إلى الشعر الرمزي، وتحدث عن بعض الكتب النقدية مثل «الديوان» للعقاد والمازني، و«على السفود» للرافعي و«حديث الأربعاء» لطه حسين و«في الميزان الجديد» لمندور، كما تعرض لبعض الشعراء المعاصرين في ضوء المذاهب الأدبية والنقدية والاتباعية والإبداعية والواقعية مستهدفاً نهوض الأدب المعاصر وإنصاف الموهوبين لا انتقاصهم، وشمولية النظرة إلى العمل الأدبي والعناية بالتيارات الجديدة مثل الرمزية symbolisme والسريالية surréalisme والواقعية réalisme.
أما سائر الكتب النقدية التي يصعب إحصاؤها فيمكن ردها إلى التأثر ببعض المناهج والاتجاهات السابقة وإن تنوعت ميادينها وآفاقها.
وقد دفعت حركة الشعر الجديد شعر التفعيلة إلى إنشاء نقد يسوغها ويتابع جديدها ويبين ما في صورها ولغتها من حداثة يعاد تأصيلها في ماضي الشعر العربي ومن أبرز الكتب التي ظهرت في مصر حول هذه الحركة كتاب محمد النويهي «قضية الشعر الجديد». وقد لقيت هذه الحركة متابعات واسعة في مختلف أقطار الوطن العربي.
ومن جهة أخرى فإن ازدهار الرواية أنشأ هو الآخر حركة نقدية حولها أخذت تتسع منذ الستينات. وكان للترجمة وللاطلاع الواسعين على المناهج النقدية الجديدة في الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين آثار كبيرة في استخدام تلك المناهج واقعية اشتراكية - بنيوية - تفكيكية.. إلى آخره في نقد النتاج العربي الجديد فكثرت الكتب الموضوعة حول ذلك إذ طبقت المناهج المذكورة على هذا النتاج الجديد بنجاح أو إخفاق، كما وضعت الكتب التي تعرف بهذه المناهج مستنسخة إياها من مصادرها الأوربية بتعديل أو من دون تعديل.
وبالمقابل ظهرت حركة تحتفي بإحياء نظريات النقد العربي القديم ومناهجه وخصوصاً منهج الجرجاني، وكتبت في ذلك كتب تؤرخ لتلك المناهج وتقارن بينها وبين المناهج الغربية.
ومن أهم أسماء النقاد الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين: لويس عوض وغالي شكري ومحمود أمين العالم ومحمد أحمد عطية من مصر،ومحمد برادة ومحمد بنيس من المغرب، وإحسان عباس من فلسطين، وناصر الدين الأسد من الأردن، ومحمد كامل الخطيب ومحي الدين صبحي وجمال باروت وغيرهم من سورية، وحسين مروة وغيره من لبنان.
ولا يخلو قطر عربي من نقاد متابعين - في الصحف والمجلات أو الكتب - لأغلب مايصدر من أعمال متنوعة على كثرتها، وتشكل نتاجات أساتذة الجامعات وأطروحات الماجستير والدكتوراه كتباً نقدية لا يمكن إغفالها كما لا يمكن حصرها وحصر أسماء أصحابها لكثرتهم وكثرة نتاجهم على أهميته.
على أن الحركة النقدية العربية إجمالاً لا تزال بعيدة عن استنباط مناهج جديدة تلائم ما للغة العربية وأساليبها التعبيرية من خصوصية، وما للثقافة العربية الموروثة من سمات تتجلى - ضرورة - في النتاج الجديد معبرة عن استمرار روحية هذه الثقافة وفعلها الحي في الأدب العربي المعاصر.
تطور النثر العربي الحديث وأساليبه: يتضح مما تقدم أن أنواعاً نثرية جديدة ظهرت في الأدب العربي الحديث لم تكن معروفة على هذا النحو من قبل، وهي: المقالة - القصة - الرواية - المسرحية - السيرة، وأن الكتاب تناولوا في هذه الفنون موضوعات جديدة اقتضاها العصر الحديث منها: الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية خاصة. وأن أساليب الكتاب في كل منها ظل متسماً بالطابع الأدبي الصرف على الرغم من التأثر بأسلوب الصحافة من حيث المرونة والبعد عن التكلف والمحسنات البديعية كما كان شائعاً قبل القرن التاسع عشر.
وفي إطار الحديث عن النثر تذكر الأبحاث الفكرية التي تتناول قضايا التراث وإعادة قراءته وقضايا العصر العالمية والقومية والمحلية، إضافة إلى قضايا العلوم المعاصرة.. وما إلى ذلك.
وقد كان للاستعمار ثم للتبعية الاقتصادية في الوطن العربي آثار مهمة في دفع الكتاب جميعاً للإسهام بأعمالهم الأدبية والفكرية - في الدعوة إلى التحرر والوحدة القومية ومحاربة الظلم ودفع الاستبداد في المراحل المختلفة من القرنين التاسع عشر والعشرين.
لقد عالج الكتاب مشكلات مجتمعاتهم العربية وأمتهم على اختلافها وتنوعها ونبهوا إلى المفاسد العامة الناجمة عنها ودعوا إلى الإصلاح أوالثورة، كل بحسب اتجاهه ورأيه. وفي مقدمة المشكلات التي تطرق إليها الكتاب هنا: الفقر والجهل وتحرر المرأة الذي لقي عناية خاصة هدفت إلى إطلاق طاقات «نصف المجتمع» وزجها في المعركة القومية التحررية الحضارية.
وطبيعي أن تكون أساليبهم طيعة لينة يستطيع جميع المعلمين أن يتلقوا ما فيها بيسر ووضوح. وكانت الصحافة هي الميدان الأكثر رحابة لعرض المشكلات وإبداء الرأي فيها، وكان لذلك أهم الأثر في الليونة والتطويع المذكورين.
أما الأبحاث الفكرية على اختلافها فهي - ضرورة - موجهة لذوي الثقافة العالمية وللمهتمين أو المتخصصين. ولذلك فهي تلتزم حدوداً من أساليب التعبير لا يمكنها النزول دونها.
وفي الموضوعات الأدبية الصرف اتسعت تجارب الكتاب الإنسانية فتنوعت المضامين تبعاً لها. فإلى جانب الأغراض القديمة كثرت العناية بالوصف، وبوصف الطبيعة خاصة، والإعراب عن المشاعر النفسية المختلفة تجاهها من حزن وفرح وتشاؤم وتفاؤل مع مزج ذلك كله بوصف الطبيعة أحياناً كما يفعل الإبداعيون. وقد عني كثير من الأدباء بالتعبير عن موضوعات إنسانية وفلسفية عامة متأثرين بما اطلعوا عليه من ثقافات وآداب غربية، وبرز ذلك عند أدباء المهجر أكثر من سواهم.
ولئن كانت الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية تقتضي العناية بالمعنى أكثر من الأسلوب فإن تلك الموضوعات الأدبية تمتاز بعنايتها بالأسلوب إلى جانب المعنى. فالألفاظ فيها أنيقة مختارة، والعبارات موشحة بالأخيلة والصور ومحلاة بالتوازن أحياناً أو ببعض السجعات العرضية، مع شيء من الاقتباس والتضمين أحياناً أخرى.
وإلى جانب ذلك برز عنصر اللغة العصرية الغنية بمفرداتها، وبمرونة استجابتها للصياغة والقوالب الفنية الجديدة التي اقتضاها تطور العصر ومستحدثات الحضارة. ودارت حول اللغة مناقشات نقدية كثيرة اختلفت فيها وجهات النظر بين الجديد والقديم، وتبعاً لهذا الاختلاف تنوعت طرائق تعبير الكتاب تنوعاً واسعاً حتى كاد يكون لكل كاتب «لغته» ومفرداته، ومن ثم أسلوبه الخاص المتميز به من غيره. وهكذا ارتقى النثر الأدبي العربي الجديد وأضحى عالمياً وترجم كثير منه إلى لغات العالم الحية المختلفة.
الشعر
فنونه وتطوره:
ظل الشعر في أوائل القرن التاسع عشر مثلما كان عليه عند أكثر شعراء عصور الدول المتتابعة من صنعة وتكلف، وظلت أغراضه هي جملة الأغراض التقليدية من مديح وهجاء وغزل ورثاء ووصف إضافة إلى الإخوانيات. وظلت الشكلية اللفظية هي السائدة إضافة إلى ما عرف في «عصر الانحطاط» من كثرة الاقتباس والتضمين، أو التخميس والتشطير لقصائد معروفة.
وتبدأ بوادر نهضة الشعر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ثم تتسع في أوائل القرن العشرين.
وعرفت هذه المرحلة باسم «مرحلة الإحياء» حين أعيد للشعر العمودي إشراقه ورونقه، وللصياغة قوتها وإحكامها، وبعثت فيه الروح من جديد على أيدي بعض الشعراء كان في مقدمتهم محمود سامي البارودي الذي كان تجديده مرتبطاً بالأسس الشعرية القديمة.
وتلا البارودي نفر من الشعراء البناة، في مصر والشام والعراق خاصة، كان منهم: إسماعيل صبري وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وخليل مطران، ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، وتابع خطا هؤلاء نفر آخر من الشعراء البارزين أمثال: محمد البزم، وخليل مردم، وشفيق جبري، ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل)، وخير الدين الزركلي، وسواهم. وقد أعقبت مرحلة البناء هذه مرحلتان من التجديد تمتد الأولى مابين نهاية الحرب العالمية الأولى وأوائل الخمسينات، وتمتد الثانية منذ الخمسينات حتى اليوم. وسيرد التفصيل فيهما لاحقاً.
وظهرت في الشعر العربي في العصر الحديث بعض الفنون الشعرية التي لم تكن معروفة قديماً وهي:
الشعر المسرحي: نظم الشعراء الشعر المسرحي poésie dramatique بعد اطلاعهم على مسرحيات فرنسية وإنكليزية مثل مسرحيات شكسبير وموليير وكورني وراسين. ويكاد الباحثون يجمعون على أن أقدم مسرحية شعرية عربية هي «المروءة والوفاء» لخليل اليازجي، ظهرت عام 1876. وأشهر شعراء المسرحية وأولهم أحمد شوقي. وقد نظم مسرحية «علي بك الكبير» عام 1893 حين كان في باريس لكنه لم يرض عنها فلم ينشرها. ثم نظم مسرحية «دل ويتمان» عام 1899، وبعدها «ورقة الآس» التي نشرها في جريدة الأهرام عام 1904. ثم انقطع بعدها عن نظم المسرحيات حتى عام 1927 - عام منحه لقب أمير الشعراء - فنظم فصلاً من «مصرع كليوباترا» وأتمها عام 1929 وتابع بعدها نشر عدة مسرحيات حتى وفاته سنة 1932 هي:
«قمبيز» و«مجنون ليلى» و«علي بك الكبير» و«عنترة» و«الست هدى» وكلها مآس مستوحاة من التاريخ عموماً ما عدا الأخيرة، فهي ملهاة اجتماعية.
ويلي شوقي عزيز أباظة [ر] الذي نظم على غراره مسرحيات كثيرة منها «العباسة أخت الرشيد و»عبد الرحمن الناصر» و«شهريار» و«شجرة الدر» و«غروب الأندلس». وجرب علي أحمد باكثير أن ينظم بعض المسرحيات بالشعر المرسل - كما فعل شكسبير - مثل «أخناتون» و«نفرتيتي» ولكنها لم تلق نجاحاً فعدل عنها ونظم مسرحية «قصر الهودج» على طريقة شوقي وأباظة. وتابع هؤلاء عدنان مردم في سورية فنظم بين عامي 1967 و1986 بضع عشرة مسرحية كلها مأساوية، عدا «المغفل» و«القزم» فهما ملهاتان. وقد استوحى بعض مسرحياته أو بعض شخصياتها من التاريخ العربي القديم ومنها «الملكة زنوبيا» و«الحلاج» و«رابعة العدوية» و«مصرع غرناطة»، وبعضها الآخر من الأحداث القومية المعاصرة مثل «فلسطين الثائرة» و«دير ياسين». وربما كانت مسرحية «مأساة الحلاج» للشاعر صلاح عبد الصبور واحدة من أجمل المسرحيات المكتوبة شعراً وأرقاها وقد كتبها صاحبها بالشعر الحر.
ومما لا ريب فيه أن المسرحية الشعرية لم يعد لها مكان في العصر الحاضر لأن التمثيل عامة يحاول التعبير عن مشكلات الحياة العادية، أي محاكاة الواقع، والأمر الذي يقتضي أن تكون لغته وطريقة كتابته وأدائه مشاكلتين لتلك المشكلات الواقعية.
الشعر القصصي: كثر إقبال الشعراء على نظم الشعر القصصي poésie narrative في العصر الحديث، وتنوعت موضوعاته، فكان منها التاريخي والديني والأدبي، من ذلك ما نظمه خالد الجرنوسي لبعض قصص القرآن في ديوانه «اليواقيت»، وعبد الرحمن شكري في قصة «النعمان ويوم بؤسه»، وأحمد عبد المعطي حجازي في «مذبحة القلعة»، وعمر أبو ريشة في «كأس» عن ديك الجن الحمصي. ونظم بعض الشعراء القصص الوعظية التعليمية على لسان الحيوان، أو الحيوان والإنسان، وتستهدف هذه مغزى سياسياً أو خلقياً أو إنسانياً كما فعل شوقي في الجزء الرابع من ديوانه «الشوقيات». ونظم بعضهم قصصاً تناولت بعض القضايا الاجتماعية مثل «الريال المزيف» لكل من طانيوس عبده وبشارة الخوري (الأخطل الصغير). واتجه بعضهم إلى نظم موضوعات وطنية في قصص شعرية مثل خليل مطران في «فتاة الجبل الأسود» و«مقتل بزرجمهر». ومن هؤلاء خير الدين الزركلي في «العذراء» عن قصة دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية واستشهاد يوسف العظمة. ومنهم صلاح عبد الصبور في «شنق زهران» عن حادثة دنشواي. إلى غير هذا من غزارة شعرية قصصية. وكانت لغة هؤلاء الشعراء مرنة طيعة في القصص إذ استطاعوا أن يوفقوا بين فني القصة والشعر. على أن ما نظم من القصص بالشعر الحر أكثر طواعية لتصوير المواقف والأحداث ورسم الشخصيات، لمايتمتع به من حرية في توزيع التفعيلات مما يمكن من تحقيق الوحدة العضوية المناسبة للقصة.
الشعر الملحمي: لم ينظم الشعراء العرب الشعر الملحمي poesie epique بالمعنى الدقيق المعروف عند الغربيين، ولاسيما عند اليونانيين مثل «الإلياذة» و«الأوديسة» لهوميروس أو «الإنيادة» لفرجيليوس بل نظموا ما هو أشبه بالملاحم. وهي مطولات توافرت فيها بعض شروط الملحمة كعنصر القص والتاريخ والأسطورة أحياناً من دون سائر الشروط الملحمية من تصوير الوقائع البطولية الخارقة في سيرة شخص أو تاريخ أمة. ومن هذه المطولات التي سميت ملاحم: ملحمة «عيد الغدير» للشاعر اللبناني بولس سلامة، و«الملحمة الإسلامية» لأحمد محرم. وقد سميت مطولة الشاعر المهجري الجنوبي فوزي معلوف [ر] «على بساط الريح» ملحمة، وما هي سوى رحلة خيالية إلى العالم العلوي، وكذا مطولة «عبقر» لأخيه شفيق معلوف التي هي رحلة خيالية إلى وادي عبقر بصحبة شيطانه دليلاً يطوف به في ذلك الوادي الذي هو رمز لمصدرية الإلهام الشعري في الذهن العربي القديم. وهذه المطولة يرمز فيها صاحبها إلى الحياة الدنيوية المملوءة بالشرور والآثام جاعلاً من الحب - في النهاية - علاجاً لها كلها.
لقد طور شعراء التفعيلة الشعر الحر مفهوماً جديداً لما سمي الشعر الملحمي. وهذا المفهوم يعني بدوره مطولات تصور أوضاعاً عامة يعيشها الشعب أو الأمة منظوراً إليها من الأفق الخاص للشاعر إذ تمتزج تجاربه الذاتية بالبيئة وأحداثها وبالأساطير وحكايات البطولات الفردية والعامة والأسطورية، مستخدمة كلها في إلماحات خاصة يستند فيها الشاعر على ذاكرته الثقافية والحكائية مع نقل ذك كله دليلاً من الخاص إلى العام فيتم الإفصاح عن حقائق مجتمعية وإنسانية وكونية في وقت واحد، وفي برهة من برهات علاقات الشاعر بأوضاع مجتمعه وعصره.
ولعل أول من كتب مثل هذا النوع من الشعر الملحمي وأكثر شعرائه شهرة هو بدر شاكر السياب من العراق في قصائد عدة منها «أنشودة المطر» و«المومس العمياء». أما خليل حاوي من لبنان فقد أبدع عدداً من قصائده الشهيرة المنتمية إلى هذا النمط مثل «قيامة إليعازر» و«رحلة السندباد الثامنة». ويعد أدونيس من أكثر شعراء الشعر الملحمي شهرة وهو الذي قدم الرؤية النظرية لهذا النمط في كتابه «زمن الشعر»، ومن قصائده «تحولات الصقر» و«إسماعيل» و«أحوال ثمود» وسواها الكثير. ولا يقل محمود درويش شهرة عن أدونيس في كتابة هذا النمط من القصيدة إذ تمتزج الغنائية لديه بما سبق ذكره من سمات سابقة. ومعظم مجموعاته التالية لمجموعة «أحبك أو لا أحبك» حافلة بهذا النوع من القصائد. ويعد الشاعر محمد عمران واحداً من أبرز من كتبوا هذا الشعر الملحمي في سورية، ومن أهم أعماله «مراثي بني هلال» وديوانه «كتاب الملاجة» وقصيدته «شاهين» التي تحكي قصة أحد الفلاحين المتمردين على الإقطاع وعلى الاستعمار الفرنسي معاً.
الشعر الغنائي أو الوجداني: يدخل ضمن الشعر الغنائي poésie lyrique معظم ما أثر عن الشعراء العرب القدامى والمعاصرين، لأن بواعثه تتصل بوجدان الشاعر، وهو المحرض الرئيس لعملية الإبداع الشعري. وإذا كانت حركة الإحياء وأعلامها في مختلف الأقطار العربية تنتمي إلى الاتباعية (الكلاسيكية)، فإن كثيرين من رواد الإحياء حاولوا التجديد بعد الاطلاع على الشعر الغربي فكانت هناك اتباعية جديدة تختلط بنفحات إبداعية (رومانسية)، حتى إن هذه النفحات لتتغلب على الجوانب الاتباعية.
وقد بدأ الشعراء تطوير الشعر الغنائي العربي وتجديده منذ محمود سامي البارودي - كما تقدم - لكن جهودهم في ذلك اتجهت إلى النواحي الفنية فكانوا يولون اهتماماً كبيراً للصياغة القديمة في معالجة الموضوعات الجديدة مثل القضايا القومية، والاجتماعية، والتأملية. ومن أبرز شعراء الإحياء وأكثرهم شهرة أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم الذي اشتهر بأشعاره الرثائية وبأنه «شاعرالشعب» لمنافسته أحمد شوقي على شهرته، ولارتباط شوقي بالقصر الملكي مقابل ارتباط حافظ بالشعب وقضاياه، وكلاهما من القطر المصري.
وفي ليبية اشتهر من شعراء الإحياء سليمان الباروني وإبراهيم الأسطة عمر. وفي تونس برز اسم محمود بيرم التونسي، كما برز في الجزائر اسم ابن باديس ومحمد العيد خليفة ومفدي زكريا وغيرهم. أما في المغرب فتبرز أسماء مصطفى المعداوي ومحمد الحبيب الفرقاني وغيرهما. وفي السودان برز اسم الشاعر التيجاني بشير. وقد تميزت قصائد هؤلاء الشعراء على اختلاف أقطارهم، بالتزامها الشكل القديم للقصيدة، وبكونها صرخات احتجاج على الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنكليزي، وصرخات احتجاج على واقع الحياة المعيشية للشعب وما يعانيه من ظلم وقسوة ومرارة في ظل سيطرة المستعمرين وأعوانهم في الداخل.
وفي العراق يبرز اسم الشاعر عبد الغفار الأخرس بصفته أهم الشعراء الإحيائيين هناك. أما في السعودية فيبرز اسم محمد بن عبد الله العثيمين، وفي الكويت اسم الشاعر فهد العسكر، وفي شمال اليمن أسماء: محمد محمود الزبيري، وإبراهيم الحضراني، وأحمد الشامي، ويناظرهم في الجنوب اليمني محمد سعيد جرادة.
ومن أهم شعراء البحرين الشاعر إبراهيم العريض الذي امتزج عنده الإحياء بتجديد يحتفي كثيراً بالنفحات الرومانسية.
ولعل أكثر المجددين شهرة في إطار القصيدة الكلاسيكية على امتداد الوطن العربي، خليل مطران، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) من لبنان وعمر أبو ريشة ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل) ونديم محمد من سورية، وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل، وأسماء أخرى سترد لاحقاً، من مصر، وأبو القاسم الشابي من تونس، إضافة إلى كثير من الشعراء المهجريين, ويقع هذا التجديد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى ابتداء الخمسينات.
وكان التجديد عموماً يتم بمبادرة ذاتية، لكن بعض الشعراء أخذوا يتكاتفون ويؤلفون التجمعات الأدبية للإسهام في دفع حركة الشعر العربي وتطويره. ومن هذه التجمعات أربعة:
1- مدرسة الديوان التي قامت في مصر عام 1921 على أيدي عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري. وهؤلاء تأثروا بالشعر الإنكليزي وخاصة بمجموعة «الكنز الذهبي» التي تضم بعض قصائد الشعر الغنائي منذ عصر شكسبير حتى نهاية القرن التاسع عشر. وقد انفصل شكري عن زميليه لخلاف نشب بينهم. وبقي الأولان اللذان أعربا في كتاب «الديوان» عن ضرورة تطوير الشعر العربي وتجديده. وامتاز مذهبهما - كما قالا - بأنه إنساني مصري عربي، وإنه ثمرة لقاح القرائح الإنسانية عامة. وقد فصل العقاد أسس هذا التجديد فأراد للشاعر أن يعبر بصدق عن مزاجه وشخصيته ونظرته إلى الحياة وتفسيره لها، وأن تكون القصيدة مترابطة عضوياً «كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث لو اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها». وقال أيضاً: «القصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته» وعلى الشاعر أن «يكتنه حقائق الحياة ويلتزمها في غير شطط ولا إحالة وأن يغوص على جوهرها» وأن «تؤلف الصورة البيانية لنقل الأثر النفسي للمشبه به من وجدان الشاعر إلى وجدان القارئ، لا أن تقف عند حدود الحواس الخارجية». وقد طبق العقاد هذه المبادئ علىشعر شوقي ونقده نقداً لاذعاً، واتهمه بالإحالة - وهي المبالغة لدرجة إفساد المعنى - ومخالفة الحقائق والولوع بالعرض دون الجوهر. واضطلع المازني بنقد حافظ إبراهيم ووسم شعره بأنه «سياسي أو صحفي» إذ هو شعر مناسبات يومية طارئة، وأنه بعيد عن الصدق.
وانطلاقاً من هذه الأسس حاول العقاد أن يجدد في ديوانيه «هدية الكروان» المطبوع عام 1933 و«لا عابر سبيل» المطبوع عام 1937. لكن تجديده عموماً كان في محاولته مراعاة الوحدة العضوية في القصيدة إلى جانب وحدة الموضوع، وإلى حد ما: التجديد في شكل القصيدة لا في اكتناه حقائق الحياة والغوص على جوهرها - كما أراد هو لشوقي - وإن كان مفهومه للوحدة العضوية يختلف عما سيكون لاحقاً عند أصحاب الشعر الحر.
والواقع أن هذه الحركة التجديدية لم تبلغ مدى واسعاً يصح معه أن تسمى مدرسة بالمعنى الصحيح المعروف للكلمة في المدارس الغربية، كما لم يكن لها أتباع يسيرون على هديها فهي لا تعدو أن تكون تجمعاً أدبياً محدوداً انفرط عقده بعد مدة وجيزة.
2- أما التجمع الثاني فهو «الرابطة القلمية»، ففي الوقت الذي ظهر فيه «الديوان» كانت فئة من المهجريين الشماليين تنادي بتجديد الشعر. وكان هذا في كتاب «الغربال» الذي ضمنه ميخائيل نعيمة مبادئ جمعية «الرابطة القلمية» المتأسسة في نيويورك عام 1920، ومقاييسها الأدبية، وغايتها التي هي الصدق في التعبير و«بث روح نشيطة في جسم الأدب العربي، والخروج بآدابنا من دور الجمود والتقليد إلى دور الابتكار في جميل الأساليب والمعاني».
وقد تأثر أعضاء هذه الرابطة كذلك بالأدب الإنكليزي والأمريكي وخاصة بما جاء به الشاعر والت ويتمان W.Whitman وخطا هؤلاء خطوة واسعة في تجديد موضوعات الشعر وشكله في آن واحد، واستعاروا بعض الأطر من الشعر الغربي، واستعملوا الموشحات والمخمسات والشعر المرسل vers blancs والشعر المنثور. ويبدو التجديد عند نعيمة في ديوانه «همس الجفون» وعند إيليا أبو ماضي في «الأعمال الكاملة» وعند نسيب عريضة في ديوانه «الأرواح الحائرة» وعند رشيد أيوب في ديوانيه «أغاني الدرويش» و«هي الدنيا» وعند جبران في «المواكب» وغيرهم. ومع ذلك فقد ظل تجديدهم في الأوزان - إلا ما ندر - ضمن حدود العروض والبحور الخليلية المعروفة، وإن كان من الجائز أن يعد نسيب عريضة واضع أول بذرة من بذور الشعر الحر في قصيدته «النهاية». أما تجديدهم في المضمون، فإنه قد كان لهم الفضل في نظم الشعر التأملي والشعر الإنساني، وأكثروا من نظم شعر الحنين إلى الوطن لشعورهم بالغربتين: الوطنية والنفسية. وفضلاً عن ذلك تساهلوا في اللغة الشعرية، واستعملوا بعض الألفاظ العامية أحياناً، وجددوا - وخاصة أبو ماضي - في الكلمة الشعرية، وجعلوها تتسع لمضامين الحياة الاجتماعية والفكرية، وللمشاكل النفسية، من دون أن تخرج من إطار البساطة والوضوح. ونادوا كذلك بوحدة القصيدة لكنهم عنوا بها تجنب الخلخلة في أبياتها، والتعدد في أغراضها. وكتب بعضهم الشعر المنثور وهو المتحرر من قيود الأبحر العروضية كما في بعض ما ورد عند جبران في كتابه «رمل وزبد»، وإن سبقه إلى ذلك أمين الريحاني الذي يعد من شعراء المهجر الشمالي - لكنه لم ينتم إلى الرابطة القلمية - وقد بدا تجديده في أطر استعارها من الشعر الغربي وبث شعره المنثور في كتابه «الريحانيات» ثم جمعه أخوه ألبرت مستقلاً في كتاب «هتاف الأودية».
3- وأما التجمع الثالث فهو «جمعية أبولو» التي أسست عام 1932 بجهود أمين سرها أحمد زكي أبي شادي، ورُئِّس عليها أستاذه خليل مطران،وكان من أبرز أعضائها أحمد محرم وحسن كامل الصيرفي وعلي محمود طه [ر] وإبراهيم ناجي [ر] وأبو القاسم الشابي وغيرهم.
وتتلخص أهدافها في السمو بالشعر العربي، ومناصرة نهضاته الفنية، ولكن من دون الالتزام باتجاه معين، فلكل عضو الحرية في التعبير عن الموضوع الذي يريد بالأسلوب الذي يرتضيه. وقد تأثر أعضاؤها - كمن سبقهم - بالشعر الغربي: الفرنسي والإنكليزي، ولاسيما الإبداعي منه، لكنهم كانوا كذلك همزة وصل بين الشعر العربي والمذاهب الغربية من واقعية وإبداعية ورمزية، إذ يرجع الفضل إليهم في اطلاع العرب عليها في مجلتهم «أبولو». وقد تجلى تجديدهم في الشكل والمضمون كما عند أبي شادي في دواوينه «أنداء الفجر» و«أطياف الربيع» و«الشفق الباكي» التي اشتمل بعضها على الشعر المرسل. وعند إبراهيم ناجي في ديوانيه «ليالي القاهرة» و«وراء الغمام»، وعند علي محمود طه في دواوينه «الملاح التائه» و«زهر وخمر» و«ليالي الملاح التائه» و«أرواح شاردة»، وكما عند أبي القاسم الشابي في ديوانه «أغاني الحياة»، وحسن كامل الصيرفي في ديوانه «صدى ونور ودموع».
وقد توخى معظم شعراء «أبولو» جعل الصلة محكمة بين أجزاء القصيدة لتحقيق وحدة الموضوع ووحدة الفكر ووحدة المشاعرفي آن واحد، ولعل رئيسهم مطران هو أول من نبه على هذه الوحدة في مقدمة ديوانه الذي طبع عام 1890.
4- وأما التجمع الرابع فهو «العصبة الأندلسية». والواقع هو أن هذا التجمع كان واحداً من عدة تجمعات أدبية في المهجر الجنوبي، وكان أشهرها وأهمها. ففي البرازيل أسس قيصر المعلوف «رواق المعري» وفي الأرجنتين تأسست «الرابطة الأدبية» عام 1949 وتولى أعمالها جورج صيدح. أما «العصبة الأندلسية» فقد أسسها أدباء عدة عام 1933 ورأسها ميشيل المعلوف.
وأهداف هذه الجمعيات كلها متفقة على ضرورة تجديد الشعر، ولكن أدومها وأنشطها «العصبة الأندلسية» وكان من أعضائها حبيب مسعود، ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وأخوه قيصر، وشفيق المعلوف وإلياس فرحات ونصر وسمعان ورياض المعلوف. وكانت مجلتهم «العصبة» مسرحاً لنشاطهم الأدبي وأوجدوا الصلات القلمية بينهم وبين سائر أندية الأدب العربي، ولكنهم أجمعوا على ترسم أساليب الفصحى فلم يضحوا بها في سبيل التجديد - كما فعل أكثر أعضاء الرابطة القلمية - وقد وقفوا معظم شعرهم على القضايا القومية وخاصة قضية فلسطين كما في شعر القروي وفرحات وأبدعوا في الحنين إلى الوطن، إلى جانب الشعر الإنساني والتأملي، ودعا بعضهم دعوة شبه عقائدية إلى التمسك بحقوق الإنسان واحترامه بصرف النظر عن جنسه ولونه ووطنه، وكان تجديدهم في الأوزان والقوافي محدوداً. إن هذه التجمعات تعكس صورة لمستويات من التأثر بالشعر الغربي عموماً، والإبداعي منه خصوصاً، وفي مجريات تطور الشعر العربي بعد مرحلة الإحياء الأولى أو المرحلة الاتباعية، مثلما تبين بقاء هذا التأثر ضمن إطار الأشكال الفنية الشعرية المتوارثة إلا ما ندر. وبهذا المعنى سبق الحديث عن اتباعية جديدة، مطعمة بنفحات إبداعية بهذه الدرجة أو تلك اصطبغت بصبغتها حركة الشعر العربي منذ مستهل العشرينات حتى مستهل الخمسينات.
وإذا كان هذا التطور قد مهد للنقلة الواسعة التي حدثت في الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين أي لولادة الشعر الحر، فإن كثيرين من الشعراء العرب لا يزالون يكتبون القصيدة الاتباعية الجديدة، وبعضهم يكتب إلى جانبها قصيدة «الشعر الحر» أو «شعر التفعيلة». ومن أشهر هؤلاء الشعراء: عبد الله البردوني من اليمن، ونزار قباني وسليمان العيسى وحامد حسن من سورية، ونجيب جمال الدين وغسان مطر من لبنان، ويوسف الخطيب من فلسطين، ومصطفى جمال الدين من العراق، والشاعر المهجري اللبناني زكي قنصل، ومانع سعيد العتيبة من الإمارات العربية المتحدة وغيرهم كثيرون.
الشعر الحر أو شعر التفعيلة: من المؤكد أن أهم نقلة تطورية للقصيدة العربية في العصر الحديث قد حدثت مع ولادة قصيدة «الشعر الحر» أو «قصيدة التفعيلة» بحسب أكثر التسميات شيوعاً. وهاتان التسميتان يرتبط منطوقهما بالتجديد على مستوى الشكل، ولكن الواقع أن التجديد قد شمل المجموع البنائي للقصيدة العربية، شكلاً ومضموناً، ولغة، وأسلوب تصوير وترميز، ومحتوىً دلالياً، ووحدة بنيان فني إجمالي.
وهذا النمط من القصيدة العربية يعتمد صيغاً من الإيقاع إذ يختلف عدد التفعيلات بين بيت وآخر بحسب احتياج الدفقات الشعورية واللاشعورية، والانفعالية والوجدانية، وبحسب مقتضيات التعبير عن حال عاطفية داخلية أو بعض منها، وبالتالي لم يعد الشاعر ملتزماً قافية واحدة أو روياً واحداً يتكرر أو يتنوع بحسب نظام معين، بل عوض عن ذلك بالإيقاع الداخلي وبرنين القافية التي تراعى في بعض الأبيات. ومن جهة أخرى لم يعد الشاعر يقصر التصوير البياني على أشكاله القديمة التي تظهر فيها كل صورة مستقلة بذاتها ومعبرة عن فكرة محددة، بل تدرج في اعتماد نمط من التصوير المتداخل المتشابك التدفق الذي يقود إلى صوغ «مشهد حركي» - كما في التصوير السينمائي، على سبيل التقريب - يعبر عن «حال شعرية» تُستشف منها دلالات متنوعة لا أفكار ثابتة، وتترابط المشاهد المتوالية في بنيان شعري متكامل يشكل المجموع الكلي للقصيدة التي تعكس «تجربة» ذاتية للشاعر في تمثله الفكري والانفعالي والوجداني لبرهة من سياق الحياة في مكان وزمان معينين، ولكن في إطار من التضافر الدلالي بين الخاص والعام وبين الجزئي والكلي، وبين الذاتي والموضوعي، وبين الآني والمطلق.
وقد عرف هذا النمط من القصيدة، أول الأمر، باسم «الشعر الحر» ثم عرف باسم «شعر التفعيلة»، كما دعي باسم «الشعر الحديث» ولكن هذه التسمية تبدو فضفاضة ومطاطة.
ولقد اختلف الباحثون في تاريخ باكورة هذا الشعر وفي رواده، فأرجعه بعضهم إلى الموشحات التي حاول ابن خلدون أن يحصي أوزانها فلم يستطع لخروجها عن الحصر. وأرجعه بعضهم إلى العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديداً إلى قصيدة «النهاية» لنسيب عريضة التي نظمت في الحرب العالمية الأولى متأثراً بما نجم عنها لشعبه من كوارث وضحايا. ولكن نازك الملائكة تذكر في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» أنها هي أول من نظم بهذا الشعر قصيدتها «الكوليرا» في 27/10/1947 ونشرتها لها مجلة «العروبة» اللبنانية في بيروت يوم 1/12/1947، وقد عبرت فيها عن حزنها لضحايا مصر حين اجتاحها وباء الكوليرا، كما تذكر أن قصيدتها أسبق من قصيدة بدر شاكر السياب «هل كان حباً» الذي يعده كثير من الباحثين الرائد الأول. وقد أثبتت في كتابها المذكور أنها سبقته إلى نشر قصيدتها بنحو شهر وعشرين يوماً مع أن قصيدة السياب أرخت في ديوانه في 29/11/1946.
والواقع أنه لا يمكن التثبت من الأسبق إلى نظم هذا الشعر على وجه الدقة والتحديد، فضلاً عن أن هذا لا يقدم شيئاً ولا يؤخر. ولكن من المحقق أن هؤلاء الشعراء جميعاً، ومن جاء بعدهم، تأثروا بالشعر الغربي الحديث على نحو مباشر أو غير مباشر، وقد صرح بهذا كل من نازك والسياب، وأعادا بعض قصائدهما إلى تأثرهما بقصائد معينة لشعراء إنكليز مثل شيلي Chelley (1792-1821) وكيتس Kaets (1795-1821) وإليوت Elliot (1888-1965) وسيتويل Sitwell (1887-1964)، وتأثر آخرون بشعراء أمريكيين وخاصة إزرابوند E.Pound، وآخرون بشعراء فرنسيين مثل جاك بريفير J.Prevert.
ويجمع هؤلاء الشعراء الإنكليز والأمريكيون والفرنسيون على أن مشكلات العصر الإنسانية الحديثة تتطلب أطراً جديدة، وأوزاناً جديدة للتعبير عنها، فضلاً عن السعي إلى وحدة القصيدة لا إلى وحدة البيت، وهذا ما نادى به رواد الشعر العربي الحر. والملاحظ أن أكثر الشعراء العرب الذين نظموا هذا الشعر الجديد ونجحوا فيه هم ممن تمرسوا بنظم الشعر الخليلي، ومن أبرزهم نزار قباني، وعلي أحمد سعيد (أدونيس)، ومحمد عمران، وفايز خضور وأسماء أخرى كثيرة في سورية، وخليل حاوي وغسان مطر وإلياس لحود وغيرهم في لبنان، ومحمود درويش ومعين بسيسو وسميح القاسم وغيرهم من فلسطين، وتيسير سبول من الأردن، وعبد الوهاب البياتي وآخرون إضافة إلى السياب ونازك الملائكة في العراق، صلاح عبد الصبور وأمل دنقل، أحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم في مصر، ومحمد الفيتوري في السودان، وقاسم حداد في البحرين، وأسماء كثيرة أخرى في مختلف أقطار الوطن العربي.
وإذا كان كثير من هؤلاء الشعراء قد تأثروا بالشعر الغربي، أو تأثروا بمن تأثر به بصورة مباشرة، فإنهم جميعاً قد ألحوا على تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة بدلاً من وحدة البيت سابقاً. وقد تجددت لديهم لغة الشعر تجدداً عميقاً واعتمد كثير منهم على تضمين قصائدهم بعض الرموز الأسطورية والدينية والفولكلورية مثل: السندباد وشهريار وأيوب وأليعازر ويهوذا وعشتروت وأوديب وسيزيف وتموز وغيرها ليستعينوا بدلالاتها الموروثة على التعبير عن مشاعرهم بعمق ورحابة. وأسرف بعضهم قليلاً أو كثيراً في التأثر ببعض المذاهب الغربية كالرمزية والسريالية فوقع في الغموض حيناً وفي الإبهام أحياناً، ولكن ذلك لا يشكل ظاهرة طاغية الأثر على حركة التجديد هذه في مجملها.
قصيدة النثر: يعتمد هذا النمط من الكتابة على التعويض عن الإيقاع الموسيقي للشعر بموسيقى الكلام الداخلية وهذا ما يجعل من نصوص هذا النمط قريبة مما كان ينادي به أصحاب الدعوة إلى «الشعر الصافي». وقد سبق ذكر ما كان لكل من جبران خليل جبران وأمين الريحاني من سبق في كتابه الشعر المنثور.
على أن «قصيدة النثر» - حسبما درجت التسمية - قد تزامنت تقريباً مع قصيدة الشعر الحر أو شعر التفعيلة. وقد كتبت نصوصها، بداية، تحت تأثير ترجمات قصائد الشعراء الغربيين، وكانت بيروت منطلق هذا النمط من الكتابة منذ الخمسينات ومن أشهر كتابها: محمد الماغوط من سورية وشوقي أبو شقرا وأنسي الحاج من لبنان ولا يزال هذا النمط يزاول بوفرة من قبل الكثيرين من الأجيال التالية لجيل الستينات في مختلف أقطار الوطن العربي.
خلاصة في أطوار الشعر العربي الحديث:
سبقت الإشارة العرضية إلى هذه الأطوار في الفقرات السابقة، ويمكن العودة إلى ذلك هنا بقسط أكبر من التوضيح والتفصيل إذ تلاحظ الأطوار التالية:
1- طور الإحياء: وذلك برجوع الشعراء إلى تقليد ما كان عليه الشعر العربي في عصوره الذهبية المزدهرة، ولاسيما العصر العباسي، وتمثلهم لأساليبه وأخيلته، واقتفاؤهم آثاره في صياغة الصور البيانية والموسيقى الجزلة واللغة الفخمة.. وكان هذا يعني التخلي السريع عن المحسنات الشكلية في عصر الانحطاط. وهكذا كان شعراء الإحياء يعارضون القصائد المشهورة في الشعر القديم حيناً وينطلقون إلى التجديد في المعاني والمضامين أحياناً أخرى ولكن ضمن أطر الأوزان الشعرية القديمة. وقد سبق ذكر أبرز شعراء الإحياء الذين يوصفون عموماً بأنهم أصحاب «المدرسة التقليدية».
2- طور التأثر بشعر الحداثة الغربية: وضح مما تقدم أن الشعراء بعد الحرب العالمية الأولى أخذوا يتأثرون بالشعر الغربي - الفرنسي والإنكليزي، الرومانسي خاصة - إما مباشرة، وإما عن طريق من تأثر به أو ترجم عنه، وقد أسفر هذا التأثر، بصورة أساسية، عن اتجاه شعري جديد يمزج بين خصائص الكلاسيكية في الصياغة الشكلية وبين كثير من خصائص الإبداعية في المضمونات وأساليب التعبير ومفردات اللغة الشعرية والنبرة الانفعالية الوجدانية.. وبوجه عام يعرف هذا الاتجاه الجديد، تمييزاً له من سابقه، باسم «الاتباعية الجديدة» وأحياناً باسم «المرحلة الإبداعية»، مع الكثير من التجاوز في هذه التسمية بالطبع. وفي هذه المرحلة ظهرت بوادر تجديد تتضمن نظم الشعر المرسل والشعر المنثور كما فعل الريحاني وجبران وأحمد زكي أبو شادي.
3- طور تجاوز الشكل القديم ومرحلة الشعر الحر: فقد تحرر الشعراء من الأوزان الخليلية القديمة واعتمدوا التفعيلة الواحدة - وأحياناً الجملة الموسيقية الشعرية الواحدة التي تتضمن تفعيلتين - أساساً لمدى طول البيت الواحد، وتخلوا عن وحدة البيت لصالح وحدة «المقطع الشعري» إذ تؤلف الصور المتشابكة «مشهداً» حركياً يعكس حالاً انفعالية عاطفية أو جزءاً من حالة تتكامل في القصيدة كلها محققة وحدتها الموضوعية، فيترابط الشكل والمضمون ترابطاً صميمياً. وقد سلف تبيان معنى «الملحمية» في النماذج المميزة لقصيدة التفعيلة هذه.
4- قصيدة النثر: تمثل هذه «القصيدة» - إن صحت تسميتها كذلك - طوراً من أطوار الشعر العربي الحديث، ولكنها تمثل اتجاهاً محدوداً على هامش الطور السابق. وهذه القصيدة تتحرر من الوزن والموسيقى كلياً وتبقي على الموسيقى الداخلية للعبارات، وتكتفي بإنشاء «الحال الشعرية» في أحسن الأحوال، مما قد يوجد في كثير من أشكال التعبير النثرية، الأمر الذي يجعل كثيرين من النقاد لا يصنفون النصوص المكتوبة بهذه الطريقة مع الشعر.
نتيجة لما تقدم يمكن القول إن الشعر العربي الحديث تأثر ببعض المذاهب الشعرية الغربية في الأطوار الثلاثة الأخيرة السابق ذكرها، ولكن لا يصح القول - على القطع - بأنه ظهرت فيه مدارس أو مذاهب أدبية كتلك التي عرفتها الآداب الغربية، وما سبق إيراده من «تسميات مدارس» إنما جاء من باب التجاوز لغرض التقريب والإيضاح. فحقيقة الأمر هي أنه توجد اتجاهات في الأدب العربي الحديث، وما ينقصها كي تسمى «مدارس» هو الأساس الفلسفي الذي تفتقده، والذي يعبر عن تغير في طبيعة النمو المجتمعي العام نمواً موازناً أو مكافئاً لما عرفه الغرب وكان منطلقاً ودافعاً لولادة مدارس الأدب عنده.
وهذا الأمر يقود من جديد إلى التذكير بالإشكالية التي سبق ذكرها في الكلام على مفهوم الحداثة في بدايات هذا البحث.
توقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



من مواضيعي في المنتدى

0 اللغة العربية أكبر لغات المجموعة السامية
0 طريقة الأرشفة في محرك بحث Yahoo
0 الكذب ومسوغاته ودواعيه
0 شلل الاطفال
0 جدة باراك أوباما تنتظر لقب الحاجة سارة
0 أنواع المياه في القرآن الكريم‏
0 همساتٌ في سِفرِ الآخرةِ
0 المجرم حرملة بن كاهل الأسدي (عليه لعائن الله)
0 مقتل جنديين بريطانيين في هجوم مسلح في ايرلندا الشمالية
0 محبة أهل البيت عليهم السلام

hussain1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 06:33 PM   #6
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها hussain1


الصورة الرمزية hussain1
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم: معدل تقييم المستوى: 141
hussain1 will become famous soon enoughhussain1 will become famous soon enough

الأوسمة التي حصل عليها

افتراضي


الأدب العربي في العصر الجاهلي

العصر الجاهلي أقدم العصور الأدبية ويسميه بعض الدارسين عصر ما قبل الإسلام. وهو عصر موغل في القدم، بعيد العهد في الزمن والامتداد.
وموطن هذا الأدب العربي القديم هو الجزيرة العربية، أو شبه جزيرة العرب، ذات الصحارى الواسعة، والبطاح الممتدة، التي تحيط بها - أو تتخللها - جبال وهضاب مختلفة، منها ما يحاذي البحر الأحمر غرباً، ومنها ما يقع في اليمن جنوباً. فضلاً عن هضبة نجد التي ترتفع ممتدة في وسط الشمال، لتضم سلسلة أخرى من الجبال.
وهذه المناطق جميعاً كانت في العصر الجاهلي ميادين لحروب وغزوات، ولأحداث سياسية، وظواهر اجتماعية وتجارية واقتصادية، وأثرت في الأدب الجاهلي، شعره ونثره.
كلمة الجاهلية يراد بها الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام، وقد استحدثت هذه الكلمة بنزول القرآن وأطلقت على الزمن الذي كان قبل البعثة حتى فتح مكة وإرساء قواعد الدولة الجديدة.
والملْحَظ في التسمية الحماسة بتحكيم العصبية والقوة، والجهل الذي يناقض الحلم والأناة ويفيد التسرع إلى الشر، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلـــن أحــــد علينــــا فنجهــــل فــــوق جهل الجاهلينـــا
وقد ارتدى هذا اللفظ لبوساً إسلامياً يفيد الانغماس في الضلال والبعد عن طريق الهداية إضافة إلى الدلالة السابقة.

وقد تطلق الكلمة مجازاً على جماعة الجاهلية وأنصارها، كما جاء في آية التنزيل ]يظنّونَ باللهِ غيرَ الحقِّ ظَنَّ الجاهلية[ (آل عمران 154).
فالكلمة قرآنية الاشتقاق. ومن أقوال ابن عباس: «سمعت أبي في الجاهلية يقول...» ومن ثم نسبوا إليها فقالوا: «جاهلي»، في الشعراء والخطباء والحكماء.
الشعر الجاهلي
ومهما يكن من أمر، فقد ورثنا عن تلك الحقبة الجاهلية أدباً ناضجاً في لغته وشعره ونثره، ولكن هذا الأدب الذي وصل إلينا لا يشمل الحقبة كلها، قبل الإسلام، ذلك أننا لا نملك نصوصاً مدونة عن مبدأ الشعر عند العرب، وعن تطوره حتى بلوغه المرحلة التي كان عليها عند ظهور الإسلام. والمعروف أن أقدم ما وصل إليه علمنا من ذلك الشعر لا يرقى عهده إلى أكثر من قرنين عن الهجرة. وقد أشار الجاحظ إلى قضية قدم الشعر العربي فقال: وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن.. فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له - إلى أن جاء الإسلام - خمسين ومئة عام. وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام.
ومن أقدم الشعراء الذين عرفنا أخبارهم ووصلتنا أشعارهم امرؤ القيس بن حجر الكندي، الذي يقال إنه أول من وقف بالديار واستوقف وبكى واستبكى، لكنه هو نفسه يذكر شاعراً آخر أقدم منه، بكى الأطلال قبله، وهو ابن خذام، فيقول:
عــوجا على الطلل المحيل، لعلنا نبكي الديـــار كما بكى ابن خذام

ولم يكن بنو كلب بدعاً في القبائل، فكل قبيلة ادعت لشاعرها أنه الأول أو الأقدم: فامرؤ القيس في اليمانية، وعبيد بن الأبرص في بني أسد، ومهلهل بن ربيعة في تغلب، وعمرو بن قميئة والمرقش الأكبر في بكر، وأبو دواد في بني إياد. وهؤلاء جميعاً متقاربون في الزمن، ولم يعثر العلماء على شعر قديم مدون بقلم جاهلي، وكل ما يعرف من هذا الشعر مستمد من أفواه الرواة الذين كانوا يتناقلون الأشعار الجاهلية عن طريق الرواية والحفظ. وتعود أسباب ذلك إلى انتشار الأمية عند العرب، وقلة وسائل التدوين والكتابة لديهم، إذ اقتصر على الحجارة الرقيقة، والجلود، والعظام، وسعف النخيل، وما إليها. ومن ثم كان المعلمون قلة بينهم.
وفي بعض الأشعار الجاهلية إشارات إلى وجود الكتابة ونقوشها، وهي ترد في مطاوي وصف الشعراء للأطلال والرسوم الدارسة، كقول الأخنس بن شهاب التغلبي، مشبهاً أطلال المحبوبة بالكتابة على الجلد الرقيق:
لابنةِ حطّان بــن عوف منــــازل كما رقش العنوان في الرق كاتبه

على أن استعمال الكتابة يقتصر على شؤون من الحياة الاجتماعية والتجارية وما إليها، مما يكون ميدانه النثر، من دون الاتكاء عليها في كتابة الشعر؛ لأن العرب كانوا يعتمدون في حفظ الأشعار على الرواية الشفوية، حتى في خطبهم ووصاياهم وأمثالهم، يسعفهم في هذا الحفظ ذاكرة قوية تأنس بموسيقى الشعر وأوزانه، خاصة، واعتادت ذلك حتى صارت سجية من سجاياهم، وطبيعة متأصلة فيهم، فضلاً عن حبهم للشعر وعنايتهم الفائقة بروايته وتناقله، لأنه ديوان مناقبهم، وسجل حياتهم وانتصاراتهم، ولم يكن لهم - كما يقول ابن رشيق - علم أصح منه. فلا غرو أن يكون دعامة السّامرعندهم، ومدارَ حلقات القوم لديهم، في مواسمهم وندواتهم، وقد أدى ذلك أيضاً إلى ظهور حلقات من الشعراء الرواة، الذين يأخذ بعضهم عن بعض، مما يمكن أن يسمى اليوم بالمدارس الشعرية، وأشهرها تلك التي تبدأ بأوس بن حجر، وعنه أخذ الشعر ورواه زهير ابن أبي سلمى. ولزهير راويتان: ابنه كعب، والحطيئة، وكان هدبة بن الخشرم راوية الحطيئة، وعن هدبة تلقن الشعر ورواه جميل بن معمر، صاحب بثينة، وراوية جميل هو كثير عزة، الذي يُعد آخر من اجتمع له الشعر والرواية.
و«لما جاء الإسلام شغل العرب والمسلمون عن الشعر بالغزو والفتوح. ولما اطمأنوا بالأمصار، واستقرت دولتهم، راجعوا رواية الشعر - كما يقول ابن سلام - فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب. وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير».
ومع ذلك، فقد نشطت رواية الشعر في القرن الهجري الأول، لأسباب مختلفة، ولازمها بعد قليل نشاط حركة التدوين عامة، ونشأت طبقة من الرواة الذين يتخذون رواية الأخبار عن الجاهلية وأيامها. وكان من نتائج ذلك وجود شعر مفتعل صنعه الرواة الوضاعون، ونسبوه إلى شعراء جاهليين، سنداً لعصبية قبلية، أو رفداً للقصص والأخبار، أو إذاعة لنزعة شعوبية، أو إرهاصاً للبعثة النبوية.
وقد عرف بالوضع من رواة الكوفة: خلف الأحمر، وحماد الراوية، كما اشتهر - إلى جانبهم - رواة ثقات من أهل البصرة والكوفة: كالمفضل الضبي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وأبي عمرو بن العلاء، والفراء، وابن سلام، وغيرهم، ميزوا الشعر الصحيح من الشعر الزائف، وكان في مقدمة هؤلاء ابن سلام الجمحي الذي عالج هذا الموضوع مفصلاً في طبقاته، ومما قاله: وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة، ولا ما وضعوا، ولا ما وضع المولدون. كما أن في كتاب «الأغاني» إشارات كثيرة إلى أشعار منحولة، وأخبار موضوعة، نص عليها أبو الفرج بعد أن تفحص رواياتها، ورجع إلى دواوين الشعراء أنفسهم.
ومع كل هذه الجهود، وغيرها، التي حرص أصحابها على تنقية الشعر القديم من الشوائب الزائفة، وإيصاله إلينا صحيحاً موثقاً، قام في العصر الحديث لفيف من المستشرقين والدارسين العرب يثيرون قضية النحل والانتحال في الشعر الجاهلي، ويشككون في صحة هذا الشعر، على تفاوت فيما بينهم، شططاً وتحاملاً، أو اعتدالاً وحياداً، وبلغ الأمر ذروته عند المستشرق الإنكليزي مرغليوث Margoliouth الذي نشر سنة 1925م مقالة له بعنوان «أصول الشعر العربي» أنكر فيها صحة الشعر الجاهلي جملة، وأقام مذهبه هذا على مزاعم وتصورات متناقضة، جعلت بعض المستشرقين أنفسهم يردون عليه ويفندون آراءه، ومنهم جيمس لايل Lyalle ناشر المفضليات.
وفي مصر قام طه حسين يحذو حذو مرغليوث، حين نشر سنة 1926 كتابه «في الشعر الجاهلي» وضمنه آراء جريئة جعلت بعض العلماء والنقاد يردون عليه: كالرافعي، ومحمد فريد وجدي، ومحمد الخضري، ومحمد لطفي جمعة، ومحمد الخضر حسين.
وأدى ذلك إلى أن يعيد طه حسين النظر في كتابه، تعديلاً وحذفاً وزيادة، ويصدره في العام التالي 1927 بعنوان آخر: «في الأدب الجاهلي» بعد أن ضم إليه بحث النثر الجاهلي، وأفاض في شرح نظريته وتطبيقاتها، ووقف عند أسباب الوضع والنحل في الشعر العربي، كما أوضح أسباب الشك في الشعر الجاهلي، ودوافعه، ولخص ذلك بقوله: «إن الكثرة المطلقة - مما نسميه أدباً جاهلياً - ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم، أكثر مما تمثل حياة الجاهليين».
ولم يسلم - مع ذلك - كتاب طه حسين الثاني من النقد والتفنيد. ومرت السنوات بعد ذلك، ولم يكتب لنظرية طه حسين وأمثاله القبول التام، وإن أيقظت الأذهان، ولفتت الأنظار إلى ضرورة التثبت من صحة الشعر الجاهلي، بل صحة كل شعر، قبل روايته أو الاستشهاد به.
ويضاف إلى ذلك ظهور كتب ودراسات جديدة زادت من توثيق الشعر الجاهلي وتصحيح ما صحّ منه، ونوّهت بكثير من مصادره الأصلية، وفي مقدمة هذه الكتب كتاب «مصادر الشعر الجاهلي» لناصر الدين الأسد. وقد وجد الباحثون المعاصرون بين أيديهم عدداً من مصادر الشعر الجاهلي التي جاءت عن طريق الرواة الأمناء الصادقين، الذين وقفوا جهودهم على التحري والتثبت، ولم يخف عليهم وجود شعر جاهلي منحول كشفوا جانباً منه.
ولقد حازت آثار أولئك الرواة القبول والتقدير، وعُدّت مصادر أساسية للشعر الجاهلي. وأهم هذه الآثار:
ـ دواوين الشعراء القدماء، التي جمعت في عصر التدوين: كزهير، والنابغة، وامرئ القيس.
ـ دواوين القبائل العربية: كديوان الهذليين، الذي لم يصل إلينا كاملاً.
ـ المجموعات الشعرية الموثوق بها: كالمعلقات وشروحها، والمفضليات، والأصمعيات، والنقائض وشروحها، والحماسات.
ـ كتب الأدب، واللغة، والنحو: كالبيان والتبيين، والحيوان، ومجالس ثعلب، وعيون الأخبار، والكامل، والأمالي. وكذلك بعض كتب المتأخرين التي احتفظت بكثير من الأشعار الجاهلية التي ضاعت أصولها: كخزانات الأدب، وشرح أبيات مغني اللبيب، وكلاهما للبغدادي، وشرح شواهد المغني للسيوطي.
ـ الكتب النقدية البلاغية: كالموشح، والصناعتين، والموازنة والوساطة.
ـ كتب التراجم والطبقات: كمعجم الشعراء، والمؤتلف والمختلف، وطبقات ابن سلاّم، والشعر والشعراء، والأغاني.
فهذه المصادر وأمثالها، تجعل بين أيدينا مادة وافرة للشعر الجاهلي، وهذه المادة غنية وكافية، لكي تهيئ للدارسين مجالاً واسعاً للبحث والتحليل والموازنة، في رحاب أغراض ذلك الشعر وفنونه المختلفة.
فنون الشعر الجاهلي وأغراضه: هذا الشعر، الذي قيل فيه إنه ديوان العرب، يعد صورة للبيئة التي نشأ فيها أصحابه قبل الإسلام في كثير من جوانبها الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والمعرفية، والدينية، كما يعكس ذلك الشعر طائفة من الجوانب النفسية، والمثل الأخلاقية للعرب، من شجاعة وفروسية وفتوة، ومن إكرام للضيف وإغاثة للصَّريخ وغير ذلك.
ومن ثم تعددت أغراض الشعر الجاهلي وفنونه، فكان فيه غزل، ومدح، كما كان فيه فخر، ورثاء، وهجاء، فضلاً عن الحكمة والوصف.
ووجود هذه الفنون والأغراض في الشعر الجاهلي، لا يعني أن القصيدة منه كانت خالصة دائماً لموضوع واحد، وأغراض لا تحيد عنه، فقد تضم غرضين أو أكثر، ولكنها تنسب إلى ما نظمت من أجله، هجاء، أو مدحاً، أو فخراً، وإن تخللتها موضوعات جانبية أخرى.
وأما أشهر الأغراض والفنون في الشعر الجاهلي فهي.
الغزل: يكاد الغزل يفوز بالنصيب الأوفى بين سائر الأغراض الأخرى، على تفاوت حظوظ الشعراء الجاهليين منه، ذلك أنه أعلق الفنون الشعرية بالأفئدة، وأقربها إلى النفوس، لما للمرأة من آثار عميقة في حياة الرجل، وتغذية عواطفه وأحاسيسه، ومرافقته في حله وترحاله، وفي حربه وسلمه، وزيارته لأحبته وذوي قرباه، ووقوفه على أطلالهم بعد الرحيل والفراق.
وفي موضوع الغزل، تتردد عند النقاد والدارسين، من قدماء ومعاصرين، أربعة ألفاظ تتقارب في مفهومها، وتتشابك في دلالاتها، وهي: الغزل، والتغزل، والنسيب، والتشبيب.
وقد حاول بعضهم أن يبين الفروق المعنوية بينها، ولكنهم لم يصلوا إلى القول الفصل في ذلك.
ومن أبرز سمات الغزل عند الجاهليين، ظاهرة التعلق بالمرأة والسعي إلى مودتها، ووصف مفاتنها الجسدية. وإمام الشعراء في ذلك هو امرؤ القيس، الذي قضى شبابه في اللهو والشراب، وأصاب من الغزل والمرأة ما جعله السابق المجلّي في هذا المضمار. وأشعاره، ولاسيما معلقته، صُوَرٌ وحكايات لما كان بينه وبين النساء.
وكذلك ثمة جانب من هذا المذهب الحسي، في الحديث إلى المرأة وفي وصفها عند شعراء آخرين كالأعشى والنابغة الذبياني. ويمكن الخروج من قراءة أشعارهم الغزلية إلى جملة من المقاييس التي كانوا يعتدون بها في تقويم الجمال، والمفاتن الجسدية: فالمرأة تشبه بالدرة الصدفية حيناً، والدمية المرمرية حيناً آخر. وأصابعها لينة كالعَنَم، ولونها المفضل هو البياض، وخصرها ضامر نحيل، بخلاف ردفها الذي يستحسن أن يكون ثقيلاً مكتنزاً وساقيها اللتين يستحب أن تكونا ممتلئتين، والشعر طويل فاحم، والأسنان بيضاء نقية، والمشية هينة مترسلة.
وقد ينصرف الشاعر في غزله إلى التغني بفضائل المرأة وذكر مناقبها وكريم سجاياها، وعفتها، ولا سيما عند وقوفه على الأطلال توخياً لتهيئة الأذهان وشد الأسماع قبل الوصول إلى غرضه الأساسي.
أما تصوير الشاعر الغزِل لما يقاسيه من تباريح الصبابة، وما يعانيه من عذاب مقيم، وآلام مبرحة، وهيام طاغ، فهذا كله منبث في أشعار المتيمين من الجاهليين الذين قضوا حياتهم يعانون ألم النوى، ويقضون الليل ساهرين أرقين ويشكون من تجني المحبوبة، حتى تنحدر دموعهم، وتتقرح أكبادهم.
والشعراء، الذين سلكوا هذا المذهب، معظمهم من العشاق الذين عرفوا بالعفة والبعد عن الأوصاف الحسية للجسد، ومعاناة الأشواق اللاذعة، ويمكن أن يعد غزلهم النواة الأولى للغزل العذري الذي عرف في العصر الأموي، ذلك أن كل واحد منهم اقترن اسمه بصاحبته التي اشتهر بها، ومنهم عنترة صاحب عبلة، ومثلا المخبَّل السَّعدي ومَيْلاء، وعبد الله بن العَجْلان وهند، وغيرهم.
المديح: كانت للناس في العصر الجاهلي مثل عليا، ومعايير خلقية تعارفوا عليها، وورثوها عن أجدادهم، كالشجاعة والكرم، وحماية الجار، وإغاثة الملهوف وعراقة النسب. وجاء شعر المديح ليشهد بهذه السجايا وما هو منها بسبب: كالعقل، والعفة، والعدل، والرأي السديد. وقد يستدعي المقام والمناسبة ذكر مناقب أخرى تأتي في ساعتها: من جميل يؤثر، وصنيع يقدم، وأسير يطلق سراحه، فيكون الاعتراف بذلك الجميل، والشكر لذاك الصنيع.
وهكذا قام المديح مقام السجل الشعري في رسمه لنواح كثيرة من حياة الأعلام، ملوكاً، وسادة، وأجواداً، وبذلك أغنى التاريخ وكان رديفاً له ومتمماً، وإن كان يمتزج غالباً بالإسراف والمبالغة، ويختلط فيه الواقع بالخيال، والعقل بالعاطفة والحق بالباطل. ولذلك ينبغي أن يقف الباحث من شعر المدح موقف الحذر والنقد والتمحيص، وألا يأخذه على أنه صدق لا كذب فيه، أو حقيقة لا يشوبها الشك.
وقد سلك الشعراء المدَّاحون في العصر الجاهلي طريقين، أحدهما أو كليهما، الأول هو طريق التكسب والاحتراف، وميدانه قصور الملوك، ومجالس الأمراء، وأفنية الأشراف والأعيان. وقد انحرف الشعر إلى هذا الميدان على يد النابغة الذبياني، الذي سن للشعراء سنة المديح الرسمي - في تنقله بين قصور المناذرة والغساسنة - ومدح ملوكهم، كما سخر شعره لكل من يجود عليه أو يرعاه في كنفه، وكان هذا أول الاحتراف في المديح والتكسب به. وقد حظي النعمان بن المنذر بنصيب وافر من ذلك.
وجاء الأعشى ليسير على سنن النابغة في المديح، بل إنه أسرف في المسألة والتكسب، فأصبح يمدح كل من أعطى، ويشكر بشعره كلَّ من أكرم، حتى يخرج عن حدود التصديق، كما في مديحه للأسود بن المنذر اللخمي - شقيق ملك الحيرة - ولهوذة الحنفي.
ومن هؤلاء الشعراء المتكسبين أيضاً: حسان ابن ثابت، والمسيب بن علس، والمنخل اليشكري، والممزق العبدي، والحارث بن ظالم، وعلباء بن أرقم.
أما الطريق الثاني: فهو طريق الإعجاب والشعور الصادق. والشعر هنا يصدر - فيما يقول - عن حب عميق، وإحساس نقي، لا تملق فيهما ولا تزلف. وحامل لواء هذا الشعر هو زهير ابن أبي سلمى، الذي سخر شعره لكل من قام بإصلاح ذات البين، أو صنع مأثرة كريمة، نائياً بأشعاره المدحية عن المبالغة والشطط.
ومن ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف، اللذان أصلحا بين عبس وذبيان، في حرب داحس والغبراء، وبذلا من أموالهما ديات القتلى حقناً للدماء، ونشراً للسلام بين المتحاربين.
الفخر: وهذا فن شعري تربطه بالمدح صلات وشيجة، فالمعاني التي تتردد في المدح، هي نفسها مما يتغنى به الشعراء مفتخرين. ذلك أن الحياة العربية في العصر الجاهلي قامت على مواجهة المخاطر، والمزاحمة على الماء والكلأ، والشجاعة في القتال، وما يتصل من ذلك كله بسبب: كالتغني بالبطولات وشن الغارات، وتمجيد الانتصارات، وكثرة العدد والعدة، ومنازلة الأقران، ونجدة الصريخ، والحفاظ على الشرف والجار، وهذه الأمور جميعاً أذكت قرائح الشعراء، ووفرت لهم أسباب التفاخر والتباهي، منفردين ومجتمعين، فانطلقت ألسنتهم بأشعار زاخرة بالعاطفة القوية، والانفعال العميق، تبرز فيها الحقائق التاريخية مجلببة بجلباب الخيال والمغالاة.
وهذا الفخر يكون قبلياً تارة تسيطر عليه روح حماسية جارفة، وهذا شأنه دائماً في مواطن الكر والفر، والأخذ بالثأر وتضييق الخناق على الأعداء، واستطابة الموت عند الحرب، إذ ينطوي شعر الفخر على دفقات قوية من الحماسة، ويكون من ذلك مزيج متلازم. ومن خير ما يمثل هذا الفخر القبلي الحماسي معلقة عمر بن كلثوم التغلبي، التي سجل فيها انتصارات قبيلته، ومنعتها، وما يتحلى به أفرادها من شجاعة وإقدام، وسطوة وهيبة وأنفة وإباء.
وهذه الحماسة المزهوة لا تحول دون إنصاف الشاعر لأعدائه، والإقرار بقوتهم وشجاعتهم، وعرفت في الشعر الجاهلي قصائد من هذا القبيل سميت «المنصفات» ومن أصحابها: العباس ابن مرداس، وعوف بن الأحوص، وخداش بن زهير.
ويكون الفخر تارة أخرى ذاتياً ينبعث من نفوس تهوى العزة والمجد، وتحرص على بناء المكارم، والتباهي بمآثرها الفردية، ويبدو هذا الفخر الذاتي لدى طائفة من الشعراء الفرسان والأجواد، كعنترة، وحاتم الطائي، وعمرو بن الإطنابة، والشعراء الصعاليك كالشنفرى، وتأبط شراً، وهنا يحلو للشاعر أن يتحدث عن نفسه وخصاله، وعراقة أصله، وطيب منبته، ومايتحلى به من كرم ومروءة وحماية للجار، وغير ذلك من الفضائل الخلقية. وفي معلقات طرفة بن العبد، ولبيد بن ربيعة، وعنترة بن شداد، صور كثيرة من هذا الفخر الفردي، تتلاقى على صعيد واحد، وقد وشحها أولئك الشعراء بذكر القصف واللهو، والفخر بشرب الخمرة في معرض الحديث عن الكرم والإكرام.
الرثاء: يلتقي الرثاء والمديح في أنهما كليهما إشادة بالمرء وإعلاء شأنه، لكن الأول إشادة بالميت وخصاله، والثاني إشادة بالحي وتمديد لمآثره وسجاياه. ويمتاز الرثاء أيضاً بأنه فن شعري ثابت المعاني والهدف، لأنه يعبر في معظم أحواله عن انفعال وجداني، وشعور عميق بالحزن والألم، حين تفقد الأسرة أو القبيلة، عزيزاً فيغمرهم الحزن وتتحرك الشاعرية لتعبر عن الأسى المشترك، والخسارة الفادحة والمجد الذي انهد ركنه، والشمائل التي حكم بها الموت للقبر والتراب. وقد يصحب تعداد شمائل الميت، والبكاء عليه، أخذ بأسباب العزاء فيه، ودعوة إلى الصبر على حدثان الدهر، والتأسي بمن طوتهم المنون من قبل، لأن الدنيا دار فراق وزوال، لا دار خلود وبقاء، وليس أمام الإنسان سوى الاستسلام للأقدار، والقبول بالقضاء.
هذه المعاني والأفكار، في جملتها تتردد في أشعار الرثاء عند الجاهليين، وقد يطغى جانب منها في القصيدة على آخر، أو تتفرع عنها معان جرئية، ولكن تظل المناحي الأساسية بارزة في تلك الأشعار.
وإذا كان المرثي ذا منزلة رفيعة لجأ الشاعر إلى المبالغة وتهويل الخطب وإشراك الطبيعة في استعظام المصاب.
وقد اشتهر عدد من الشعراء أجادوا الرثاء في العصر الجاهلي، منهم: المهلهل بن ربيعة، ودريد بن الصمة، وأعشى باهلة، ولبيد، وطفيل الغنوي، وأوس بن حجر، وأبو دواد الإيادي. كما عرف كثير من النساء بإجادة هذا الفن الشعري والنبوغ فيه، كالخنساء، وجليلة زوجة كليب، وسعدى بنت الشمردل.
والرثاء عند هؤلاء الشعراء والشواعر، منه ما يكون في الأقرباء الأدنين: كما في رثاء المهلهل لأخيه كليب، والخنساء لأخويها صخر ومعاوية، ولبيد لأخيه أربد. ومنه ما يكون في أناس آخرين، من ذوي المكانة والشأن في قبيلة الشاعر، أو في غيرها من القبائل، ممن تقربهم إلى الشاعر صلات وثيقة. ومن ذلك قصيدة أوس بن حجر، التي رثى فيها فضالة الأسدي، وتعد من عيون المراثي في العصر الجاهلي: ومطلعها:
أيتهــا النفــــس أجملــي جـــزعاً إن الـــذي تحـــذرين قــد وقعــا

وقصيدة أبي دواد الإيادي، التي رثى فيها من طواهم الردى من شباب قبيلته وكهولها، وذكر ما لهم من صفات ومفاخر ومجد، وأشاد بما كان لهم من بأس وسخاء في أوقات الشدة والجدب، وما تحلوا به من عقول راجحة وآراء سديدة. وأول هذه القصيدة:
منـــع النـــوم، مـــاوي، التهمام وجـــدير بالهـــم مـن لا ينــــام

والرثاء عند الجاهليين يكثر فيه ترداد ألفاظ معينة، كالجملة الدعائية: «لا تبعد» أو «لا تبعدن» كما يكثر الدعاء بالسقيا لقبر الميت: «سقيا لقبرك» «سقاك الغيث» وذلك ليبقى ما حول القبر خصباً ممرعاً.
الهجاء: حظ هذا الفن في الشعر الجاهلي قليل؛ إذا قيس إلى الفخر أو الغزل مثلاً؛ ولكن أثره كبير في النفوس، ووقعه أليم في الأفئدة، لأنه يقوم على إذلال المهجو، وتجريده من الفضائل والمثل التي يفتخر بها القوم، أو التي بها يمدحون. ومن ثم الفخر، والمدح، والهجاء، تجمع ثلاثتها جملة من الفضائل وأضدادها، فالكرم، مثلاً، فضيلة لديهم، وفي مقابله تكون نقيصة البخل والشح، والشجاعة ضدّها الجُبن. وهكذا.
وعلى هذا، فإن الهجاء في الشعر الجاهلي هو انتقاص للخصم، وتعيير له بجملة من المخازي والمساوئ التي يستهجنها مجتمعه، فمنها ما هو في مجال الحروب والغزوات التي حفلت بها حياتهم: كالجبن، والفرار عند اللقاء، والوقوع في الأسر، ودفع الفدية، ومنها ما هو في حيز العلاقات الاجتماعية، والنقائص النفسية: كالبخل، والاعتداء على الجار، واللؤم، والغدر، والقعود عن المكارم، وما يتفرع عن ذلك كله من المعايب والسقطات التي يعدها العربي عاراً يبرأ منه، أو يحذر الوقوع فيه، لئلا يصيب منه الشاعر مقتلاً. فضلاً عما تحرص عليه القبيلة في أفرادها كافة من كرم الأحساب، ونقاء الأنساب، لئلا تتحطم سمعتهم، أو ينهار بناء أحسابهم وأنسابهم، فيكونوا نصباً للهجاء.
والهجاء عندهم على ضربين: هجاء فردي، وآخر جماعي يتجه إلى القبيلة نفسها وقد يجمع الشاعر بينهما.
وهجاء الجاهليين عامة يسلك مسلك الجد. ولا يدخله الإفحاش ولا الشتيمة الصريحة، ولكن ربما داخله شيء من السخرية والتعريض والتلميح الموجع، بدلاً من الهجاء المباشر.
الحكمة: الحكمة قديمة في أشعار الجاهليين، لأننا نعثر عليها عند أوائلهم، كامرئ القيس وعبيد بن الأبرص، كما حفلت بها قصائد الشعراء الآخرين على مر السنين. وحكمهم مستمدة من بيئتهم التي عاشوا في كنفها، حرباً وسلماً، وعلاقات وعادات، وأخلاقاً وسجايا.. وهذه الحكم صدى لصفاء الفطرة، ودقة الإحساس، وغنى التجارب، والقدرة على استخلاص العبرة من الحوادث، ولا تخلو، في الوقت نفسه، من قيمة تاريخية، ودلالة اجتماعية، ونواح أخلاقية، وفلسفة عملية تختلف من زمن إلى زمن، ومن إنسان إلى آخر، لأنها تعبر عن آراء أصحابها، ومواقفهم من الحياة والناس، وتفكيرهم في تقلبات الأيام. وتحمل في طياتها نظرات ثاقبة، وبصيرة واعية، إزاء قضايا الناس والحياة، ويسوقها الشاعر في مطاوي القصيدة أو في نهايتها.
وتعد المعلقات أوضح الأمثلة للقصائد التي تحفل بالحكم، على تنوع موضوعاتها وأغراضها، كمعلقة زهير، التي أرسل فيها نحو العشرين بيتاً، وبدا في سردها هادئ النفس، رصين التأمل، واقعي التناول لقضايا الحرب والسلم، والحياة والموت، وخفايا النفس الإنسانية.
وأما طرفة، الشاعر الشاب، فإن حكمه في معلقته تنبع من شخصيته العابثة، التي تريد أن تستبق اللذات قبل أن يفاجئها الموت، لأن الحياة أشبه بكنز يتناقص شيئاً فشيئاً، والموت سيأتي على كل حي، ولا راد لما يأخذ.
وتنبث الحِكم في قصائد الشعراء الآخرين: كلبيد، وعبيد بن الأبرص، وحاتم الطائي، وأوس ابن حجر وعلقمة بن عبدة، والأفوه الأودي. وانفرد منهم أمية بن الصلت بالإكثار من الحكم التي تعتمد على أخبار الأديان والأمم الغابرة، وقراءة الكتب، ولذلك اجتمعت فيها روافد التجربة والثقافة معاً. وكان طابعها دينياً ممزوجاً بالكلام على زوال الحياة وتحكم حوادث الدهر في الناس.
الوصف: الوصف يغلب على أبواب الشعر جميعاً، فهو باب واسع، يشمل كل ما يقع تحت الحواس من ظواهر طبيعية، حية وصامتة. وهكذا كان عند شعراء العصر الجاهلي الذين عايشوا الصحراء في حلهم وترحالهم، وألفوا القفار الموحشة، وما فيها من جبال ووديان ومياه وحيوانات أليفة وغير أليفة، فوصفوا ذلك كله لأنه وثيق الصلة بحياتهم وتقلباتهم.
وكانت الناقة صاحبة الشاعر في جوبه لتلك الفيافي والمفاوز، وعليها اعتماده في كثير من أحواله، لذلك أكثر فيها القول، وافتن في وصف أجزاء جسمها، وصور كل أحوالها في سيرها وسرعتها، وصبرها على مشاق السفر، حتى كادت الناقة تستأثر بنصيب وافر في طول القصائد التي نظمها أصحاب المعلقات وغيرهم، كبشامة بن الغدير، والمثقب العبدي، والمسيب بن علس، وأوس بن حجر، وغيرهم.
والفرس هو الحيوان الثاني الذي يرافق الشاعر الجاهلي، ويقاسمه العيش، ويتحمل معه التعب والعناء، والسير والسرى، ولاسيما في خروجه إلى الصيد، وخوضه الحروب. وقد عني العرب بالخيول الأصيلة، واتخذوا لها أسماء خاصة، وحفظوا أنسابها أيضاً، فلا غرابة أن يصفها شعراؤهم في قصائدهم، ولكل واحد من هؤلاء الشعراء طريقته الخاصة في وصف فرسه، سواء أكان ذلك في مجال الصيد واللهو، كامرئ القيس، أم كان في ميادين الحرب والقتال: كعنترة والمزرَّد، أم كان وصفاً عاماً للفرس، على أنه مجلى النظر وموضع الفخر، كما هو الشأن عند طفيل الغنوي وأبي دواد.
ولم يكتف الشعراء بوصف الناقة والفرس، وإنما وصفوا ضروب الحيوان الأخرى في بيئتهم ولاسيما الثور الوحشي، والبقرة الوحشية، وجعلوا وصفهم لهذين الحيوانين ذريعة إلى وصف الناقة بالسرعة والخفة عن طريق تشبيهها بأحدهما، وتخيل معركة ضارية بين الثور، أو البقرة من جهة، وكلاب الصيد من جهة أخرى. وتنتهي هذه المعركة غالباً بنجاة الحيوان الوحشي، وتغلبه على الكلاب، أو طعنه أحدها بقرنه.
كما يرد في قصائد الشعراء أوصاف لحيوانات أخرى: كالهر، والديك، والحية، والذئب،والنعامة، والغراب. وهذه الأوصاف كلها تأتي في ثنايا القصائد الطويلة، أما مطالع تلك القصائد فقد استأثر بها وصف الأطلال والرسوم الدارسة، التي تؤلف ركناً قوياً ثابتاً في أول القصيدة الطويلة، كالمعلقات وغيرها، إذ يقف الشاعر على تلك الأطلال ويصفها ويناجيها، ويذكر ما فعلته فيها الرياح والأمطار مشبهاً إياها بآثار الكتابة أو الوشم.
وكذلك وصف الشعراء الجاهليون مظاهر الطبيعة حولهم كالليل، والسحاب، والرعد، والبرق،ووصفوا كذلك الخمر ومجالس الشرب واللهو والحرب وأسلحتها المختلفة. وهذا كله يدل على عناية أولئك الشعراء وغيرهم بوصف كل ما يحيط بهم وصفاً دقيقاً، في بساطة وجمال، وصدق في التعبير عن المشاعر والإحساسات، وتعاطف مع الحيوان عامة، بوساوسه وحذره وجرأته. معتمدين على القالب القصصي في كثير من الأحيان، وعلى التشبيه وسيلة للأداء والتصوير.
خصائص الشعر الجاهلي: هذا الشعر الذي وسم بأنه «ديوان العرب» وسجل حياتهم وعاداتهم، قد صور البيئة التي نشأ فيها أصحابه أصدق تصوير، في واقعية وبساطة ووضوح، لا غلو فيها ولا تعقيد، إلا بما يتفق ومهمة الشعر، من حيث كونه فناً جمالياً لا يلتزم الحقيقة والواقع التزاماً علمياً دقيقاً، وإنما يهدف إلى الإمتاع والإثارة والتشويق. ومن شأنه في هذه الحالة أن يتجاوز الواقع أحياناً، أويعتمد على الخيال والتصوير الحسي المستمد في الوقت نفسه من البادية ومعطياتها، منتقلاً بين الحقيقة والمجاز، في نقل الصور والمشاهد، أو التعبير عن الأفكار والمشاعر، في إيجاز حيناً، وإطالة حيناً آخر بحسب المقام والغرض.
ويلاحظ في الشعر الجاهلي كثرة ذكر الأماكن والمياه والوديان، ولاسيما في مطالع القصائد، وصفاً أو مناجاة، لأنها تحفل بالذكريات الحية: فهي مواطن الأحبة ومسارح الصبا وميادين الحروب والانتصارات.
والطابع القصصي يغلب على الكثير من المواقف، في جاذبية وجمال، ولكنه يميل إلى السرعة والإيجاز، كما في وصفهم للحيوان الوحشي، ووصف الصعاليك لمغامراتهم وغزواتهم الفردية، وغزل بعض الشعراء كالمنخل اليشكري، والمرقشين: الأصغر والأكبر. ويبدو ذلك أيضاً في أبيات أوس بن حجر التي وصف فيها قصة القوس وحفظ الراعي لها في رأس جبل عال، حتى حظي بها امرؤٌ استخدمها في الرمي، بعد أن أعدها صانعها وتأنق فيها.
وقد يتشابه الشعراء الجاهليون، في بعض المعاني، والصور حتى في الألفاظ أيضاً، وهذا ظاهر في أوصافهم للناقة والفرس، والمرأة، وأدوات الحرب، والوقوف بالديار، حتى ضاق عنترة ذرعاً بذلك فقال: هل غادر الشعراء من متردم؟، ومثله زهير في قوله:
مـــا أرانـــا نقـــول إلا معـــاراً أو معـــاداً مــن قـــولنا مــكرورا

وسبب ذلك ضيق الحياة في ذلك العصر، واقتصار البيئة على معطيات واحدة، وشدة تطبع العربي بتلك البيئة التي ترعرع فيها، ونشأ على أعرافها وتقاليدها. واقتفاء الشاعر خطا من سبقوه من الشعراء وتأثره بهم. ولكن هذه الظاهرة لم تحل دون بروز شخصية الشاعر الفنية، وأدواته الخاصة في التعبير والتصوير، والابتكار والتوليد، والنفوذ إلى دقائق كثيرة، يجلوها أتم جلاء، ويكشف عنها ببراعة ومهارة.
ومما يلفت النظر، في طول القصائد الجاهليات، فقدان وحدة الموضوع منها. ويخضع ذلك لما دعاه النقاد بمنهج القصيدة، أو هيكلها.
وقد استمر ذلك إلى العصر العباسي، وتمسك به كثير من الشعراء والنقاد المحافظين، وتحدث عنه ابن قتيبة في مقدمة «الشعر والشعراء» وعلل مراحل الانتقال من موضوع إلى آخر ضمن القصيدة المدحية، راوياً عن بعض أهل الأدب: «أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكى، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها.. ثم وصل ذلك النسيب، فشكا شدة الوجد، وألم الفراق، وفرْط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه.. فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر، وسرى الليل فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء.. بدأ في المديح فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل».
ويعقب ابن قتيبة على ذلك قائلاً: «فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحداً منها أغلب على الشعر، ولم يطل فيمل السامعين، ولم يقطع وبالنفوس ظمأ إلى المزيد».
ويمكن تعليل تعدد الموضوعات في طوال القصائد بأن الشاعر كان يخضع لأصول فنية متوارثة تأصلت على مرور الزمن والتزمها الشعراء فغدا الهيكل العام للقصيدة يؤلف وحدة فنية داخلية بديلة عن الوحدة الموضوعية.
ومن خصائص الشعر الجاهلي أيضاً أن هذا الشعر قد وصل إلينا باللغة التي غلبت في العصر الجاهلي قبيل الإسلام، وهي اللغة الأدبية المشتركة بين الشعراء والكتاب والخطباء، وإن كان هؤلاء ينتمون إلى قبائل مختلفة. وقد وصل إلينا هذا الشعر كامل الصياغة، ناضج اللغة، موحد القوالب، ذا قوة وجزالة، ومتانة في العبارة، وإذا وجد قارئه شيئاً من الألفاظ الغريبة فيه، فإنما هي كذلك بحسب ما نعرفه نحن اليوم من تلك الألفاظ التي بعد العهد بها، وندر استعمالها بين الشعراء والكتاب، لكنها لدى الجاهليين أنفسهم كانت مألوفة ومعروفة.
النثر الجاهلي
بنى العرب مجدهم الأدبي، في العصر الجاهلي، على الشعر. ومع أن الكتابة كانت معروفة لهم - فإن ما وصل إلينا من نثرهم قليل جداً. وكانت الكتابة تقتصر على جوانب تتصل بحياتهم السياسية والاجتماعية والتجارية، من رسائل، وعقود ووصايا ومواثيق. وفي القرآن الكريم إشارات إلى كتابة الديون، وحديث عن رحلتي قريش.. ومثل هذه الرحلات التجارية تستدعي الكتابة والتسجيل.
وليس المراد بالنثر الجاهلي هنا ذلك النثر العادي الذي يتخاطب به الناس، وإنما المراد به النثر الأدبي أو الفني الذي يعنى صاحبه بتجويده، وإتقانه لينال إعجاب القارئ، من حكمة تقال، أو قصة تروى، أو مثل يضرب، أو خطبة تلقى، أو رسالة تدبَّج، أو وصية بليغة تنقل.
مثل هذا النثر الفني قليل الوجود بين أيدينا بلفظه الأصلي الذي صدر عن أصحابه لأن حفظ النثر أصعب من حفظ الشعر، لكن الذاكرة الأدبية للرواة اكتسبت على مر العصور أصالة ومراناً، مما أتاح لهم أن يحتفظوا بنصوص من ذلك النثر، في صورتها الأصلية، وبأخرى ليست موافقة لأصلها كل الموافقة، ولكنها صورة قريبة منه، يمكن من خلالها تحديد خصائصه الفكرية والفنية. وهذه النصوص النثرية الجاهلية، الأصلية والقريبة من الأصل، وردت في طائفة من المصادر الأدبية والتاريخية القديمة. وكان في تلك النصوص فنون أدبية نثرية، تأتي في مقدمتها: الخطابة - ويلحق بها المنافرات، وسجع الكهان - ثم الحكم والأمثال - ويلحق بها الوصايا والنصائح - ثم القصص، فالرسائل.
فنون النثر الجاهلي وأغراضه
الخطابة: ازدهرت الخطابة عند العرب متأخرة في الزمن، لأن الشعر كان متفوقاً عليها، فلما أصبح الشعر مطية للتكسب صارت منزلة الخطيب هي المقدَّمة. واشتهر في العصر الجاهلي خطباء كثيرون، مثل: قس بن ساعدة الإيادي، وهانئ بن قبيصة الشيباني وعامر بن الظَّرب العدواني، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وأكثم بن صيفي وعمرو بن الأهتم التميميان، وهاشم بن عبد مناف القرشي.
وقد تعددت أغراض الخطابة وأنواعها، إزاء هذا الازدهار، فكانت وسيلة للتحريض على القتال، أو للأخذ بالثأر، وربما كانت في الوقت نفسه سبيلاً إلى إصلاح ذات البين أو إرساء قواعد السلم. وقد تكون في إشاعة المفاخر، والإشادة بالأنساب أمام الملوك وزعماء القبائل، والأمراء.
وقد تلقى الخطب في مناسبات الزواج، والمصاهرات بين ذوي الأحساب والأنساب، فيتكلم خطيب من كل جانب. قال الجاحظ: «كانت خطبة قريش في الجاهلية، يعني خطبة النساء: باسمك اللهم ذكرت فلانة، وفلان بها مشغوف. باسمك اللهم، لك ما سألت، ولنا ما أعطيت».
وكانت للخطباء سنن وتقاليد يتبعونها عند إلقاء خطبهم، كأن يقف الخطيب على مرتفع من الأرض، معتمداً على قوسه، أو ممسكاً بعصا يشير بها، وقد يخطب راكباً على ناقته، وبيده الرمح، وقد لاث العمامة على رأسه.
ومما يمدح به الخطيب عندهم: حضور البديهة، وقلة التلفت، وقوة الجنان، وظهور الحجة، مع جهارة الصوت. وفي مقابل ذلك كانوا يعيبون على الخطيب التنحنح، والانقطاع، والاضطراب، والتعثر في الكلام. وقد استقرت للخطابة في العصر الجاهلي مجموعة من الخصائص الفنية، كان الخطباء يحرصون عليها في خطبهم، منها مراعاة السجع في مقامات الفخر خاصة. أما في خطب المحافل وإصلاح ذات البين، مثلاً، فكانوا يستخدمون الأسلوب المرسل الذي لا يغفل صاحبه - في الوقت نفسه - تجويده وتنقيحه، والتروي فيه، سعياً إلى إثارة السامعين واستمالتهم. وهذا ما جعلهم يؤثرون قصر العبارة في خطبهم، وتوشيحها ببعض الحكم والأمثال، أما الخطبة نفسها فقد تطول، وقد تقصر، ولكل منهما مقام وموضع وقدر من العناية.
المنافرات: وهي مفاخرات كانت تحدث بين اثنين أو أكثر من سادة العرب وأشرافهم، وفيها يشيد كل من المتفاخرين بحسبه ونسبه ومجده وسجاياه، أمام حكم من أشراف العرب أو كهانهم، ليكون له القول الفصل في تفضيل أحد الطرفين على الآخر. ولكن الحكم يسعى في كثير من الأحيان إلى الصلح بين المتنافرين، تفادياً للشر، ويتحاشى الحكم لأحدهما على الآخر، ويلقي عليهم كلاماً بليغاً يدعوهما فيه إلى السلام والصفاء. ومن ذلك ما كان من هرم ابن قطبة الفزاري، حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة بعد أن اشتد النزاع بينهما، فجعل هرم يطاولهما، ويمهد للصلح بينهما، حتى قال لهما أخيراً: «أنتما كركبتي البعير، تقعان إلى الأرض معاً وتقومان معاً». فرضيا بقوله وانصرف كل منهما إلى قومه. واشتهر من هؤلاء الحكام أيضاً: ربيعة بن حذار، والأقرع ابن حابس، ونفيل بن عبد العزى، وهاشم بن عبد مناف.
وربما جرت المنافرة بين قبيلتين: كربيعة ومضر، أو قيس وتميم. وهذا ما يحيل المنافرة إلى صورة من صور الخطابة، إذ يقف كل سيد ليعدد مآثر قومه أمام الحكم، بحضور سادة القبائل وأشرافها ويحاول التأثير في السامعين ليحوز الإعجاب والحكم له بالغلبة على خصمه.
وإذا فصل الحكم بين المتنافرين، سجع في كلامه حيناً، وأرسله حيناً آخر. وهو يحرص على السجع والقسم ولاسيما إذا كان من الكهان.
سجع الكهان: والكهّان عند العرب طائفة ذات قداسة دينية، وسلطان كبير لدى القبائل، شأنهم شأن الحكام في المنافرات. وكانوا يزعمون الاطلاع على الغيب، وأن لكل منهم رئيّاً - أي صاحباً من الجن - يعرف الكاهن عن طريقه ما سيكون من أمور. وكان الناس يتوافدون على هؤلاء الكُهّان من مختلف الجهات فيحكمونهم في منازعاتهم، ويستشيرونهم في أمورهم الخاصة وما يزمعونه من أعمال، أو ما يرونه في منامهم من أحلام. وكانوا يستخدمون في أحكامهم وأقوالهم ضرباً من النثر المسجوع عرفوا به.
وقد ظهر في العرب عدد من هؤلاء الكهان، وفيهم من كانوا حكاماً في المنافرات أيضاً. ومنهم: سطيح الذئبي، وشق الأنماري، وسلمة ابن أبي حيّة، المشهور باسم عُزّى سلمة، وعوف الأسدي، .بل كان فيهم نساء كاهنات أيضاً، من أمثال: فاطمة الخثعمية، وطريفة اليمينية، وزبراء.
ويلاحظ في نصوص الكهان أنها تحمل طابع التكلف الشديد في سجعها ولهذا لا يطمأن إليها كلها، فربما شاب بعضها الوضع والنحل، وربما كان بعضها محفوظاً صحيحاً، لقصره وإيجازه.
ومن خصائص أسجاع الكهان أنها - في جملتها - كلام عام، لا يرشد السامع إلى حقائق جلية، وإنما يضعه في الغموض والإبهام، باصطناع السجع، والإيماء، وقصر الجمل لإلهاء السامع عن تتبع ما يلقى إليه من الأخبار العربية، وجعله في حالة نفسية مضطربة تساعد الكاهن على الوصول إلى ما يريد، بكل سهولة ويسر، ويكون المخاطب، بتلك الإشارات الغامضة، والألفاظ المبهمة، والأقسام المؤكدة، والأسجاع المنمقة، مستعداً لقبول كل ما يقال له، بلا جدال أو اعتراض، وتأويل ما يسمعه بحسب حالته ومدى فهمه.
الحكم والأمثال: وربما كانت وحدها التي وصلت إلينا كلها كما نطق بها أصحابها، بلا تغيير أو تحريف، ولا زيادة أو نقص، لما تمتاز به من تركيز بالغ، وإيجاز شديد، وقبول للحفظ والشيوع على الألسنة في كل مناسبة، وبذلك تكون أصح ما بقي من النصوص الجاهلية، وأقربها إلى أصولها الأولى، وإن كانت لا تقدم صورة كاملة عن النثر الجاهلي.
الحكم والأمثال جمل قصيرة بليغة، خالية من الحشو، أوحت بها تجارب الحكماء والمعمرين في الحياة والعلاقات بين الناس، وهي ثمار ناضجة من ثمرات الاختبار الطويل، والرأي المحكم. وقد اشتهر عند العرب في العصر الجاهلي طائفة من أولئك الحكماء، مثل: لقمان عاد وهو غير لقمان الحكيم، المذكور في القرآن الكريم، وأكثم بن صيفي، وعامر بن الظرب، وأكثم بن عامر، وهرم بن قطبة، ولبيد بن ربيعة. وبعض هؤلاء يُعدون في الخطباء، وحكام المنافرات أيضاً. ولا يكاد يوجد في العصر الجاهلي سيد، أو شريف، أو خطيب مشهور إلا أضيفت إليه جملة من الحكم والأمثال.
والفرق بين الحكمة والمثل، أن الحكمة قول موجز جميل، يتضمن حكماً صحيحاً مسلماً به. لأنه نابع من الواقع ومعاناة التجارب في الحياة، مثل: «آخر الدواء الكي، وأول الشجرة النواة، وإنك لا تجني من الشوك العنب، وإن العوان لا تعلم الخمرة...».
وأما المثل فهو - في أصله - قول يقترن بقصة أدت إليه، ويدري به اللسان أول مرة، ثم يدخل في نطاق الأمثال حين يستشهد به في مقامات مماثلة، وفي حالات مشابهة للحالة الأولى التي ورد ذلك القول فيها. ولذلك تحكى الأمثال بألفاظها الأصلية، بلا تغيير ولا تصرف، مهما كان وضع المخاطب أو نسق الكلام.
وقد دون العرب حكمهم وأمثالهم منذ أوائل العصر الأموي، وهذا مما ساعد على حفظها وتواترها على الألسنة.
وأكثر تلك الحكم والأمثال لا يعرف أصحابها أو قائلوها، وقد سيقت بأسلوب سهل، لا أثر للصنعة الإنشائية فيه، وبعضها بل أكثرها، يعد من الإنشاء الرفيع، والسبك الجيد. وكثير منها أشطار موزونة، ربما كانت مقتطعة من أبيات كاملة، مثل: «رضيت من الغنيمة بالإياب» وهو عجز بيت لامرئ القيس، و«خلا لك الجو فبيضي واصفري» وهو أيضاً عجز بيت لطرفة. «والبس لكل حالة لبوسها» وهو رجز قديم، لا تعرف تتمته ولا صاحبه.
ولا تخلو صياغة بعض الحكم والأمثال أحياناً، من خروج على النظام اللغوي. كقولهم: «مكره أخاك، لا بطل» و«أعط القوس باريها» و«أجناؤها أبناؤها» والقياس: «جناتها بناتها» لأن «فاعلاً» لا يجمع على «أفعال».
وهذه الحكم أو الأمثال هي - على كل حال - صورة لحياة العرب في الجاهلية، ولأساليبهم ولهجاتهم، وجانب من نثرهم، فيها البساطة والسهولة التي لا تخلو أحياناً من السجع والاحتفال بتوازن الكلمات وجمال الصنعة والتصوير.
الوصايا: يمكن إلحاق الوصايا بالحكم والأمثال لتضمنها كثيراً من تلك الأقوال الموجزة النابعة من التجربة، حتى لكأن الوصايا أحياناً قائمة على جملة من الحكم والأقوال المأثورة.
وتروى هذه الوصايا عادة على ألسنة طوائف من الحكماء والمعمرين، الذين عرفوا بكثرة تجاربهم وخبرتهم في الحياة، من أمثال: ذي الإصبع العدواني، وزهير بن جناب الكلبي، وعامر بن الظرب العدواني، وحصن بن حذيفة الفزاري. ومن النساء: أمامة بنت الحارث. ويغلب على الظن أن هذه الوصايا جميعاً رويت بالمعنى، ولكنها لا تخلو من بعض العبارات الأصلية المحفوظة، ولاسيما في الوصايا القصيرة. وهي - مع ذلك - تقدم صورة عن هذا الفن النثري، لأن من رووها أو حفظوها قد راعوا أصوله وتقاليده.
وما وصل إلينا من تلك الوصايا بعضه موجه إلى الأبناء والبنات، وبعضه الآخر موجه إلى أفراد من القبيلة. أما من حيث الموضوع والمضمون؛ فيمكن تقسيم الوصايا إلى نوعين:
وصايا اجتماعية: كالوصايا المتعلقة بالزواج، والمال، والصداقة، والعناية بالخيل وإكرامها، ومكارم الأخلاق كتهذيب اللسان، وتربية النفس، والحث على الصدق، والبذل والجود... ومن شواهدها وصية ذي الإصبع العدواني - لما احتضر - لابنه أسيد.
وصايا سياسية: تكون بين الراعي والرعية، والدعوة إلى الحرب، والدعوة إلى السلم والتحذير من التنازع. والطابع العام للوصايا هو الأسلوب المرسل، الذي يترك فيه الموصى نفسه على سجيتها، من دون تنميق أو زخرفة، مؤثراً وضوح العبارات، ورشاقة التراكيب، وقصر الجمل بما يحقق المناسبة بين المعنى واللفظ وطبيعة المقام الذي تقال فيه الوصية.
القصص: ومن فنون النثر الجاهلي القصص وما يتصل منها بسبب، كالأسمار، والحكايات، والأساطير، التي تتناثر في كتب الأدب والتاريخ والأمثال، والتفسير، وكتب الشواهد النحوية والبلاغية، ومؤلفات الشرَّاح مما يؤلف ذخيرة قصصية غزيرة، تمثل في مضمونها جوانب من المجتمع العربي في العصر الجاهلي، أو ما هو قريب منه، إذا صحت نسبتها إلى ذلك العصر.
وقد بقي الناس يتداولون هذه القصص عن طريق الرواية الشفوية، حتى بدأ تدوين بعضها في العصر الأموي، ولكن لم يصل إلينا شيء منه، بل وصل ما دُوَّن في أوائل العصر العباسي، وما بعد ذلك، بعد أن تنقلت روايته في المجالس، وزيد فيه، ونقص منه، ولا يعرف مدونه ولا راويه، وإن حمل بعضه على الأصمعي وغيره، سواء في ذلك ما كان فيه إطالة وتفصيل، أو قصر وإيجاز. وقد كانت هذه القصص الجاهلية المتداولة نواة للقصص الشعبي الذي ازدهر في العصرين: العباسي والمملوكي.
ولهذا كله، يقع الشك في صحة نصوص القصص التي ترفع إلى العصر الجاهلي، من حيث الصياغة على الأقل. ذلك أنها لم تدون في ذلك العصر قط، ولا فيما هو قريب منه، بل صيغت بأساليب العباسيين، ومن بعدهم، الذين تصرفوا فيها صيغة ومضموناً، ولاسيما الطويلة منها. وتكفي الإشارة إلى أن أيام العرب وملامحهم الحربية تؤلف ينبوعاً قوياً لتلك القصص، وقد دونها أبو عبيدة في شرحه لنقائض جرير والفرزدق. ومن هذا التراث القصصي أيضاً ما يتصل بملوك المناذرة والغساسنة والدولة الحميرية، وغيرهم ممن سبقوهم أو عاصروهم، كالزباء أو زنوبية. ومنه أيضاً قصص العشاق وأخبارهم، وبعض الأساطير عن الحيوانات كقصة الحية والفأس في خبر المثل: «كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟».
هذا، إلى قصص أخرى متناثرة في كتاب الأغاني وغيره عن عمرو بن كلثوم وربيعة بن مكدم، وعبد الله بن جدعان، وغيرهم. وكل ذلك من موروثنا النثري، ولكنه لا يمثل أسلوب الجاهليين ولا صياغتهم.
الرسائل: وآخر أنماط النثر الجاهلي وفنونه الرسائل، التي تعد أقل فنون النثر شيوعاً، ولكنها أكثرها حاجة إلى التدوين لاستخدام الجاهليين إياها في الأمور التجارية والسياسية والقبلية، وفي السفارة بينهم وبين الأكاسرة وملوك المناذرة والغساسنة. ومما يثبت ذلك أن لقيط بن يعمر الإيادي. مثلاً، كان يحسن الفارسية، وكان من مقدمي تراجمة كسرى سابور، وكذلك كان عدي بن زيد العبادي وإخوته من كتاب الأكاسرة والمترجمين عندهم.
وما وصل إلينا من نصوص الرسائل الجاهلية قليل جداً، منها ما هو ذو طابع سياسي كرسالة النعمان بن المنذر إلى كسرى، حين جهز إليه وفداً ضم وجوه العرب من قبائل مختلفة، ليتكلم كل منهم أمام كسرى بما يحضره عن مآثر العرب ومفاخرهم إذا صح هذا الخبر.
ومن تلك الرسائل ما يكون في القبائل، من عهود ومحالفات تقتصر على أغراض ضيقة جداً، ويمكن أن تعد وثائق تاريخية. ومثالها كتاب التحالف بين عبد المطلب بن هاشم، وقبيلة خزاعة على التناصر والتعاون مدى الأيام في جمل مرسلة معبرة، تطول وتقصر، مع قوة وإحكام.
خصائص النثر الجاهلي: هذا العرض السريع لفنون النثر الجاهلي، والأعلام الذين اشتهروا في كل فن، يمكن أن يخرج منه بجملة من خصائص النثر الجاهلي، الذي تناول - في مضمونه - قضايا تهم الفرد والجماعة معاً، في تلك المجتمعات القبلية التي تتحكم فيها عادات وأعراف موروثة، وتنشد أخلاقاً وشمائل وغايات لا تكاد تحيد عنها. فكان ذلك النثر، بفنونه كلها متمماً للشعر الجاهلي أيضاً في تصوير جوانب أخرى من الحياة العربية، تصويراً أقرب إلى الحقيقة والواقع، بما في تلك الحياة من مفارقات ومتناقضات. فبينما تلاحظ توجُّه القوم إلى نواح خلقية وتهذيبية، وميلهم إلى الخير والإصلاح في وصاياهم، وبعض خطبهم وحكمهم، إذ بك تؤنس منهم ارتداداً إلى الغضب والتهور، وإشادة بالأحساب والأنساب، وإشاعة للعصبيات والمفاخر القبلية، والمصالح الخاصة، في المنافرات وبعض الخطب والحكم الأخرى، ولو أدى ذلك إلى إشعال نار الحرب.
إن تصوير النثر الجاهلي لذلك كله هو تصوير أقرب إلى الحقيقة والواقع، لأن واضعي بعض تلك النصوص، أو صائغيها، قد حاولوا، بقوة ملاحظتهم ومزيد عنايتهم أن يجعلوها محاكية لأصولها الأولى، مستهدين في ذلك بقرائن مختلفة. ولهذا فإن تلك النصوص النثرية - مع ما اعترى معظمها من تغيير أو زيادة أو نقص - هي في روحها وبنائها مقاربة لأصولها الجاهلية، حتى يمكن أن يكون الحديث عن خصائص النثر الجاهلي مقارباً للحقيقة.
فهذا النثر، بفنونه المختلفة تغلب عليه العناية والتجويد، والبعد، ما أمكن، عن الهلهلة والضعف. فيأتي مرسلاً طبيعياً تارة، ومتكلفاً محلى بالسجع والتصوير البياني تارة أخرى، بحسب الفن النثري من جهة، وبحسب الحال والمقام من جهة ثانية، رغبة في تحقيق الإمتاع، أو التأثير والإقناع لدى السامع، والنفوذ إلى مكامن نفسه. ومعنى ذلك أنهم كانوا يتخيرون الكلام ويحرصون على القوة والجزالة، والتنغيم الموسيقي بين الجمل إذا احتاجوا إلى ذلك، كما في سجع الكهان والمنافرات.
ومن مراعاتهم للمقام، أن نصوصهم تترجح بين الطول والقصر، ولكل منها موضع يحسن فيه. فالخطبة نفسها قد تطول وقد تقصر، وكذلك الوصية، أما الحكم والأمثال وأسجاع الكهان فلا تخرج عن القصر والإيجاز.
ويغلب على ذلك النثر الوضوح والسهولة في ألفاظه وتراكيبه، إلا ما نجده في سجع الكهان من غرابة في الأداء، وغموض في التعبير، إمعاناً منهم في الإيهام والإبهام، وكذلك ما قد نجده من ألفاظ تبدو لنا اليوم غريبة، في طائفة من وصاياهم ومنافراتهم وبعض خطبهم، وما هي بغريبة عندهم.
توقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



من مواضيعي في المنتدى

0 عبارات انكليزيه تحمل معنيان
0 نتائج الانتخابات تعلن في الخامسة من عصر اليوم
0 موقع يفتح الماسنجر بدون برنامج ...!!
0 ما معنى الحائر الحسيني ؟
0 حول تعدد الزوجات
0 قصة واقعة صِفِّين
0 قيمة الوقت عند الانسان
0 لماذا سمي الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه بالوتر الموتور
0 الجزيرة العربيه والصحراء فى المستقبل
0 الاحرار الاول في ميسان

hussain1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 06:43 PM   #7

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها ابو كرار الناصري


الصورة الرمزية ابو كرار الناصري
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
رقم العضوية: 2536
الدولة: الناصريـة
العمر: 32
المشاركات: 38,969
التقييم: معدل تقييم المستوى: 401
ابو كرار الناصري will become famous soon enough

الأوسمة التي حصل عليها

افتراضي

بحث موفق جزاك الله كل الخير

توقيع

في هذه الايام وهذه اليالي المباركة الطفله زينب في امس الحاجة الى دعائكم بشفائها رجاءا رجاءا بحق هذا الشهر الكريم لا تقصروا عنها وعن اختي الفاضله بسمه العصمي بالشفاء


من مواضيعي في المنتدى

0 مقتدى الصدر يرسل وفدا الى تركيا للمطالبة بوقف قصف شمال العراق
0 المكتب الشريف في الناصرية الفيحاء يستقبل مسؤول مشروع المناصرون
0 هام ... جامعة المستنصرية والاحزاب
0 انفجار سيارتين في مدينة الحلة
0 المخالفة لـ أسيل موسي: تافه
0 ليالي بيشاور بصيغة exe
0 عباس جفوفك تحمينه
0 عجبتني
0 شرح العروة الوثقى .. كتاب الطهارة .. الدرس الأول
0 غير مسجل كل علم وانت بخير بمناسبة عيد الاضحى المبارك

ابو كرار الناصري متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 06:49 PM   #8
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها hussain1


الصورة الرمزية hussain1
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم: معدل تقييم المستوى: 141
hussain1 will become famous soon enoughhussain1 will become famous soon enough

الأوسمة التي حصل عليها

افتراضي

الأدب المقارن

يُعدُّ مصطلح «الأدب المقارن» comparative literature مصطلحاً خلافياً لأنه ضعيف الدلالة على المقصود منه. وقد نقده كثير من الباحثين ولكنهم في النهاية آثروا الاستمرار في استعماله نظراً لشيوعه. فمثلاً عدّه بول فان تييغم Paul Van Tieghem[ر] مصطلحاً غير دقيق, واقترح مصطلحات أخرى أقرب دلالة إِلى موضوعه مثل: «تاريخ الأدب المقارن», و «التاريخ الأدبي المقارن», و «تاريخ المقارنة». واقترح ماريوس فرانسوا غويار M.F.Guyard مصطلحاً بديلاً هو «تاريخ العلاقات الأدبية الدولية». والملاحظ أن كلمة «تاريخ» هي المضافة في مختلف الاقتراحات البديلة, ذلك أن الأدب المقارن هو في الأصل تاريخ للعلاقات المتبادلة بين الآداب وللصلات والمشابهات المتجاوزة للحدود اللغوية والجغرافية, وفيما بعد أضيفت الحدود المعرفية.
وعلى أية حال يبدو أن افتقار المصطلح إِلى الدقة كان له بعض فضل في الإِبقاء على وحدة هذا النسق المعرفي وفي مقدرته على استيعاب مناطق معرفية جديدة, أخذت تدخل نطاقه بعد منتصف القرن العشرين.
وترجع نشأة الأدب المقارن إِلى العقد الثالث من القرن التاسع عشر, وربما إِلى سنة 1827 حين بدأ الفرنسي أبل فييمان Abel Villemain يلقي محاضرات في السوربون بباريس حول علاقات الأدب الفرنسي[ر] بالآداب الأوربية الأخرى. والجدير بالذكر أنه استعمل فيها مصطلح «الأدب المقارن» وإِليه يعود الفضل في وضع الأسس الأولى لمنطقه ومنطقته, في وقت بدأ يشهد تصاعد اهتمام العلوم الإِنسانية في أوربة بالبعد المقارني في المعرفة, إِذ نشأ «القانون المقارن» و«فقه اللغة المقارن» و«علم الاجتماع المقارن» وغيرها. وتعدُّ فرنسة المهد الأول للأدب المقارن, إِذ استمرت تطوراته بعد فييمان, وكان لذلك عوامل لغوية وسياسية واجتماعية وثقافية متداخلة أدّت إِلى أن يكون الفرنسيون أول من تنبّه إِلى قيمة التراث المشترك بينهم وبين المناطق الأوربية الأخرى, مما خلق الأساس الأول للتفكير المقارني.
وفي البدء كان التطور بطيئاً, فبعد فييمان ظهر جان جاك أمبير Ampére وألقى في مرسيلية سنة 1830 محاضرات في الأدب المقارن لفتت إِليه الأنظار وأتاحت له أن ينتقل بعد ذلك بسنتين إِلى باريس ليلقي محاضرات حول علاقات الأدب الفرنسي بالآداب الأجنبية. وفي سنة 1835 ظهرت مقالات فيلاريت شال Chales على صفحات مجلة باريس مؤكدة العلاقات المتينة بين الآداب الأوربية.
وعند نهاية القرن التاسع عشر أخذت تتلاحق التطورات وظهر جوزيف تكست Texte في ليون (1896) وحاضر في الأدب الأوربي, وخلفه على منبر ليون فرنان بالدنسبرجيه F.Baldensperger الذي ألف كتابه «غوتة في فرنسة» سنة 1904, ثم سُمي أستاذاً في السوربون حينما أحدث فيها كرسي للأدب المقارن سنة 1910 وظهرت بعد ذلك مجلات وفهارس, وعرف الأدب المقارن طريقه إِلى التطور النسقي منذ مطلع القرن العشرين. وإِلى جانب فرنسة سجلت بعض البلدان الأوربية إِسهاماً نسبياً في نشأة الأدب المقارن, وكانت إِسهاماتها تتزايد مع تزايد نزعة «العالمية» في المعرفة ومع تزايد قوة الاتصالات والمواصلات في العالم. وقد ظهر أول كتاب في بريطانية عن الأدب في أوربة بين عامي 1837-1839, لهنري هالام H.Hallam, غير أن التطورات بعده كانت شديدة البطء. وفي ألمانية تأخر ظهور الأدب المقارن حتى ثمانينات القرن التاسع عشر, واشتُهر من مؤسيسه ك مورهوف K.D.Morhof وشميدت Schmidt كارييه M.Carriére, ولم يدخل الأدب المقارن نطاق الدراسة المنظمة إِلا بعد سنة 1887 بفضل ماكس كوخ Max Koch الذي أصدر مجلة «الأدب المقارن». ولكن دخول الأدب المقارن إِلى مناهج الجامعة لقي معارضة شديدة وتأخر حتى مطلع القرن العشرين.
وتعرقل ظهور الأدب المقارن في إِيطالية بسبب حدة النزعة القومية. وفي عام 1861 أمكن إِنشاء كرسي له في جامعة نابولي. ولكن كروتشه B.Croce[ر] تصدى للأدب المقارن وشنّ على أنصاره حملة قوية وحاول تسفيه منطقه, وبذلك كان له أثر في تاريخ تطور الدراسة المقارنة في إِيطالية بسبب ما كان يتمتع به من نفوذ فكري.
وإِذا كانت نهاية القرن التاسع عشر قد شهدت تطور الأبحاث التطبيقية في الأدب المقارن وبدء الاعتراف به في الجامعات فإِن بداءة القرن العشرين شهدت تأسيس الوعي النظري لمنهج الأدب المقارن. وقد تابعت فرنسة تطورها السباق فنشأت فيها كراسٍ جديدة للأدب المقارن في الجامعات. ومنذ سنة 1911 أخذ فان تيغم ينشر مقالات نظرية في المنهج المقارني. وفي عقد واحد تبلورت نظرته إِلى الأدب المقارن في مقالاته في مجلة «الأدب المقارن» ورصيفتها مجلة «مكتبة الأدب المقارن».
وفي عام 1931 أصدر فان تييغم أول كتاب نظري عرفه العالم بعنوان «الأدب المقارن», وظل هذا الكتاب مرجعاً أساسياً في بابه حتى اليوم, وترجم إِلى عدد كبير من اللغات, ومنها اللغة العربية في منتصف القرن العشرين. وتتابعت بعد ذلك المؤلفات الفرنسية في الأدب المقارن نظرية وتطبيقاً, ومن أشهرها كتاب غويار «الأدب المقارن» عام 1951 وترجم كذلك إِلى العربية عام 1956. وبدءاً من هذا التاريخ أخذت تظهر في فرنسة تحديات لما يمكن تسميته بالنظرية الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن, وكان أبرزها الهجوم الحاد الذي شنّه رنيه إِيتيامبل R.Etiemble على فان تييغم وغويار, وظهر بعد ذلك في كتابه «الأزمة في الأدب المقارن».
وقد تعثر الأدب المقارن في الدول الأوربية الأخرى ولم يصب تطوراً في بريطانية ربما حتى تسعينات القرن العشرين وكذلك كان شأن ألمانية وإِيطالية والاتحاد السوفييتي. وإِن كان ملاحظاً أنه ابتداء من الستينات انتعش الأدب المقارن في القارة الأوربية والعالم كله, وذلك مع ازدياد نشاط الرابطة الدولية للأدب المقارن AILC. وزاد من قوة هذا التطور النشاط الأمريكي المتسارع في مجال البحث المقارني وفي المؤتمرات الدولية, والحق أنه في سنوات معدودات حقق المقارنون الأمريكيون حضوراً مرموقاً في مختلف أوجه البحث المقارني مع أن الولايات المتحدة دخلت متأخرة نسبياً في حقل الأدب المقارن. ومن أجل استكمال الخريطة العامة لنشأة الأدب المقارن تحسن الإِشارة إِلى التواريخ الرئيسية التالية:
1889 تولى تشارلز جيلي C.M.Geyley تقديم مادة النقد الأدبي المقارن في جامعة ميشيغن, ثم انتقل إِلى جامعة كاليفورنية وأنشأ عام 1902 قسماً للأدب المقارن. 1890-1891 أنشأت جامعة هارفرد أول كرسي للأدب المقارن في أمريكة, تحول عام 1904 إِلى قسم كامل. وفي سنة 1946 تولى رئاسته هاري ليفين Harry Levin وأعاد النظر في برامجه, وخلفه ولتر كايزر W.Kaiser.
1902 جرى إِحياء كرسي قديم للأدب العام يعود إِلى سنة 1886 في جامعة كورنل Cornell على يد كوبر الذي أصبح فيما بعد رئيساً لقسم كامل للأدب المقارن فيها من 1927-1943.
على أن دراسة الأدب المقارن في أمريكة ظلت حتى العشرينات مختلطة بـ «الأدب العام» و«أدب العالم» و«الروائع» و«الإِنسانيات». وفي الأربعينات بدأ يظهر تميزه في الجامعات وصاحب ذلك ظهور مجلات للأدب المقارن في عدة جامعات مثل أوريغون Oregon عام 1949. ومن أهم التطورات في هذا المجال صدور المجلد الأول من «الكتاب السنوي للأدب العام والمقارن Yearbook of General and Comparative Literature» وذلك عن جامعة (نورث كارولينة) عام 1952.
وفي عام 1961 انتقلت إِدارة الكتاب إِلى جامعة إِنديانة Indiana, وما زال يصدر عنها حتى اليوم.
ومنذ الخمسينات بدأت تتوالى الكتب الجامعية في الأدب المقارن, وتسود فيها طريقة التأليف الجماعي أو الدراسات المجموعة, وتتنوع مادة هذه الكتب بين النظرية والتطبيق كما تتنوع وجهات النظر. ومن أبرز التطورات في تاريخ الأدب المقارن تأسيس الرابطة الدولية للأدب المقارن عام 1955. وتعقد هذه الرابطة مؤتمراتها العامة كل ثلاث سنوات ولها نشاطات متنوعة, وقد عقد مؤتمرها الأول في البندقية بإِيطالية. ومنذ ذلك الحين انحصرت مؤتمراتها واجتماعاتها في العواصم الغربية, حتى عام 1991 عندما عقد مؤتمرها الثالث عشر في طوكيو, وفي ذلك إِيذان بتزايد إِسهام اليابان في الأدب المقارن, وبخروج الرابطة جغرافياً من بوتقة الغرب. على أن الأدب المقارن بقي حتى اليوم علماً غربياً, وبقي إِسهام المنظومة الاشتراكية فيه محدوداً, وأقل منه إِسهام البلدان النامية.
ومنذ البدء اختلط مفهوم «الأدب المقارن» بمفهومي «الأدب العام» و«الأدب العالمي». والملاحظ أنه حتى نهاية الثمانينات وبعد كل ذلك التطور المهم الذي حققه الأدب المقارن, ما زالت هذه المفهومات مختلطة حتى في بعض الجامعات العريقة. ومن هنا كان الربط الدائم بين الأدب المقارن والأدب العام في تسميات الأقسام الجامعية في دول أوربية كثيرة. كذلك يلاحظ أن الكتاب السنوي الأمريكي ما زال يحمل تسمية الأدب العام إِلى جانب الأدب المقارن. وقد آن أوان التفريق بين هذه الحقول المعرفية الثلاثة.
فالأدب العالمي world literature مصطلح من وضع غوته[ر], وكان ينطوي على حلم بزمان تصير فيه كل الآداب أدباً واحداً. ولكنه تحول بالتدريج إِلى الدلالة على تلك السلسلة الذهبية من الأعمال الأدبية التي قدمتها قرائح من مختلف شعوب العالم, وترجمت إِلى اللغات المختلفة, واكتسبت صفة الخلود, وارتفعت إِلى مصاف الروائع classics المعترف بقيمتها الفنية والفكرية في كل أنحاء العالم, وبالطبع تنضوي هذه الروائع تحت تخصصات الأدب المقارن. والملاحظ أن سلسلة الروائع العالمية ظلت حتى ستينات القرن العشرين تحت تأثير المركزية الأوربية Euro- centralism, ولكنها أخذت تتسع بالتدريج لبعض الأعمال خارج نطاق الغرب, ربما بتأثير نمو التبادل الثقافي والتوسع في مفهوم الجوائز الأدبية العالمية.
أما الأدب العام general literature فمصطلح استعمل غالباً لوسم تلك الكتابات التي يصعب أن تُصنَّف تحت أي من الدراسات الأدبية والتي تبدو ذات أهمية متجاوزة لنطاق الأدب القومي. وهي أحياناً تشير إِلى الاتجاهات الأدبية أو المشكلات أو النظريات العامة في الأدب, أو الجماليات. كما صُنِّفت تحت هذا العنوان مجموعات النصوص والدراسات النقدية والتعليقات التي تتناول مجموعة من الآداب ولا تقتصر على أدب واحد. وهكذا يتطابق الأدب العام أحياناً مع مبادئ النقد ونظرية الأدب, أي مع كل دراسة أدبية تركز على التنظير ولا تقتصر أمثلتها على أدب واحد.
ويقل استعمال مصطلح «الأدب العام» اليوم ويكاد ينحصر في الدلالة على أنواع متفرقة من الدراسات الأدبية التي يصعب أن تُصنف في نطاق الأدب القومي أو العالمي أو المقارن.
ولم تزل الخلافات بشأن منطق الأدب المقارن ومنطقته قائمة حتى اليوم وإِن كانت تضيق تدريجياً لتفسح في المجال لمفهوم مشترك سيجري تحديد عناصره هنا بعد استعراض تاريخيّة اتجاهات الأدب المقارن.
إِن المفهوم الأصلي للأدب المقارن هو مفهوم ما يسمّى جوازاً «المدرسة الفرنسية التقليدية», إِذ حدد مؤسسها الفعلي بول فان تييغم الأدب المقارن «بأنه دراسة آثار الآداب المختلفة من ناحية علاقاتها بعضها ببعض» كما أكد جان ماري كاريه أن الأدب المقارن يعتمد على مفهوم التأثر والتأثير من خلال الصلات بين الآداب أو الأدباء من بلدان مختلفة, واستبعد المقارنات غير القائمة على الصلات من منهجية الأدب المقارن. كما رفض كل من كاريه وغويار فكرة التطابق بين الأدب العام والأدب المقارن. وعدّ غويار الأدب العام والأدب العالمي « مطمعين غَيْبييّن» وآثر أن يسمي الأدب المقارن, تاريخ العلاقات الأدبية الدولية. وقد تمسكت هذه المدرسة بالمنهجية التاريخية الصارمة, وحاولت تمييز منهجية الأدب المقارن ومنطقه ومنطقته من سائر الدراسات الأدبية واقتربت من العلمية والحياد, وتناولت أحياناً بمهارة, وأحياناً بآلية جامدة, مسائل مثل الشهرة الأدبية والنفوذ مثل غوتة في فرنسة, وطوّرت منهجاً يذهب إِلى أبعد من جمع المعلومات التي تتعلق بالمراجعات والترجمات والتأثيرات ليتفحص الصورة الفنية ومفهوم كاتب معيّن في وقت معيّن إِلى جانب عوامل النقل المتعددة كالحوليات والمترجمين والصالونات والمسافرين, وكذلك وجّهت انتباهها إِلى عوامل التلقي والجو الخاص والوضع الأدبي الذي أدخل فيه الكاتب الأجنبي, وبالإِجمال :«فقد تم جمع كثير من الشواهد عن الوحدة الصميمة بين الآداب الأوربية خاصة, كما ازدادت معرفتنا بالتجارة الخارجية للأدب».
غير أن هذه المدرسة ما كادت تستوي على قدميها وتحقق وجوداً أكاديمياً معترفاً به حتى انبثقت من أحشائها أصوات معترضة تنكرها أشد إِنكار, وقام رنيه إِيتيامبل في الخمسينات, على رأس مجموعة من الكتاب اليساريين, بمهاجمة هذه المدرسة على أساس أنها تمثل المركزية الأوربية الاستعمارية وأنها قدمت آداب العالم جميعاً كما لو كانت منبثقة من بحر الآداب الأوربية أو منصبةً فيه, ولم تُعط آداب آسيا وإِفريقية وأمريكة اللاتينية حقها من البحث والاستقصاء. وقد هاجم إِيتيامبل زميله غويار واتهمه بالتعصب الإِقليمي والقومي وتركيز كل أضواء التأثير على الأدب الفرنسي, وطالب المقارنين أن ينحّوا جانباً «كل شكل من أشكال الشوفينية والإِقليمية وأن يعترفوا أخيراً أن حضارة الإِنسانية التي جرى في سياقها تبادل القيم على مدى آلاف السنين لا يمكن أن تُفهم أو تتذوق من دون إِشارات متواصلة إِلى هذه التبادلات التي تقتضي تركيبتها منا ألاّ نركّز نظام بحثنا حول لغة واحدة معينة أو بلد واحد معيّن».
وابتداء من الستينات بدأت الأفكار الأمريكية ذات الطابع العملي والانفتاحي تسيطر على ساحة الأدب المقارن. وقدم رينيه ويلك نظرات تركيبية شمولية وفي الوقت نفسه انبرى هنري رِماك H.Remak بتقديم اتجاه جاد للخروج من المعضلة, وذلك في مقالة منقحة ومزيدة ومفصلة عام 1971, وفيها راجع مفهومات الأدب المقارن واتجاهاته بنفسٍ علمي جريء ومسؤول وانتهى إِلى توسيع منطقه ومنطقته على النحو التالي:
«الأدب المقارن هو دراسة الأدب خلف حدود بلد معيّن, ودراسة العلاقات بين الأدب ومجالات أخرى من المعرفة والاعتقاد مثل الفنون كالرسم والنحت والعمارة والموسيقى, والفلسفة, والتاريخ, والعلوم الاجتماعية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع, والعلوم, والديانة, وغير ذلك. وباختصار هو مقارنة الأدب بمناطق أخرى من التعبير الإِنساني».
ويلاحظ على هذه التعريف: أنه ينطلق من فكرة التأثر والتأثير ليتجاوزها إِلى المشابهة أي أنه يركز على العلاقات ولا يجعلها شرطاً لازماً, وأنه يضيف بعداً جديداً إِلى منطقة الأدب المقارن بدفعه إِلى دراسة العلاقات بين الأدب وحقول المعرفة الأخرى ولاسيما الفنون. وبذلك يسجل نقطة إِضافية شديدة الأهمية. وقد بدا رماك متساهلاً في موضوع صلة الأدب المقارن بالتذوق الأدبي, ولكنه بالنتيجة احتفظ بجوهر منطق الأدب المقارن وهو دراسة الأدب خارج حدوده الجغرافية واللغوية والمعرفية. وتبدو نظرية رماك أكثر قبولاً اليوم في العالم.
ومن الملاحظ أن بلدان أوربة الشرقية لم توجه عناية خاصة للأدب المقارن, وكانت منطلقاتها بوجه عام مستوحاة من ثورة إِيتيامبل. وتُعدُّ هنغارية ويوغسلافية أكثرها احتفاءً بالأدب المقارن.
والملاحظ أنه جرى دائماً تساؤل حول وظيفة الأدب المقارن وامتحان لها. ومثل هذا التساؤل لا يتم عادة إِلا على الحقول المعرفية المستجدة, ذلك أن العلوم لا تقدم نفسها تقديماً نفعياً مباشراً. ومع ذلك يمكن القول إِن الأدب المقارن:
ـ يقدم فهماً للأدب أفضل وأكثر شمولاً وأقدر على تجاوز جزئية أدبية منفصلة أو عدة جزئيات معزولة.
ـ ويميز ما هو محلي وما هو إِنساني مشترك.
ـ ويحدد الصلات والمشابهات بين الآداب المختلفة وبين الأدب وحقول المعرفة الأخرى.
ـ ويسهم في تخليص الأقوام من النزعة الشوفينية والنرجسية المسيطرة في مجال الآداب القومية المختلفة.
ـ ويقدم للنقد الأدبي ودارسي الأدب فرصة ممتازة لتوسيع آفاق معرفتهم وتوثيق أحكامهم حتى الجمالية منها, لأن المقارنة تبقى أقوى أسلحة الناقد إِقناعاً.
ـ ويقدم فرصة ممتازة لتطور نظرية أدبية قائمة على فهم طبيعة امتدادات الأدب خارج حدوده.
وقد جرت الإِشارة في ثنايا البحث إِلى أعلام الأدب المقارن البارزين وإِلى أبرز المؤسسات والمنظمات والمجلات التي تُعنى به وتضع نفسها في خدمة مجالاته.
وإِذا انتقل الدارس إِلى الأدب العربي وجد أن الأدب المقارن حقل معرفي فتي لا تكاد تبين له أصول في التراث الأدبي القديم, ذلك أنه كان لدى العرب في الماضي اعتداد خاص باللغة والشعر وإِشاحة نسبية عن آداب الأمم الأخرى, مما أدّى إِلى أن يكون نشاطهم في حقل التبادل الأدبي أقل من نشاطهم في الحقول المعرفية الأخرى كالعلوم والفلسفة على أن غير العرب تأثروا تأثراً واضحاً بالأدب العربي فدرسوه وألّفوا على غراره. وفي عصرنا الحاضر ما زال هذا التيار من الاعتداد بالأدب واللغة فاعلاً بحيث يخلق رأياً عاماً لا يستريح إِلى المقارنات مع الآداب الأخرى ويجهد في تأكيد الأصول العربية للفنون الأدبية الوافدة كالقصة والمسرح. ومن الملاحظ أن معظم الأدباء البارزين في عصر النهضة كانوا أكثر انفتاحاً في مجال التفاعلات الأدبية, ووضعوا أساساً لنهضة الأدب المقارن في عصرنا. وكان لرواد النهضة الأدبية في الشام أثر كبير في الاستنارة الأدبية, وهكذا لمعت, إِلى جانب بناة النهضة من أبناء الكنانة مثل رفاعة الطهطاوي[ر] وعلي مبارك[ر] والشيخ حسن المرصفي, أسماء شامية مبكرة في مجال المقارنة مثل أديب إِسحاق[ر] وأحمد فارس الشدياق[ر] ونجيب الحداد, وتميز من بينهم علمان بارزان, هما سليمان البستاني[ر] وروحي الخالدي[ر], وضعا حجر الأساس للبحث التطبيقي في الأدب المقارن على الرغم من أنهما لم يشيرا إِلى المصطلح بكلمة واحدة.
وتتلخص جهود البستاني في هذا الحقل بتعريب «الإِلياذة» الذي استغرق منه ثماني سنوات (1887-1895) وبمقدمتها المقارنية التي استغرقت منه ثماني سنوات أخرى, وقد أنجز شروح الإِلياذة ومقدماتها في 200 صفحة أواخر سنة 1903. وأجرى البستاني مقارنات جريئة بين الملحمة اليونانية والشعر القصصي العربي وأكد وجود ملاحم عربية قصيرة تختلف عن الملاحم الإِفرنجية الطويلة, وانطلق من هذه المقارنة للتوصل إِلى أحكام شاملة تتعلق بالشعر الجاهلي والشعر اليوناني القديم, وحكم لصالح الشعر الجاهلي, وأشار بعد ذلك إِلى التشابه بين عبقرية ابن الرومي[ر] وعبقرية هوميروس[ر]. وكذلك كتب البستاني مقالاً حوى شيئاً من تاريخ الشعر عند العرب والإِفرنج. وهكذا يكون البستاني صاحب سبق لا ينكر في مجال الدراسة المقارنة, وإِن كانت مقارناته تدل على أن ثقافته الأصلية كانت عربية تقليدية وأن ما قرأه من أفكار أدبية غربية ليس أكثر من نوافذ صغيرة للمقارنة.
وعند منعطف القرن التاسع عشر, على أية حال, ساد مناخ عام للمقارنة, أسهم فيه الشاعر أحمد شوقي[ر], وكتاب مثل خليل ثابت وأسعد داغر ونقولا فياض[ر] ويعقوب صروف[ر], وحملت مجلة «المقتطف» آنذاك رسالة الوعي المتفتح.
وإِذا ترك الدارس الأشخاص وانتقل إِلى الأعمال المفردة فإِنه يجد أن الكتاب العربي الأول المكرس للأدب المقارن التطبيقي هو كتاب «تاريخ علم الأدب عند الإِفرنج والعرب وفكتور هوغو» للكاتب المقدسي روحي بن ياسين الخالدي. وقد نُشر الكتاب مقالات متسلسلة في مجلة «الهلال» بين سنتي 1902ـ1903,ثم طبعته دار الهلال سنة 1904 وطبع ثانية سنة 1912, وأعيد طبعه سنة 1985.
وهذا الكتاب مؤلف نوعي في الأدب المقارن التطبيقي لا تنقصه سوى التسمية المقارنية, وتتصدره على الغلاف الفقرة المقارنية التالية:
«وهو يشتمل على مقدمات تاريخية واجتماعية في علم الأدب عند الإِفرنج وما يقابله من ذلك عند العرب إِبان تمدنهم إِلى عصورهم الوسطى, وما اقتبسه الإِفرنج عنهم من الأدب والشعر في نهضتهم الأخيرة وخصوصاً على يد فكتور هوغو. ويلحق بذلك ترجمة هذا الشاعر الفيلسوف ووصف مناقبه ومواهبه ومؤلفاته ومنظوماته وغير ذلك».
وكتب الخالدي مقدمة للكتاب بالفرنسية تنبئ عن حسه المقارني. وأورد في كتابه مقارنات ومقابلات ودراسات للتبادلات الأدبية بين العرب والفرنجة, وترجمات وتعليقات, تدل كلها على أنه كان شديد الالتصاق بالمنهج المقارني.
وتوالى بعد الخالدي الاهتمام بالدراسات التطبيقية ذات الطابع المقارني, ومن أقدمها سلسلة مقالات نشرها فخري أبو السعود على صفحات «الرسالة» في الأعوام 1935-1937 وقابل فيها بين الأدب العربي والأدب الإِنكليزي من دون اعتناء بناحية التأثر والتبادل. وفي عام 1935 كذلك ظهر الجزء الثالث من كتاب الأديب الحلبي قسطاكي الحمصي[ر] المعنون «منهل الورّاد في علم الانتقاد» وتضمن بحثاً مطولاً عن «الموازنة بين الكوميدية الإِلهية ورسالة الغفران», وفي الثلاثينات أيضاً نشر عبد الوهاب عزام دراسات في مجلة «الرسالة» حول العلاقات بين الأدب العربي والأدب الفارسي. وفي الأربعينات ظهر كتاب لإِلياس أبو شبكة بعنوان «روابط الفكر بين العرب والفرنجة» ظهرت الطبعة الثانية من الكتاب عن دار المكشوف في بيروت عام 1945, وهو ذو موضوع مقارني واضح. وبالتدريج انتعش هذا النوع من الدراسات واغتنى وتعددت وجهاته.
ومن الملاحظ أن اسم فخري أبو السعود ورد آنفاً في باب الدراسات التطبيقية خلافاً لما درجت عليه المصادر العربية حتى الآن من نسبة الريادة النظرية إِليه. ويبدو أن فخري أبو السعود لم يستخدم مصطلح الأدب المقارن ولم يكشف عن معرفة به, على الرغم من سبقه في مجال الدراسة التقابلية أي غير القائمة على التأثر والتأثير, وأن مصطلح الأدب المقارن ظهر في «الرسالة» أول ما ظهر على يد الكاتب الشامي خليل هنداوي في سلسلة مقالات تلقي ضوءاً جديداً على ناحية من الأدب العربي هو, اشتغال العرب بالأدب المقارن أو ما يسميه الفرنجة Littérature Comparée, في كتاب «تلخيص كتاب أرسطو في الشعر» لفيلسوف العرب الأول ابن رشد. وقد ظهر هذا العنوان في «الرسالة» (الأعداد من 154-156 من المجلة) بتاريخ 8/6/1936, وتكرر في أعداد ثلاثة تالية. وحملت المقالة الأولى مقدمة نظرية عن الأدب المقارن ومنهجه ومزاياه تُعد الأولى من نوعها في الأدب العربي.
والجدير بالذكر أن مقرر الأدب المقارن ظهر أولاً في أدبيات دار العلوم بالقاهرة سنة 1938, ولكن المصطلح اختفى بعد ذلك ليظهر في أواخر الأربعينات في سلسلة من الكتب الجامعية تعاقبت بمعدل كتاب كل سنتين تقريباً, وصدر أولها سنة 1948 في القاهرة بعنوان «من الأدب المقارن» لنجيب العقيقي, تضمّن شذرات من الأدب العام والنقد النظري غير ذات صلة مباشرة بالعنوان. وفي عام 1949 ظهر كتاب عبد الرزاق حميدة «في الأدب المقارن» كما ظهر عام 1951 كتاب مقارني لإِبراهيم سلامة. وكان أهم تطور تأليفي في الموضوع ظهور كتاب الدكتور محمد غنيمي هلال بعنوان «الأدب المقارن» في القاهرة عام 1953. ويُعد هلال بحق مؤسس الأدب العربي المقارن, وكان كتابه أول محاولة عربية ذات وزن أكاديمي في منهجية الأدب المقارن, وبدا شديد التمسك بمبادئ المدرسة الفرنسية التقليدية. وفيما بعد طبع الكتاب عدة طبعات وخرّج جيلاًَ كاملاً من المهتمين بالأدب المقارن.
وبعد الخمسينات تطور تدريس الأدب المقارن في الجامعات العربية بخطوات غير حثيثة. وألفت كتب جامعية متفرقة اعتمدت كثيراً على كتاب غنيمي هلال. ولكن بدأت تبرز في الثمانينات اتجاهات جديدة على يد الجيل التالي, مؤذنة بحلول مرحلة نهوض جديدة أكثر وعياً للتطورات العالمية الحية.
ومن أهم تطورات الأدب المقارن العربي قيام «الرابطة العربية للأدب المقارن» التي عقدت الملتقى التحضيري في جامعة عنابة بالجزائر عام 1983, والملتقى الأول في عنابة أيضاً عام 1984, ثم المؤتمر الثاني في جامعة دمشق 1986, والثالث في مراكش 1989. ويشير وضع الثقافة العربية المعاصرة إِلى أن الأدب المقارن يبشر بمستقبل ذي شأن في رحاب الجامعات العربية وخارجها .

توقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



من مواضيعي في المنتدى

0 ويطعمون الطعام على حبه
0 لماذا نبحث ونفكر لمعرفة خالق الكون
0 معاني الوحي في القرآن
0 مشروع التمهيد لدولة العدل الالهي عند الشهيد الصدر (قدس سره)
0 الشيخ أحمد أمين الأنطاكي
0 المنصوبات من الأسماء , الأفعال
0 طريقة تركيب العملاق الروسي د.ويب للحواسب الشخصية
0 الاحتضار
0 الطلاق في الإسلام
0 لماذا غابت المرأة عن تفجعات الأبوذية؟

hussain1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 10:06 PM   #9
قلم الإدارة

  مشاهدة ملفه الشخصي البحث عن المشاركات التي كتبها فيض الصدرين


الصورة الرمزية فيض الصدرين
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
رقم العضوية: 3178
المشاركات: 1,482
التقييم: معدل تقييم المستوى: 19
فيض الصدرين is on a distinguished road
افتراضي

ما الأدب؟

كلمة واحده غاصت في أعماق حتى التاريخ السياسي والعسكري الأنساني
حقيقه كثيرآ ما نتناول هذه الكلمه ولكننا نتناولها بواحده من مصاديقها أو أثنين أو ثلاث لا أكثر مثلآ
عندما نريد أن نعرف الفرق بين الأدب والأخلاق ننطلق من الأدب العام كواحد من حقول الأدب وأنواعه
التي أنطلقت أليها هذه المفرده وأستوعبها هذا المفهوم
وعندما نطرق باب الشعر والنثر وأشباهها فقط نظن ان هذه هي حدودها وهذا هو محط رحالها
لكن لم يكن في ذهني أن هذه المفرده دخلت في كل هذه المجالات
حتى علم النفس التربوي وحتى السياسه وغيرها من حقول المعرفه
ولعل الموروث الذي الثقافي هو محطة أنطلاقتنا للأحاطه بكثير من المفاهيم هو السبب


بحث رائع
رغم أني لم أستلطف وجود جان بول سارتر يفتتح به البحث
وكطارح أول لسؤال عن هذا المفهوم الأدب ولكن يبدوا أنه فرض نفسه على البحث بواقع أدبي
أستقرأه الكاتب أو الباحث وقد لايثبت أذا نفاه أستقراء ثان وباحث أخر

شكرآ لك أخي الكريم على هذا الجهد أستمتعت بقراءه كثير من جوانب الموضوع
ولعلي أعود اليه لاحقآ عند توفر الوق
دمت بحفظ الباري


فيض الصدرين

توقيع

فالبس لهم جلباباً من اللين تشوبه بطرف من الشدّة ، وداولهم بين القسوة والرأفة


من مواضيعي في المنتدى

0 القس جونز (لع) يتراجع نهائيآ عن أحراق المصاحف
0 الطفل الأيراني محمد حسين مجلس عن الزهراء مترجم هل تستطيع أن لاتبكي
0 النقل المباشر لمستجدات أزمة رئاسة الوزراء بسم الله
0 بمناسبة مرور أربع سنوات لتأسيس المدارس لقاءات صحفيه مع المؤسس والأداره
0 سماحة السيد مقتدى الصدر (دام عزه) يدين الاعتداء الإرهابي على ممثل الأمين العام للأمم المتحدة
0 مقطع نادر جدآ استعراض 1985 للمقاومه
0 مشكله تحتاج لحل
0 مراقبين ومشرفين تفضلوا على البصمه
0 المنقب القرآني مع أهم التفاسير
0 مها الدوري الخط الصدري لم يقبل بالمالكي لضفوط سياسيه بل آليه متفق عليها بين كتل التحالف

فيض الصدرين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اطلاله حول الادب الاسلامي عبر عصور الادب التاريخية ... الحلقة العاشرة والحادية عشر ابو فاطمة العذاري حصة الشعر الفصيح والخواطر 3 16-02-2013 09:42 PM
اطلاله حول الادب الاسلامي عبر عصور الادب التاريخية ... الحلقة الرابعة عشر والخامسة عشر ابو فاطمة العذاري حصة الشعر الفصيح والخواطر 3 20-02-2011 08:48 PM
اطلاله حول الادب الاسلامي عبر عصور الادب التاريخية ... الحلقة الثانية عشر والثالثة عشر ابو فاطمة العذاري حصة متفرقات الأدب العربي 4 06-02-2011 11:32 PM
نظره ثم ابتسامه غضب البصره حصة المرئيات و الصوتيات الوطنية و الثورية و الجهادية 10 31-07-2010 12:48 AM
اليقين فضيلته وتعريفه وانواعه hussain1 حصة الكتب و البحوث و التقارير الدراسية 5 21-06-2010 11:57 AM

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.4 Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd
ليس كل ما ينشر في منتديات مدارس آل الصدر الكرام يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة
اختصار الروابط
تصميم العروبة