غير مسجل مرحباً بك في منتديات مدارس آل الصدر الكرام .. مدارس الإخلاص و الوفاء لآل الصدر النجباء
![]() |
| ![]() |
استطلاع
مدارس آل الصدر .. من هو أفضل محافظ عراقي للفترة الحالية ؟
الإهداءات |
|
| حصة الكتب و البحوث و التقارير الدراسية لنشر الكتب والبحوث العلمية و التقارير الدراسية التي تنفع الاساتذة و الطلبة |
![]() |
|
|
#1 | ||
|
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم:
معدل تقييم المستوى: 141
![]()
|
الاخوة والاخوات الموضوع منقول من الموسوعه العربيه وتم تلخيصه ولم يسبق ان نشر فى المنتديات او المواقع سابقا الأدب «ما الأدب؟» سؤال أطلقه جان بول سارتر عام 1947، وأجاب عنه في مؤلف حمل العنوان نفسه، وتبوأ مكانة بارزة ضمن روائع النقد الحديث، وبياناته المهمة. ومع ذلك فإن أحداً لم يزعم أن سارتر، أو سواه، قد نجح في تقديم إجابة شافية لسؤال يغدو يوماً بعد يوم أكثر إلحاحاً، ليس على المعنيين بالأدب ودراسته من الأدباء والنقاد والباحثين وحسب، وإنما على دارسي الأدب الشعبي [ر] والأنتربولوجية [ر] وعلم النفس وعلم الجمال أيضاً. ويبدو أن أفضل ما يعتمده المرء لتعريف «الأدب» هو مقاربة مفهومه من جوانب مختلفة، تتكامل فيما بينها لتصل إلى فهم يرجى له أن يكون أكثر تماسكاً وعمقاً وتوضيحاً لجوانب هذه الظاهرة الإنسانية البالغة التعقيد. منظور تاريخي لدلالة الكلمة 1ـ لدى العرب: لا يكاد الباحث يجد أي نص في العصر الجاهلي يستخدم كلمة «أدب»، وكل ما يجده هو لفظة «آدِِب» بمعنى الداعي إلى الطعام، قال طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا تــــرى الآدب فينــــا يَنْتَقِـــرْ وفي العصر الإسلامي يرد فعل «أدّب» بمعنى «هذَّب»، في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم «أَدّبني ربي فأحسن تأديبي»، ويرى بعضهم أن معنىً تهذيبياً خلقياً كهذا ربما كان شائعاً في العصر الجاهلي، ولكن ليس ثمة نصوص تؤيد هذا الرأي. ويبدو أن المجاز قد ساعد في انتقال دلالة الكلمة من المعنى الحسي وهو الدعوة إلى الطعام إلى المعنى الذهني وهو الدعوة إلى المكارم. ويُداخل الكلمة في العصر الأموي، معنى جديد، إلى جانب معناها التهذيبي الخلقي هو المعنى التعليمي، فتستخدم في الإشارة إلى «المؤدِّبين» وهم نفر من المعلمين كانوا يلقنون أولاد الخلفاء الشعر والخُطب واللغة وأخبار العرب وأنسابهم وأيامهم في الجاهلية والإسلام. وقد استمر الجمع بين معنيي التهذيب والتعليم في العصر العباسي كما يلاحظ في كتاب «الأدب الكبير والأدب الصغير» لابن المقفع [ر]. و«باب الأدب» من «ديوان الحماسة» لأبي تمام [ر]، و«كتاب الأدب» لابن المعتز [ر]. وبوجه عام يمكن القول إن الكلمة كانت تطلق في القرنين الثاني والثالث الهجريين وما تلاهما من قرون على معرفة أشعار العرب وأخبارهم، وكان المؤلفون العرب يصنفون كتباً ينعتونها بأنها كتب أدب مثل «البيان والتبيين» للجاحظ [ر] (ت255هـ)، و«عيون الأخبار» لابن قتيبة [ر] (ت276هـ)، و«الكامل في اللغة والأدب» للمبرِّد [ر] (ت285هـ)، و«العقد الفريد» لابن عبد ربه [ر] (ت328هـ)، و«زهر الآداب» للحصري [ر] (ت453هـ). والواقع أنه «لم تقف الكلمة عند هذا المعنى التعليمي الخاص بصناعتي النظم والنثر وما يتصل بهما من الملح والنوادر، فقد اتسعت أحياناً لتشمل كل المعارف غير الدينية التي ترقى بالإنسان من جانبيه الاجتماعي والثقافي». وبهذا المعنى الواسع يجدها الباحث لدى إخوان الصفا [ر] في القرن الرابع الهجري عندما استخدموها في رسائلهم للدلالة على علوم السحر والكيمياء والحساب والمعاملات والتجارة فضلاً عن علوم القرآن والبيان والتاريخ والأخبار. ويبدو أن هذا المعنى الواسع كان الأساس الذي استند إليه ابن خلدون [ر] (ت808هـ) في إطلاق لفظة الأدب على جميع المعارف سواء أكانت دينية أم دنيوية، فالأدب فيما يراه «لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود به عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم. ثم إنهم إذا أراد أحد هذا الفن قالوا الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف». ومما يجدر ذكره أن الكلمة استخدمت منذ القرن الثالث الهجري، إلى جانب دلالتها على المعاني التي تقدمت الإشارة إليها، للدلالة على السنن التي يجب أن تراعى عند فئة اجتماعية معينة كالكتّاب أو الندماء أو الوزراء أو القضاة وغير ذلك، ويمكن للمرء أن يشير في هذا الموضع إلى كتاب «أدب الكاتب» لابن قتيبة و«أدب النديم» لكشاجم [ر] (نحو عام 350هـ)، وسواهما من الكتب التي تناولت أدب القاضي وأدب الوزير وأدب الحديث وأدب الطعام وآداب السفر وغيرها. ومنذ بداية المواجهة العربيةـ الأوربية الشاملة بُعيد الحملة الفرنسية على مصر، أصبحت الكلمة تُستخدم في العربية الحديثة للدلالة على ما يقابل كلمة «literature « الإنكليزية، و«Littérature» الفرنسية،وذلك نتيجة التفاعل الثقافي الذي عاشه الوطن العربي في القرنين الأخيرين. وهي تشير اليوم إلى «الأدب» بوصفه واحداً من الفنون الجميلة الستة أو السبعة، على اختلاف التعريفات ووجهات النظر والتوكيدات التي يلاحظها المرء لدى النقاد العرب ومؤرخي الأدب ودارسيه من العرب المحدثين. 2ـ لدى الأمم الأخرى: استخدمت كلمة «Litteratura» «ليتراتورا» اللاتينية المشتقة من كلمة «Littera» «الحرف» أول ما استخدمت ترجمة لكلمة «grammatiké» «غرامّتيكي» اليونانية، وهي معرفة القراءة والكتابة. وما لبثت أن استخدمت بعدها للدلالة على التبحر والثقافة الأدبية. فشيشرون [ر] ينعت قيصر بهما عندما يذكر أن لديه أدباً وحساً جيداً وذاكرة وتأملاً ودأباً. وفي القرن الثاني للميلاد استخدمت الكلمة للدلالة على «مجموع من الكتابة»، إذ يجد المرء كلاً من تيرتوليان Tertullian وكاسيان Cassian يقابل بين الكتابة الزمنية الوثنية litteratura والكتاب المقدس Scriptura. ويبدو أن الكلمة في العصور القديمة كانت تستخدم عامة للدلالة على مجموع الأدب اليوناني [ر] وتاريخ الأدب ودراسته وما يتصل بذلك من معارف. وتختفي الكلمة بهذا المعنى في العصور الوسطى ليقتصر استخدام كلمة «ليتراتوس» «litteratus» على من يعرف القراءة والكتابة. ويلحق الشعر بالنحو والبلاغة بوصفهما يؤلفان - مع المنطق - ما يعرف بالفنون الحرة الثلاثة. ولكن الكلمة لا تلبث أن تعود مع عصر النهضة [ر] إلى الظهور. يلاحظ استخدام كلمة «لتراي - litterae» «آداب» مقترنة غالباً بالصفة «humanae» تمييزاً لها من الكتابات المقدسة، أو بالصفة «bonac» نعت مديح لها. وترد بهذا المعنى في جميع كتابات إراسموس [ر] Erasmus، ورابليه [ر] Rabelais، ودي بيليه [ر] Du Bellay، ومونتيني [ر] Montaigne، وآخرين في حين يستخدم درايدن [ر] Dryden الكلمة للحديث عن «الآداب الجيدة» good letters. وفي القرن السابع عشر ينبثق مصطلح «Belles Lettres» «الأدب بوصفه فناً جميلاً»، فيقترح شارل بيرو Charles Perrault على كولبير Colbert إنشاء أكاديمية تضم قسماً خاصاً لـ «Belles Lettres» يشمل النحو والفصاحة والشعر. ويبدو أن هذا المصطلح كان مطابقاً في دلالته لمصطلح «الآداب الإنسانية» letters humanies كما يرد في معجم تريفو Dictionnaire de Trevoux الذي يعود إلى عام 1704م، ولا ينطوي على أي من الدلالات غير المستحبة التي تتضمنها صفة «belletistic» التي تستخدم اليوم للدلالة على المغالاة في تذوق الأدب لذاته استناداً إلى ذاتية المتلقي من دون أخذ المعايير النقدية أو الأغراض الأخلاقية أو القيم الجمالية والفنية بالحسبان. وسرعان ما انتشر المصطلح الفرنسي خارج فرنسة، إذ استخدمه توماس رايمر Thomas Rymer في إنكلترة عام 1692، ويغدو هيو بلير Hugh Blair عام 1762 أول أستاذ للبلاغة والأدب بوصفه فناً جميلاً Belles Lettres في جامعة أدنبره. ويطالع المرء في الحقيقة مصطلح «الأدب» بمعنى الثقافة الأدبية أو التبحر أو ببساطة معرفة اللغات الكلاسيكية منذ العقود الأولى للقرن الثامن عشر. فعلى سبيل المثال يعرف الأدب في طبعة عام 1721 لمعجم تريفو بأنه «مذهب، معرفة معمقة للآداب»، وثمة في «الموسوعة العظيمة» مقالة بتوقيع J.D أي Jaucourt Le chevalier تعرف الأدب بأنه مصطلح «يعني التبحر ومعرفة الBelles Lettres» أو الأدب بوصفه فناً جميلاً. وقد استخدمت الإنكليزية المصطلح بالطريقة نفسها فجون سيلدن John Selden عالم الآثار يوصف بأنه «شخص ذو أدب لا حدود له»، وبوزويل [ر]Boswell يصف الإيطالي جوسيبي باريتي Giuseppe Baretti بأنه «إيطالي ذو أدب مرموق». وظل هذا الاستعمال سائداً حتى القرن التاسع عشر. فجون بثرام John Pethram يؤلف عام1840م كتاباً بعنوان «تخطيط لتقدم الأدب الأنكلوـ سكسوني في وضعه الحاضر في إنكلترة» يستخدم فيه كلمة الأدب بمعنى دراسة الأدب أو معرفته. وهكذا يتبين للمرء أن مصطلح «الأدب» قد استخدم منذ مطلع القرن الثامن عشر في أوربة للدلالة على «مجموع من الكتابة» body of writing على الرغم من أنه يصعب أحياناً إيجاد تفريق واضح في الاستخدام المتزامن بين كل من «الثقافة الأدبية» و«التبحر». وقد شاع هذا الاستخدام في كل من اللغات الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنكليزية، وثمة أمثلة عديدة في كل منها لمؤلفات تستخدم المصطلح بهذا المعنى، وجميعها يشير إلى «أنواع الكتابة كلها بما فيها تلك الأنواع المتسمة بطبيعة التبحر كالتاريخ، واللاهوت، والفلسفة، وحتى العلوم الطبيعية». ولم تُضَيّقْ دلالة المصطلح لتشير إلى ما ندعوه اليوم بالأدب الخيالي imaginative literature (القصيدة، الحكاية، المسرحية) بوجه خاص، إلا ببطء شديد. وباختصار يمكن القول إن مصطلح «الأدب» «literature» أو «الآداب» « letters» قد فهم في العصور القديمة وفي عصر النهضة على أنه يشمل جميع الكتابات النوعية التي يمكن أن تدعي الخلود. ولم ينبثق، إلا ببطء شديد أيضاً في القرن الثامن عشر، الرأي القائل بأن هناك فناً للأدب يضم الشعر والنثر بمقدار كونه «تلفيقاً خيالياً» imaginative fiction، ويستبعد المعلومات أو حتى الإقناع البلاغي، والمحاجة التعليمية، أو السرد التاريخي. وقد عززت هذا المفهوم المناقشات المتصلة بفكرة الذوق ودور المتذوق، واختراع بومغارتن Baumgarten لمصطلح علم الجمال aesthetics وجهوده مع «كنت» [ر] ولا سيما في كتابه الأخير «نقد الحكم»، في التمييز ما بين الجميل، والجيد، والحقيقي، والمفيد فضلاً عن النهوض البطيء لمكانة الرواية في المجتمع الأوربي، وقاد كل ذلك في نهاية المطاف إلى ظهور مفهوم للأدب مواز لمفهومي الفنون التشكيلية والموسيقى وغيرهما من الفنون الجميلة المعروفة، وغدا الأدب واحداً منها يتبوأ بين أقرانه الستة مكانة بارزة. نحو تحديد للمصطلح 1 ـ الأدب كل شيء مطبوع: يعرف بعضهم الأدب بأنه «كل شيء مطبوع» everything in print وتعريف كهذا، الذي يدعو إليه إدوين غرينلو Edwin Greenlaw، يقود إلى تماهي الدراسة الأدبية مع تاريخ الحضارة، وفي هذا إنكار للحقل النوعي والمناهج النوعية الخاصة بالدراسة الأدبية. 2 ـ الأدب هو الكتب العظيمة: ويعرف بعضهم الآخر الأدب بأنه «الكتب العظيمة» great books أي الكتب الجديرة بالملاحظة بسبب من شكلها الأدبي أو التعبيري، فضلاً عن امتيازها الفكري العام أحياناً، والحقيقة أن معظم تواريخ الأدب تشمل بعنايتها كتابات الفلاسفة والمؤرخين وعلماء اللاهوت وأصحاب المذاهب الأخلاقية والسياسيين، بل بعض العلماء أيضاً. ولكن المرء يلاحظ أن عنايتها هذه لا تتعدى العروض الخاطفة وربما غير الخبيرة والبعيدة عن السياق المناسب الخاص بكل حقل معرفي تنتمي إليه كتابات هؤلاء. ولا شك في أن قراءة الكتب العظيمة ودراستها أمران مرغوب فيهما. ولكن ذلك لا يغني في موضوعات تراكمية كالعلوم والتاريخ. وفضلاً عن ذلك فإن الاقتصار على الكتب العظيمة في تاريخ الأدب الخيالي يحول بين المرء وبين فهم استمرار التقليد الأدبي، وتطور الأجناس الأدبية، وطبيعة العملية الأدبية نفسها، وينزع ظاهرة محكومة بمختلف الشروط والظروف الخارجية - كالأدب - من سياقها الذي لا غنى عنه في فهم طبيعتها، ووظيفتها، وحدودها. 3 ـ الأدب إنشاء تخييلي تسود فيه الوظيفة الجمالية: الأدب أساساً فن جميل يتخذ من اللغة أداة له، ويتبدى لذلك في هيئة إنشاء discourse. ومما يميز أداة الأدب هذه أنها أداة إنسانية، ابتدعها الإنسان لتكون أداة لتفكيره وتعبيره وتواصله مع أفراد مجتمعه. وأهم من هذا كله أنها أداة الثقافة الموروثة في تجليها لمستخدم هذه اللغة، وأنها، لذلك، أداة التواصل المثلى مع هذه الثقافة. فالفرد إذ يكتسب لغته الأم ويستوعب نظامها بعوامل مختلفة، يستوعب جوانب كثيرة من ثقافته المدونة بهذه اللغة، ومن الثقافات المترجمة إليها، لأنه من الناحية العملية يكتسبها ممارسة، ويواجهها نصوصاً أدبية وغير أدبية من مختلف العصور، يطلع عليها في مختلف مراحل تكوينه اللغوي والفكري والثقافي. وهي لذلك أداة «حافلة بالتراث الثقافي» للمجموعة اللغوية التي تنتمي إليها، وما دوّن فيها أو ترجم إليها من المواريث الثقافية الأخرى، هو حصيلة التراث الثقافي الذي تنطوي عليه. فالأديب العربي الحديث، مستخدم العربية في إنشائه لنصه، يتواصل مع موروثه الثقافي المشتمل على نصوص القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر العربي من العصر الجاهلي حتى العصر الراهن، ونصوص التاريخ العربي، والقصص، والفكر في مختلف تجلياته، وذلك بالإفادة من اللغة العربية التي تسرب إليه هذا الموروث من حيث يدري ولا يدري. وعندما ينتج نصه الأدبي فإنه ينشئه بهذه اللغة وقد تشبعت بكل هذا الموروث فضلاً عن المواريث الثقافية الأخرى المترجمة إلى العربية في مختلف العصور. واللغة في النص الأدبي تؤدي عدة وظائف متفاوتة في أهميتها، والوظيفة الأكثر أهمية والتي تسود عادة غيرها من الوظائف الأخرى وتحكمها في النظام الهرمي الذي تقيمه بينها هي الوظيفة الجمالية aesthetic function وهذه الوظيفة اجتماعية في جوهرها يسندها المجتمع إلى اللغة الأدبية من خلال مؤسساته المختلفة ذات الصلة (المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية). وربما كان من المهم في هذا السياق ذكر التفريق، بين الأساليب في استخدام اللغة في الأدب، والعلم، والحياة اليومية، الذي بات اليوم موضع تساؤل من جانب منظري الأدب المعاصرين. ومما يلاحظه المرء هنا أن اللغة العلمية المثالية لغة «دلالية» denotative محضة، تهدف إلى التطابق التام والمحكم بين العلامة sign أو الدال، والمشار إليه أو المدلول signified، وأن العلامة في هذه اللغة شفافة أيضاً توجه قارئها من دون التباس إلى ما تشير إليه، كما هو الشأن في الرياضيات أو المنطق الرمزي. وبمقارنة اللغة العلمية مع اللغة الأدبية تبدو هذه الأخيرة قاصرة لأنها «مفعمة بالالتباسات، وهي،مثلها في ذلك مثل أية لغة تاريخية أخرى، ملأى بالجناس، والزمر الاعتباطية أو اللاعقلانية ومشبعة بالأحداث التاريخية والذكريات والتداعيات. وباختصار إنها شديدة الإيحاء connotative» وهي لذلك في منأى عن أن تكون «إشارية» referential فقط. إن لها جانبها التعبيري expressive فهي تنقل لهجة المتحدث أو الكاتب وموقفه، وتسعى كذلك إلى التأثير في القارئ. وثمة تفريق مهم آخر بين اللغة العلمية واللغة الأدبية يتمثل في تشديد الأخيرة منهما على العلامة نفسها، على رمزية الصوت في الكلمة. وجميع أنواع التقنيات الفنية كالوزن والجناس الاستهلالي وأنساق الصوت إنما اخترعت أساساً لتلفت الانتباه إلى الجانب الصوتي في هذه العلامة. وأخيراً فإن اللغة الأدبية أكثر حميمية من اللغة العلمية في صلتها بالبنية التاريخية للغة. وإذا ما مضى المرء من اللغة العلمية إلى لغة الحياة اليومية فإنه يجد صعوبة أكبر في تمييزها من اللغة الأدبية لأن كل ما قيل عن هذه الأخيرة يمكن قوله عن اللغة اليومية وإن كان ذلك بدرجة أقل. ومع ذلك فلا بد من الإشارة إلى ما للغة الأدبية من تسام في وعي العلامة، وقصد وتنظيم محكمين في استغلالها لمصادر اللغة، قد يبلغان درجة يستحيل معها تغيير كلمة أو إضافة كلمة من دون إفساد واضح لتأثير الإنشاء الأدبي ولاسيما في الشعر بأنواعه المختلفة. ويبدو أن من الأفضل للمرء أن يعد أدباً فقط الإنشاء الذي تكون فيه الوظيفة الجمالية في وضع السائد أو المهيمن والناظم لجميع الوظائف الأخرى التي يمكن للغة أن تؤديها في هذا الإنشاء. فضلاً عن الاستخدام القصدي الواعي المنظم المحكم للغة في الإنشاء الأدبي - هذا الاستخدام الذي يسمح للوظيفة الجمالية بالسيادة والهيمنة في ذاك الإنشاء - فإن هناك سمة أخرى للأدب لا يمكن إغفالها وهي أنه «تخييل» fiction. إن كل شيء في الأدب متخيل ومصنوع بما في ذلك «أنا» الشاعر والشخصيات التاريخية التي تعمر حياة رواية ما، والتي تحيل قارئها على عالم متخيل لا يمكن النظر إليه على أنه واقع تاريخي فعلي. والإقرار بـ «التخييل» صفة أساسية من الصفات المميزة للأدب يُحيل المرء على آثار من مثل - آثار هوميروس [ر] وامرئ القيس [ر] ودانتي [ر] وشكسبير [ر] أكثر مما يحيله على آثار شيشرون ومونتني وإمرسون [ر] . وتبقى بعض الآثار بين بين. ولكن المفهوم الذي تم تقديمه للأدب في الصفحات السابقة ليس مفهوماً «تقويمياً» بمقدار ما هو مفهوم «وصفي». إنه تصنيف للإنشاءات الفردية التي تسود فيها الوظيفة الجمالية للغة باقي الوظائف الأخرى وتحكمها وتنظم مواقعها في الهرم الذي تشكله في أي من هذه الإنشاءات. وكل ما قيل وما يمكن قوله عن «الأدب» يؤكد شيئاً أساسياً وهو «أن العمل الأدبي الفني ليس شيئاً بسيطاً، لكنه بالأحرى تنظيم على درجة عالية من التعقيد، وذو سمة طبقية من معان وصلات متعددة». وأن تحليلاً حديثاً للعمل الفني ينبغي أن يبدأ بأسئلة أكثر تعقيداً من مثل نمط وجوده، ونظام طبقاته.وذلك أنه نتاج الإنسان، سر الأسرار الذي ما زال ينتظر من يحل لغزه. تمييزات غالباً ما يستخدم مصطلح «الأدب» مقترناً بوصف محدد له كالأدب القومي والأدب العام، والأدب العالمي، والأدب المقارن، ومن الأهمية بمكان إقامة التمييزات الواضحة بين هذه المصطلحات حتى يتم استخدامها استخداماً متسقاً ودقيقاً ومجدياً في آن معاً في أي بحث عن الأدب. ـ الأدب القومي أو national literature وهو الأدب الخاص بقوم أو شعب من الشعوب. ويستند الباحثون في تحديده إلى الأسس المستخدمة في إقامة الحدود القومية وهي أسس متنوعة وعديدة غالباً ما تتبوأ فيها اللغة القومية مكانة بارزة. ـ الأدب العام أو general literature ويقصد به «فن الشعر» poetics أو «الشعرية» أو «نظرية الأدب الداخلية» أو بعبارة أخرى الأعراف conventions والنظم systems، والقوانين canons، والقواعد rules، والمعايير criteria، والقيم values والمقاييسstandards، المستمدة من داخل الأدب، وتكوّن في مجموعها نظاماً متكاملاً يحكم إنتاج الأدب واستهلاكه في جنس أدبي معين، أو مجموعة من الأجناس الأدبية في عدد من التقاليد الأدبية القومية. ـ الأدب العالمي world literature أو weltliterature وهو مصطلح تعود حقوقه إلى غوته الذي استخدمه أول مرة عام 1827 ليشير به إلى زمن تغدو فيه الآداب كلها أدباً واحداً. إنه مثال توحيد الآداب جميعها في تركيب واحد عظيم، تؤدي فيه كل أمة دورها في اتساق عظيم. ـ الأدب المقارن comparative literature وهو مصطلح يعني فيما يعنيه «دراسة الأدب الشفوي» أو «دراسة الصلة بين أدبين قوميين أو أكثر»، أو ما يعرف عادة بالمفهوم الفرنسي للأدب المقارن، أو «دراسة الأدب خلف حدود بلد معين، ودراسة العلاقات بين الأدب من جهة ومناطق أخرى من المعرفة والاعتقاد من جهة أخرى» أو ما يعرف اليوم بالمفهوم الأمريكي الذي كان ردة فعل على انشغال الفرنسيين وأتباعهم بمسائل التأثر والتأثير واستبعادهم للنقد الأدبي والقضايا الجمالية واستغراقهم في إيمانهم العميق بالمركزية الأوربية. ويبدو للمرء أن المجاز وحده يستطيع أن يوضح الفروق بين مصطلحات مثل «الأدب القومي»، و «الأدب العالمي»، و«الأدب العام» بسبب التداخل النظري والعملي في استخدامها من جانب الباحثين. وهكذا فإنه يمكن القول إن الأدب القومي دراسة للأدب - بوصفه فناً جميلاًـ ضمن الحدود القومية لذلك الأدب؛ والأدب المقارن دراسة للمناطق الحدودية أو لتخوم الأدب القومي - تخومه النوعية بوصفه أدباً، أو صلاته مع مناطق أخرى من التعبير الإنساني، وتخومه اللغوية بوصفه خاصاً بأمة معينة، أو صلاته بالآداب الأخرى والأدب العالمي هو دراسة للقمم الشامخة التي تستوقف عين الناقد إذ يحلق في السماء الرحبة للأدب، والأدب العام هو دراسة للتضاريس الطبيعية التي يكوّنها مجموع الآداب القومية بصرف النظر عن حدودها اللغوية أو السياسية أو العرقية. وينبغي للدارس، على أي حال، ألا ينسى أن الأدب في النهاية واحد، «كما أن الفن واحد، والإنسانية واحدة، وفي هذا التصور يكمن مستقبل الدراسات الأدبية التاريخية»، ومستقبل دراسة الأدب بوجه عام. الأجناس الأدبية الأدب فيض مستمر تنتجه الأمم الحية ما عاشت، ولأنه كذلك فإنه يستعان على دراسته بتقسيمه إلى وحدات تبعاً لمعايير خارجة عنه كالزمان، والمكان، أو وفقاً لمعايير داخلية تمليها الأعمال الأدبية نفسها. وتصنيف الأدب تبعاً لمعايير من التنظيم أو البنية الداخليين قديم قدم أفلاطون، ومستمر استمرار هذه الظاهرة الإنسانية في مختلف التقاليد الأدبية القومية، وأرسطو، وهوراس، وكوينتيليان، ورجال عصر النهضة من أمثال دانتي وسواه ومن تلاه من مفسري النظرية الكلاسيكية في الأجناس الأدبية، وأعلام الكلاسيكية الجديدة والثائرين بها من نقاد الإبداعية (الرومنتية)، ونقاد القرن العشرين من الشكليين الروس والأرسطيين الجدد من نقاد شيكاغو، ونورثروب فراي وسواه يؤلفون صوى بارزة في محاولة النظر في هذا التصنيف عبر العصور. والواقع أن كل جنس أدبي رئيسي أو فرعي، عريق أو حديث، مستمر أو منسي، غدا في واقع الأمر مؤسسة تعني الكثير للمهتمين بالأدب أدباء ونقاداً وقراء. وهم يتعاملون مع هذه المؤسسة مثلما يتعاملون مع أية مؤسسة أقامها المجتمع الإنساني،يعبرون عن أنفسهم ويعملون من خلالها أحياناً أخرى، ويثورون بها ويسعون إلى خلق مؤسسات بديلة عنها في أحيان ثالثة، يستجيبون في ذلك كله لحاجاتهم الفنية من جانب، وللحوافز التي يقدمها النقاد والقراء من جانب ثان، وللشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة في مجتمعهم من جانب ثالث. وفي تتبع المرء لمسيرة مؤسسة الأجناس الأدبية يمكنه أن يميز الأجناس التالية: الشعر الغنائي lyrical poetry: وهو جنس أدبي رئيسي قوامه القصيدة والمقطعة. ويعتقد أنه أقدم الأجناس الأدبية، اتصلت نشأته بالغناء في معظم التقاليد الأدبية. وعلى الرغم من أنه كان في بداية نشأته يتوجه، في جزء غير يسير منه، إلى الجمهور ويسعى إلى الاستجابة لذوقه واهتماماته، فقد بات يغلب عليه انصراف الشاعر للتعبير عن ذاته، وهو لهذا جنس أدبي ذاتي، وجل الشعر العربي شعر غنائي يعبر فيه الشاعر عن ذاته، ويفصح فيه عن كوامنها. ولكنه بسبب نشأته الغنائية وغلبة طابع الإنشاد عليه،ظل يأخذ اهتمامات جمهوره وذوقه بالحسبان وذلك بعد تبنيها والإفصاح عنها من خلال «أنا» الشاعر التي قد تتسع لتشمل الجماعة كما في الشعر الجاهلي أو شعر المناسبات. الملحمة epic: وهي جنس أدبي شعري موضوعي قديم يقوم على القصيدة القصصية الطويلة التي تسجل حقبة مهمة من تاريخ الأمة التي ينتمي إليها الشاعر أو الأمم التي اتصلت بها ويمثل أبطالها قيم الأمة ومثلها العليا، أو تدور حول البطولة والمغامرات لشخصية أسطورية من شخصيات الأمة تستهوي الأفئدة، أو تتناول المصير الإنساني ولاسيما في بعده الروحي. ويغلب على الملحمة الأسلوب القوي والسامي عادة ولكن بعضها، كما في الملاحم الشعبية العربية، يمكن أن تكتب نثراً مرصعاً بالشعر وربما بلغة أقل سمواً نتيجة غلبة الطابع الجمعي التراكمي على تأليفها. المسرحية drama: وهي جنس أدبي موضوعي أكثر حداثة نسبياً من الجنسين المتقدمين كانت أداته الغالبة هي الشعر حتى القرن التاسع عشر، وله أنواعه المختلفة التي ربما كان أهمها المأساة tragedy، والملهاة comedy، والمسرحية الهزلية farce، والمسلاة entertainment play (وهي مسرحية قصيرة يغلب عليها الرقص والغناء لشغل الجمهور في أثناء العروض الرئيسية أو قبلها)، ومسرحية المعجزات miracle play (التي تمثل مشاهد من حياة الأولياء والقديسين ومآثرهم)، ومسرحية آلام المسيح passion play التي تصور الأيام الأخيرة من حياة المسيح)، ومسرحية الأسرار المقدسة mystery play، (التي يصدر مؤلفوها فيها عن قصص الكتاب المقدس)، وغيرها. وثمة فضلاً عن هذه الأنواع المتصلة أساساً بالشكل اليوناني والتي تعدّ تطويراً له، أنواع أخرى كمسرح النو، والكابوكي اليابانيين، ومسرح خيال الظل التركي والعربي، وشعر التعزية الفارسي وغيرها. وعلى الرغم من وجود ظواهر مسرحية عديدة في الأدب العربي القديم فإن المسرحية في الأدب العربي الحديث مستلهمة أساساً من التجربة الأوربية بعيد المواجهة العربية - الأوربية في منعطف القرن التاسع عشر أكثر مما هي تطوير لهذه الظواهر القديمة. القصة fiction: وهي جنس أدبي نثري موضوعي له أنواع متفاوتة في طولها وأسلوبها، ومن بينها: 1 ـ الرواية the novel وهي سرد تخييلي طويل عادة يجتمع فيه الحديث والتحليل النفسي للشخصيات وتصوير المجتمعات والعالم الخارجي، والأفكار، والمسحة الشاعرية، على تفاوت في أهمية هذه العناصر تبعاً لنوع الرواية، وللرواية أنواع عديدة منها الرواية البوليسية detective novel والرواية التاريخية historical novel ورواية تكون الشخصية bildungsroman ورواية راعي البقر western، والرواية العاطفية sentimental novel، والرواية النفسية psychological novel والرواية المثيرة thriller، وغيرها. 2 ـ القصة القصيرة short story وهي سرد قصصي حديث نسبياً ظهر في أواخر القرن التاسع عشر تكاد تكون لقطة تصويرية موضوعها في الغالب تلك اللحظات العابرة القصيرة في الحياة الإنسانية. وهي جنس صعب جداً بسبب دقة مقوماته وحساسية لغته وتركيزها الشديد. 3 ـ الرواية القصيرة (النوفيلا) novella وهي جنس أدبي فرعي طوره أساساً الكاتب الإيطالي بوكاتشو، في مجموعته الموسومة بـ«الأيام العشرة» Decamerone، التي استلهم فيها «ألف ليلة و ليلة»، واستهوى نمطها بعضاً من أبرز كتاب النثر الأمريكيين مثل هرمن ملفل H.Melville، وهنري جيمس H.James، والعرب مثل غسان كنفاني، وعبد السلام العجيلي، ويحيى حقي وغيرهم. 4 ـ الرومانس romance وهي سرد طويل يغلب عليه التغني بالحب والبطولة. وثمة الحكاية tale وهي سرد خيالي بسيط، والحكاية الرمزية fable والخرافة وغيرها. السيرة biography : والسيرة الذاتية autobiography، والأولى منهما ترجمة لحياة شخص ما أدى دوراً مهماً في مجتمعه، والثانية ترجمة لحياة مؤلفها. المقالة essay : وهي جنس أدبي نثري حديث نسبياً أدت الصحافة دوراً كبيراً في تطويره بأنماطه المختلفة، ويطلق المصطلح في الأدب الإنكليزي على المعالجات الجادة لموضوع ما بأسلوب رفيع محكم وتصل المقالة حجم الكتاب المستقل أحياناً. وفضلاً عن الأجناس الأدبية المتقدم ذكرها والتي تكاد تكون قاسماً مشتركاً بين الآداب القومية المختلفة بما فيها الأدب العربي، هناك أجناس أدبية تكاد تكون مقتصرة عليه منها المقامة وهي قصة قصيرة مسجوعة تتضمن عظة أو ملحة أو نادرة تتخذ معرضاً للبراعة اللغوية والأدبية، وأصل معناها «المجلس» و «الجماعة من الناس» وأشهر كتابها بديع الزمان الهمذاني (ت 393هـ)، والحريري (ت510هـ)، والموشح وسمي كذلك تشبيهاً له بالوشاح أو القلادة التي تنظم حباتها من الأحجار الكريمة، وهو جنس أدبي شعري نشأ في الأندلس نتيجة عوامل عديدة يختلف دارسوه في تقدير أهميتها من بينها انتشار الغناء والموسيقى في الأندلس، والبيئة الأندلسية، والاحتكاك بالآخر وسواها من العوامل. وما لبث أن انتقل إلى المشرق ليغدو واحداً من الفنون السبعة في الأدب العربي التي تضم إلى جانبه المواليا، وكان ما كان، والقوما، والدوبيت، والسلسلة، والزجل وهي أجناس شعرية مختلفة ظهرت في عصور مختلفة نتيجة لمؤثرات داخلية وخارجية متنوعة، ويظهر بعضها تحللاً ملحوظاً من اللغة والعروض السائدين، وهي على وجه الإجمال أجناس فرعية عاشت، خلا الموشح والزجل، على هامش الأجناس الأدبية العربية الرئيسية. نظرية الأدب يستند الكاتب في ممارسته للأدب إلى أعراف ومعايير ومقاييس ونظم وقواعد وقوانين تؤلف في مجموعها الفكر الأدبي السائد في عصرها. وعلى الرغم من أنه نادراً ما يفصح عنها فإن طبيعة ممارسته ذاتها تعكس إيمانه الضمني بها على نحو أو آخر. والناقد الناظر في حصيلة ممارسة الكاتب، أو في النص الأدبي - يختاره ويشرحه ويحلله ويوازن بينه وبين غيره ويحكم عليه - يستند كذلك إلى مجموعة مماثلة (أو مغايرة في وجه من الوجوه أو كلياً) من هذه الأعراف والمعايير والمقاييس والنظم والقواعد والقوانين، تيسرله التمييز ما بين المخالف، والمرفوض، والمقبول والمتميز، والمتألق في ممارسة الكاتب، ومع أن الناقد يكون عادة أكثر ميلاً من الكاتب، إلى الإفصاح عن الفكر الأدبي الذي يشكله مجموعها فإن منظّر الأدب أو الباحث في نظرية الأدب وحده الذي يعنى بالكشف عن هذا الفكر على نحو صريح وبيّن ومنظم بسعيه إلى إقامة الإطار المرجعي frame of reference النظري الذي يحكم الممارستين الأدبية والنقدية ويفسرهما في آن معاً. وتتناول نظرية الأدب أو ما يعرف بالإنكليزية «theory of literature»، وبالفرنسية بـ«théorie de le litterature» جانبين اثنين مهمين في فن الأدب هما طبيعته ووظيفته. وواقع الحال أن جميع نظريات الأدب،بما فيها النظريات العربية والإسلامية، التي تفتق عنها الذهن البشري عبر العصور شغلت بهذين الجانبين على تفاوت في توزيع اهتمامها فيما بينهما. ففي حين ركزت النظرية الشكلية اهتمامها على طبيعة الأدب، انصرفت النظريات الأخلاقية إلى الحفاوة بوظيفته، مع إقرارها جميعاً بالصلة المتبادلة بين طبيعة الأدب ووظيفته. وهذا الإقرار الضمني والصريح أمر متوقع. فطبيعة أي شيء مرتبطة على نحو عضوي بالوظيفة التي يراد له أن يؤديها. لقد تبين مما تقدم أن الأدب إنشاء تخييلي تتسنم فيه الوظيفة الجمالية موقع السيادة، والناظر في وظيفة هذا الإنشاء في مختلف العصور والتقاليد النقدية يتبين له أنها راحت بين قطبي مقولة هوراس في أن الشعر «متعة وفائدة». ففي حين استبعد أفلاطون الشعراء ومهمتهم لأنهم لم يستطيعوا أن يدللوا على أن الشعر مفيد بمقدار ما هو ممتع، أعاد أرسطو إلى الشعراء مكانتهم عندما بين أن الشعر المسرحي، خاصة، يحقق، بإثارته عاطفتي الخوف والشفقة، تطهيراً للنفس البشرية يماثل المناعة التي يوفرها اللقاح الطبي للشخص السليم، وجاء هوراس من بعدهما ليؤكد أن أفضل الشعر ما جمع بين المتعة والفائدة. أما في العصور الوسطى عندما هيمنت الكنيسة هيمنة شاملة في أوربة كان من الطبيعي أن تؤكد المؤسسة الدينية أن الأدب فائدة أكثر منه متعة، وأن يثور عصر النهضة، بالمقابل بهذا التصرف الأخلاقي. وما لبث نقاد الاتباعية الجديدة، بعد قرون من العودة إلى المصادر الاتباعية، أن عادوا للاحتفاء بالجانب الشكلي، ليضيق الإبداعيون بهذه الحفاوة ويؤكدوا الدور الاجتماعي للأدب، إذ الشاعر نبي ومصلح في نظرهم. ولكن تغليب الجانب الفردي والعاطفي في الإبداعية تعرض لهجوم نقاد الواقعية الذين حفزتهم الماركسية وغيرها من الفلسفات الاجتماعية على ربط الأدب بالبنية الكلية للمجتمع الإنساني، وعلى تثمين الأدب بمقدار ما يقدمه من إسهام في عملية التحول الاجتماعي الصاعد. وهكذا يجد المرء في القرن العشرين هذا الإلحاح الكبير للنقد الماركسي على ضرورة قيام الأدب بتصوير عملية الصراع في المجتمع الرأسمالي والوقوف مع القوى السائدة التي استنفذت أغراض وجودها بهدف قيام مجتمع اللاطبقات، مثلما يجد الانتشار الواسع بعيد الحرب العالمية الثانية لمفهوم الالتزام الوجودي بوصفه خياراً حراً للكاتب لممارسة دوره المنشود في المجتمع الحديث. ومع التحولات الجديدة التي يشهدها العالم اليوم تغدو وظيفة الأدب أكثر تعقيداً، ولكنها تبقى جزءاً من وظيفة الفن عامة وهي القيام الأمين على المثل الرفيعة والقيم الإنسانية السامية التي لا تكون المجتمعات البشرية إنسانية بحق من دونها. أما العرب فقد مالوا إلى تأكيد وظيفة الشاعر في العصر الجاهلي في الدفاع عن قبيلته وإعلاء شأنها بين القبائل، ولكن الإسلام قلل كثيراً من أهمية هذا الدور ونزّه القرآن عن الشعر، مثلما نفى صفة الشاعر عن محمد r. ولم يدم هذا الارتباط الوثيق بين الأدب والأخلاق طويلاً إذ سرعان ما أعيد تأكيد أن «الشعر نكد بابه الشر إذا دخل في باب الخير لان»، كما يقول الأصمعي، وأنه لذلك لا يؤخذ بميزان الأخلاق. واقترن هذا الفصل بين الأدب والأخلاق بموقف دفاعي عن الشعر (الصولي [ر] والقاضي الجرجاني [ر] وغيرهما) من دون الشعر الذي ربما حوكم بمقاييس أخلاقية (الباقلاني [ر] وابن بسام [ر]، أو هوجم، بوحي من أفلاطون وسوء فهم لأرسطو، من جانب النقاد الذين استلهموا الثقافة اليونانية (مسكويه [ر] وابن رشد [ر]) وغيرها (ابن حزم [ر])، لأسباب تربوية. واستمر هذا الإلحاح على الجوانب الشكلية سائداً في الفكر الأدبي العربي حتى العصر الحديث، ولكن المواجهة الشاملة مع أوربة في القرنين الأخيرين وحرص الأدباء العرب المحدثين على أن يؤدوا دورهم كاملاً في بناء الحياة العربية الجديدة أسندوا إلى الأدب العربي الحديث وظيفة الإسهام في عملية التحديث والتحرر الوطني والاجتماعي من جانب، وبناء الإنسان العربي الحديث بالقيم العربية الأصيلة والمفاهيم المعاصرة من جانب آخر. حدود الأدب الأدب إنشاء أداته اللغة، ينتجه إنسان من أحد الجنسين، له عمر محدد، وتكوين ثقافي محدد، وحياة نفسية خاصة به. وهو كائن اجتماعي يعيش في محيط اجتماعي يكون وسطاً لنشاطاته المختلفة، ولهذا المنتج ميوله وأهواؤه ووجهاته السياسية والفكرية كما أن له ظروفه الاقتصادية ومكانته الاجتماعية، والأدب الذي ينتجه ليس إلا جزءاً من كل في نشاطاته المختلفة، وهو لذلك يتبادل التأثير وهذه النشاطات، ولاسيما تلك التي تنتهي بإنتاج معرفي أو فني كالفكر والفلسفة والتاريخ والأسطورة والفنون الجميلة و العلوم غيرها. وأي معنيّ بالأدب ودرسه مضطر إلى النظر في صلات الأدب بهذه الفعاليات وحصيلتها بغرض الوصول إلى فهم أفضل لهذه الظاهرة المعقدة. الأدب والفكر: يشترك الأدب والفكر (الفلسفة ضمناً) في أنهما نتاجان إنسانيان، (فمنتجهما إنسان)، وأن أداتهما أداة إنسانية هي اللغة الطبيعية (مع اختلاف وظيفتها في كل منهما) وأن كلاً منهما يحمل وجهة نظر منتجة في الإنسان والحياة والكون على نحو مباشر أو غير مباشر وأنهما يتبادلان التأثير فيما بينهما على نحو شامل وعميق. فأما عن كون منتجهما إنساناً فأمر بين. وكثيراً ما يجمع بين الأدب والفكر في إنتاجه، والأدباء - المفكرون، والمفكرون - الأدباء ظاهرة شائعة في مختلف الأزمنة شيوعها في مختلف التقاليد الثقافية (التوحيدي [ر] والمعرفي [ر] وابن حزم [ر] وأفلاطون [ر] ودانتي [ر] وكولريدج [ر] وروسو [ر] وماركس [ر] وإليوت [ر] وسارتر [ر] وماوتسي تونغ [ر] وغيرهم كثير). والحقيقة أن المتتبع لتاريخ الآداب المختلفة، والأوربية منها على نحو خاص، يرى أن الارتباط بين الأدب والفكر والفلسفة «آخذ بالازدياد والتعمق، بل إنه يأخذ اليوم طابعاً منظماً يعرفه التاريخ الأدبي من قبل، والصراع الأدبي في العالم اليوم تابع - ولو جزئياً - للصراع الفكري، وأن أي تاريخ أدبي لأوربة (على سبيل المثال )، لا بد أن يكون شديد الالتصاق بتاريخ الأفكار». وأما أداتهما واحدة، فإن كليهما يستخدمان اللغة الطبيعية، وإن كان توظيفهما لها متبايناً. ففي حين تسود الوظيفة الجمالية الوظائف الأخرى في لغة الأدب، تسود لغة الفكر أي وظيفة أخرى. ذلك أن اللغة الطبيعية في الفكر أداة للتفكير وللتعبير عن هذا التفكير في آن معاً. فهي أداة يفكر بها مثلما هي أداة يوصف بها هذا التفكير، إنها من جانب ما لغة، ومن جانب آخر اصطلاح لغة عن اللغة أو meta- language. وأما أن كلاً منهما يحمل وجهة نظر منتجة فذلك أمر في غاية الوضوح. فالأدب وجهة نظر في الحياة والإنسان والكون تتخذ لنفسها لبوس الفن، والفكر وجهة نظر في الحياة والإنسان والكون تقدم نفسها مباشرة على الرغم من تألقها فنياً في بعض الأحيان. وعلى هذا فإن الأدب، وإن انطوى على فكر عميق، يغلب عليه التضمين والإيحاء وعدم المباشرة، في حين تطغى على الفكر الصراحة والمباشرة اللتان قد تقتلان الفن، وعلى الرغم من أن الفكر قد يعزز بعض القيم الفنية كالتعقيد والتماسك، فإنه يمكن أن يكون عبئاً غير مرغوب فيه في العمل الأدبي، وخاصة إذا لم يكن متمثلاً. وعلى نحو مماثل فإن الأدب يمكن أن يسهل سبل انتشار الفكر في كثير من الأحيان (كما هو الشأن في كثير من المؤلفات التي كانت تبشر بالوجودية مثلاً)، إلا أنه يمكن أن يدفع الثمن غالياً فيعرض عنه القراء بوصفه أدباً وفكراً معاً، عندما يعرضون عنه بصفته فكراً تجاوزته الشروط التاريخية. الأدب والمجتمع: كل ما في الأدب يكاد يكون اجتماعياً. فالأدب بداية ظاهرة اجتماعية لا تنهض إلا في مجتمع. وهو ممارسة اجتماعية يتخذ من اللغة أداة له، واللغة مؤسسة اجتماعية. وهذه الممارسة تستند إلى أعراف وقيم ومقاييس ومعايير وقوانين فنية وجمالية لا تنبثق إلا في مجتمع، أي إنها اجتماعية في جوهرها، وهي كذلك لا تتم إلا ضمن مؤسسات اجتماعية. والأديب فضلاً عن ذلك «عضو في مجتمع، وذو وضع اجتماعي معين، إنه يتلقى مقداراً ما من الاعتراف والمكافأة الاجتماعيين وهو يخاطب جمهوراً مهما كان هذا الجمهور افتراضياً» وكذلك «فإن للأدب وظيفة اجتماعية، أو فائدة لا يمكن أن تكون فردية صرفة. ولذا فإن الكثرة الكاثرة من المسائل التي تثيرها الدراسة الأدبية مسائل اجتماعية على الأقل في النهاية أو ضمناً: مسائل التراث والعرف، والمعايير والأجناس، الرموز والأساطير». لذا فإن من الطبيعي أن يتبادل الأدب التأثير مع المجتمع الذي ينتج فيه، وأقل مسوغ لهذا التأثير المتبادل كون الأدب جزءاً لا يتجزأ من الممارسات الاجتماعية للفرد التي تكون مجموع صلاته بالمجتمع الذي يعيش فيه، ولعل هذا كان وراء نشوء حقل معرفي خاص بهذه الصلة الوثيقة هو علم اجتماع الأدب sociology of literature الذي يدرس مسائل مختلفة مثل الأصول الاجتماعية للكاتب، وعلاقات الإنتاج والاستهلاك في الأدب، والمضامين الاجتماعية للأدب، وتأثير الأدب في المجتمع وغيرها. وعلى الرغم من إقرار المرء بهذه الصلة بين الأدب والمجتمع فإن عليه أن يذكر دوماً «أنّ للأدب مسوغه وغرضه الخاصين به»، ولا يمكن أن يكون بديلاً من علم الاجتماع، كما يظن من يحاول أن يستخدمه بوصفه وثيقة اجتماعية، أو علم السياسة، فإن له منطقه الخاص حتى في أكثر وجوهه اجتماعية. الأدب وعلم النفس: من الطبيعي أن تكون علاقة الأدب بعلم النفس وثيقة جداً، وأن يكون التأثير المتبادل بينهما واسعاً وجوهرياً في آن معاً. وعندما احتُفل فرويد [ر]، بمناسبة عيد ميلاده السبعين، بأنه مكتشف اللاوعي، أنكر هذا اللقب وصحح الكلام بقوله: «إن الشعراء والفلاسفة قبلي اكتشفوا اللاوعي، وما اكتشفته هو المنهج العلمي لدراسة اللاوعي». والحقيقة أنه بمقدار إفادة علم النفس (الفرويدي بوجه خاص) من الآثار الأدبية المختلفة في تصوراته عن النفس الإنسانية ومناطقها وآليات عملياتها المختلفة بما فيها عملية الخلق الفني، وعن عقدها وغير ذلك، فإن استبصارات علم النفس قد عززت الكثير من جوانب الممارسة الأدبية، ولاسيما في الشعر، والرواية، والسيرة، والمسرحية، والكتاب اليوم يمارسون عملهم مستندين إلى أرضية أكثر رسوخاً في دراستهم النفس الإنسانية التي هي المحور الذي يدور حوله الأدب. وأكثر من هذا فإن كون منتج الأدب ومتلقيه إنساناً عزز الصلة الوثيقة بين الأدب وعلم النفس الذي انصرف في جانبه الأدبي أو ما يسمى بعلم نفس الأدب psychology of literature، إلى العناية بعملية الخلق الفني لدى الكاتب من جهة، وآليات الاستقبال لدى المتلقي من جهة ثانية، ولعل ذلك يتضح أكثر ما يتضح في الاتجاه النقدي والموسوم بالنقد الاستقبالي receptionist criticism، أو نقد استجابات القارئ reader- response criticism الذي غدا واحداً من أبرز اتجاهات النقد المعاصر على جانبي الأطلسي. وفضلاً عما تقدم فإن عالم الأدب ولاسيما في جانبه النفسي أصبح، مع استخدامات معطيات علم النفس في مقاربته، أكثر إثارة وغنى ومتعة وفائدة، وهذا ما عزز تفهم الإنسان لنفسه ولغيره وساعده في تواصله معه. الأدب والتاريخ: «الشعر ديوان العرب» الذين اتخذوا من شعرهم سجلاً لهم: لأنسابهم من جهة، ووقائعهم وأيامهم من جهة ثانية، ومواجهاتهم مع ما يحيط بهم من أمم من جهة ثالثة. والحقيقة أن الصلة بين الأدب والتاريخ قديمة قدم الأدب نفسه، وكثير من نصوص الأدب القديم: المصري، والآشوري، والبابلي، والسومري، والآرامي، واليوناني هي مصادر في التاريخ السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي مثلما هي مصادر في التاريخ الأدبي، والملاحم القديمة (غلغامش، الإلياذة، والأوذيسة، والإنيادة وغيرها) أمثلة بينة على ذلك. والشأن نفسه في الملاحم الشعبية وفي الكثير من نصوص الأدب الشعبي وشعر الفتوح الإسلامية بصفة خاصة. ففضلاً عن القيمة الأدبية لهذه النصوص ثمة قيمة فوق - أدبية extra- literary تتمثل أساساً في تلك الإشارات الكثيرة إلى حوادث وتواريخ ووقائع في حياة الأمة في مختلف العصور. وإذا تجاوز المرء غنى المصادر الأدبية بالإشارات التاريخية، وهو أمر ملحوظ في مختلف التقاليد الأدبية من جهة، وعلى امتداد العصور من جهة أخرى، فإنه يجد أن هذه الصلة تطرح نفسها على نحو صارخ في جنسين أدبيين مهمين في العصور المتأخرة لمختلف الآداب وهما الرواية والسيرة، كما طرحت نفسها من قبل على نقاد الاتباعية الجديدة في قضية المسرحية التاريخية. فطبيعة كل من هذين الجنسين المهمين تثير مسألة صلة الأدب بالتاريخ ولاسيما في الرواية التاريخية والسيرة الذاتية. ودارس الرواية التاريخية على سبيل المثال لا يسعه إلا أن يقارن بين الوقائع التاريخية المستلهمة كما تعرضها كتب التاريخ، والوقائع التاريخية نفسها كما تقدمها الرواية. وهذا التوازي المفترض أو المزعوم أو الواقع فعلاً ليس كل شيء فثمة مسائل أخرى جديرة بالتوقف عندها مثل مشروعية استخدام التاريخ في الرواية، ومقدار حرية الروائي في تطويع هذا التاريخ على النحو الذي يخدم رؤيته للعالم، ودرجة معقولية التفسيرات التي ينطوي عليها استلهامه للوقائع التاريخية ومقدار اتساقها الداخلي، وغير ذلك. أما السيرة فإن وقائع حياة موضوعها تؤلف المادة الأساسية لمحتواها، وكاتبها لا يسعه تجاهل البعد التاريخي لما يقوم به، مثلما لا يستطيع تجاهل التداخل الذي يواجهه في عمله بين ممارسة الأديب وممارسة المؤرخ. فالسيرة «جنس أدبي قديم. فهي أولاً - من ناحية التسلسل الزمني ومن الناحية المنطقية - جزء من علم التاريخ». و«مشكلات كاتب السيرة هي ببساطة مشكلات المؤرخ. إن عليه أن يفسر وثائقه، ووسائله، وتقارير شهود العيان، والذكريات، وبيانات السير الذاتية، وأن يقرر في مسائل تتصل بما هو أصلي أو غير ذلك، وبوثوقية شهود العيان وما شابهها. وفي الكتابة الفعلية للسيرة، يواجه مشكلات العرض الزمني، والانتقاء، والتكتم أو التصريح. والعمل الواسع بالأحرى الذي تم في السيرة بوصفها جنساً يتناول مسائل كهذه، ليست بأي حال أدبية من الناحية النوعية» على حد تعبير مؤلفي نظرية الأدب. وإشكاليات هذا التداخل المعقد والمثير بين ممارسة الكتابة الأدبية وممارسة الكتابة التاريخية، ربما تغدو أكثر تعقيداً وصعوبة في كتابة السيرة الذاتية التي يكون موضوعها ومؤلفها واحداً، نتيجة صعوبة انسلاخ المؤلف عن موضوعه، واستحالة ترك فسحة بينهما تتيح مقداراً كافياً من التأمل الموضوعي في العمل المؤدى، وهي مسائل تظفر باهتمام متزايد من قبل الباحثين المعاصرين في نظرية الأدب والنقد من مختلف الاتجاهات. الأدب والأسطورة: عندما يذكر الأدب اليوناني تذكر الأساطير اليونانية على أنها العنصر الذي يكاد يتحدى الفناء والنسيان. إذ لا تزال الأساطير اليونانية تعيش في ذاكرة الأمم الأوربية وغيرها تستلهم ويعاد صوغها وتحور وتطور وتسقط على الواقع في مختلف العصور ولاسيما العصر الحديث. وحال الأساطير اليونانية ليس فريداً، وإن كان مميزاً. ذلك أن الأسطورة في جوهرها أدب إنساني تنتجه الأمم في مراحل نموها الأولى، وهي بالمعنى الواسع للكلمة قصة مجهولة المؤلف «تتحدث عن المصائر والأصول». والواقع أن الأسطورة أدب الإنسان القديم، وعنصر مكون في نسيج أدبه عبر العصور، ولا سبيل إلى فهم أدبه الفهم الحق من دون العودة إلى ينابيعه الأولى من جهة، وتتبع مكوناته الأساسية من جهة أخرى. إن الصلة بين الأدب والأسطورة صلة عضوية وجوهرية، عززتها الاهتمامات المتزايدة بعلم الأساطير [ر] والأنتروبولوجية والفولكور [ر]، وبالأنماط المختلفة لاستلهامات الأسطورة من جانب مختلف الفنون الجميلة وبعض المعارف الإنسانية كعلم النفس، بل إن هذه كانت وراء ظهور ما يسمى بالنقد الأسطوري أو نقد النماذج الأولى archetypal criticism، الذي أقام دعائمه نورثروب فراي Northrop Frye في كتابه «تشريح النقد» Anatomy of Criticism (1957). الأدب والفنون الجميلة: قد يختلف الناس في تعريفهم للأدب أو فهمهم لطبيعته أو في تحديدهم لوظيفته أو بيان حدوده، ولكنهم سيجمعون على أنه واحد من الفنون الجميلة الستة أو السبعة إن أضيفت إليها السينما. وربما كان هذا الإجماع أقدم مما يبدو للوهلة الأولى، فهو يعود لأفلاطون وتلميذه أرسطو، اللذين نظرا إلى الفنون عامة على أنها محاكاة، بل إن أرسطو رأى أن الاختلاف بين الفنون إنما يرجع إلى اختلافها في أداة المحاكاة أو في موضوعها أو في نمطها. ولذا فإن توثيق الصلة بين الأدب والفنون الجميلة أمر مفروغ منه، إذ الأدب مجرد عضو في أسرة. وإن ما يجمع بين أفرادها أكثر مما يفرق. فالفنون الجميلة، وبينها الأدب، تتبادل الاستلهام فيما بينها، وكثيراً ما تستنزل الموسيقى وحيها من الشعر، وتستلهم الفنون التشكيلية الأدب، ويستوحي الأدب من العمارة والتصوير والموسيقى وغيرها. وكثيراً ما يؤدي فنان واحد عدداً من هذه الفنون معاً.فشاعر العصور القديمة كان العازف على الآلة الموسيقية، والمؤلف الموسيقي، والمنشد في آن معاً، والشعر في مختلف التقاليد الأدبية نشأ نشأة غنائية، وصلته بالفنون الجميلة الأخرى كالموسيقى والغناء والرقص كانت باستمرار قوية، وحسب المرء أن يشير في هذا السياق إلى المسرحيات الغنائية والأوبرا وسواها في التقاليد الغربية، وإلى الموشحات ورقص السماح في الثقافة العربية الاتباعية، والمسرحية الغنائية في الثقافة العربية الحديثة. وأكثر من هذا فإن الشعر العربي على مر العصور حافظ على كونه فناً سمعياً بمعنى أنه كان باستمرار ينظم ليلقى وينشد أكثر مما كان ينظم ليقرأ، كما هو شأن الشعر العربي الحديث. والشعر، حتى الحر منه free verse والمرسل لا يكاد يستغني عن عنصر الموسيقى فيه. فوزنه يقوم على العروض الذي يحكم جانب الإيقاع فيه، وجمله وبناه الصرفية وحروفه وأصواته توفر له عنصر اللحن مما يدرس عادة تحت عنوان الموسيقى الداخلية. بل إن ثمة من يحاول اليوم أن يدرس عنصر الإيقاع في أجناس أدبية غير الشعر الغنائي من مثل الرواية والمسرحية وغيرهما، ويحاول أن يقنع ليس بوجوده وحسب بل بوضوحه أيضاً. ولا ينسى المرء بالطبع أن الشعر قد سعى في بعض أطواره إلى أن يقترب من الموسيقى كما هو شأن الشعر الرمزي، وأن الكثير منه كان يؤلف في مختلف العصور والثقافات ليلحن ويغنى، وهو أمر شائع شيوعاً أكبر من أن يحتمل أي تمثيل. ومع «أن تضافر الشعر والموسيقى موجود على نحو أكيد» فإن «أسمى الشعر لا يميل إلى الموسيقى وأعظم الموسيقى تقف من دون حاجة إلى كلمات». وكما سعى الشعر إلى أن يكون له تأثير الموسيقى، فإنه سعى إلى أن يكون رسماً بالكلمات، بل إن الكثير من الصور التي يحفل بها أحياناً تتسامى لتبلغ في تأثيرها الرسم وربما تفوقه، ولعل هذا ما حفز الكثير من الرسامين والفنانين التشكيليين على استلهام الشعر، وخاصة صوره. وتسعى الرواية باستمرار إلى أن ترسم بالكلمات صورة حية وغنية بالتفاصيل الدقيقة عن الواقع الاجتماعي والطبيعي الذي تصوره في فصولها، مثلما تسعى إلى رسم صور دقيقة لشخصياتها حتى ليكاد بعضها يصبح أنموذجاً وجزءاً من حياة الناس (دون كيشوت، وآنا كارنينا، والسيد أحمد عبد الجواد وغيرها). وإذا ما تجاوز المرء الموسيقى والرقص والتصوير فإنه يلاحظ بسهولة أن الفن المسرحي يقوم أساساً على نص أدبي، وكذا الشأن في الفن السابع والفنون المستحدثة الأخرى كالمسرحية الإذاعية والتلفزيونية، والمسلسلات التمثيلية في كل من الإذاعة والتلفزيون فإنها جميعاً تقوم في كثير من الأحيان على تطوير نصوص من أجناس أدبية مختلفة كالقصة القصيرة والرواية وتطويعها وإعدادها للتقديم في وسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة، بل إن هذه الفنون قد حفزت الكثير من الكتاب على الكتابة لهذه الوسائل مما أدخل تغيرات نوعية مهمة في كتابة الأجناس الأدبية التقليدية ذاتها. وفضلاً عما تقدم فإن تطور الاهتمام بعلم نفس الفن psychology of art، وبعلم اجتماع الفن sociology of art عزز من وحدة الفنون الجميلة بما فيها الأدب. وكذا الشأن في الاتجاهات الفنية والفكرية والثقافية التي لم تكتف بتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، فتجاوزت حدود الفنون الجميلة فيما بينها، كما هو الحال في الاتباعية الجديدة والإبداعية [ر] والباروك [ر] والسريالية [ر] ونزعة الحداثة [ر]، ونزعة ما بعد الحداثة post - modernism وغيرها. وربما كان هذا وراء اهتمام الدارسين بمقارنة الفنون الجميلة على أساس من تأثيرها في المتلقي، أو خلفيتها الاجتماعية والثقافية، والقيام بالدراسات البنيوية والمقارنة التي تتخطى الحدود بين هذه الفنون. ومع ذلك فإن على المرء أن يؤكد أن لكل فن جميل أداته الخاصة به «فالفنان لا يتصور على نحو عقلي عام، وإنما من خلال المادة الملموسة، وللأداة الملموسة تاريخها الخاص بها، والذي يختلف غالباً عن تاريخ أية أداة أخرى». وكذلك فإن «كل فن من الفنون الجميلة - الفنون التشكيلية والأدب والموسيقى تطوره الفردي، مع سرعة مختلفة، وبنية داخلية مختلفة العناصر، ولا شك أن الفنون الجميلة على صلة مستمرة فيما بينها، ولكن هذه الصلات ليست تأثيرات تبدأ من نقطة معينة وتحدد تطور الفنون الأخرى. إنها ينبغي أن تتصور بالأحرى على أنها مخطط معقد من الصلات الجدلية التي تعمل في كلا الاتجاهين، من فن إلى آخر وبالعكس، وربما تتحول تماماً ضمن الفن الذي دخلت فيه». الأدب والعلوم: ليست المقابلة بين الأدب والعلم، وبين لغة الأدب ولغة العلم، هي كل ما بين الأدب والعلوم من صلة، وليس العلم مجرد نقيض للأدب. فالعلوم جزء لا يتجزأ من التكوين الثقافي للكاتب الذي يصدر عنه في إنتاجه للأدب وبالتالي فهي مكون من مكونات نسيج إنشائه الأدبي وهي كذلك جزء من المجال المهيمن في مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني (بالمعنى الذي يذهب إليه توماس كون في كتابه بنية الثورات العلمية The Structure of Scientific Revolutions، أو ما يعرف أحياناً بروح العصر geistegeschichte أو المناخ العام السائد في حقبة إنسانية معينة، وهي اليوم موضوع أساسي ومهم من موضوعات الأدب (قصص الخيال العلمي (science fiction. أما عن كون العلوم جزءاً لا يتجزأ من التكوين الثقافي للكاتب فذلك أمر بين تشهد عليه الأمثلة الكثيرة من الكتاب الذين تعكس آثارهم حجم المكوِّن العلمي في ثقافتهم مثلما تدلل عليه آثار الكتاب الذين جمعوا بين العلم والأدب ولاسيما في العصر الحديث (سومرست موم [ر] وعبد السلام العجيلي وشكيب الجابري ويوسف إدريس ونوال السعداوي وعبد الرحمن منيف وغيرهم). أما عن كونها جزءاً مهماً من المناخ العام السائد فأمر يلاحظه المرء من هيمنة أفكار معينة، علمية في غالبها، على الشخصيات الروائية وعلى أنماط تفكيرها وسلوكها تعكس روح عصر إنتاج الآثار الأدبية (أعمال الطبيعيين الفرنسيين مثلاً) التي تتضمنها من مثل نظرية النشوء والارتقاء، والعوامل الوراثية، وغيرها. وأما عن كون العلوم قد أصبحت موضوعاً أساسياً من موضوعات الأدب فأمر يتضح من الانتشار الواسع لقصص الخيال العلمي [ر] الذي يتخذ من عالم الفضاء والمحيطات والطبيعة والخلية والمورثات والهندسة الوراثية وغيرها موضوعاً له، ويطلق العنان فيها للخيال لتصور أشياء جلها يقع في دائرة الطموح الإنساني، والفضول الإنساني، أكثر مما يقع في دائرة الواقع الإنساني، ولذلك غدا حافزاً مهماً من حوافز التقدم العلمي والتقني الذي يشهده العالم اليوم. نقد الأدب نقد الأدب أو النقد الأدبي تفكير منظم واضح ومحدد عن الأدب يتخذ لنفسه صيغة الإنشاء اللغوي discourse، وهو لذلك إنشاء لغوي عن إنشاء لغوي آخر هو الأدب. وأهم ما يميز النقد الأدبي من غيره من أنواع النقد الأخرى أنه يستخدم الأداة نفسها التي يستخدمها موضوعها في حين يشارك النقد الأدبي موضوعه وهي اللغة الطبيعية natural language (تمييزاً لها من اللغات الاصطناعية الأخرى كلغة إشارات المرور، ولغة الثياب،ولغة الرتب العسكرية، وغيرها). ذلك أن أنواع النقد التشكيلي، لا تستخدم العلامات الموسيقية، أو الألوان، أو المواد الأخرى التي يستخدمها موضوعها في حين يشارك النقد الأدبي موضوعه - الأدب - في الأداة التي يستخدمها وبالتالي في مكوناته الأساسية مما يعزز الصلة العضوية بين النقد الأدبي والأدب على الدوام. ولكن اشتراك الإنشائين النقدي والأدبي في الأداة والمكونات الأساسية لا يعني محو كل تفريق بينهما، وتبقى لكل منهما هويته الخاصة به التي يعرف بها. والحقيقة أن الإنشاء النقدي critical discourse يستخدم اللغة الطبيعية استخداماً مختلفاً عن استخدام الإنشاء الأدبي literary discourse لها. فإذا كان لكل إنشاء لغوي عدة وظائف يؤديها في آن معاً فإن مما لا شك فيه أن الوظيفة السائدة والناظمة لغيرها من الوظائف في الإنشاء الأدبي هي الوظيفة الجمالية aesthetic function في حين تستخدم اللغة في الإنشاء النقدي لتسهيل عملية التفكير في الإنشاء الأدبي موضوع النقد، ولذلك فإنها تكاد تكون في مجملها مصطلحات terms ومفاهيم concepts توظف بوعي وقصد لدلالاتها المحددة تحديداً دقيقاً ضمن إطار الإشارة الناظم للعملية النقدية. ومع هذا الفارق الأساسي في توظيف كل من النقد الأدبي والأدب للغة الطبيعية، فإن الصلة بينهما وثيقة. فالنقد الأدبي تتحدد هويته وطبيعته بموضوعه. ويتأتى هذا التحديد من حضور الأدب في النص النقدي الذي يراوح بين الحضور الصريح (كما في النقد التطبيقي) والحضور الضمني (كما في النقد النظري) والحضور بالفعل (كما هو الشأن في مختلف ضروب النقد الأدبي النظري والتطبيقي) أو الحضور بالقوة (في النقد النظري الطليعي الذي يحاول توجيه عملية الإنتاج الأدبي في مجتمعه وجهة جديدة). وهناك على أية حال نوعان رئيسان من النقد الأدبي هما: النقد التطبيقي أو العملي: أو ما يسمى عادة في النظرية النقدية المعاصرة بالتفسير interpretation وليس بالمعنى الذي ذهب إليه رتشاردز Richards وهو مواجهة للنصوص الأدبية من جانب الناقد الذي يحاول بجملة من العمليات العقلية أن يضع يده على الآلية الداخلية للإنتاج الأدبي، متوخياً من ذلك توجيه الأديب إلى تطوير عمله، وتيسير استيعاب النص المنقود وتذوقه والحكم عليه من جانب القارئ. وربما كان من أبرز هذه العمليات: الشرح الذي يسعى إلى إيضاح كل ما غمض في النص من علامات لغوية وإشارات ثقافية أو غيرها بغرض تأسيس العمليات التالية على أرضية من الفهم السليم لهذا النص: ـ التحليل الذي يفكك بنية النص المعقدة إلى وحداتها المكونة على مختلف المستويات بهدف الكشف عن آليات الإنتاج الأدبي، وبيان مختلف جوانب الجهد الفني الذي بذله الكاتب في إنتاجه لنصه. ـ التفسير الذي يحاول أن يبين دلالة النص الكلية من خلال إعادة بناء، قد تكون جذرية، لمكوناته المختلفة وتوجيهها الوجهة التي تتسق مع هذه البنية الدالة signifying structure التي ندعوها بالنص. ـ الموازنة التي تهدف إلى توضيح جوانب من أداء الكاتب في مستوياته المختلفة بمقارنة هذا الأداء مع صور أخرى من أداء الكتاب الآخرين في المستويات ذاتها، وبالطبع فإن المشابهات والاختلافات التي يخرج بها الناقد الأدبي من موازناته تيسر عليه، وعلى القارئ فيما بعد، معرفة منزلة الكاتب بالقياس إلى الكتّاب الآخرين وتكشف عما يميزه منهم. الحكم وهو العملية الأخيرة التي تؤدي إليها كل العمليات المتقدمة، وتكاد تكون النتيجة النهائية التي تقود إليها المقدمات السابقة. وعلى الرغم من أن بعضاً من أبرز النقاد المعاصرين يفضلون أن يدعوا الحكم على الآثار الأدبية للزمن، فإن كثيرين غيرهم يلحون على ضرورة هذه العملية، لأن النقد يقوم أساساً على التميّز ومجرد اختيار نص ما لمواجهته ثم شرحه وتحليله وتفسيره وموازنته ينطوي على حكم ضمني بجدارته بهذه العملية جميعها، وبالتالي فإنه ليس ثمة ضرورة للنفور من الحكم على الأثر الأدبي ما دام يستند إلى معرفة خبيرة وعميقة ومتدرجة تسوِّغ للناقد الذي يقدمها بين يدي حكمه - هذا الحكم الذي يعني الكثيرين من القراء ممن لا يتيسر لهم الوقت أو الخبرة النوعية فيستندون إلى هذا الحكم في قراءتهم للنصوص المتاحة لهم. النقد النظري: theoretical criticism: أو الشعرية poetics كما يفضل بعض نقاد العرب المعاصرين نعته، أو نظرية الأدب الداخلية. وهو حقل معرفي قديم - جديد، ظفر منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين باهتمام متزايد، وغدا اليوم تخصصاً محترماً تؤلف فيه الكتب، وتعقد له المؤتمرات وتنظم من أجله الأقسام، وتحدث له الكراسي في الجامعات، وتصدر في جوانبه المتشعبة الدوريات في مختلف اللغات. الهدف الأساسي من هذا الحقل المضي إلى ما وراء النقد التطبيقي أو العملي practical criticism الذي تقدم الحديث عنه، لأنه، أي التفسير، لا يعدو أن يكون مواجهة لأمثلة مختلفة من الإنشاءات الأدبية الفردية، ونظرية الأدب المعاصرة تريد للنقد أن يخرج من مواجهته لهذه الإنشاءات بالكشف عن النظام الداخلي الذي يحكمها إنتاجاً واستهلاكاً في مستوياتها المختلفة، إنها تريد أن تستنبط النظام الأدبي الذي جعل الأدب أمراً ممكناً متأسية في ذلك بصنيع علماء اللغة المعاصرين الذين يعنون بالنظام اللغوي langue مما يجعل اللغة أمراً ممكناً. ويستند هذا التأسي إلى حقيقة واضحة وضوحاً صارخاً هي أن الأدب إنشاء لغوي من نوع ما، فهو لذلك شكل من أشكال الممارسة اللغوية، «نشاط لغوي يتم ضمن بنية اجتماعية مثل أشكال الإنشاء الأخرى. وهو قابل للدراسة قابلية الإنشاءات الأخرى» ولذا فإن من الطبيعي أن يتطلع المرء إلى النظام اللغوي، ويرى فيه للوهلة الأولى حاكماً لإنتاج هذا الإنشاء اللغوي الفردي الموسوم بالأدب. ولكن لو كان الأمر على هذا النحو لاستوى الناس جميعاً في كتابة الأدب وفي تذوقه عند قراءته. ولكنهم لا يستوون حتى في الأداء اللغوي linguistic performance. بمختلف أشكاله وضروبه على الرغم من اشتراكهم فيما يسمى بالقدرة اللغوية linguistic competence. ومعنى هذا أن الدارس مضطر للبحث عن شيء آخر، غير هذا النظام اللغوي، يحكم إنتاج الإنشاء الأدبي literary discourse المتميز أساساً بسيادة الوظيفة الجمالية فيه. ولذا فقد رأت فئة واسعة من نقاد الأدب، بعد أن تبينت أن النظام اللغوي لا يمكن أن يفسر أدبية الأدب، أن تستلهم الأنموذج اللغوي linguistic model في سعيها لاستخلاص نظام يحكم إنتاج الإنشاء الأدبي يمكن أن يدعى بالنظام الأدبي literary system. وما دام البحث عن النظام اللغوي الخاص بلغة ما la langue يبدأ من تفحص الإنشاءات اللغوية الفردية parole بجميع أشكالها آنياً (تزامنياً) synchronically وتاريخياً diachronically ودراستها دراسة متمعنة بغرض وضع اليد على ما يجعل اللغة أمراً ممكناً، أي بغرض تحديد الأعراف، والقوانين، والأنظمة، والقواعد التي تيسر الأداء اللغوي وتجعله ممكناً، فإنه يمكن لناقد الأدب في بحثه عن النظام الأدبي الخاص بأدب أمة أن يبدأ من دراسة الإنشاءات الأدبية الفردية، أو النصوص التي ينتجها الأدباء في مختلف الأجناس الأدبية، وبعد أن يستغرق جملة وافية منها يستطيع أن يخرج بالنظام الذي يحكمها إنتاجاً واستهلاكاً. وبالطبع فإن مستويات استغراق النظام الأدبي يمكن أن تتدرج من إنتاج كاتب ما ، إلى إنتاج جنس أدبي ما بلغة ما، في زمن ما، في مكان ما، إلى إنتاج جنس أدبي ما بلغة ما، لأمة برمتها، إلى الإنتاج الأدبي كله في مختلف الأجناس الأدبية لأمة من الأمم في الزمان والمكان. والمهم في ذلك كله أن يمضي الباحث في نظرية الأدب الداخلية من النصوص إلى ما وراءها حتى يقوّم من ذلك كله النظام الأدبي الذي تستند إليه، والذي يجعل إنتاجها واستهلاكها أمراً ممكناً بالدرجة الأولى. وبهذا يغدو النقد الأدبي النظري معرفة فكرية صحيحة كما يقول نورثروب فراي بعد أن يكون قد عاد إلى المهمة التي تولاها أول ما تولاها أرسطو في كتابه «فن الشعر». إن على نقاد الأدب كما يذكر فراي بحق أن يفترضوا «أن هناك بنية كلية من المعرفة، قابلة للفهم، وممكنة، عن الشعر، وأنها ليست الشعر نفسه، ولا تجربته، بل فن الشعر بالمعنى الأرسطي للكلمة» أي «فن الأدب» الذي كان يتخذ من الشعر أداة له في مختلف الأجناس الأدبية التي عرفها عصر أرسطو وهي: الشعر الملحمي، والشعر المسرحي، والشعر الغنائي، أو الملحمة والمسرحية والشعر الغنائي. وهكذا يمكن القول إن هناك أيضاً بنية كلية من المعرفة، قابلة للفهم، وممكنة التصوّر عن الأدب، وأنها ليست الأدب نفسه، ولا تجربته، بل نظرية الأدب الداخلية، أو النظام الأدبي الذي يجعل الأدب ممكناً في الأساس، وهذه البنية الكلية من المعرفة هي النقد النظري أو الشعري أو نظرية الأدب الداخلية poetics، تعددت الأسماء والمسمى واحد. مراجع للاستزادة ـ تمام حسّان وآخرون، قراءة جديدة لتراثنا النقدي، مجلدان (النادي الأدبي الثقافي، جدة 1990). ـ شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، 9أجزاء، ب.ت (دار المعارف بمصر، القاهرة). ـ إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب (دار الأمانة ومؤسسة الرسالة، بيروت 1971). - HAZARD ADAMS, Critical theory Since Plato (Harcoutt Barce Jovanovich, New York 1971) - HAZARD ADAMS & LEORY SEARLE, Critical Theory Since 1965 (Florida State University Press, Thallahassee 1986) - M.. C. BEARDSLY, “The Concept of Literature”, in F. Brady et al. (eds),Literary Theory and Structure ( Yale University Press, New Haven and London 1973). - S.A. BONEBAKKER, “Adab and the Concept of Belles – Lettres “, in Julia Ashtiany et al. (eds), the Cambridge History of Arabic Literature: Abbasid Belles- Lettres (Cambridge University Press, Cambridge 1990). - BENNISO NGRAY,The Phenomenon of Literature (Mouton, the Hague 1975). - SALIM KEMAL, The Poetics of Alfarabi and Avicenna (Brill, Leiden 1991) - G.J.H. VAN GELDER. Beyond the Line; Classical Arabic Literary Critics on the Coherence and Unity of the Poem (Brill, Leiden 1982). - REN. WELLEK &AUSTIN WARREN, Theory of Literature, 3rd ed. (Harcourt, Brace and World, Inc., New York 1970). - R.Wellek, : “What is Literature? “, in Paul Hernadi (ed), What is Literature? (Indiana University Press,Bloomington and London 1978).
|
||
|
|
|
|
|
#2 | ||
|
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم:
معدل تقييم المستوى: 141
![]()
|
|
||
|
|
|
|
|
#3 | ||
|
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم:
معدل تقييم المستوى: 141
![]()
|
|
||
|
|
|
|
|
#4 | ||
|
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم:
معدل تقييم المستوى: 141
![]()
|
الأدب العربي في العصر الحديث تقديم حتى مستهل القرن التاسع عشر كانت الحياة العربية بمجملها تخضع لركود شامل في ظل سيطرة الدولة العثمانية على أقطار الوطن العربي، سواء أكانت تلك السيطرة قوية مباشرة كما في بلاد الشام والعراق ومصر، أم ضعيفة أو إسمية كما في أقطار المغرب العربي وبلدان شبه الجزيرة العربية. وكان الأدب العربي، بصفته أحد أنماط تعبيرات تلك الحياة الراكدة عن ذاتها، خامد الجذوة ويكاد يقتصر على ترديد ما تخلف عما اصطلح على تسميته في تاريخ الأدب العربي باسم: أدب عصر الانحطاط، أو أدب الدول المتتابعة. وقبيل ابتداء القرن التاسع عشر أخذ الاصطدام العنيف بالغرب يهز ذلك الركود المتوارث هزاً شديداً. فقد جاء ذلك الاصطدام غزوات عسكرية تواصلت حتى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وأسفرت عن استعمار مباشر لسائر أجزاء الوطن العربي باستثناء شمالي اليمن وأواسط شبه الجزيرة العربية. واستمر هذا الاحتلال حتى نهاية الحرب العالمية الثانية على وجه التقريب، كما تواصل في بعض الأقطار - كالجزائر - حتى منتصف عقد الستينات من القرن العشرين. أما في فلسطين فقد أقيمت دولة استيطانية ليهود العالم (دولة إسرائيل) الأمر الذي ترك نتائج مأساوية كبيرة ومباشرة على عرب فلسطين، ونتائج شبه مباشرة على بقية العرب في مختلف أقطارهم كانت شدتها متفاوتة بهذا القدر أو ذاك، بحسب قرب كل قطر أو بعده عن حدود تلك الدولة الاستيطانية. ومع انتهاء الاحتلالات، وحصول الاستقلالات، كان نمط جديد من الاستعمار الاقتصادي العالمي يتولد من طبيعة عمل الرأسمالية العالمية وتطوراتها، ويترك آثاراً سلبية عميقة في نمو سائر المستعمرات السابقة، وخاصة في نمو أقطار الوطن العربي الغنية بمصادر الطاقة والفريدة في موقعها الاستراتيجي في قلب العالم الذي أخذت تتكاثر فيه القوى الكبرى المتصارعة اقتصادياً وأيديولوجياً.. وكل ذلك قد ترك - ولا يزال يترك - آثاره في سيرورات الحياة في المجتمعات العربية، فتنعكس في الأدب شكلاً ومضموناً. إن ابتداء اصطدام العرب بالغرب، وما أحدثه من ارتجاج قوي على سطح الحياة العربية الراكدة في أعماقها، لم يسفر عن شعور عربي عام بالعجز وعن استثارة لمقاومة النتائج العسكرية للغزو المتوالي وحسب، بل هو أيضاً قد طرح على العرب مشكلة خمود طاقات الإبداع وتجلياته لديهم، كما طرح عليهم إشكالية اللحاق بركب التقدم العالمي تأسيساً على موروثهم الحضاري من جهة، وفي ظل الاستعمار ذاته من جهة أخرى. فالغزو لم يكن وقع آلة عسكرية وحسب بل كان يحمل معه أيضاً مفهومات النظام الحضاري الذي أنجز الآلة، والقيم البرغماتية لذلك النظام والمتضاربة جذرياً مع القيم العربية الإسلامية السائدة آنذاك، مثلما كان يحمل معه أدوات عمل، وأساليب تصرف، ونهج سلوك، ووسائل ترفيه فني، وكلها غير مألوفة... واختصاراً كان وراء آلة الحرب الغازية ومعها كل ما تمخض عنه التكوين البنيوي الحضاري الغربي من معطيات غير مألوفة ولا معروفة، وحتى غير مقبولة، لدى العرب في حينها. وإذا كانت غزوة نابليون لمصر في نهاية القرن الثامن عشر تعد افتتاحاً ومدخلاً لعدم اصطدام العرب بالغرب اصطداماً قوياً فعالاً فإنه من المفيد ذكر أنه كانت هناك احتكاكات غير صدامية تمثلت في قدوم إرساليات دينية (كاثوليكية - بروتستنتية - أرثوذكسية) إلى لبنان بوجه خاص، قبل غزو نابليون لمصر بأوقات متفاوتة، ولكنها لن تبرز على أنها قوى مؤثرة في تطورات الوضع العربي: الأدبي منه والفكري على وجه الخصوص، إلا في القرن التاسع عشر. ولا بد هنا من عرض صورة إجمالية للوضع العربي في ظل الحكم التركي للإحاطة بأجزاء صورته المتكاملة وتبين حقيقة الفواعل التي ستؤثر في التاريخ الأدبي المعاصر في القرنين التاسع عشر والعشرين كما ستؤثر في تطورات أشكاله الفنية ومضموناته. لقد أشير قبلاً إلى التفاوت في علاقة الأقطار العربية بالسلطنة العثمانية تبعاً لقربها أو بعدها عن اصطنبول (عاصمة السلطنة) ففي حين كانت أقطار المغرب العربي وكثير من أقطار شبه الجزيرة العربية لا تخضع إلا لسلطة إسمية للعثمانيين، إذ كان لكل من هذه الأقطار حاكم شبه مستقل ينتقل الحكم في ذريته بالوراثة، فإن مصر والسودان (وادي النيل) عرفتا تقسيماً للسلطة بين الولاة الأتراك (الباشاوات) وبين المماليك (البكوات) وغالباً ما كانت كفة ميزان النفوذ تميل لصالح هؤلاء إزاء كفة أولئك. أما في بلاد الشام والعراق حيث كانت قبضة السلطة محكمة ومرهقة، فقد اعتمد نظام التقسيم إلى ولايات، ونظراً إلى ما كانت تعانيه السلطة من انحطاط عام، وإداري خاصة، فقد عمدت دائماً إلى تعيين ولاة همهم جباية المال إضافة إلى كونهم متنافسين متنابذين، وهو الأمر الذي جر الكوارث على الرعية، إذ عمت الفوضى، وانتشر الفساد، واختل الأمن اختلالاً مفزعاً، وكثرت المجاعات والأوبئة، وأثيرت الفتن الطائفية والحروب الأهلية.. فتدهورت الأوضاع الاجتماعية بعد أن تحولت خطوط التجارة بين أوربة والشرق عن المنطقة لتسلك طريق رأس الرجاء الصالح. وبسبب من هذه الأوضاع المختلة إجمالاً تمكنت الدول الأوربية العظمى آنذاك (إنكلترة - فرنسة - روسية) من إيفاد إرسالياتها الدينية التي عمدت إلى إنشاء مدارسها الخاصة أول بأول. وفي لبنان تمكن الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير (أواخر القرن السادس عشر) من أن يشيع، لوقت قصير، جواً من التحرر. وقد أسهم ذلك في تقبل نشاط الإرساليات الذي هيأ للتفاعل لاحقاً مع ما سوف يفد من فكر غربي مع الغزوات الاستعمارية المقبلة. وفي فلسطين أثر ظهور الوالي الشيخ ضاهر العمر في ازدهار الحياة الاقتصادية ازدهاراً نسبياً، وكان أحد الزعماء المحليين في اليمن (مستهل القرن السابع عشر) قد تمكن من طرد الوالي التركي وإقامة حكم وطني دام وقتاً غير قصير. وإذا كان العثمانيون قد تمكنوا من استعادة شيء من نفوذهم على اليمن بعد ذلك فقد كان نفوذاً قلقاً ومكلفاً غير مستقر. وفي أواسط القرن الثامن عشر ظهرت في قلب الجزيرة العربية (نجد خصوصاً) حركة إصلاح ديني قادها محمد بن عبد الوهاب (1703-1792م)، ورمت إلى تظهير العقيدة مما لحق بها من بدع وعرفت باسم الحركة الوهابية. وبتحالف أتباعها من أمراء نجد من آل سعود تمكنت هذه الحركة من توسيع نفوذها بعيداً. وكان الإنكليز والبرتغاليون - والهولنديون إلى حد ما - يتنازعون السيادة على الشواطئ الجنوبية والشرقية لشبه الجزيرة، فتمكن الإنكليز من الفوز أخيراً بهذه السيادة. تلك هي السمات الإجمالية لصورة الوضع العربي في ظل السلطنة العثمانية حتى مستهل القرن التاسع عشر. ولا ينتظر، في مثل هذه الأوضاع، أن تزدهر حركة فكرية أو نشاط أدبي، وعليه فقد كان النتاج الثقافي مقتصراً على التحشية والتلخيص والتفسير والجمع، وطغت الشكلية واللفظية طغياناً صارماً على الأدب خاصة. غير أنه، تحت سطح هذه الصورة التي تبدو في غاية الخمود، كان هناك تململ واضح ورغبة في الإصلاح تذكيها مقارنة الواقع بالماضي، وتحرضها - إلى هذه الدرجة أو تلك - مجموعة التفاعلات المتقطعة مع طوالع الفكر الغربي التي حملتها مؤسساته التجارية والدينية، وقواها كون الوطن العربي معبراً لخطوط المواصلات والتبادل التجاري بين الشرق والغرب، قبل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح. وقد كان لمجموع ما ترافق مع غزوة نابليون لمصر - أو حملته عليها - آثار لا تنكر في إذكاء نزعة الاستقلال وروح النهضة. غير أنه لا يمكن للمرء أن يقر بالمبالغات التي نسبت إلى تلك الحملة والتي يجعلها كثير من المؤرخين سبباً وحيداً أساسياً لجملة التحولات التي ستحدث في الواقع العربي لاحقاً، بل لابد من رؤية ما ترتب على تلك الحملة في حدوده الموضوعية، بصفتها «رجة» كبرى في سياق تاريخي محلي وعالمي معقد ومتشابك ومركب. لقد حمل نابليون معه مطبعة عربية كان قد استولى عليها من الفاتيكان، ولكنه خصصها في المدة القصيرة التي استغرقتها الغزوة (سنتين وبضعة أشهر) لطبع ما كان يهمه من منشورات دعائية. وقد أنشأ ما أسماه مجمعاً علمياً، ومكتبة للمطالعة، ومسرحاً للترفيه عن جنوده، كما شق بعض الطرق.. وهو ما يظهر مفصلاً في تاريخ الجبرتي، إلا أن الحملة واجهت عداء داخلياً وخارجياً قوياً، وشبت في وجهها ثلاث ثورات، وذلك ما منع استقرارها فانتهى بها الأمر إلى الجلاء عن مصر بعد هزيمة جيش نابليون أمام أسوار عكا، وتحطم أسطوله في أبي قير. إن عرب مصر قد اطلعوا - بوساطة تلك الحملة - على المسرح والمطبعة والصحافة، وتعرفوا شيئاً من أهميتها وضرورتها، فتحرض الاهتمام بها، وهو ما ساعد لاحقاً على سرعة نشوئها في مصر، غير أنه ما كان لتلك «البذور النهضوية» أن تنمو إلا بوجود التربة الصالحة، فالحملة إذاً أسهمت في بزوغ النهضة، لكنها لم تكن إلا واحداً من أسبابها الرئيسة ليس أكثر. وفي تلك الغزوة أو الحملة تم اكتشاف حجر رشيد، ثم استطاع مكتشفه العالم جان فرانسوا شامبليون Champollion حل رموز الخط الهيروغليفي فانكشفت حقائق تاريخية حضارية عريقة كانت مجهولة، الأمر الذي أوجد دافعاً إضافياً للعرب المصريين كي يتعجلوا ابتداء النهضة والخروج من حال الخمود السابق. كما أن العلماء المرافقين للحملة - وعددهم يزيد على أربعين - قاموا بتأليف كتاب من عشرة مجلدات، بالفرنسية، سموه، «وصف مصر» Description de l'Egypte صار فيما بعد عوناً للباحثين في تحري أوضاع ذلك القطر العربي من جوانبها المختلفة زمن الحملة. ولعل أهم ما انجلت عنه الحملة هو أنها كانت سبباً في ظهور محمد علي، ذلك الضابط الألباني الطموح الذي قدم ليشارك في إخراج الفرنسيين من مصر، فلمع نجمه وانتهى به الأمر إلى أن ولاه الباب العالي (السلطان العثماني) عليها. ومع أنه لم يكن متعلماً فقد ظهر أنه كان يدرك جيداً فضل العلم في نهضات الأمم. فشجع العلماء وأرسل البعوث إلى فرنسة فكان من رجالها أوائل بناة النهضة الفكرية والثقافية في مصر. واستعان كذلك بضباط من فرنسة وغيرها لتدريب الجيش الحديث الذي أنشأه ولتنظيم مؤسساته. وفي الوقت ذاته أنشأ المدارس التي تعلم العلوم الحديثة وتعنى بترجمة كتبها، وأسس أول جريدة في الوطن العربي صدر بعضها باللغة العربية. ولعل أهم خلفائه هو الخديوي إسماعيل (1863-1879) الذي أنشأ مدارس للبنات، وأسس المكتبة الخديوية (دار الكتب المصرية اليوم)، وقامت في عهده بعض الكليات الأمريكية في القاهرة والصعيد مثلما انتهى حفر قناة السويس (1859-1869) وتم افتتاحها، فاستعاد الوطن العربي مركزه ممراً لطرق التجارة العالمية بين آسيا وأوربة، بما لذلك من منعكسات مهمة على سيرورات التفاعل الثقافي العربي مع ثقافات القارتين المذكورتين. أما الحملتان المصريتان على بلاد الشام (1831-1833 و1839-1840) فقد أشاعتا فيها جواً شجع علم الإرساليات فزاد بذلك من تفاعل أبنائها مع الفكر والثقافة الغربيين، إذ أسست تلك الإرساليات عدداً من المدارس واستجلبت مطابع لايزال بعضها يعمل حتى الآن. وقد سبقت هاتين الحملتين حملة أخرى على شبه الجزيرة العربية (1812-1819) منيت بالإخفاق لكنها تركت شعوراً - ولو غائماً - بأهمية وحدة العرب وكما نبهت الأذهان إلى ما كانت تظهر بوادره من نهضة ثقافية في مصر. وقد ضم محمد علي السودان إلى مصر محققاً وحدة وادي النيل، وذلك بين عامي 1821-1823. لكن الإنكليز قاموا باحتلال السودان بعد ذلك فواجهتهم ثورات أهمها ثورة المهدي (1881-1885)، وانتهى أمر السودان إلى ما سمي «السودان المصري الإنكليزي» في 1898 وكانت السلطة الفعلية فيه للإنكليز، ثم أصبحت مصر نفسها تحت الحماية البريطانية، وعلى أي حال فإن محاولات محمد علي لضم الأقطار العربية في دولة واحدة قد أيقظت حساً قومياً عربياً شعبياً. وهو ما سيظهر أثره بقوة. ومع أن ليبية ضمت إلى السلطة العثمانية عام 1556، فقد ظلت تتمتع باستقلال ذاتي، وخاصة في عهد الأسرة القرمنلية (1724-1853)، أما أقطار المغرب العربي الأخرى فلم تتبع السلطنة إلا إسمياً، واستقلت تونس عنها عام 1790 استقلالاً تاماً، وظلت الجزائر على تبعيتها الإسمية لاصطنبول منذ أن احتلتها عام 1518، أما سلطنة مراكش (المملكة المغربية اليوم) فلم تخضع للسيادة العثمانية مطلقاً. وفي عام 1830 احتلت فرنسة الجزائر، ثم تونس عام 1881، واحتلت إسبانية أجزاء من مراكش (سبتة ومليلة ومنطقة الريف) ثم احتلت فرنسة مراكش بأكملها بين العامين 1901-1904 وتخلت عن بعض أجزائها لإسبانية عام 1912. وإذا كان الخمود الثقافي في أقطار الشمال الإفريقي موازياً لنظيره في بقية أرجاء الوطن العربي فإن الاحتلال الفرنسي لأقطار المغرب قد خلق وضعاً ثقافياً متناقضاً ولاسيما في الجزائر التي ضمتها فرنسة إليها وأعلنت أنها جزء منها وفرضت عليها لغتها حتى الاستقلال عام 1962، فذلك الاحتلال قد ولد اعتصاماًَ أشد بالثقافة الإسلامية التقليدية السائدة من جهة، ومن جهة أخرى فتح الأذهان هناك على ثقافة الغرب وفكره. لكن آثار ذلك سوف تتأخر في الظهور، وهذا ماجعل بواكير النهضة وتطوراتها خلال القرن التاسع عشر وقسم غير قليل من القرن العشرين تكاد تنحصر في مصر وبلاد الشام ثم العراق إلى حد ما. وما يمكن أن يخلص إليه في هذا التقديم هو أن تلك النهضة يجب أن ينظر إليها في سياق فعالية النمط الحضاري الغربي وحركته الاستعمارية، وعد هذه النهضة محاولة للرد على تحديات حركة هذا النظام لوجود الأمة العربية من موقع الصراع معه من أجل البقاء والتقدم. إن ثمة منظومتين ثقافيتين تتفاعلان في إطار تناقضاتهما المفهومية والقيمية: الثقافة العربية الإسلامية، والثقافة الغربية الرأسمالية الاستعمارية. وفي الظروف السائدة حتى اليوم فإن الثانية هي المهيمنة، أما الأولى فمتعثرة الخطا وتابعة من منظور علاقات أصحابها بالغرب. وهناك أخيراً أمراً لابد من الإشارة إليه لأنه يتضمن في النهاية إشكالية ذات صلة بالمصطلح الذي تندرج تحته مادة هذا البحث. فمصطلح «العصر الحديث» هنا يوحي بإشارة ضمنية إلى فكرة «الحداثة» Modernisme من حيث كونها تملأ هذا العصر بمعطياتها على سائر الصعد. وتعد «الحداثة» في منظور الفكر الأوربي - وهو مصدر هذا المصطلح - حالاً من القطيعة المعرفية الشاملة: فلسفياً وعلمياً واعتقادياً.. وحالاً من القطيعة الشاملة في التقنية والاقتصاد والبنى والعلاقات الاجتماعية.. بين ما أنجزته أوربة منذ ابتداء نهضتها حتى اليوم وما سبق ذلك في العصر الأوسط وفق تقسيمات التاريخ الغربي حسبما صنفها الفيلسوف الألماني هيغل Hegel. ولما كان «العصر العربي الحديث» - أي القرنان التاسع عشر والعشرون - لا يتضمن شيئاً من تلك القطيعة الأوربية المركبة، ولما كانت التبعية هي سمته الكلية، ولما كان الأدب العربي فيه متأثراً بالضرورة بهذا الوضع التاريخي الحضاري الإجمالي التابع: سواء من حيث تاريخية إنتاجه أو من حيث أنماطه الفنية، ولدلالاته الفكرية والنفسية، وأساليب إنشائه «خطاب» محملاً بروح هذا العصر... فإن معنى «الحداثة» هنا لا يشير إلى تعبيرات فنية مؤصلة على تغيرات نهضوية جذرية متواصلة في الواقع المعاش، بل هي تشير إلى «تزامنات فنية عارضة» - إذا صح التعبير - لواقع يضطرب ويتماوج فيه خليط من مورثات مراحل الحضارة العربية إبان ازدهارها، لكنه خليط مأخوذ بصورة انتقائية، وخليط آخر من تناثرات ما يصل من علوم الغرب وفلسفاته وفكره وأدبه.. فيصطدم الخليطان ويتقاطعان عند حدين من رغبات العرب المتناقضة: رغبات تمسكهم بموروثهم، ورغبات لحاقهم بالغرب المهيمن عموماً. إن هذه الإشكالية قد تركت ولا تزال تترك آثارها بقوة في الأدب العربي المعاصر. وهي إشكالية يجب أخذها دائماً بالحسبان عندما يوصف هذا الأدب وزمنه «بالحداثة». إذ بها - بوصفها تعبيراً عن انعدام القطيعة وعن التبعية السابقتي الذكر - ترتبط مختلف المصطلحات ذات الصلة بما هو معالج في هذه المادة. وبمراعاة هذه الإشكالية يمكن القول: إن ثمة يقظة عربية عامة قد ابتدأت، نشطة، في مصر في زمن حكم محمد علي باشا، فلقيت تجاوباً سريعاً نسبياً في بلاد الشام. وأخذت القوى الكامنة في الأمة تتيقظ بفعل مختلف البواعث التي سبق ذكرها. فتسارع إنشاء المدارس الوطنية، وتوالى صدور المجلات والصحف وتأسيس المطابع، وتزايدت ترجمات الكتب العلمية والأدبية الأجنبية إلى اللغة العربية، ونشر كثير من كتب التراث، وتألفت الجمعيات والنوادي الأدبية، وأنشئت المكتبات العامة والمسارح ومجامع اللغة العربية.. كما تزايد إنشاء الجامعات ومعاهد البحث ومؤسساته المختلفة إضافة إلى المراكز الثقافية وسائر مؤسسات «وسائل الاتصال الجماهيري» من إذاعات ومحطات بث تلفزيوني. ولا يكاد قطر عربي يخلو اليوم من وزارة للثقافة.. وكل ذلك يساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ارتقاء الإنتاج الأدبي العربي المعاصر وتعميم إيصاله إلى جماهير المثقفين والمتعلمين بمختلف السبل والوسائل المعتمدة في بقية أنحاء العالم. بواعث النهضة الأدبية في العصر الحديث يمكن إجمال بواعث هذه النهضة في ما يلي: البعثات العلمية: يأتي هذا الباعث في المقدمة. وقد بدأت فاعليته بعد انتشار الثقافتين الفرنسية والإنكليزية في المدارس والمعاهد التي أنشئت في الشام ومصر وتخرج فيها المعلمون الذين بعث بعضهم إلى فرنسة لإتمام تحصيلهم في مختلف العلوم. وكانت أولى البعثات عام 1826 في عهد محمد علي باشا، إذ اختير أربعة وأربعون طالباً من طلبة الأزهر، رأسهم رجل النهضة الكبير رفاعة الطهطاوي (1801-1873م). وقد عمل هؤلاء المبعوثون بعد عودتهم، وكل في نطاق اختصاصه، في ميداني الترجمة والتعليم. ثم توالت البعثات فيما بعد، فشملت عدداً من البلدان الأمريكية والأوربية. الترجمة: كان لترجمة الكتب الفرنسية والإنكليزية إلى العربية أثر كبير في النهضة الأدبية. وقد بدأت حركة الترجمة في بلاد الشام على يد بعض رجال البعثات الدينية، إذ ترجم هؤلاء بعض الكتب التي احتاجوا إليها في التدريس. لكن حركة الترجمة لم تقو وتتنوع إلا بعد عودة رجال البعثة المصرية الأولى الذين بدؤوا بترجمة بعض الكتب العلمية. ويعود الفضل الأكبر في تنشيط هذه الحركة إلى الطهطاوي الذي أنشأ «مدرسة الألسن» عام 1835. وقد عنيت هذه المدرسة بتعليم اللغات الأجنبية المختلفة، وترجم خريجوها مئات الكتب والقصص والمسرحيات. وشارك السوريون واللبنانيون بقوة في تلك الحركة، ولاسيما بعد أن هاجر بعضهم إلى مصر، مثل: نجيب الحداد، وبشارة شديد، وطانيوس عبده...حتى بلغ عدد الكتب المترجمة نحواً من ألفي رسالة وكتاب. ثم اتسع نطاق الترجمة بازدياد مطرد وما زال يتسع حتى اليوم إذ تشمل المترجمات أهم روائع الأدب العالمي في سائر اللغات الأجنبية الحية. الطباعة: أنشئت أول مطبعة بحروف عربية في إيطالية عام 1514م، وطبع فيها بعض الكتب الدينية كسفر الزبور، ثم طبع القرآن في البندقية. أما في البلاد العربية فأول مطبعة أنشئت فيها كانت في حلب سنة 1706م، ثم تلتها مطبعة الشوير بلبنان سنة 1734م ثم أنشئت مطبعة في بيروت سنة 1751م. ولما قام نابليون بحملته على مصر سنة 1798م أحضر معه مطبعة مزودة بحروف عربية ولاتينية، وقد استخدمها لطبع المنشورات والصحف الخاصة بالحملة. وبعد انتهاء الغزو جعل محمد علي تلك المطبعة نواة للمطبعة الأهلية التي أسسها عام 1821م والتي عرفت فيما بعد باسم «مطبعة بولاق»، وطبعت فيها الكتب الدراسية والكتب المؤلفة والمترجمة. وبعد أربعين سنة بدئ بإنشاء مطابع أهلية كان أقدمها مطبعة «وادي النيل» ومطبعة «جمعية المعارف». كذلك تأسست في بيروت «المطبعة الأمريكية» عام 1834، ثم تلتها «مطبعة الآباء اليسوعيين» عام 1848، ثم مطبعة «الجوائب» التي أنشأها أحمد فارس شدياق [ر] في الآستانة عام 1861. وقد نشرت كتب كثيرة في هذه المطابع، وبينها عدد من المعاجم العربية القديمة وطائفة من كتب الأدب ودواوين الشعر القديم إلى جانب أمهات كتب التاريخ. وقد تزايد عدد المطابع منذ مطلع القرن العشرين وتطور نوعها وأصبح أكثرها آلياً حتى لم يخل بلد عربي من مطبعة رافقت تكاثر عدد الصحف والمجلات. حركة إحياء التراث: كان من أثر الاتصال بالغرب، وابتداء الاستقاء من ثقافته، وما رافق ذلك من استشراق أو استغراب، أن تنبهت العقول إلى ضرورة إحياء التراث العربي ونشره. وقد أنشا علي مبارك [ر] جمعية لنشر المخطوطات العربية القديمة برئاسة الطهطاوي. وفي عام 1898 تألفت جمعية أخرى للعناية بنشر كتب التراث، وكان من أعضائها أحمد تيمور [ر] وحسن عاصم وعلي بهجت. وقد أفادت حركة إحياء التراث مما سبقها إليه المستشرقون في ما نشروه من كتب التراث العربي، إذ عرف عن هؤلاء منهجهم العلمي في تحقيق المخطوطات، ومراجعة أصولها، وموازنة بعضها ببعضها الآخر، كما إنهم أخرجوا ما نشروه في طبعات أنيقة مزودة بالتعليقات المفيدة والفهارس الدقيقة. ولايزال نشاط حركة إحياء التراث في تصاعد مستمر بفضل ازدياد الوعي بضرورة معرفة التراث معرفة صحيحة وشاملة، وتمثل خير ما فيه تمثلاً موضوعياً مفيداً. الصحافة: كان لإنشاء المطابع، وانتشار الطباعة أثر واضح في ظهور الصحافة. ومن المتفق عليه أن الصحافة العربية ظهرت في مصر قبل غيرها من البلاد العربية، وكان ذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فقد أنشأ نابليون عام 1800م جريدة «التنبيه» وأصدرت البعثة العلمية الفرنسية سلسلة تاريخية قام بتحريرها إسماعيل الخشاب. فلما جاء محمد علي أصدر أول صحيفة عربية سنة 1822م هي «جرنال الخديوي» بالعربية والتركية ثم أصدر جريدة «الوقائع المصرية» سنة 1828م، باللغتين العربية والتركية ثم اقتصرت على اللغة العربية. وقد تداول رئاسة تحريرها بعض كبار الأدباء منهم الطهطاوي وحسن العطار والشدياق ومحمد عبده [ر] وعبد الكريم سلمان. وتلتها «المبشر» التي أصدرها الفرنسيون في الجزائر عام 1847م وكانت تصدر مرتين في الشهر، وكان حجمها كبيراً وعباراتها ضعيفة. ثم توقفت الصحافة في مصر وظهرت في سورية، أولاً على يد الإرساليين الأمريكيين إذ أصدروا نشرة دينية عام 1851م كانت تخرج مرة في السنة، ثم مرة كل أربعة أشهر، ثم احتجبت عام 1855م، وفي هذه السنة أنشأ رزق الله حسون في اصطنبول «مرآة الأحوال» وهي أول جريدة عربية سياسية خاصة، لكنها لم تستمر بعد السنة إلا قليلاً، وأنشئت بعدها جريدة «السلطنة» في الآستانة لجورج شلهوب عام 1857م، ثم «حديقة الأخبار» في بيروت عام 1858م لخليل خوري، وظلت تصدر بعد وفاته حتى عام 1909م. وقد ازدهرت الصحافة العربية بظهور «الجوائب» للشدياق في اصطنبول عام 1860م واستمرت حتى عام 1884م. وفي عام 1861 صدرت في تونس صحيفة «الرائد التونسي» وهي جريدة رسمية،ثم أنشأ المعلم بطرس البستاني [ر] «نفير سورية»، وابنه سليم «الجنة» ثم «الجنينة» عام 1871م. وفي عام 1866م أنشأ عبد الله أبو السعود في القاهرة الصحيفة السياسية «وادي النيل». وفي بغداد أنشئت «الزّوراء» عام 1868م، ثم ظهرت عام 1870م في بيروت صحيفة «البشير» على أيدي الآباء اليسوعيين. وقد ساعدت هجرة بعض السوريين إلى مصر على ازدهار الصحافة فظهرت بعض الجرائد منها «الكوكب الشرقي» لسليم حموي عام 1873م، و«الأهرام» للأخوين سليم وبشارة تقلا [ر] عام 1876م في الاسكندرية، ثم نقلت إلى القاهرة ولاتزال تصدر حتى اليوم، ثم «الوطن» لميخائيل عبد المسيح عام 1877م، وفي السنة نفسها صدرت «لسان الحال» في سورية لخليل السكاكيني، وفي عام 1880م صدرت «المصباح» لنقولا نقاش ثم عُطلت عام 1908م، و«المحروسة» لأديب إسحق [ر] وسليم النقاش [ر]، وفي عام 1885 صدرت جريدة «الموصل» في العراق، وفي هذه السنة نفسها أصدرت جمعية الفنون الإسلامية في بيروت «ثمرات الفنون» برئاسةالحاج سعد الدين حمادة، وإدارة صاحب امتيازها عبد القادر القباني، وظلت تصدر حتى 1908م، ثم «المقطم» عام 1888م لفارس نمر [ر] ويعقوب صرّوف [ر] وفي هذه السنة صدرت كذلك «المؤيد» لعلي يوسف وأحمد ماضي، ثم «اللواء» عام 1900 لمصطفى كامل [ر]، ثم توالت الجرائد بعد ذلك في شتى البلاد العربية. أما في المهاجر الأمريكية فأول جريدتين عربيتين ظهرتا هناك هما «كوكب أمريكا» لنجيب عربيلي وأخيه عام 1888م في نيويورك، ثم «الفيحاء» لسليم ودعيبس بالش عام 1894م في سان باولو - البرازيل - وتوالت بعدهما جرائد كثيرة منها في أمريكة الشمالية «مرآة الغرب - المهاجر - الدليل السائح» ومنها في أمريكة الجنوبية «الميزان - الأصمعي - الزمان - الشرق - الإصلاح» وغيرها. أما المجلات فأقدمها «اليعسوب» التي أصدرها محمد علي الحكيم وإبراهيم الدسوقي، في القاهرة عام 1865م، وهي أو مجلة طبية، ثم «الجنان» لبطرس البستاني في بيروت 1870م، وهي علمية أدبية سياسية كانت تصدر في الشهر مرتين وفي السنة نفسها صدرت «النحلة» للويس الصابونجي في بيروت، وهي أدبية علمية انتقادية، ثم «روضة المدارس» في القاهرة أنشأها نخبة من العلماء والأدباء منهم عبد الله فكري [ر] وإسماعيل الفلكي وبدر الحكيم بإيحاء من علي مبارك وبإشراف الطهطاوي، وهي مجلة علمية تاريخية طبية، ثم أصدر يعقوب صروف وفارس نمر «المقتطف» في بيروت 1876م ثم نقلت إلى القاهرة عام 1886م. وهناك مجلات أخرى كثيرة أشهرها في مصر «الهلال» لجرجي زيدان [ر] وقد أنشئت عام 1892م، وطبع في مؤسستها كتب كثيرة تاريخية وأدبية أشهرها روايات مؤسسها عن تاريخ الإسلام، وتلتها «التنكيت والتبكيت» و«الأستاذ» عام 1892م وكلتاهما لعبد الله نديم [ر] وتوالى بعد ذاك ظهور مجلات كثيرة كمجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1921م، ثم «الأديب والكاتب والثقافة والآداب» وغيرها، وبعضها خاص بالمرأة مثل «العروس» لماري عجمي [ر] وقد ظهرت عام 1910م، و«المرأة» لنديمة المنقاري في سورية عام 1934م وغيرها كثير. وفي المهجرين الشمالي والجنوبي صدرت مجلات كثيرة أشهرها في نيويورك «الفنون» لنسيب عريضة عام 1913م و«السمير» لإيليا أبو ماضي عام 1929م. وفي سان باولو - البرازيل - صدرت عام 1930م «الأندلس الجديدة» لشكر الله الجر، ثم «العصبة» لجمعية العصبة الأندلسية عام 1935م. ومن الملاحظ أن الصحف العربية كانت في أوائلها ركيكة العبارة، يطغى على أسلوبها المحسنات البديعية من سجع وجناس وطباق، ثم لان أسلوبها، وابتعد كتّابها عن الزخرف والحشو، وتوخوا تأدية المعاني بدقة وبساطة ووضوح فأضحت لغتهم وسطاً بين الفصحى والعامية. المدارس والجامعات: سبق تأسيس المدارس والجامعات في مصر وبلاد الشام نظيره في الأقطار العربية الأخرى، وكان التعليم في مصر قبل محمد علي باشا مقصوراً على الكتاتيب وعلى الجامع الأزهر الذي أصبح في عام 1936 جامعة تضم كليتي «الشريعة وأصول الدين» و«اللغة العربية». وبعد عام 1961 أضيفت إليه كليات العلوم الحديثة المتنوعة. ومن الأزهر اختيرت أولى البعثات إلى فرنسة أيام محمد علي، وفي عهده أنشئت المدرسة الحربية ومدرسة الطب. وفي عهد الخديوي إسماعيل أنشئت مدارس الحقوق والمعلمين والعلوم والفنون والصناعات ودار العلوم العالية. وهكذا تدرج التعليم من الابتدائي إلى الثانوي، ولاسيما بعد عودة رجال البعثة الأولى من فرنسة، ثم عني المسؤولون بالتعليم العالي فأنشئت «الجامعة المصرية» في القاهرة عام 1908، وتوالى بعد ذلك إنشاء الجامعات الأخرى في القاهرة والإسكندرية وأسيوط وغيرها. أما في بلاد الشام فكانت مدارس البعثات الدينية أسبق من غيرها، ثم كثرت المدارس وتنوعت بين أهلية وأجنبية، فكان منها في لبنان مدرسة «عينطورة» التي أسسها الآباء العازاريون سنة 1834، ومدرسة «عبيّة» العالية التي أسست عام 1847، وأدارها المستعرب الأمريكي كرنيليوس فان دايك Cornelius Van Dyk ومدرسة «غزير» التي أنشأها اليسوعيون في العام ذاته. وفي عام 1860 أنشئت «المدرسة الإنكليزية» وهي أول مدرسة للبنات، ثم «الكلية الإنجيلية الأمريكية» للبنات عام 1861. وتوالت بعد ذلك مدارس البنات للراهبات العازاريات وراهبات المحبة و«زهرة الإحسان» للروم الأرثوذوكس... وسواها. أما أولى المدارس الوطنية الخاصة فقد أنشأها المعلم بطرس البستاني عام 1863 تحت اسم «المدرسة الوطنية» كما أنشأ المطران يوسف الدبس «مدرسة الحكمة» عام 1865. وفي عام 1866 أنشأت الإرسالية الأمريكية في بيروت كلية تخرج فيها طائفة من العلماء والمتعلمين ثم أصبحت هي ذاتها «الجامعة الأمريكية» الحالية. وكانت تدرس أولاً باللغة العربية ثم عدلت عنها إلى الإنكليزية. وفي عام 1874 نقل اليسوعيون مدرستهم من غزير إلى بيروت وأصبحت «الكلية اليسوعية» وكانت هي أيضاً تدرس بالعربية ثم عدلت عنها إلى الفرنسية. وفي سورية كان التعليم أول الأمر دينياً يتم في الزوايا والمساجد، وكان الجامع الأموي أكبر المدارس الإسلامية وأقدمها. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر أخذت المدارس الابتدائية تنتشر في دمشق وحمص وحماه وحلب وسواها. ثم أنشئت في عام 1901 مدرسة للحقوق أضحت فيما بعد «كلية الحقوق»، وأنشئ «المعهد الطبي العربي» فكان منهما نواة الجامعة السورية بعد الحرب العالمية الأولى (جامعة دمشق اليوم). الجمعيات الأدبية: أسست في العصر الحديث جمعيات كثيرة كان لها دور بارز في إذكاء روح النهضة. ومن هذه الجمعيات ما هو أدبي، وما هو علمي، وما هو سياسي. والمعول عليه هنا الأدبية، وإن أسهمت الجمعيات الأخرى إسهاماً غير مباشر في النهضة الأدبية. وسبقت بلاد الشام مصر وغيرها في هذا المضمار، إذ تأسست «الجمعية السورية» في بيروت عام 1847 على يد الإرساليين الأمريكيين، وكان هدفها نشر العلوم وترقية الآداب والفنون.وقد أربى أعضاؤها على الخمسين منهم بطرس البستاني وناصيف اليازجي، وقد زودت هذه الجمعية بمكتبة. ثم تأسست «الجمعية العلمية السورية» في بيروت وبلغ عدد أعضائها مئة وخمسين من مختلف مدن الشام إضافة إلى بعض المصريين، وظلت هذه الجمعية تعمل حتى عام 1868. ثم أنشئت في بيروت «جمعية زهرة الآداب» عام 1873 وكان من أعضائها نفر من الأعلام بينهم: سليمان البستاني، وأديب إسحاق، ويعقوب صروف، وفارس نمر، وإبراهيم اليازجي. وكان هدفها التمرس بالخطابة والبحث وكتابة الروايات والمسرحيات التي كان يمثلها الأعضاء أنفسهم. وقد توقفت في عهد السلطان عبد الحميد. ويضاف إلى هذه الجمعيات أندية وجميعات أخرى تأسست في أشهر حواضر بلاد الشام. أما في الآستانة - عاصمة السلطنة - فقد تأسس «المنتدى الأدبي» الذي اتخذ أعضاؤه من النشاط الأدبي واجهة للعمل السياسي القومي العربي. وأشهر الجمعيات في مصر «جمعية المعارف» أنشأها محمد عارف عام 1868 لنشر الثقافة وإحياء التراث. وقد نشرت كثيراً من كتب التاريخ والفقه والأدب وبلغ عدد أعضائها ستين وستمئة منهم: إبراهيم المويلحي والشدياق ومحمد شافعي ومصطفى رياض باشا وسواهم. وتلتها جمعيات ومنتديات كثيرة، منها «جمعية مصر الفتاة». وكان من أعضائها جمال الدين الأفغاني [ر] وأديب إسحاق وعبد الله النديم، وكان لتعلم المرأة أثر في ظهور بعض الجمعيات والنوادي النسائية التي عنيت بقضايا المرأة إضافة إلى اشتغالها بالنشاط الأدبي المرتبط بتلك القضايا. وفي المهجرين الأمريكيين: الشمالي والجنوبي أنشأ المهاجرون العرب أعداداً من الجمعيات والنوادي الأدبية، أشهرها في المهجر الشمالي «الرابطة القلمية» التي تأسست في نيويورك عام 1920، ورأسها جبران خليل جبران [ر] وكان ميخائيل نعيمة [ر] أميناً للسر فيها. أما في المهجر الجنوبي فقد تأسست «العصبة الأندلسية» في البرازيل عام 1933 ورأسها ميشال المعلوف أولاً ثم رشيد سليم الخوري الشاعر القروي ثم شفيق معلوف. ثم تأسست «الرابطة الأدبية» في الأرجنتين عام 1949 برئاسة جورج صيدح، ولكنها لم تعمر إلا عامين إذ حلت بعودة رئيسها إلى وطنه سورية. المجامع اللغوية: ساعدت هذه المجامع على خدمة اللغة والأدب والتراث العربي مساعدة طيبة. وأقدمها هو «المجمع العلمي العربي» تأسس في دمشق عام 1919، بجهود محمد كرد علي ورئاسته. وقد عني هذا المجمع بوضع المصطلحات العلمية الحديثة، وتصحيح الأخطاء اللغوية الشائعة، ونشر كتب التراث، وضم أعضاء دائمين من سورية وأعضاء مراسلين من البلاد العربية الأخرى ومن المستعربين ومنذ عام 1958 غدا اسمه «مجمع اللغة العربية». وفي القاهرة تأسس «مجمع فؤاد الأول للغة العربية» عام 1932، وصار اسمه فيما بعد «مجمع اللغة العربية» وبعد ذلك تأسست مجامع أخرى مشابهة في عدد من الأقطار العربية كالعراق والأردن والسودان والمغرب وسواها. المكتبات: من المكتبات المهمة ما هو عام وما هو خاص. وأشهر هذه المكتبات وأقدمها «دار الكتب الخديوية» التي أنشأها علي مبارك في القاهرة عام 1870، ثم «المكتبة الظاهرية» التي تأسست في دمشق عام 1878 أيام حكم الوالي مدحت باشا وأشرف على جمع كتبها ومخطوطاتها النفيسة الشيخ طاهر الجزائري [ر]، ثم «المكتبة الأزهرية» التابعة للجامع الأزهر في القاهرة، وقد تأسست عام 1879 بعد أن ازدادت ثروة الجامع الأزهر من الكتب. ومن أشهر المكتبات الخاصة «الخزانة التيمورية» لأحمد تيمور، و«الخزانة الزكية» لأحمد زكي. وتمتاز هذه الأخيرة من سواها باحتوائها الكتب الأجنبية التي ألفها المستشرقون بالفرنسية والإنكليزية والألمانية وغيرها من اللغات. وأخيراً هناك «المكتبة الآصفية» لمحمد آصف ابن أخت أحمد تيمور. وفي بيروت تأسست «المكتبة الشرقية» للآباء اليسوعيين، ومكتبة «الجامعة الأمريكية». وفي العراق مكتبات «الكاظمية» و«كربلاء» و«النجف» و«الحلة» و«الساوة» و«بغداد». وفي المدينة المنورة مكتبة «عارف حكمت». وفي تونس «المكتبة الصادقية» وفي الجزائر «مكتبة الجزائر الأهلية» وفي الرباط «الخزانة العامة». وفي عام 1978 أنشئت مكتبة الأسد الوطنية في دمشق لتصبح أحدث وأهم مكتبة في الوطن العربي بما تحويه من نفائس الكتب، وما تستخدمه من تقنيات حديثة في الأرشفة والحفظ والإعارة، كما تهتم بجمع كل مايصدر من النتاج الأدبي والفكري العربي وما يتعلق بالثقافة العربية على وجه الإجمال. المسرح والتمثيل: تعد المسارح والتمثيل من العوامل المهمة المساعدة في تنشيط الأدب ونهضته. وقد عرف العرب منذ قرون كثيرة فن «خيال الظل». لكن الباحثين يجمعون على أن المسرح العربي بمعناه الفني قد ولد في لبنان في منتصف القرن التاسع عشر حين نقل مارون النقاش [ر] مسرحية «البخيل» لموليير إلى العربية ومثلها في بيته عام 1848 بعد أن كان قد اطلع على المسرح والتمثيل في أوربة. ثم أخذ بعدها بتأليف المسرحيات وتمثيلها، وقد جمعت مسرحياته في كتاب «أرزة لبنان»، وكانت لغته فيها أقرب إلى العامية. وقد نظم خليل اليازجي [ر] مسرحية «المروءة والوفاء» ومثلت عام 1878. أما في سورية فقد تأثر أحمد أبو خليل القباني [ر] بمارون النقاش فألف ومثل أكثر من ستين مسرحية استوحاها من التاريخ العربي الإسلامي وقصص ألف ليلة وليلة، وأدخل فيها الشعر والموسيقى ولاسيما الموشح ورقص السماح. ومن تلك المسرحيات «هارون الرشيد» و«أنيس الجليس» و«ناكر الجميل» و«مجنون ليلى» و«الأمير علي». وانتقل إلى مصر ومعه جَوقة من الممثلين والمنشدين، فلقي ترحيباً هناك وعلت شهرته وكثر الآخذون عنه. واقتبس قصصاً عن الأدب الغربي.. وكان أسلوبه في أعماله مسجعاً وأقرب إلى الفصحى. وألف سليمان النقاش - ابن أخي مارون - فرقة تمثيلية هو الآخر وانتقل بها إلى الاسكندرية عام 1876 وترجم «أوبرا عايدة» واقتبس من بعض مسرحيات كورني وراسين، واشترك مع أديب إسحاق في تأليف المسرحيات التي شاركهما يوسف الخياط في تمثيل بعضها. ثم انتقل الخياط إلى القاهرة فمثل على مسرح دار الأوبرا مسرحية «الظلوم» التي حضرها الخديوي إسماعيل فأغضبته ظناً منه أن صاحبها يعرض به، فأمر بإخراجه من مصر. وكان المسرح قد بدأ في مصر عام 1869 على يدي يعقوب صنوع المعروف بأبي نظارة. وقد مثل اثنتين وثلاثين مسرحية من اقتباسه أو تأليفه عالج فيها بعض المشكلات الاجتماعية بأسلوب انتقادي تقرب لغته من العامية، منها تمثيلية «الوطن والحرية» التي أثارت غضب الخديوي إسماعيل فأمر بإغلاق مسرحه عام 1871، وألفت فرقة سليمان قرداحي ومعه سلامة حجازي [ر] عام 1882. وقد عمل حجازي مع أبي خليل القباني عند انتقاله إلى القاهرة عام 1884 كما عمل مع اسكندر فرح. وعلى أيدي هؤلاء ازدهر التمثيل الذي يجمع بين الجد والهزل والشعر والغناء وظل مسرحهم يعمل حتى عام 1900. ثم ألف جورج أبيض فرقته بعد أن عاد متخصصاً بهذا الفن من باريس عام 1910 فمثل مسرحية فرح أنطون «مصر الجديدة ومصر القديمة» التي كانت نقلة واسعة للمسرح باتجاه «المسرح الاجتماعي». وقد اتسم مسرح جورج أبيض بالجدية المأسوية واستمر حتى الحرب العالمية الأولى. وتابع المسرح في مصر تقدمه على يد يوسف وهبي [ر] الذي افتتح عام 1923 «مسرح رمسيس» ومثلت فرقته ما يقارب مئتي مسرحية كان بعضها مترجماً وبعضها الآخر من تأليفه أو تأليف غيره. ومن الملاحظ أن التمثيليات العربية آنذاك - معربة أو مؤلفة - كانت إما مأساة Tragédie وإما ملهاة Comédie، أما التمثيليات الهزلية الضاحكة Farce فقد عرفت تقدماً واضحاً مع نجيب الريحاني [ر] الذي تقمص شخصية «كشكش بك عمدة كفر البلاص» الذي يهرب من زوجه ويركض وراء النساء. وقد تعاون الريحاني مع بديع خيري في تأليف مسرحيات هزلية شعبية، أو ترجمتها، كما تعاون معه في تمثيلها وإخراجها. وقد أربت تلك المسريحات على أربعين وكانت ذات طابع تهكمي ساخر. وأنشأ علي الكسار المعروف باسم «بربري مصر» مسرحاً هزلياً إلى جانب مسرح الريحاني، وانضم إلى فرقته الممثل إسماعيل ياسين الذي استمر بعد أن أخفق الكسار وأغلق مسرحه. وجاء بعده ممثلون هزليون آخرون، لكن عددهم ظل - ولايزال - أقل بكثير من أعداد الممثلين الجادِّين. أما المسرح الغنائي فقد بدأه الشيخ سلامة حجازي، وجاء بعده سيد درويش [ر] فطور هذا المسرح ولحن له وشارك في تمثيليات عدة منها «فيروز شاه» و«العشرة الطيبة» و«شهرزاد» و«الباروكة». ثم توقف المسرح الغنائي مدة طويلة حتى ظهرت في بيروت «الفرقة الشعبية اللبنانية» التي أسسها وألف لها عاصي ومنصور الرحباني مشتركين مع عدد من كبار الفنانين ومؤلفي الزجل وعلى رأسهم فيلمون وهبي. وقد قدمت الفرقة مغنيات مسرحيات غنائية كثيرة أشهرها ما أخذت أدوار البطولة فيه المطربة الكبيرة فيروز (نهاد حداد) مثل: مسرحية «الشخص» و«فخر الدين» و«المحطة» و«بياع الخواتم». وهذه المسرحيات الغنائية - مع أنها تستخدم العامية لغة لها - ترقى إلى مصاف أرقى ما أنتجه المسرح العربي من حيث المشكلات المطروحة فيها وأساليب المعالجة وجمال الأداء وتفوق الموسيقى. ويمكن عدّ مسرح الرحابنة امتداداً متطوراً لمسرح سيد درويش. وفي المغرب برز اسم أحمد الطيب العلج. ومن أعماله «الوزير والفنان» و«بين نارين» وغيرهما. وهناك أسماء أخرى معروفة مثل عبد القادر البدوي، مصطفى القومي، وعبد الهادي بوزوبع، والطيب الصديقي، وعبد الكريم برشيد وغيرهم. وفي شبه الجزيرة العربية تأصلت الحركة المسرحية في الكويت بفضل إنشاء معهد الفنون المسرحية الذي كان أول عميد له أحد رواد المسرح العربي وهو زكي طليمات. وقد وجد المسرح في الكويت كاتباً موهوباً هو صقر الرشود 1944-1978 الذي استطاع على الرغم من رحيله المبكر، أن يترك للمسرح العربي تراثاً من الأعمال الجيدة مثل مسرحية «الطين» وسواها. وقد ترجمت المسرحية المذكورة إلى الإنكليزية ضمن مجموعة مختارة من أدب شبه الجزيرة العربية، صدرت عن مؤسسة بروتا برعاية جامعة الملك سعود. ومن الشارقة في الإمارات العربية المتحدة برز اسم عبد الرحمن المناعي الذي كتب مسرحية «هالشكل يا زعفران» و«مقامات ابن بحر» و«يا ليل يا ليل». وفي كتابة المسرحية - كما في القصة والرواية تبرز - مشكلة ذات أهمية بالغة تتعلق بلغة الحوار: أتكون فصحى أم عامية؟ أم يجمع فيها بين الاثنتين؟! لقد ربط بعض الكتاب والنقاد الحوار بالواقع وقالوا بوجوب أن يكون مشاكلاً له، مناسباً للشخصية التي تنطق به. لذلك حاول توفيق الحكيم - كما سبقت الإشارة - أن يزاوج بين الفصحى والعامية في مسرحية الصفقة مجرباً أن يصل إلى «لغة موحدة» تقرأ بالفصحى وبالعامية في آن واحد، لكن التجربة أخفقت إذ استحالت لغة تلك المسرحية عامية خالصة في أثناء التمثيل. وتردد محمود تيمور في مسرحياته بين استعمال الفصحى والعامية فكتب بعضاً بهذه وبعضاً بتلك، ثم عاد فنقل مسرحيته «أبو علي عامل أرتيست» من العامية إلى الفصحى وسماها «أبو علي الفنان». وجرب ميخائيل نعيمة أن ينطق شخصيات مسرحية «الآباء والبنون»: المتعلمين بالفصحى، والأميين بالعامية فوقع في ازدواجية أنكرها هو ذاته إذ عاد فطبع مسرحيته كلها بالفصحى. والواقع أن المشكلة ما تزال قائمة. فالمسرح التجاري في سورية يستعمل العامية المبتذلة، ومسرح ما بعد الحرب في لبنان يستعمل العامية على الرغم من أهمية الموضوعات المطروحة في كثير من الأعمال الجديدة. والمسرح الفكاهي في مصر يستخدم العامية المصرية كما في المسرحيتين المعروفتين «مدرسة المشاغبين» و«شاهد ما شافش حاجة». ولعل الحل يكمن في استخدام فصحى مبسطة يفهمها أبناء العروبة في مختلف أقطارهم لأن في ذلك حفاظاً على الروابط القومية وعلى اللغة العربية ذاتها. السيرة: ظهرت السيرة la biographie بمفهومها الفني في الأدب العربي الحديث، سواء منها: الموضوعي سير الآخرين biographie أم السيرة الذاتية autobiographie. وتم ذلك بعد الاتصال بالأدب الغربي وإن كانت في الأدب العربي القديم مذكرات وسيراً غلب عليها الجانب التقريري مثل» «التعريف بابن خلدون» و«كتاب الاعتبار» لأسامة بن منقذ، و«المنقذ من الضلال» للغزالي، و«سيرة صلاح الدين» لابن شداد وغيرها.والسير هي غير تراجم الشخصيات التي كثرت وتعددت بعد الحرب العالمية الأولى في الأدب العربي الحديث مثل «تراجم شخصيات شرقية وغربية» لمحمد حسين هيكل، و«في المرآة» لعبد العزيز البشري [ر]، و«سلسلة العبقريات» لعباس محمود العقاد، و«الجاحظ» لشفيق جبري، و«صقر الجزيرة» لعبد الغفور العطار وسواها الكثير، فهذه وسط بين السيرة وما عرف قديماً في كتب التراجم مثل معجم الأدباء لياقوت الحموي وغيره من الكتب المشابهة. وهي في أسلوبها دراسة للشخصيات وعرض لوقائع حياتها، لا تصوير فني للنزعات والخلجات التي تعتمل في نفوسها، وتمثل لها وإعادة لعرضها مع تتبع نموها وتطورها وتكاملها. وأول سيرة فنية موضوعية في الأدب العربي الحديث هي سيرة «جبران خليل جبران» وقد نشرت عام 1934 وقص فيها ميخائيل نعيمة سيرة حياة صديقه في مراحل ثلاث: «الشفق - الغسق - الفجر» واستوفى تلك الحياة محللاً ناقداً ومراعياً تقنيات السيرة الفنية. وقد مضى على هذه السيرة زمن طويل من دون أن تكتب سيرة أخرى مماثلة لها. ولعل أقرب ما يكون إليها: «حياة الرافعي» لسعيد العريان، ثم «منصور الأندلس» لعلي أدهم. وقد جرب العقاد أن يكتب سيرة ابن الرومي مستخدماً معطيات علم النفس والتحليل النفسي في ذلك. أما ما يتصل بالسيرة الذاتية فمنها ما يقارب السيرة الفنية، وتجلى في تناول جوانب من حياة بعض الكتاب الذين تحدثوا عن تجاربهم في الحياة كما فعل أحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على الساق» وتوفيق الحكيم في «عصفور من الشرق» و«زهرة العمر»، وعباس العقاد في «سارة»، وإبراهيم عبد القادر المازني في «إبراهيم الكاتب». وامتازت هذه كلها بأسلوب القص. لكن بعض السير الأخرى كتبت بأسلوب تقريري فكانت أقرب إلى التراجم كما في «حياتي» لأحمد أمين و«أنا» للعقاد. وكتب أيضاً ما يشبه السيرة الذاتية بقالب مذكرات أو يوميات، كما في مذكرات كل من محمد كرد علي، ومحمد حسين هيكل، وخليل السكاكيني، و«مذكرات سجين مكافح» لإبراهيم الكتاني المغربي. ولعل «الأيام» لطه حسين التي صدرت في القاهرة منذ عام 1927 هي أول سيرة ذاتية فنية، مع أنها يمكن أن تدرج في إطار الرواية. وقد قص الكاتب فيها - مستخدماً ضمير الغائب - نشأته في صعيد مصر وتدرجه في تحصيل العلم: من كتاب الريف إلى الأزهر فالجامعة في القاهرة. ثم تابع طه حسين قص المراحل التي تلت ذلك في باريس وبعد عودته منها في جملة مقالات نشرت من بعد في كتاب حمل اسم «مذكرات طه حسين». ومن السير الذاتية التي قاربت أن تكون فنية «سبعون» لميخائيل نعيمة، وتقع في ثلاثة أجزاء قص فيها سيرته الذاتية في ثلاث مراحلة ضمت: مرحلة الطفولة والصبا حتى نهاية دراسته في روسية - مرحلة الشباب والهجرة إلى أمريكة حتى عودته إلى لبنان - مرحلة الكهولة والشيخوخة بعد العودة حتى بلغ السبعين. ونعيمة، وإن أغفل كثير من وقائع حياته قبل السبعين، امتاز هنا بأسلوبه التصويري، وصدقه في التعبير. ومع هذا فقد جاءت سيرته فصولاً متتابعة تفتقر إلى الترابط في كثير من أجزائها، كما ينقصها بعض تقنيات السيرة الفنية المتوافرة في ما كتبه عن جبران. النقد الأدبي: حاول بعض رجال الأدب منذ أواخر القرن التاسع عشر تجديد النقد الأدبي وتطبيق القواعد التي كانت سائدة في العصر العباسي على الشعر خاصة. وأول هؤلاء هو حسين المرصفي الذي ألف كتاب «الوسيلة الأدبية» - طبع الجزء الأول منه عام 1289هـ والثاني عام 1292هـ - وشرح فيه بعض النصوص الشعرية القديمة لطلابه شرحاً لغوياً واتخذ من النحو والبلاغة وسيلة لإيضاح الصور والإرشاد إلى أسرار بلاغة النص موازناً بينه وبين بعض قصائد البارودي التي عارض فيها الشعراء القدامى، معتمداً في ذلك كله على ذوقه الفني المرهف. وهكذا مهد السبيل لمن جاء بعده لتجديد النقد. وتلا كتاب المرصفي هذا كتابان نقديان الأول هو «علم الأدب عند الإفرنج والعرب» طبع عام 1904 لمحمد روحي الخالدي، والثاني هو «منهل الورّاد في علم الانتقاد» لقسطاكي الحمصي وطبع عام 1907. وكان لهذين الكتابين أثر مهم في التمهيد للحركة النقدية، وإن اقتصرا على إطلاع الأدباء العرب على بعض المذاهب والقضايا الأدبية الغربية. ثم ظهرت كتب نقدية كان أسبقها كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين اعتمد فيه نظرية ديكارت Descartes «الشك حتى يتضح اليقين» فلقي معارضة شديدة اضطرته إلى حذف بعض فقراته وتعديله، وقد نشر تحت عنوان «في الأدب الجاهلي» عام 1926. وقد شك طه حسين في ما روي عن الجاهليين وشعرهم. وبعد البحث والمناقشة توصل إلى نتيجة مفادها أن معظم الشعر الجاهلي منتحل وموضوع بعد الإسلام. وقد رد عليه كثير من النقاد وخاصة مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تحت راية القرآن، أو المعركة بين القديم والجديد، ونشره عام 1926. ومن كتب طه حسين النقدية «حديث الأربعاء» و«من حديث الشعر والنثر» و«فصول الأدب والنقد» وغيرها. وقد نشرت إلى جانب ذلك كتب ومقالات مترجمة عن النقد الغربي وقواعده وأصوله ومذاهبه، ومن أبرزها ما كتبه نجيب الحداد وغيره في الموازنة بين الشعر الغربي والشعر العربي في اللفظ والقافية والمعنى، وكان هذا كله دافعاً لبعض الشعراء للخروج على تقاليد الشعر القديم. وكذلك نشرت مقالات وكتب كثيرة بعد أن قرأ النقاد العرب ما قرؤوه بالفرنسية والإنكليزية وتأثروا به. وقد نشأ عن ذلك تيار النقد الاتباعي، أي الكلاسيكي الجديد، وخاصة في مفهومه للشعر الذي يجمع بين آراء الغربيين، ويتفق - في الوقت ذاته - مع رسالة الشعر وجوهره وحسبما هو معروف عند العرب. وظهر كتاب «الديوان» لعباس العقاد والمازني،وكتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة، وصدرا في سنة واحدة 1921 واتفقت وجهات النظر فيهما على ضرورة تجديد الأدب بالهدم ثم البناء، كما اتفقت على معظم القيم النقدية الجديدة، ولاسيما صدق التعبير عن حقيقة النفس، والدعوة إلى وحدة القصيدة، وإن اختلف نعيمة مع صاحبي «الديوان» في اللغة - وسيلة الأداء - لكن كلا الطرفين ينتميان في النهاية إلى المنهج التأثري الذاتي. وفي الأربعينات نشطت الحركة النقدية فصدرت كتب كثيرة كان أبرزها كتاب «في الميزان الجديد» لمحمد مندور، استهدف فيه تصحيح مناهج النقد، واتبع ذلك بتفسير نصوص تطبيقية تناول فيها نقد بعض الكتب وهي «بغماليون» و«زهرة العمر» لتوفيق الحكيم، و«دعاء الكروان» لطه حسين، و«نداء المجهول» لمحمود تيمور، و«سوء تفاهم» لبشر فارس وديوان «أرواح وأشباح» لعلي محمود طه. وكذلك قام محمد مندور بنقد أدب المهجر وسماه «الأدب المهموس» وعرض لبعض مناهج النقد العربي القديم، ولدراسة أوزان الشعر الأوربي والشعر العربي وقد سمي منهجه في هذا الكتاب «المنهج الأيديولوجي» وهو يعنى فيه بقيمة الأدب الجمالية إلى جانب اهتمامه بالمضمون، ويوضح منهجه في تطبيقه على أبي العلاء المعري، المعرفة والنقد، وهو منهج ذوقي تأثري يقوم على نوعين من المعرفة: معرفة أثناء النقد وهي المعرفة الأدبية اللغوية، ومعرفة تسبق النقد وهي نوعان: معرفة بأصول النشر - فيما يتعلق بالمخطوطات، ومعرفة بأوزان الشعر. والواقع أن الكتب الثلاثة السابقة، أي «الديوان» و«الغربال» و«في الميزان الجديد» تعد أبرز معالم النقد العربي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، ويتفق أصحابها في المنهج التأثري المعتمد على الذوق الشخصي، وترجع في أصولها إلى منابع الثقافة الغربية الإبداعية الرومانسية التي نهل منها هؤلاء وإن كان العقاد والمازني ونعيمة قد تأثروا بالثقافة الإنكليزية في حين تأثر مندور بالثقافة الفرنسية. إلى جانب الكتب السابقة التي تناولت الشعر والنثر والمقاييس النقدية ظهر في مصر عام 1948 كتاب خاص بنقد الشعر هو «الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث» لمصطفى السحرتي عرض فيه لمذاهب النقد الفني والواقعي والفقهي، ولمقاييس النقد الفني للتجربة الشعرية، فتناول الصياغة، والأخيلة، والموسيقى، والأسلوب، والألفاظ، والوحدة الشعرية، والانفعالات، والفكر في الشعر... ثم تطرق إلى الشعر الرمزي، وتحدث عن بعض الكتب النقدية مثل «الديوان» للعقاد والمازني، و«على السفود» للرافعي و«حديث الأربعاء» لطه حسين و«في الميزان الجديد» لمندور، كما تعرض لبعض الشعراء المعاصرين في ضوء المذاهب الأدبية والنقدية والاتباعية والإبداعية والواقعية مستهدفاً نهوض الأدب المعاصر وإنصاف الموهوبين لا انتقاصهم، وشمولية النظرة إلى العمل الأدبي والعناية بالتيارات الجديدة مثل الرمزية symbolisme والسريالية surréalisme والواقعية réalisme. أما سائر الكتب النقدية التي يصعب إحصاؤها فيمكن ردها إلى التأثر ببعض المناهج والاتجاهات السابقة وإن تنوعت ميادينها وآفاقها. وقد دفعت حركة الشعر الجديد شعر التفعيلة إلى إنشاء نقد يسوغها ويتابع جديدها ويبين ما في صورها ولغتها من حداثة يعاد تأصيلها في ماضي الشعر العربي ومن أبرز الكتب التي ظهرت في مصر حول هذه الحركة كتاب محمد النويهي «قضية الشعر الجديد». وقد لقيت هذه الحركة متابعات واسعة في مختلف أقطار الوطن العربي. ومن جهة أخرى فإن ازدهار الرواية أنشأ هو الآخر حركة نقدية حولها أخذت تتسع منذ الستينات. وكان للترجمة وللاطلاع الواسعين على المناهج النقدية الجديدة في الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين آثار كبيرة في استخدام تلك المناهج واقعية اشتراكية - بنيوية - تفكيكية.. إلى آخره في نقد النتاج العربي الجديد فكثرت الكتب الموضوعة حول ذلك إذ طبقت المناهج المذكورة على هذا النتاج الجديد بنجاح أو إخفاق، كما وضعت الكتب التي تعرف بهذه المناهج مستنسخة إياها من مصادرها الأوربية بتعديل أو من دون تعديل. وبالمقابل ظهرت حركة تحتفي بإحياء نظريات النقد العربي القديم ومناهجه وخصوصاً منهج الجرجاني، وكتبت في ذلك كتب تؤرخ لتلك المناهج وتقارن بينها وبين المناهج الغربية. ومن أهم أسماء النقاد الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين: لويس عوض وغالي شكري ومحمود أمين العالم ومحمد أحمد عطية من مصر،ومحمد برادة ومحمد بنيس من المغرب، وإحسان عباس من فلسطين، وناصر الدين الأسد من الأردن، ومحمد كامل الخطيب ومحي الدين صبحي وجمال باروت وغيرهم من سورية، وحسين مروة وغيره من لبنان. ولا يخلو قطر عربي من نقاد متابعين - في الصحف والمجلات أو الكتب - لأغلب مايصدر من أعمال متنوعة على كثرتها، وتشكل نتاجات أساتذة الجامعات وأطروحات الماجستير والدكتوراه كتباً نقدية لا يمكن إغفالها كما لا يمكن حصرها وحصر أسماء أصحابها لكثرتهم وكثرة نتاجهم على أهميته. على أن الحركة النقدية العربية إجمالاً لا تزال بعيدة عن استنباط مناهج جديدة تلائم ما للغة العربية وأساليبها التعبيرية من خصوصية، وما للثقافة العربية الموروثة من سمات تتجلى - ضرورة - في النتاج الجديد معبرة عن استمرار روحية هذه الثقافة وفعلها الحي في الأدب العربي المعاصر. تطور النثر العربي الحديث وأساليبه: يتضح مما تقدم أن أنواعاً نثرية جديدة ظهرت في الأدب العربي الحديث لم تكن معروفة على هذا النحو من قبل، وهي: المقالة - القصة - الرواية - المسرحية - السيرة، وأن الكتاب تناولوا في هذه الفنون موضوعات جديدة اقتضاها العصر الحديث منها: الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية خاصة. وأن أساليب الكتاب في كل منها ظل متسماً بالطابع الأدبي الصرف على الرغم من التأثر بأسلوب الصحافة من حيث المرونة والبعد عن التكلف والمحسنات البديعية كما كان شائعاً قبل القرن التاسع عشر. وفي إطار الحديث عن النثر تذكر الأبحاث الفكرية التي تتناول قضايا التراث وإعادة قراءته وقضايا العصر العالمية والقومية والمحلية، إضافة إلى قضايا العلوم المعاصرة.. وما إلى ذلك. وقد كان للاستعمار ثم للتبعية الاقتصادية في الوطن العربي آثار مهمة في دفع الكتاب جميعاً للإسهام بأعمالهم الأدبية والفكرية - في الدعوة إلى التحرر والوحدة القومية ومحاربة الظلم ودفع الاستبداد في المراحل المختلفة من القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد عالج الكتاب مشكلات مجتمعاتهم العربية وأمتهم على اختلافها وتنوعها ونبهوا إلى المفاسد العامة الناجمة عنها ودعوا إلى الإصلاح أوالثورة، كل بحسب اتجاهه ورأيه. وفي مقدمة المشكلات التي تطرق إليها الكتاب هنا: الفقر والجهل وتحرر المرأة الذي لقي عناية خاصة هدفت إلى إطلاق طاقات «نصف المجتمع» وزجها في المعركة القومية التحررية الحضارية. وطبيعي أن تكون أساليبهم طيعة لينة يستطيع جميع المعلمين أن يتلقوا ما فيها بيسر ووضوح. وكانت الصحافة هي الميدان الأكثر رحابة لعرض المشكلات وإبداء الرأي فيها، وكان لذلك أهم الأثر في الليونة والتطويع المذكورين. أما الأبحاث الفكرية على اختلافها فهي - ضرورة - موجهة لذوي الثقافة العالمية وللمهتمين أو المتخصصين. ولذلك فهي تلتزم حدوداً من أساليب التعبير لا يمكنها النزول دونها. وفي الموضوعات الأدبية الصرف اتسعت تجارب الكتاب الإنسانية فتنوعت المضامين تبعاً لها. فإلى جانب الأغراض القديمة كثرت العناية بالوصف، وبوصف الطبيعة خاصة، والإعراب عن المشاعر النفسية المختلفة تجاهها من حزن وفرح وتشاؤم وتفاؤل مع مزج ذلك كله بوصف الطبيعة أحياناً كما يفعل الإبداعيون. وقد عني كثير من الأدباء بالتعبير عن موضوعات إنسانية وفلسفية عامة متأثرين بما اطلعوا عليه من ثقافات وآداب غربية، وبرز ذلك عند أدباء المهجر أكثر من سواهم. ولئن كانت الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية تقتضي العناية بالمعنى أكثر من الأسلوب فإن تلك الموضوعات الأدبية تمتاز بعنايتها بالأسلوب إلى جانب المعنى. فالألفاظ فيها أنيقة مختارة، والعبارات موشحة بالأخيلة والصور ومحلاة بالتوازن أحياناً أو ببعض السجعات العرضية، مع شيء من الاقتباس والتضمين أحياناً أخرى. وإلى جانب ذلك برز عنصر اللغة العصرية الغنية بمفرداتها، وبمرونة استجابتها للصياغة والقوالب الفنية الجديدة التي اقتضاها تطور العصر ومستحدثات الحضارة. ودارت حول اللغة مناقشات نقدية كثيرة اختلفت فيها وجهات النظر بين الجديد والقديم، وتبعاً لهذا الاختلاف تنوعت طرائق تعبير الكتاب تنوعاً واسعاً حتى كاد يكون لكل كاتب «لغته» ومفرداته، ومن ثم أسلوبه الخاص المتميز به من غيره. وهكذا ارتقى النثر الأدبي العربي الجديد وأضحى عالمياً وترجم كثير منه إلى لغات العالم الحية المختلفة. الشعر فنونه وتطوره: ظل الشعر في أوائل القرن التاسع عشر مثلما كان عليه عند أكثر شعراء عصور الدول المتتابعة من صنعة وتكلف، وظلت أغراضه هي جملة الأغراض التقليدية من مديح وهجاء وغزل ورثاء ووصف إضافة إلى الإخوانيات. وظلت الشكلية اللفظية هي السائدة إضافة إلى ما عرف في «عصر الانحطاط» من كثرة الاقتباس والتضمين، أو التخميس والتشطير لقصائد معروفة. وتبدأ بوادر نهضة الشعر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ثم تتسع في أوائل القرن العشرين. وعرفت هذه المرحلة باسم «مرحلة الإحياء» حين أعيد للشعر العمودي إشراقه ورونقه، وللصياغة قوتها وإحكامها، وبعثت فيه الروح من جديد على أيدي بعض الشعراء كان في مقدمتهم محمود سامي البارودي الذي كان تجديده مرتبطاً بالأسس الشعرية القديمة. وتلا البارودي نفر من الشعراء البناة، في مصر والشام والعراق خاصة، كان منهم: إسماعيل صبري وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وخليل مطران، ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، وتابع خطا هؤلاء نفر آخر من الشعراء البارزين أمثال: محمد البزم، وخليل مردم، وشفيق جبري، ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل)، وخير الدين الزركلي، وسواهم. وقد أعقبت مرحلة البناء هذه مرحلتان من التجديد تمتد الأولى مابين نهاية الحرب العالمية الأولى وأوائل الخمسينات، وتمتد الثانية منذ الخمسينات حتى اليوم. وسيرد التفصيل فيهما لاحقاً. وظهرت في الشعر العربي في العصر الحديث بعض الفنون الشعرية التي لم تكن معروفة قديماً وهي: الشعر المسرحي: نظم الشعراء الشعر المسرحي poésie dramatique بعد اطلاعهم على مسرحيات فرنسية وإنكليزية مثل مسرحيات شكسبير وموليير وكورني وراسين. ويكاد الباحثون يجمعون على أن أقدم مسرحية شعرية عربية هي «المروءة والوفاء» لخليل اليازجي، ظهرت عام 1876. وأشهر شعراء المسرحية وأولهم أحمد شوقي. وقد نظم مسرحية «علي بك الكبير» عام 1893 حين كان في باريس لكنه لم يرض عنها فلم ينشرها. ثم نظم مسرحية «دل ويتمان» عام 1899، وبعدها «ورقة الآس» التي نشرها في جريدة الأهرام عام 1904. ثم انقطع بعدها عن نظم المسرحيات حتى عام 1927 - عام منحه لقب أمير الشعراء - فنظم فصلاً من «مصرع كليوباترا» وأتمها عام 1929 وتابع بعدها نشر عدة مسرحيات حتى وفاته سنة 1932 هي: «قمبيز» و«مجنون ليلى» و«علي بك الكبير» و«عنترة» و«الست هدى» وكلها مآس مستوحاة من التاريخ عموماً ما عدا الأخيرة، فهي ملهاة اجتماعية. ويلي شوقي عزيز أباظة [ر] الذي نظم على غراره مسرحيات كثيرة منها «العباسة أخت الرشيد و»عبد الرحمن الناصر» و«شهريار» و«شجرة الدر» و«غروب الأندلس». وجرب علي أحمد باكثير أن ينظم بعض المسرحيات بالشعر المرسل - كما فعل شكسبير - مثل «أخناتون» و«نفرتيتي» ولكنها لم تلق نجاحاً فعدل عنها ونظم مسرحية «قصر الهودج» على طريقة شوقي وأباظة. وتابع هؤلاء عدنان مردم في سورية فنظم بين عامي 1967 و1986 بضع عشرة مسرحية كلها مأساوية، عدا «المغفل» و«القزم» فهما ملهاتان. وقد استوحى بعض مسرحياته أو بعض شخصياتها من التاريخ العربي القديم ومنها «الملكة زنوبيا» و«الحلاج» و«رابعة العدوية» و«مصرع غرناطة»، وبعضها الآخر من الأحداث القومية المعاصرة مثل «فلسطين الثائرة» و«دير ياسين». وربما كانت مسرحية «مأساة الحلاج» للشاعر صلاح عبد الصبور واحدة من أجمل المسرحيات المكتوبة شعراً وأرقاها وقد كتبها صاحبها بالشعر الحر. ومما لا ريب فيه أن المسرحية الشعرية لم يعد لها مكان في العصر الحاضر لأن التمثيل عامة يحاول التعبير عن مشكلات الحياة العادية، أي محاكاة الواقع، والأمر الذي يقتضي أن تكون لغته وطريقة كتابته وأدائه مشاكلتين لتلك المشكلات الواقعية. الشعر القصصي: كثر إقبال الشعراء على نظم الشعر القصصي poésie narrative في العصر الحديث، وتنوعت موضوعاته، فكان منها التاريخي والديني والأدبي، من ذلك ما نظمه خالد الجرنوسي لبعض قصص القرآن في ديوانه «اليواقيت»، وعبد الرحمن شكري في قصة «النعمان ويوم بؤسه»، وأحمد عبد المعطي حجازي في «مذبحة القلعة»، وعمر أبو ريشة في «كأس» عن ديك الجن الحمصي. ونظم بعض الشعراء القصص الوعظية التعليمية على لسان الحيوان، أو الحيوان والإنسان، وتستهدف هذه مغزى سياسياً أو خلقياً أو إنسانياً كما فعل شوقي في الجزء الرابع من ديوانه «الشوقيات». ونظم بعضهم قصصاً تناولت بعض القضايا الاجتماعية مثل «الريال المزيف» لكل من طانيوس عبده وبشارة الخوري (الأخطل الصغير). واتجه بعضهم إلى نظم موضوعات وطنية في قصص شعرية مثل خليل مطران في «فتاة الجبل الأسود» و«مقتل بزرجمهر». ومن هؤلاء خير الدين الزركلي في «العذراء» عن قصة دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية واستشهاد يوسف العظمة. ومنهم صلاح عبد الصبور في «شنق زهران» عن حادثة دنشواي. إلى غير هذا من غزارة شعرية قصصية. وكانت لغة هؤلاء الشعراء مرنة طيعة في القصص إذ استطاعوا أن يوفقوا بين فني القصة والشعر. على أن ما نظم من القصص بالشعر الحر أكثر طواعية لتصوير المواقف والأحداث ورسم الشخصيات، لمايتمتع به من حرية في توزيع التفعيلات مما يمكن من تحقيق الوحدة العضوية المناسبة للقصة. الشعر الملحمي: لم ينظم الشعراء العرب الشعر الملحمي poesie epique بالمعنى الدقيق المعروف عند الغربيين، ولاسيما عند اليونانيين مثل «الإلياذة» و«الأوديسة» لهوميروس أو «الإنيادة» لفرجيليوس بل نظموا ما هو أشبه بالملاحم. وهي مطولات توافرت فيها بعض شروط الملحمة كعنصر القص والتاريخ والأسطورة أحياناً من دون سائر الشروط الملحمية من تصوير الوقائع البطولية الخارقة في سيرة شخص أو تاريخ أمة. ومن هذه المطولات التي سميت ملاحم: ملحمة «عيد الغدير» للشاعر اللبناني بولس سلامة، و«الملحمة الإسلامية» لأحمد محرم. وقد سميت مطولة الشاعر المهجري الجنوبي فوزي معلوف [ر] «على بساط الريح» ملحمة، وما هي سوى رحلة خيالية إلى العالم العلوي، وكذا مطولة «عبقر» لأخيه شفيق معلوف التي هي رحلة خيالية إلى وادي عبقر بصحبة شيطانه دليلاً يطوف به في ذلك الوادي الذي هو رمز لمصدرية الإلهام الشعري في الذهن العربي القديم. وهذه المطولة يرمز فيها صاحبها إلى الحياة الدنيوية المملوءة بالشرور والآثام جاعلاً من الحب - في النهاية - علاجاً لها كلها. لقد طور شعراء التفعيلة الشعر الحر مفهوماً جديداً لما سمي الشعر الملحمي. وهذا المفهوم يعني بدوره مطولات تصور أوضاعاً عامة يعيشها الشعب أو الأمة منظوراً إليها من الأفق الخاص للشاعر إذ تمتزج تجاربه الذاتية بالبيئة وأحداثها وبالأساطير وحكايات البطولات الفردية والعامة والأسطورية، مستخدمة كلها في إلماحات خاصة يستند فيها الشاعر على ذاكرته الثقافية والحكائية مع نقل ذك كله دليلاً من الخاص إلى العام فيتم الإفصاح عن حقائق مجتمعية وإنسانية وكونية في وقت واحد، وفي برهة من برهات علاقات الشاعر بأوضاع مجتمعه وعصره. ولعل أول من كتب مثل هذا النوع من الشعر الملحمي وأكثر شعرائه شهرة هو بدر شاكر السياب من العراق في قصائد عدة منها «أنشودة المطر» و«المومس العمياء». أما خليل حاوي من لبنان فقد أبدع عدداً من قصائده الشهيرة المنتمية إلى هذا النمط مثل «قيامة إليعازر» و«رحلة السندباد الثامنة». ويعد أدونيس من أكثر شعراء الشعر الملحمي شهرة وهو الذي قدم الرؤية النظرية لهذا النمط في كتابه «زمن الشعر»، ومن قصائده «تحولات الصقر» و«إسماعيل» و«أحوال ثمود» وسواها الكثير. ولا يقل محمود درويش شهرة عن أدونيس في كتابة هذا النمط من القصيدة إذ تمتزج الغنائية لديه بما سبق ذكره من سمات سابقة. ومعظم مجموعاته التالية لمجموعة «أحبك أو لا أحبك» حافلة بهذا النوع من القصائد. ويعد الشاعر محمد عمران واحداً من أبرز من كتبوا هذا الشعر الملحمي في سورية، ومن أهم أعماله «مراثي بني هلال» وديوانه «كتاب الملاجة» وقصيدته «شاهين» التي تحكي قصة أحد الفلاحين المتمردين على الإقطاع وعلى الاستعمار الفرنسي معاً. الشعر الغنائي أو الوجداني: يدخل ضمن الشعر الغنائي poésie lyrique معظم ما أثر عن الشعراء العرب القدامى والمعاصرين، لأن بواعثه تتصل بوجدان الشاعر، وهو المحرض الرئيس لعملية الإبداع الشعري. وإذا كانت حركة الإحياء وأعلامها في مختلف الأقطار العربية تنتمي إلى الاتباعية (الكلاسيكية)، فإن كثيرين من رواد الإحياء حاولوا التجديد بعد الاطلاع على الشعر الغربي فكانت هناك اتباعية جديدة تختلط بنفحات إبداعية (رومانسية)، حتى إن هذه النفحات لتتغلب على الجوانب الاتباعية. وقد بدأ الشعراء تطوير الشعر الغنائي العربي وتجديده منذ محمود سامي البارودي - كما تقدم - لكن جهودهم في ذلك اتجهت إلى النواحي الفنية فكانوا يولون اهتماماً كبيراً للصياغة القديمة في معالجة الموضوعات الجديدة مثل القضايا القومية، والاجتماعية، والتأملية. ومن أبرز شعراء الإحياء وأكثرهم شهرة أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم الذي اشتهر بأشعاره الرثائية وبأنه «شاعرالشعب» لمنافسته أحمد شوقي على شهرته، ولارتباط شوقي بالقصر الملكي مقابل ارتباط حافظ بالشعب وقضاياه، وكلاهما من القطر المصري. وفي ليبية اشتهر من شعراء الإحياء سليمان الباروني وإبراهيم الأسطة عمر. وفي تونس برز اسم محمود بيرم التونسي، كما برز في الجزائر اسم ابن باديس ومحمد العيد خليفة ومفدي زكريا وغيرهم. أما في المغرب فتبرز أسماء مصطفى المعداوي ومحمد الحبيب الفرقاني وغيرهما. وفي السودان برز اسم الشاعر التيجاني بشير. وقد تميزت قصائد هؤلاء الشعراء على اختلاف أقطارهم، بالتزامها الشكل القديم للقصيدة، وبكونها صرخات احتجاج على الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنكليزي، وصرخات احتجاج على واقع الحياة المعيشية للشعب وما يعانيه من ظلم وقسوة ومرارة في ظل سيطرة المستعمرين وأعوانهم في الداخل. وفي العراق يبرز اسم الشاعر عبد الغفار الأخرس بصفته أهم الشعراء الإحيائيين هناك. أما في السعودية فيبرز اسم محمد بن عبد الله العثيمين، وفي الكويت اسم الشاعر فهد العسكر، وفي شمال اليمن أسماء: محمد محمود الزبيري، وإبراهيم الحضراني، وأحمد الشامي، ويناظرهم في الجنوب اليمني محمد سعيد جرادة. ومن أهم شعراء البحرين الشاعر إبراهيم العريض الذي امتزج عنده الإحياء بتجديد يحتفي كثيراً بالنفحات الرومانسية. ولعل أكثر المجددين شهرة في إطار القصيدة الكلاسيكية على امتداد الوطن العربي، خليل مطران، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) من لبنان وعمر أبو ريشة ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل) ونديم محمد من سورية، وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل، وأسماء أخرى سترد لاحقاً، من مصر، وأبو القاسم الشابي من تونس، إضافة إلى كثير من الشعراء المهجريين, ويقع هذا التجديد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى ابتداء الخمسينات. وكان التجديد عموماً يتم بمبادرة ذاتية، لكن بعض الشعراء أخذوا يتكاتفون ويؤلفون التجمعات الأدبية للإسهام في دفع حركة الشعر العربي وتطويره. ومن هذه التجمعات أربعة: 1- مدرسة الديوان التي قامت في مصر عام 1921 على أيدي عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري. وهؤلاء تأثروا بالشعر الإنكليزي وخاصة بمجموعة «الكنز الذهبي» التي تضم بعض قصائد الشعر الغنائي منذ عصر شكسبير حتى نهاية القرن التاسع عشر. وقد انفصل شكري عن زميليه لخلاف نشب بينهم. وبقي الأولان اللذان أعربا في كتاب «الديوان» عن ضرورة تطوير الشعر العربي وتجديده. وامتاز مذهبهما - كما قالا - بأنه إنساني مصري عربي، وإنه ثمرة لقاح القرائح الإنسانية عامة. وقد فصل العقاد أسس هذا التجديد فأراد للشاعر أن يعبر بصدق عن مزاجه وشخصيته ونظرته إلى الحياة وتفسيره لها، وأن تكون القصيدة مترابطة عضوياً «كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث لو اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها». وقال أيضاً: «القصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته» وعلى الشاعر أن «يكتنه حقائق الحياة ويلتزمها في غير شطط ولا إحالة وأن يغوص على جوهرها» وأن «تؤلف الصورة البيانية لنقل الأثر النفسي للمشبه به من وجدان الشاعر إلى وجدان القارئ، لا أن تقف عند حدود الحواس الخارجية». وقد طبق العقاد هذه المبادئ علىشعر شوقي ونقده نقداً لاذعاً، واتهمه بالإحالة - وهي المبالغة لدرجة إفساد المعنى - ومخالفة الحقائق والولوع بالعرض دون الجوهر. واضطلع المازني بنقد حافظ إبراهيم ووسم شعره بأنه «سياسي أو صحفي» إذ هو شعر مناسبات يومية طارئة، وأنه بعيد عن الصدق. وانطلاقاً من هذه الأسس حاول العقاد أن يجدد في ديوانيه «هدية الكروان» المطبوع عام 1933 و«لا عابر سبيل» المطبوع عام 1937. لكن تجديده عموماً كان في محاولته مراعاة الوحدة العضوية في القصيدة إلى جانب وحدة الموضوع، وإلى حد ما: التجديد في شكل القصيدة لا في اكتناه حقائق الحياة والغوص على جوهرها - كما أراد هو لشوقي - وإن كان مفهومه للوحدة العضوية يختلف عما سيكون لاحقاً عند أصحاب الشعر الحر. والواقع أن هذه الحركة التجديدية لم تبلغ مدى واسعاً يصح معه أن تسمى مدرسة بالمعنى الصحيح المعروف للكلمة في المدارس الغربية، كما لم يكن لها أتباع يسيرون على هديها فهي لا تعدو أن تكون تجمعاً أدبياً محدوداً انفرط عقده بعد مدة وجيزة. 2- أما التجمع الثاني فهو «الرابطة القلمية»، ففي الوقت الذي ظهر فيه «الديوان» كانت فئة من المهجريين الشماليين تنادي بتجديد الشعر. وكان هذا في كتاب «الغربال» الذي ضمنه ميخائيل نعيمة مبادئ جمعية «الرابطة القلمية» المتأسسة في نيويورك عام 1920، ومقاييسها الأدبية، وغايتها التي هي الصدق في التعبير و«بث روح نشيطة في جسم الأدب العربي، والخروج بآدابنا من دور الجمود والتقليد إلى دور الابتكار في جميل الأساليب والمعاني». وقد تأثر أعضاء هذه الرابطة كذلك بالأدب الإنكليزي والأمريكي وخاصة بما جاء به الشاعر والت ويتمان W.Whitman وخطا هؤلاء خطوة واسعة في تجديد موضوعات الشعر وشكله في آن واحد، واستعاروا بعض الأطر من الشعر الغربي، واستعملوا الموشحات والمخمسات والشعر المرسل vers blancs والشعر المنثور. ويبدو التجديد عند نعيمة في ديوانه «همس الجفون» وعند إيليا أبو ماضي في «الأعمال الكاملة» وعند نسيب عريضة في ديوانه «الأرواح الحائرة» وعند رشيد أيوب في ديوانيه «أغاني الدرويش» و«هي الدنيا» وعند جبران في «المواكب» وغيرهم. ومع ذلك فقد ظل تجديدهم في الأوزان - إلا ما ندر - ضمن حدود العروض والبحور الخليلية المعروفة، وإن كان من الجائز أن يعد نسيب عريضة واضع أول بذرة من بذور الشعر الحر في قصيدته «النهاية». أما تجديدهم في المضمون، فإنه قد كان لهم الفضل في نظم الشعر التأملي والشعر الإنساني، وأكثروا من نظم شعر الحنين إلى الوطن لشعورهم بالغربتين: الوطنية والنفسية. وفضلاً عن ذلك تساهلوا في اللغة الشعرية، واستعملوا بعض الألفاظ العامية أحياناً، وجددوا - وخاصة أبو ماضي - في الكلمة الشعرية، وجعلوها تتسع لمضامين الحياة الاجتماعية والفكرية، وللمشاكل النفسية، من دون أن تخرج من إطار البساطة والوضوح. ونادوا كذلك بوحدة القصيدة لكنهم عنوا بها تجنب الخلخلة في أبياتها، والتعدد في أغراضها. وكتب بعضهم الشعر المنثور وهو المتحرر من قيود الأبحر العروضية كما في بعض ما ورد عند جبران في كتابه «رمل وزبد»، وإن سبقه إلى ذلك أمين الريحاني الذي يعد من شعراء المهجر الشمالي - لكنه لم ينتم إلى الرابطة القلمية - وقد بدا تجديده في أطر استعارها من الشعر الغربي وبث شعره المنثور في كتابه «الريحانيات» ثم جمعه أخوه ألبرت مستقلاً في كتاب «هتاف الأودية». 3- وأما التجمع الثالث فهو «جمعية أبولو» التي أسست عام 1932 بجهود أمين سرها أحمد زكي أبي شادي، ورُئِّس عليها أستاذه خليل مطران،وكان من أبرز أعضائها أحمد محرم وحسن كامل الصيرفي وعلي محمود طه [ر] وإبراهيم ناجي [ر] وأبو القاسم الشابي وغيرهم. وتتلخص أهدافها في السمو بالشعر العربي، ومناصرة نهضاته الفنية، ولكن من دون الالتزام باتجاه معين، فلكل عضو الحرية في التعبير عن الموضوع الذي يريد بالأسلوب الذي يرتضيه. وقد تأثر أعضاؤها - كمن سبقهم - بالشعر الغربي: الفرنسي والإنكليزي، ولاسيما الإبداعي منه، لكنهم كانوا كذلك همزة وصل بين الشعر العربي والمذاهب الغربية من واقعية وإبداعية ورمزية، إذ يرجع الفضل إليهم في اطلاع العرب عليها في مجلتهم «أبولو». وقد تجلى تجديدهم في الشكل والمضمون كما عند أبي شادي في دواوينه «أنداء الفجر» و«أطياف الربيع» و«الشفق الباكي» التي اشتمل بعضها على الشعر المرسل. وعند إبراهيم ناجي في ديوانيه «ليالي القاهرة» و«وراء الغمام»، وعند علي محمود طه في دواوينه «الملاح التائه» و«زهر وخمر» و«ليالي الملاح التائه» و«أرواح شاردة»، وكما عند أبي القاسم الشابي في ديوانه «أغاني الحياة»، وحسن كامل الصيرفي في ديوانه «صدى ونور ودموع». وقد توخى معظم شعراء «أبولو» جعل الصلة محكمة بين أجزاء القصيدة لتحقيق وحدة الموضوع ووحدة الفكر ووحدة المشاعرفي آن واحد، ولعل رئيسهم مطران هو أول من نبه على هذه الوحدة في مقدمة ديوانه الذي طبع عام 1890. 4- وأما التجمع الرابع فهو «العصبة الأندلسية». والواقع هو أن هذا التجمع كان واحداً من عدة تجمعات أدبية في المهجر الجنوبي، وكان أشهرها وأهمها. ففي البرازيل أسس قيصر المعلوف «رواق المعري» وفي الأرجنتين تأسست «الرابطة الأدبية» عام 1949 وتولى أعمالها جورج صيدح. أما «العصبة الأندلسية» فقد أسسها أدباء عدة عام 1933 ورأسها ميشيل المعلوف. وأهداف هذه الجمعيات كلها متفقة على ضرورة تجديد الشعر، ولكن أدومها وأنشطها «العصبة الأندلسية» وكان من أعضائها حبيب مسعود، ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وأخوه قيصر، وشفيق المعلوف وإلياس فرحات ونصر وسمعان ورياض المعلوف. وكانت مجلتهم «العصبة» مسرحاً لنشاطهم الأدبي وأوجدوا الصلات القلمية بينهم وبين سائر أندية الأدب العربي، ولكنهم أجمعوا على ترسم أساليب الفصحى فلم يضحوا بها في سبيل التجديد - كما فعل أكثر أعضاء الرابطة القلمية - وقد وقفوا معظم شعرهم على القضايا القومية وخاصة قضية فلسطين كما في شعر القروي وفرحات وأبدعوا في الحنين إلى الوطن، إلى جانب الشعر الإنساني والتأملي، ودعا بعضهم دعوة شبه عقائدية إلى التمسك بحقوق الإنسان واحترامه بصرف النظر عن جنسه ولونه ووطنه، وكان تجديدهم في الأوزان والقوافي محدوداً. إن هذه التجمعات تعكس صورة لمستويات من التأثر بالشعر الغربي عموماً، والإبداعي منه خصوصاً، وفي مجريات تطور الشعر العربي بعد مرحلة الإحياء الأولى أو المرحلة الاتباعية، مثلما تبين بقاء هذا التأثر ضمن إطار الأشكال الفنية الشعرية المتوارثة إلا ما ندر. وبهذا المعنى سبق الحديث عن اتباعية جديدة، مطعمة بنفحات إبداعية بهذه الدرجة أو تلك اصطبغت بصبغتها حركة الشعر العربي منذ مستهل العشرينات حتى مستهل الخمسينات. وإذا كان هذا التطور قد مهد للنقلة الواسعة التي حدثت في الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين أي لولادة الشعر الحر، فإن كثيرين من الشعراء العرب لا يزالون يكتبون القصيدة الاتباعية الجديدة، وبعضهم يكتب إلى جانبها قصيدة «الشعر الحر» أو «شعر التفعيلة». ومن أشهر هؤلاء الشعراء: عبد الله البردوني من اليمن، ونزار قباني وسليمان العيسى وحامد حسن من سورية، ونجيب جمال الدين وغسان مطر من لبنان، ويوسف الخطيب من فلسطين، ومصطفى جمال الدين من العراق، والشاعر المهجري اللبناني زكي قنصل، ومانع سعيد العتيبة من الإمارات العربية المتحدة وغيرهم كثيرون. الشعر الحر أو شعر التفعيلة: من المؤكد أن أهم نقلة تطورية للقصيدة العربية في العصر الحديث قد حدثت مع ولادة قصيدة «الشعر الحر» أو «قصيدة التفعيلة» بحسب أكثر التسميات شيوعاً. وهاتان التسميتان يرتبط منطوقهما بالتجديد على مستوى الشكل، ولكن الواقع أن التجديد قد شمل المجموع البنائي للقصيدة العربية، شكلاً ومضموناً، ولغة، وأسلوب تصوير وترميز، ومحتوىً دلالياً، ووحدة بنيان فني إجمالي. وهذا النمط من القصيدة العربية يعتمد صيغاً من الإيقاع إذ يختلف عدد التفعيلات بين بيت وآخر بحسب احتياج الدفقات الشعورية واللاشعورية، والانفعالية والوجدانية، وبحسب مقتضيات التعبير عن حال عاطفية داخلية أو بعض منها، وبالتالي لم يعد الشاعر ملتزماً قافية واحدة أو روياً واحداً يتكرر أو يتنوع بحسب نظام معين، بل عوض عن ذلك بالإيقاع الداخلي وبرنين القافية التي تراعى في بعض الأبيات. ومن جهة أخرى لم يعد الشاعر يقصر التصوير البياني على أشكاله القديمة التي تظهر فيها كل صورة مستقلة بذاتها ومعبرة عن فكرة محددة، بل تدرج في اعتماد نمط من التصوير المتداخل المتشابك التدفق الذي يقود إلى صوغ «مشهد حركي» - كما في التصوير السينمائي، على سبيل التقريب - يعبر عن «حال شعرية» تُستشف منها دلالات متنوعة لا أفكار ثابتة، وتترابط المشاهد المتوالية في بنيان شعري متكامل يشكل المجموع الكلي للقصيدة التي تعكس «تجربة» ذاتية للشاعر في تمثله الفكري والانفعالي والوجداني لبرهة من سياق الحياة في مكان وزمان معينين، ولكن في إطار من التضافر الدلالي بين الخاص والعام وبين الجزئي والكلي، وبين الذاتي والموضوعي، وبين الآني والمطلق. وقد عرف هذا النمط من القصيدة، أول الأمر، باسم «الشعر الحر» ثم عرف باسم «شعر التفعيلة»، كما دعي باسم «الشعر الحديث» ولكن هذه التسمية تبدو فضفاضة ومطاطة. ولقد اختلف الباحثون في تاريخ باكورة هذا الشعر وفي رواده، فأرجعه بعضهم إلى الموشحات التي حاول ابن خلدون أن يحصي أوزانها فلم يستطع لخروجها عن الحصر. وأرجعه بعضهم إلى العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديداً إلى قصيدة «النهاية» لنسيب عريضة التي نظمت في الحرب العالمية الأولى متأثراً بما نجم عنها لشعبه من كوارث وضحايا. ولكن نازك الملائكة تذكر في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» أنها هي أول من نظم بهذا الشعر قصيدتها «الكوليرا» في 27/10/1947 ونشرتها لها مجلة «العروبة» اللبنانية في بيروت يوم 1/12/1947، وقد عبرت فيها عن حزنها لضحايا مصر حين اجتاحها وباء الكوليرا، كما تذكر أن قصيدتها أسبق من قصيدة بدر شاكر السياب «هل كان حباً» الذي يعده كثير من الباحثين الرائد الأول. وقد أثبتت في كتابها المذكور أنها سبقته إلى نشر قصيدتها بنحو شهر وعشرين يوماً مع أن قصيدة السياب أرخت في ديوانه في 29/11/1946. والواقع أنه لا يمكن التثبت من الأسبق إلى نظم هذا الشعر على وجه الدقة والتحديد، فضلاً عن أن هذا لا يقدم شيئاً ولا يؤخر. ولكن من المحقق أن هؤلاء الشعراء جميعاً، ومن جاء بعدهم، تأثروا بالشعر الغربي الحديث على نحو مباشر أو غير مباشر، وقد صرح بهذا كل من نازك والسياب، وأعادا بعض قصائدهما إلى تأثرهما بقصائد معينة لشعراء إنكليز مثل شيلي Chelley (1792-1821) وكيتس Kaets (1795-1821) وإليوت Elliot (1888-1965) وسيتويل Sitwell (1887-1964)، وتأثر آخرون بشعراء أمريكيين وخاصة إزرابوند E.Pound، وآخرون بشعراء فرنسيين مثل جاك بريفير J.Prevert. ويجمع هؤلاء الشعراء الإنكليز والأمريكيون والفرنسيون على أن مشكلات العصر الإنسانية الحديثة تتطلب أطراً جديدة، وأوزاناً جديدة للتعبير عنها، فضلاً عن السعي إلى وحدة القصيدة لا إلى وحدة البيت، وهذا ما نادى به رواد الشعر العربي الحر. والملاحظ أن أكثر الشعراء العرب الذين نظموا هذا الشعر الجديد ونجحوا فيه هم ممن تمرسوا بنظم الشعر الخليلي، ومن أبرزهم نزار قباني، وعلي أحمد سعيد (أدونيس)، ومحمد عمران، وفايز خضور وأسماء أخرى كثيرة في سورية، وخليل حاوي وغسان مطر وإلياس لحود وغيرهم في لبنان، ومحمود درويش ومعين بسيسو وسميح القاسم وغيرهم من فلسطين، وتيسير سبول من الأردن، وعبد الوهاب البياتي وآخرون إضافة إلى السياب ونازك الملائكة في العراق، صلاح عبد الصبور وأمل دنقل، أحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم في مصر، ومحمد الفيتوري في السودان، وقاسم حداد في البحرين، وأسماء كثيرة أخرى في مختلف أقطار الوطن العربي. وإذا كان كثير من هؤلاء الشعراء قد تأثروا بالشعر الغربي، أو تأثروا بمن تأثر به بصورة مباشرة، فإنهم جميعاً قد ألحوا على تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة بدلاً من وحدة البيت سابقاً. وقد تجددت لديهم لغة الشعر تجدداً عميقاً واعتمد كثير منهم على تضمين قصائدهم بعض الرموز الأسطورية والدينية والفولكلورية مثل: السندباد وشهريار وأيوب وأليعازر ويهوذا وعشتروت وأوديب وسيزيف وتموز وغيرها ليستعينوا بدلالاتها الموروثة على التعبير عن مشاعرهم بعمق ورحابة. وأسرف بعضهم قليلاً أو كثيراً في التأثر ببعض المذاهب الغربية كالرمزية والسريالية فوقع في الغموض حيناً وفي الإبهام أحياناً، ولكن ذلك لا يشكل ظاهرة طاغية الأثر على حركة التجديد هذه في مجملها. قصيدة النثر: يعتمد هذا النمط من الكتابة على التعويض عن الإيقاع الموسيقي للشعر بموسيقى الكلام الداخلية وهذا ما يجعل من نصوص هذا النمط قريبة مما كان ينادي به أصحاب الدعوة إلى «الشعر الصافي». وقد سبق ذكر ما كان لكل من جبران خليل جبران وأمين الريحاني من سبق في كتابه الشعر المنثور. على أن «قصيدة النثر» - حسبما درجت التسمية - قد تزامنت تقريباً مع قصيدة الشعر الحر أو شعر التفعيلة. وقد كتبت نصوصها، بداية، تحت تأثير ترجمات قصائد الشعراء الغربيين، وكانت بيروت منطلق هذا النمط من الكتابة منذ الخمسينات ومن أشهر كتابها: محمد الماغوط من سورية وشوقي أبو شقرا وأنسي الحاج من لبنان ولا يزال هذا النمط يزاول بوفرة من قبل الكثيرين من الأجيال التالية لجيل الستينات في مختلف أقطار الوطن العربي. خلاصة في أطوار الشعر العربي الحديث: سبقت الإشارة العرضية إلى هذه الأطوار في الفقرات السابقة، ويمكن العودة إلى ذلك هنا بقسط أكبر من التوضيح والتفصيل إذ تلاحظ الأطوار التالية: 1- طور الإحياء: وذلك برجوع الشعراء إلى تقليد ما كان عليه الشعر العربي في عصوره الذهبية المزدهرة، ولاسيما العصر العباسي، وتمثلهم لأساليبه وأخيلته، واقتفاؤهم آثاره في صياغة الصور البيانية والموسيقى الجزلة واللغة الفخمة.. وكان هذا يعني التخلي السريع عن المحسنات الشكلية في عصر الانحطاط. وهكذا كان شعراء الإحياء يعارضون القصائد المشهورة في الشعر القديم حيناً وينطلقون إلى التجديد في المعاني والمضامين أحياناً أخرى ولكن ضمن أطر الأوزان الشعرية القديمة. وقد سبق ذكر أبرز شعراء الإحياء الذين يوصفون عموماً بأنهم أصحاب «المدرسة التقليدية». 2- طور التأثر بشعر الحداثة الغربية: وضح مما تقدم أن الشعراء بعد الحرب العالمية الأولى أخذوا يتأثرون بالشعر الغربي - الفرنسي والإنكليزي، الرومانسي خاصة - إما مباشرة، وإما عن طريق من تأثر به أو ترجم عنه، وقد أسفر هذا التأثر، بصورة أساسية، عن اتجاه شعري جديد يمزج بين خصائص الكلاسيكية في الصياغة الشكلية وبين كثير من خصائص الإبداعية في المضمونات وأساليب التعبير ومفردات اللغة الشعرية والنبرة الانفعالية الوجدانية.. وبوجه عام يعرف هذا الاتجاه الجديد، تمييزاً له من سابقه، باسم «الاتباعية الجديدة» وأحياناً باسم «المرحلة الإبداعية»، مع الكثير من التجاوز في هذه التسمية بالطبع. وفي هذه المرحلة ظهرت بوادر تجديد تتضمن نظم الشعر المرسل والشعر المنثور كما فعل الريحاني وجبران وأحمد زكي أبو شادي. 3- طور تجاوز الشكل القديم ومرحلة الشعر الحر: فقد تحرر الشعراء من الأوزان الخليلية القديمة واعتمدوا التفعيلة الواحدة - وأحياناً الجملة الموسيقية الشعرية الواحدة التي تتضمن تفعيلتين - أساساً لمدى طول البيت الواحد، وتخلوا عن وحدة البيت لصالح وحدة «المقطع الشعري» إذ تؤلف الصور المتشابكة «مشهداً» حركياً يعكس حالاً انفعالية عاطفية أو جزءاً من حالة تتكامل في القصيدة كلها محققة وحدتها الموضوعية، فيترابط الشكل والمضمون ترابطاً صميمياً. وقد سلف تبيان معنى «الملحمية» في النماذج المميزة لقصيدة التفعيلة هذه. 4- قصيدة النثر: تمثل هذه «القصيدة» - إن صحت تسميتها كذلك - طوراً من أطوار الشعر العربي الحديث، ولكنها تمثل اتجاهاً محدوداً على هامش الطور السابق. وهذه القصيدة تتحرر من الوزن والموسيقى كلياً وتبقي على الموسيقى الداخلية للعبارات، وتكتفي بإنشاء «الحال الشعرية» في أحسن الأحوال، مما قد يوجد في كثير من أشكال التعبير النثرية، الأمر الذي يجعل كثيرين من النقاد لا يصنفون النصوص المكتوبة بهذه الطريقة مع الشعر. نتيجة لما تقدم يمكن القول إن الشعر العربي الحديث تأثر ببعض المذاهب الشعرية الغربية في الأطوار الثلاثة الأخيرة السابق ذكرها، ولكن لا يصح القول - على القطع - بأنه ظهرت فيه مدارس أو مذاهب أدبية كتلك التي عرفتها الآداب الغربية، وما سبق إيراده من «تسميات مدارس» إنما جاء من باب التجاوز لغرض التقريب والإيضاح. فحقيقة الأمر هي أنه توجد اتجاهات في الأدب العربي الحديث، وما ينقصها كي تسمى «مدارس» هو الأساس الفلسفي الذي تفتقده، والذي يعبر عن تغير في طبيعة النمو المجتمعي العام نمواً موازناً أو مكافئاً لما عرفه الغرب وكان منطلقاً ودافعاً لولادة مدارس الأدب عنده. وهذا الأمر يقود من جديد إلى التذكير بالإشكالية التي سبق ذكرها في الكلام على مفهوم الحداثة في بدايات هذا البحث.
|
||
|
|
|
|
|
#5 | ||
|
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم:
معدل تقييم المستوى: 141
![]()
|
|
||
|
|
|
|
|
#6 | ||
|
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم:
معدل تقييم المستوى: 141
![]()
|
|
||
|
|
|
|
|
#7 | ||
|
بحث موفق جزاك الله كل الخير
|
|||
|
|
|
|
|
#8 | ||
|
المعلم الأول في مدارس آل الصدر الكرام
![]() ![]() تاريخ التسجيل: Dec 2008
رقم العضوية: 65
المشاركات: 12,382
التقييم:
معدل تقييم المستوى: 141
![]()
|
الأدب المقارن
|
||
|
|
|
|
|
#9 | ||
|
قلم الإدارة
![]() تاريخ التسجيل: Aug 2009
رقم العضوية: 3178
المشاركات: 1,482
التقييم:
معدل تقييم المستوى: 19
|
ما الأدب؟
|
||
|
|
|
![]() |
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| اطلاله حول الادب الاسلامي عبر عصور الادب التاريخية ... الحلقة العاشرة والحادية عشر | ابو فاطمة العذاري | حصة الشعر الفصيح والخواطر | 3 | 16-02-2013 09:42 PM |
| اطلاله حول الادب الاسلامي عبر عصور الادب التاريخية ... الحلقة الرابعة عشر والخامسة عشر | ابو فاطمة العذاري | حصة الشعر الفصيح والخواطر | 3 | 20-02-2011 08:48 PM |
| اطلاله حول الادب الاسلامي عبر عصور الادب التاريخية ... الحلقة الثانية عشر والثالثة عشر | ابو فاطمة العذاري | حصة متفرقات الأدب العربي | 4 | 06-02-2011 11:32 PM |
| نظره ثم ابتسامه | غضب البصره | حصة المرئيات و الصوتيات الوطنية و الثورية و الجهادية | 10 | 31-07-2010 12:48 AM |
| اليقين فضيلته وتعريفه وانواعه | hussain1 | حصة الكتب و البحوث و التقارير الدراسية | 5 | 21-06-2010 11:57 AM |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
![]() |
![]() |